Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

عمليات الجيش العراقي في فلسطين 1948


الفصل الثاني

حرب فلسطين -المرحلة الثانية

من بداية الهدنة الثانية يوم 18/ 7 إلى نهاية عام 1948

تمهيد

     كانت الهدنة الثانية قد فرضت في فلسطين من قبل مجلس الأمن الدولي، ولسبب معروف وواضح تماما ألا وهو إتاحة الفرصة للصهاينة لاستكمال تحشيد وتعزيز قواتهم في هذا البلد العربي، لاستكمال عملية اغتصابه ومنع الدول العربية من تنفيذ مقصدها في إقامة دولة فلسطينية عربية هناك.

   اتضحت خلافات الدول العربية وتجلت عدم قدرتها على توحيد جهودها لقتال اليهود، في البداية وافق الصهاينة على هذه الهدنة وكانوا أول المصفقين لها في وقت عارضها الجانب العربي، وصدرت عن الجامعة العربية عدة بيانات بهذا الخصوص، لكن مجلس الأمن الدولي أصر على ما أصدره من بيانات وقرارات والمتمثل بقراره المرقم 54 في 15/7/ 1948، والذي فرض الهدنة وخول الوسيط الدولي الكونت برنادوت تحديد تاريخ سريانها، والذي قام فعلا بتحديد هذا التاريخ بالساعة 1700 من يوم 18/ تموز/1948.

     وكما أسلفت فقد وافق الصهاينة على الهدنة، ووافق العرب عليها بعد ذلك وهم مرغمون، لكن الصهاينة سرعان ما قاموا بخرق هذه الهدنة منذ أول يوم لسريانها، حيث أتيحت لهم الفرصة للانفراد بالجيوش العربية المنفتحة في مناطق فلسطين المختلفة وغير المتعاونة بين بعضها البعض كما ينبغي للقوات العسكرية التي تحارب عدوا واحدا بجبهة واحدة، لذا كان أول تحرك للقوات الصهيونية ضد القوات المصرية المنفتحة في منطقة النقب، وكذلك القوات الأردنية، ومن ثم القوات العراقية في منطقة رامات هاكوفتش[23]، وبعد أن تمكنت من احتلال كل ما تريده من أراض جديدة وتوسيع الرقعة التي خصصت لها أصلا في قرار التقسيم، وحصار جزء مهم من الجيش المصري في منطقة الفالوجة، وعدم تمكن المصريين من فك هذا الحصار بالطريقة العسكرية، ما اضطر الحكومة المصرية على التفاوض مع الصهاينة ثانية في جزيرة رودس وعقد اتفاقيات رودس المعروفة وعقد هدنة دائمة مع الصهاينة. كذلك كان الأمر بالنسبة لباقي الدول العربية، الأمر الذي ترك العراق لوحده في الميدان ولم يوقع لا على اتفاقية رودس ولا على اتفاقية الهدنة الدائمة، ما تطلب في آخر الأمر أن يسلم المناطق التي كانت قواته تتواجد فيها إلى الجيش الأردني والتي شكلت ما يعرف بالضفة الغربية، وينسحب في شهر آذار 1949 عائدا إلى العراق وهو يزهو بالنصر، إذ لم تنهزم قواتنا في فلسطين، كما ولم تتعرض للحصار ولا خسرت أي معركة خاضتها ضد الصهاينة. هذا بالرغم من حراجة موقف الأسلحة والأعتدة لدى جيشنا، سواء بالنسبة للقوات البرية أم للقوة الجوية، التي كانت قد استلمت طائرات حديثة وصلتها إبان القتال ضد الصهاينة متمثلة بطائرات فيوري الحديثة (Hawker sea fury)، لكنها لم تكن مزودة بالعتاد الضروري لمدافعها من عيار 20 ملم، الأمر الذي جعلها عاجزة فعليا عن تقديم العون المطلوب للقوات البرية، بل واضطرت الحكومة إلى طلب العتاد من مصر. بالرغم هذا الموقف الحرج فإن العراق كان قد أشرك حوالي 80% من كل القوة المتيسرة له، وتمثلت في أربع ألوية مقاتلة مع كامل عناصر إسنادها القتالي والناري والإداري، بل أنه ساعد الجيش الأردني بتسليمه أسلحة ومدافع من المتوفرة له، وساعد الجيش المصري بإعارته 3 طائرات فيوري لم يتم إعادتها مطلقاً بعد انتهاء الحرب، وفوق كل هذا وذاك فقد ـتعرض العراق إلى حملة إعلامية شرسة من وسائل الإعلام وفي هذا افتراء إعلامي مجافٍ للحقيقة[24]، لأن القيادة العسكرية العراقية كانت على العكس من ذلك تماما حيث كنا ننادي دوما بتوحيد الموقف من خلال توحيد القيادة العربية، لكن قيادتنا العسكرية كانت تسعى دوما إلى الحفاظ على أمن القطعات العراقية وعدم تعريضها إلى نكسة أو خسائر غير مبررة وذلك من خلال استخدامها استخداما صحيحا من الناحية العسكرية، وبشكل مدروس ومنطقي، وليس بشكل أهوج يؤدي بها إلى ما لا يحمد عقباه.

     لقد كان القادة والضباط العراقيون جميعا على مستوى المسؤولية والشجاعة والكفاءة المهنية الصحيحة، لذا فمن المعيب أن يقال أن القوات العراقية لم تكن لديها أوامر للقتال، ويكفي شاهدا على ذلك المواقع التي كانت القوات العراقية مسؤولة عنها والتي بقيت كما هي ولم يتمكن الصهاينة من التقدم إليها واحتلالها طالما كانت بيد قواتنا، لكنهم تمكنوا منها بعد انسحاب قواتنا وتسليم هذه المواقع إلى قوات عربية أخرى.

     سأتطرق في هذا الفصل إلى أهم المعارك التي جرت خلال فترة الهدنة الثانية والتي خرقها اليهود منذ اليوم الأول لها ولحين عودة قواتنا إلى العراق، محاولا الاختصار جهد الإمكان لنفس الأسباب التي بينتها في الفصل الرابع عشر السابق، ألا وهي أن الوثائق والمستندات والأحداث التي دونتها هي نفسها التي قام ر.ا.ج بالاستناد إليها في مذكراته.

     وفي هذا الفصل سوف أتناول بعض المفاصل المهمة منها محاولات توحيد الجيشين العراقي والأردني تحت قيادة واحدة، وجهود قيادة القوة الجوية العراقية لتعزيز قوتها، ومهاجمة القوات الصهيونية لقواتنا في ما يعرف بمعركة رامات هاكوفتش، ثم اجتماع الملك عبدالله والوصي عبد الإله في منطقة أيج3 H-3)) وبعدها بعض الجوانب المتعلقة بعودة الجيش العراقي إلى العراق، والتقرير الأخير الذي رفعناه إلى ر.ا.ج حول المعارك في فلسطين والذي بدوره رفعه إلى وزير الدفاع، مع التطرق إلى أمور مهمة مثل تقولات وسائل الإعلام حول موضوع ( ماكو أوامر).

محاولات توحيد الجيشين العراقي والأردني

     في مكان سابق من هذا الكتاب كنت قد بيَّنت وضعية الجنرال غلوب باشا - قائد الجيش الأردني- والضباط الإنكليز الذين كانوا يقودون معظم القوات للجيش العربي الأردني، وكيف أنهم كانوا ينفذون أوامر وتوجيهات الحكومة البريطانية لتسيير دفة الأمور في القتال في فلسطين للحصول على النتائج المطلوبة من قبلهم، ولم يكونوا يطيعون أوامر القيادة العربية العامة التي أنيطت أول الأمر بأمير اللواء الركن نورالدين محمود الذي اضطر إلى اعفاء نفسه من تلك المهمة، علاوة على عدم استعداد أي من الضباط العراقيين للقبول بهذه المهمة ومنهم الفريق الركن صالح صائب الجبوري رئيس أركان الجيش.

     هدد الجنرال غلوب بالانسحاب من قيادة الجيش الأردني، وسحب الضباط الإنكليز الذين كانوا يقودون معظم هذه القوات، وفعلاً ففي شهر تموز 1948 غادر الجنرال غلوب إلى إنكلترا دون أن يشعر الحكومة الأردنية بذلك، وقد ساد الاعتقاد أنه سوف لن يعود وأن الضباط الإنكليز الذين كانوا يقودون القوات الأردنية سوف يلحقونه، لذا ظهرت فكرة رفد الجيش الأردني بضباط عراقيين لقيادة القوات التي سوف يتخلى عنها الإنكليز، كذلك مورست أنواع الضغوط على الفريق الركن صالح صائب الجبوري رئيس اركان الجيش العراقي لتسلم مهام القيادة العامة، ولما كنت قريبا من الفريق الركن صالح صائب الجبوري فقد كنت على اطلاع بموقفه وكان يعتذر المرة تلو الأخرى من هذه المهمة العويصة والمعقدة التي كان يعرف أنها لن يكتب لها النجاح بسبب المواقف السياسية للدول التي تمنع إقامة تعاون وثيق بين الجيوش العربية، بل وتمنع تعاون بعضها مع البعض حتى في أحلك الظروف.

   كان من نتائج فرض الهدنة الثانية أن استقال السيد مزاحم الباججي من رئاسة الوزارة لأنه لم يكن يرغب في توقيع هذه الهدنة وبنفس الوقت لم يكن يريد إبقاء مهمة قتال الصهاينة على عاتق الجيش العراقي فقط، لكنه عاد وسحب هذه الاستقالة بعد إقناعه أن الوقت لم يكن مناسباً، وفي هذه الأثناء باشر الصهاينة بخرق الهدنة مباشرة فقاموا بتهجير أهالي القرى العربية (جبع) و(إجزم) و(عين غزال)، ولما طلبنا من فوزي القاوقجي نجدتها امتنع بحجة عدم توفر العتاد والأسلحة لديه، وفي النهاية شن الصهاينة هجوما على هذه القرى اعتبارا من يوم 21 تموز واستمر هذا الهجوم إلى يوم 26 منه مستعملين كافة الأسلحة ومنها الطيارات والدبابات، مما اضطر أهالي القرى إلى الهجرة عنها هذا اليوم.

     عاد رئيس اركان الجيش يوم 23 حزيران إلى بغداد، لكنه كان مريضا فبقي في داره تحت العلاج، وكنت أزوره يوميا في داره حاملا إليه البريد والمعاملات العسكرية ليبت بها بالرغم من مرضه، واستمر بذلك حتى يوم 21 آب حيث عاد إلى الدوام في مقره بوزارة الدفاع.

     وفي يوم 1/9 وصلت برقية إلى ر.ا.ج من وزير الدفاع يبين له فيها رغبة الوصي والمراجع العليا بتكليفه بالقيادة العامة، على أن يكلف أمير اللواء الركن نورالدين محمود بقيادة القاطع الشمالي من فلسطين، وأن تكون القدس وما جاورها - أي القاطع الجنوبي العاملة فيه القوات الأردنية- بقيادة أمير اللواء مصطفى راغب، وهذا الأمر سوف يوحد الجيشين وقد وافق الملك عبد الله مبدئياً على ذلك. لم نكن مرتاحين لهذا الأمر ولم نعتقد بإمكان تطبيقه فعلا، ومع ذلك فقد سافر ر.ا.ج إلى الاسكندرية يوم 5/9 لمقابلة الوصي هناك والتداول معه حول الموقف بشكل عام ومحاولة تنسيق خطط الجيوش العربية. عقد الاجتماع في مقر القنصلية العراقية بالإسكندرية، إلا أن الجانب المصري لم يوافق على التنسيق لأنهم لم يكونوا راغبين في تحمل مسؤولية المبادرة بخرق الهدنة إلا إذا تمت مهاجمة الجيش المصري، وفشلت كل الجهود لأقناعهم بالتعاون المسبق على الأقل في وضع الخطط وألا يكون ذلك ارتجالياً.

     تم الاجتماع يوم 12 أيلول بين الفريق محمد حيدر وزير الحربية المصري وبين ر.ا.ج العراقي. لم يوافق المصريون وبقوا على رأيهم، ولما فاتحناهم لتزويدنا بعتاد لطيارات فيوري المتوفرة لديهم أيضاً، طلبوا مقابل 3000 اطلاقة للمدافع الرشاشة لطائرات فيوري بأن نعيرهم 3 طائرات[25]. وعاد ر.ا.ج بنفس اليوم إلى عمان وقابل الوصي عبدالاله.

   يوم 17 أيلول اغتال الصهاينة الوسيط الدولي الكونت برنادوت بسبب الاقتراحات التي قدمها لتسوية القضية الفلسطينية والتي اعتبرها اليهود قليلة بحقهم. إنه الإرهاب بدأ من هنا [26].

القيام بتقدير موقف جديد ورفع نتائجه بتقرير إلى وزير الدفاع

     يوم 18 أيلول عاد رئيس أركان الجيش إلى بغداد وشرح لنا الموقف الراهن الذي لاحظه نتيجة جولته في الدول العربية، وكان شبه يائس من إمكانية تحقيق أية نتيجة إذا ما بقيت الأمور كما هي عليه، لذا طلب مني ان تقوم مديرية الحركات بإجراء تقدير موقف جديد على ضوء المعطيات الراهنة وبموجب توجيهاته وذلك كي يخبر وزير الدفاع لجعله على اطلاع بحقيقة الموقف الجديد. . فعلا أنجزنا التقدير الجديد مساء يوم 20 أيلول وقدمناه الى ر.ا.ج والذي رفعه بالكتاب[27] المرقم 125/في 21/9/1948 - راجع الملحق (آ) للاطلاع على تقدير الموقف المشار إليه-.

تحرج موقف القوة الجوية العراقية

     مع مطلع شهر تشرين الأول 1948 أصبح موقف القوة الجوية حرجا تماما ولا يمكن مقارنته بموقف القوة الجوية المعادية التي تقوت تماما وحصلت على طائرات حربية من كافة الأنواع المقاتلة والقاصفة فأصبحت السيادة الجوية لها في سماء المعركة.

     كنا قد اشترينا صفقة جيدة من طائرات فيوري المقاتلة البريطانية قبيل حركات فلسطين، وتم تسليم الوجبة الأولى منها وعددها 15 طائرة حيث تم تسليح السرب الأول بها ثم ارسل رف من السرب الى المفرق لتعزيز السرب السابع المتمركز هناك، لكنها سُلِّمَت إلينا بدون عتاد فأصبحت لا فائدة منها، أما باقي الصفقة فقد جُمِّدَت ولم تسلم إلينا.

     بتاريخ 2 تشرين أول حدثت حادثة مؤلمة لإحدى الطائرات نوع انسن المرابطة في المفرق، إذ انفصل أحد أجنحتها أثناء التحليق وهوت محترقة فاستشهد ملاحوها جميعاً، ولم يعد السكوت ممكنا على هذا الوضع، وأصبحت مسألة الحصول على الاعتدة لطائرات فيوري بالغة الأهمية، وفعلا فقد اضطررنا إلى إعارة المصريين 3 طائرات من هذا النوع الحديث مقابل كمية من العتاد مقدارها 3000 إطلاقة، ولقد طلبنا من الحكومة التشبث بكل الوسائل للحصول على باقي الطائرات المحتجزة في بريطانيا وعتادها.

القلق حول الجناح الجنوبي لقواتنا

     كنا قلقين تماما من قلة عدد القوات الأردنية المخصصة لمسك المواقع الكائنة إلى الجنوب من قواتنا ولاسيما في منطقتي باب الواد واللطرون، وكنا على اطلاع بترتيبات ونوايا الجنرال غلوب باشا الذي كان يقود القوات الأردنية في عدم التمسك بالمناطق الفلسطينية، وذلك من خلال عدم إطاعته أية توجيهات تصدر إليه سواءً من قبل القيادة الموحدة (كذا) أو أوامر جلالة الملك عبد الله، وفهمنا أنه إنما ينفذ توجيهات بريطانيا بهذا الخصوص، وقد فاتح ر.ا.ج أكثر من مرة حكومتنا بالموضوع، ولكن يبدو ان لا جدوى من ذلك. كانت الاستعدادات اليهودية في هذه الأثناء مستمرة في تحشيد القوات وتحريكها بأعداد كبيرة في المنطقة، وبالرغم من قلقنا هذا، فلم تكن قد بقيت لدينا قوات عراقية كافية لمسك المناطق التي أشرت إليها، والتي كان رئيس الوزراء فوزي الملقي ومعه غلوب باشا يتقدمان بها إلينا، فمرة يطلبان لواءً كاملا ومرة يطلبان فوجاً، وهكذا كنا في كل مرة نعتذر عن تلبية هذا الطلب لعدم توفر ما يكفي من القطعات لدينا علاوة على سعة جبهة قواتنا في فلسطين.

موضوع الفالوجة والحركات في النقب

الموقف العام

     كانت القوات المصرية عند بدء الحركات في فلسطين قد تقدمت نحو المجدل حيث انقسمت إلى رتلين، الأول وهو الرتل الساحلي وتحرك شمالا نحو أشدود، والثاني الرتل الداخلي والذي اتجه شرقا نحو عراق سويدان-الفالوجة- عراق المنشية - بيت جبرين. وقد قام هذا الرتل بوضع حامية في كل من هذه الأماكن لمسكها، وكانت حامية الفالوجة أقواها وأكثرها عدداً، إذ كانت تتألف من حوالي 2500 شخص، ونظرا لسعة المنطقة وعدم كفاية القطعات فقد بقيت مناطق كثيرة من دون أن يمسكها أحد أو تتواجد فيها قوات موالية، فأصبحت بمثابة بؤر معادية بين قوات الرتلين.

إستمرار الصهاينة بالقتال

     لم يتوقف الصهاينة عن القتال بالرغم من عقد الهدنة، بل إنهم استغلوا هذا الوقت في مهاجمة القوات العربية كلا على انفراد، وعلى ضوء عدم توحد الجهود العربية - والتي تكلمت عنها سابقاً- فقد هوجمت قواتنا في أماكن عدة، وبنفس الوقت هاجمت القوات الصهيونية الحاميات المصرية المنعزلة، حيث قاتل الجنود المصريون ببسالة وأوقعوا خسائر كبيرة بالصهاينة، لكنهم انسحبوا في نهاية الامر، فكان انسحابا للرتلين، رتل أشدود، ورتل الداخل باتجاه المجدل، وهنا كان عليهم التوقف في المجدل كونها منطقة ملتقى الطرق وعقدة المواصلات من الشمال إلى الجنوب، لكنهم انسحبوا منها أيضا، وهكذا حوصرت القوات التي كانت في الفالوجة وقطعت اتصالاتها بباقي قوات الجيش المصري.

الهجوم الصهيوني على جبهة الجيش المصري

     ليلة 16-17/10/1948، أخبرتنا قيادة قواتنا في فلسطين عن طريق ضابط ارتباطنا في مقر الجيش الأردني أن الصهاينة شرعوا بالهجوم على الجيش المصري، وقد استفسرنا عن الموقف من المصريين فأجابوا بالنفي. ولكن يوم 18/10 تلقينا برقية أخرى مفادها أن الصهاينة يهاجمون بيت جبرين وأن القتال يدور أيضا مع القوات المصرية في أماكن أخرى، لكن المصريين نفوا ذلك ، وهنا وجه ر.ا.ج برقية إلى هيئة الركن المصرية العاملة في القيادة العامة مستفسراً عن الموقف وفعالية قواتهم البرية والجوية فلم نحصل على جواب أيضاً. استغربنا هذا الوضع المتكتم من المصريين، فقد كنا نريد تقديم العون لهم بالوقت المناسب وقبل تدهور الموقف. وصل ر.ا.ج يوم 21/10 إلى بغداد وتوجه فوراً لمقابلة الأمير عبدالإله وأطلعه على الموقف، بعدها عاد يوم 22/ 10 إلى عمان لمعالجة الموقف.

     في هذه الأثناء وصلت برقيات من وزارة الخارجية تبين فيها أن النقراشي باشا رئيس وزراء مصر، أخبر بوجود تحركات وتحشدات صهيونية كبيرة في منطقة النقب، كما وصلت برقية القيادة العامة في فلسطين يوم 21/10 تفيد بأن الأوامر قد صدرت إلى مراقبي الهدنة الدوليين في حيفا للتهيؤ للانسحاب من فلسطين في حال توسع الحركات. بدأت الملامح هنا تتضح عن مقاصد الصهاينة والدول التي تساندهم في استكمال ابتلاع المزيد من أرض فلسطين.

     في اجتماع يوم 23/10 في عمان جرت مناقشات حادة مع النقراشي باشا رئيس وزراء مصر ، الذي تساءل لماذا لم تبادر الجيوش العربية لمساعدة الجيش المصري؟، وهنا أجابه ر.ا.ج بكل صراحة قائلا كيف تتمكن الجيوش العربية من مساعدتكم وأنتم لا تخبروننا بحقيقة الموقف والتباين الواضح بين الأخبار والإشاعات التي تفيد بوجود القتال ونفيكم أنتم وهيئة ركنكم؟، بعدها اتفق المجتمعون على قيام الجيش العراقي والجيش الأردني بإجراء حركات عسكرية على جبهاتهما لتخفيف الضغط عن المصريين، لكن المصريون قالوا في اليوم التالي أنه لا حاجة لذلك لأن الهجوم الصهيوني قد توقف، وأن مصر تريد المحافظة على الهدنة، غير أنه في اليوم التالي بعده وصلت رسالة إلى القيادة العامة من القيادة المصرية تفيد بأن اليهود ما زالوا مستمرين بالهجوم في منطقة بيت جبرين ومواقع أخرى، وأنهم تسللوا إلى مواقع استراتيجية تتحكم في طريق المجدل – بيت جبرين – الخليل، وأنهم رفضوا العودة إلى أماكن انطلاق قواتهم علاوة على ظهور 5 سفن يهودية أمام ساحل غزة – المجدل، كما وصلت أيضا برقية من القيادة المصرية إلى القيادة الأردنية لطلب النجدة لفتح طريق بيت جبرين. اعتذرت القيادة الأردنية عن ذلك إلا إذا استلمت القوات العراقية بعض مواقعهم، وهم يعلمون تماما اننا لا نتمكن من ذلك لعدم توفر القطعات الكافية لدينا.

     علمنا بأن بعض القوات المصرية مطوقة من قبل اليهود ولاسيما في منطقة عراق المنشية، وكانت الخشية إذا ما انهارت هذه القوات ما سيؤثر على موقف الجيوش العربية ككل. طلب ر.ا.ج إخبار المصريين بضرورة إرسال كل ما لديهم من قوات لتعزيز مواقعهم.

موقف قواتنا في فلسطين حتى يوم 11/11/1948

     بعد أن تمكن الصهاينة من عزل القوات المصرية في موقع الفالوجة، وقيام قواتنا بشن عدد من الغارات من المواقع المتواجدة فيها ضد الصهاينة لتخفيف الضغط عن القوات المصرية، قام الصهاينة بزيادة اعمال التحرش بقواتنا، ولاسيما في منطقة المجامع وما يحيط بها من أجل عزل قواتنا والقوات الأردنية أيضاً. كانت خطة الصهاينة المجملة هي التحرك من اتجاهين، الأول من اتجاه بيسان من الشمال، ومن اتجاه البحر الميت من الجنوب، وبدأت الاخبار تتوارد عن تحركات لقوات آلية صهيونية وأعداد كبيرة من المدرعات والسيارات من اتجاه نهاريا وترشيحا نحو الجنوب، وقد أيد هذا نية العدو التقدم من بيسان نحو جسر الدامية وجفتلك. في ليلة 31/ ت1 - اكتوبر أخبرتنا قوة المجامع (فوج الشرطة الذي يمسك المنطقة) بأنه قد شاغل القوات الصهيونية التي كانت تقدر ب200 سيارة ومدرعة وهي تتنقل من طبرية نحو الجنوب إلى كفار يواكيم وأوقعت بها خسائر كبيرة وأصبح الإرتباك واضحاً بين صفوفهم.

     يوم 1/ت2- نوفمبر وردتنا برقية من ر.ا.ج يطلب الإيعاز بتحريك فوج لمسك منطقة دامية بسبب توقعه قيام العدو بشن هجوم ليلة 1/2- 11 على قواتنا، كما طلب تحريك رف[28] من طيارات فيوري إلى دمشق كي تقدم الإسناد عند الحاجة. اوعزنا الى القوة الجوية الملكية بهذا الأمر فأقلعت الطائرات حالاً من بغداد ووصلت دمشق بعد أقل من ساعة ، كما اصدرنا الأوامر بتحريك فوج من اللواء الثالث وبطرية مدفعية مع مدفعين 6 رطل علاوة على مدفع ضد الجو بوفرز 40 ملم واحد ورعيل مدرعات وفصيل هندسة ومفرزة صحية، واجبه مسك منطقة جسر دامية تحسبا لتطورات الموقف.

إستمرار فعاليات العدو

     استمرت فعاليات العدو من يوم 5/11 إلى يوم 9/11 بشكل تحركات لآليات العدو وسياراته ودورياته في منطقة قلعة كيشر والمناطق المجاورة لها، وتمت معالجتها جميعا وإلحاق خسائر كبيرة بها. في يوم 9/11 تحرك رتل مؤلف من 120 آلية للعدو من مستعمرة (هارود) إلى مستعمرة بيت يوسف، ثم استمرت 60 منها إلى (بيسان). استمر الموقف بالتوتر وتبين أن العدو يحاول تحشيد قواته في منطقة طبرية.

إجراءاتنا:

     كانت خطتنا تتمثل في مسك جميع العقد التي قد يتوخاها العدو لتنفيذ خطته التي نوهنا عنها آنفا للإحاطة بقواتنا والقوات الأردنية. أصدر ر.ا.ج الأوامر إلى جحفل اللواء الثالث بتحريك فوج مشاة آخر مع بطرية مدفعية ليلة 11/11 إلى منطقة طوباس لمسكها، على أن يكون مقر جحفل اللواء الثالث مسؤولاً عن إدارة الحركات في منطقة وادي المالح – الجفتلك، كما تم الإيعاز إلى جحفل لواء المشاة الخامس بإرسال سرية بندقيات معززة ببنادق ضد الدبابات لاحتلال مواضع مناسبة على الضفة الشرقية لجسر دامية تحسباً من نجاح العدو في عبور الجسر ولمنعه من إقامة رأس جسر هناك.

رد فعل العدو:

     على إثر هذه الإجراءات، والتي ولا شك قد علم بها الصهاينة، وبعد الإشتباكات الحامية والرمي المؤثر الذي وجهته قطعاتنا إلى أرتال العدو في الأيام منذ 5/11 وحتى الآن، فقد تخلى العدو عن نواياه وهو يعرف جيدا ما الذي يعنيه له الإشتباك مع القوات العراقية الباسلة. لقد كانت إجراءات قيادتنا السريعة مدعاة للفخر والاعتزاز وحبذا لو كانت الجيوش الأخرى بنفس المستوى.

محاولات إنقاذ القوات المصرية في الفالوجة

    نعود الآن إلى موضوع إنقاذ القوة المصرية المحاصرة في الفالوجة، ففي يوم 12/ ت2/ 1948 تسلم رئيس أركان الجيش العراقي وهو في عمان، رسالة خطية من وزير الدفاع شاكر الوادي الذي كان في القاهرة، والمرسلة بواسطة ضابط ارتباط مصري حضر بطائرة عسكرية مصرية خاصة على أن يعاد الجواب بنفس اليوم. كانت خلاصة الرسالة تشكيل قوة مشتركة من الجيش العراقي والجيش السوري قوامها فوج عراقي وبطرية مدفعية، وإعارة 3 طائرات عراقية نوع فيوري والتي كانت في مطار المزة بالقرب من دمشق إلى المصريين[29]، يضاف للقوة ما يتيسر من القوات السورية لفك الحصار عن القوة المصرية المحاصرة في الفالوجة والمكونة من 2500 جندي مع أسلحتهم وآلياتهم. أضطر رئيس أركان الجيش على الموافقة على هذا الطلب، ماعدا ان تكون قيادة الرتل من قبل ضابط عراقي بسبب عدم وجود ضابط عراقي عمل في هذه المنطقة ويعرفها جيدا كي يتمكن من قيادة القطعات بكفاءة.

     يوم 13/ ت2 إجتمع رئيس أركان الجيش بقائد الجيش السوري حسني الزعيم الذي كان متذمرا من تصرفات رئيس وزراء سوريا جميل مردم الذي وافق على تخصيص فوجين سوريين لهذا الواجب من دون أخذ رأي العسكر، إذ لم يكن موقف القوات السورية يساعد على هذا التخصيص.

يوم 16/ت2 : عقد اجتماع تمهيدي في الزرقاء بين أمير اللواء مصطفى راغب والضباط المصريين والسوريين حول الموضوع .

يوم 17/ت2 : صدرت الأوامر إلى الفوج العراقي للتحرك إلى بيت لحم ليكون مسؤولا عن بيت لحم والخليل حسب طلب المصريين، وكان الفوج بقيادة العقيد الركن أنيس وزير. تحرك الفوج المذكور ووصل إلى بيت لحم.

يوم 18/ ت2: عقد اجتماع مع آمر القوة الأردنية الميجور (لوكيت) ومعه عدد من العسكريين البريطانيين، كذلك حضر الزعيم المصري عبدالصبور ، وتقرر في المؤتمر الآتي:

-       تقوم القوات المصرية المحاصرة في الفالوجة بحركة خروج بأسلوب التسرب للأشخاص فقط مع ترك الأسلحة والآليات وتخريبها قبل الخروج (أعطي لها الإسم الرمزي - دمشق) بموجب التسلسل الآتي:

-       الصفحة الأولى : ترسل القوة المحصورة جماعة استطلاع لدراسة طريق الخروج عصر اليوم نفسه.

-       ص2: تدارس الموقف وإعداد الأسلحة للتخريب.

-       ص3: عملية الخروج.

-       ص4: قيام قوات الإنقاذ بمعاونة القوات المصرية أثناء عملية الخروج (كانت تتألف من الفوج العراقي، والقطعات الأردنية وجماعة الجهاد المقدس من الفلسطينيين).

كانت واجبات الفوج العراقي كالاتي:

-       إستعادة جبل المُكَبِّر وسور باهر والخضر.

-       إبقاء طريق بيت لحم- أريحا سالكاً.

-       التهيؤ لإرسال قوة سيارة إلى الخليل عند الحاجة.

سير الأعمال:

-       أُصدِرَتْ التعليمات إلى القائد المصري المحاصر (العقيد سيد طه) بفحوى ما تقدم من قبل الزعيم المصري عبد الصبور. ملحوظة (رفض العقيد سيد طه ذلك).

-       تهيأ الفوج العراقي لتنفيذ ما اتفق عليه في المؤتمر وفتح سراياه بموجب ذلك.

يوم 22/ت2 : تم تأجيل الحركة على إثر رفض العقيد سيد طه لأوامر الزعيم الركن عبدالصبور طالباً أن يتم تبليغه من قيادة الجيش المصري في أريحا. كان التأجيل بسبب احتمال وجود حل سياسي للموضوع.

عقد الهدنة في بيت لحم والقدس:

يوم 27/ت2: استلمنا برقية من العقيد الركن أنيس وزير - آمر الفوج العراقي في بيت لحم - تفيد بأنه استلم أمرا بإيقاف إطلاق النار في القدس وبيت لحم اعتبارا من الساعة 0800 يوم 29/11/ 1948، وبيّن أنه قد يكلف بواجب آخر غير واجبه الأصلي المتعلق بإنقاذ قوات الفالوجة وطلب التعليمات الجديدة، فأجابته القيادة العراقية بعدم علمها بمثل هذا الاتفاق، وطلبت منه عدم تنفيذ أي واجب آخر دون علمنا وإشعار منا بذلك، وتبين لنا أن هناك نية هدنة قد عقدت بين الجيوش العربية العاملة في فلسطين الآن وبين الصهاينة، مما يبقي الجيش العراقي وحيدا هناك في حالة حرب، ومعلوم الأثر السيء الذي سيتركه ذلك على القضية الفلسطينية.

اعتبارا من يوم 4/12/1948 وحتى يوم 6/12: تبادلت القيادة العراقية البرقيات مع القيادة الأردنية حول الموضوع، لأنه قد ثبت فعلا عقد الهدنة مما سيترك قواتنا مكشوفة الجناح من الشمال والجنوب.

يوم 7 / 12: عقد مجلس الوزراء العراقي جلسة لبحث الوضع الجديد في فلسطين وما يعنيه ذلك لجيشنا هناك، وتقرر سفر وزيرا الدفاع والخارجية إلى القاهرة والاجتماع بالمسؤولين العرب لاتخاذ القرار المناسب. لم تكن الأجوبة مطمئنة ولا واضحة، لذا أصبح موقف قواتنا هناك في خطر.

يوم 14/ 12 / 1948: حصلت الموافقة من قبل القيادة المصرية بإعادة الفوج العراقي من بيت لحم إلى مكان انفتاحه السابق.

يوم 19/12: عاد الفوج إلى الشونة، ويجدر بالذكر أن هذا الفوج بقي لمدة خمسة أسابيع بقيادة القيادة المصرية، ولم يكلف بعمل أي شيء[30].

الملحق (آ)

مقتطفات من تقدير الموقف المرفوع الى رئيس اركان الجيش يوم 20/9/1948

الى/ سعادة رئيس أركان الجيش

الموضوع/ تقدير موقف

     نرفع لسعادتكم تقدير الموقف الذي أجريناه في مديريتنا حسب طلبكم. للتفضل بالاطلاع وبيان ما تأمرون به.

تقدير الموقف السياسي / العسكري من قبل مديرية الحركات بتاريخ 20/أيلول/ 1948 والذي رفع فيما بعد من قبل رئيس أركان الجيش إلى وزير الدفاع

الموقف العام




 

 

الزعيم الركن

حسين مكي خماس

مدير الحركات

ملحوظة من قبل المحقق

يتضح للقارئ الكريم الآن ، أن اهم عقبة واجهت العمل العربي المشترك في فلسطين 1948 كانت انعدام التعاون بين جيوش الدول العربية. وقد كتب اللواء الركن غازي الداغستاني في مذكراته، عندما كان برتبة عقيد ركن ويعمل بمنصب ضابط ركن القيادة العربية العامة في فلسطين موضوعا مثيرا للاهتمام قام بنشره الفريق الركن محمد عبد القادر الداغستاني في مجلة الكاردينيا الالكترونية بتاريخ 30/1/2014 خلاصته تدور حول انعدام التعاون بين القوات العربية المقاتلة في فلسطين ولاسيما المصرية، حيث امتنعت القيادة المصرية من إعطاء أية معلومات عن الموقف الحقيقي لقواتها حتى عندما كانت محاصرة في الفالوجة . ويمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى المقال المذكور للاطلاع على التفاصيل.

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech