Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

ملحمة الجزيرة الخضراء - الرواية الإسرائيلية

أسرار عملية الجزيرة الخضراء – الرواية الإسرائيلية

 

 

بحث وتوثيق الكاتب الكبير : توحيد مجدي

 

 

 

مقدمة من المجموعة 73 مؤرخين :

 

ربما يكون هذا البحث هو البحث الوحيد علي موقعنا ويكون مصدرة إسرائيلي وفي نفس الوقت يدعو للفخر بما فية من ذكر العدو للبطولات المصرية في معركة الجزيرة الخضراء بدون مواربة أو تزييف وفي نفس الوقت يكون كاشفا للهالة يضعها الأعلام الاسرائيلي حول قدراته وقواتة الخاصة ويفضح الكذب والتضليل الرسمي الإسرائيلي علي الجيش والشعب الاسرائيلي

والفضل في ذلك البحث الرائع يرجع لمجهود الأستاذ توحيد مجدي الذي نتقدم له بالشكر العميق علي بحثة المجهد والمتعب وتعاونة الصادق مع المجموعة 73 مؤرخين لإظهار الحقائق والبطولات المصرية المنسية طوال عقود من الزمن

ونؤكد للقارئ والناقل " هذا البحث حقوقة الأدبية للكاتب توحيد مجدي والمجموعة 73 مؤرخين ويجب علي الناقل أن يلتزم بحقوقنا الأدبية عند إعادة نشر هذا البحث الرائع ويذكر تلك الحقوق عند إعادة النشر "

بعد أن تقرأ ننصحك ببعض الموضوعات والفيديوهات المساندة والمتعلقة بنفس الموضوع

مشاهدة الفيديوهات التالية

 

 إضغط للمشاهدة 

فيديو لقائد العملية  

وقراءة الرواية المصرية متمثلة في

تفاصيل معركة الجزيرة الخضراء نقلا عن أحد أبطالها

معركة لسان بورتوفيق

 

تمنياتنا لكم بقرأءة ممتعة 

 

مقدمة:

في الحقيقة كانت عملية التوثيق والبحث في أحداث ليلة التاسع عشر من يوليو عام 1969 تلك الليلة التاريخية بامتياز التي شهدت عملية الإغارة الإسرائيلية على الجزيرة الخضراء شاقة شائكة بل رُبما مرعبة لأي باحث مُحترف جاد سيُسجل الحقيقة كما حدثت مثلما وقعت بحذافيرها دون إضافة أو استنتاج مهما كانت صعبة وصادمة.

 

وهي عملية تأريخ عصيبة ليست باليسيرة بالمرة خاصة وفي الخلفية شهادات مصرية حية وأحداث سجلها الجانب المصري للتاريخ كرواسخ ثابتة لكنها بيانات مهما بلغت دقتها كانت ستظل إلى الأبد تفاصيل ناقصة النصف الآخر من الرواية التاريخية الرسمية ومن جانب واحد ظلت شهادته مجروحة أمام العالم حتى اليوم لأن الدنيا كلها كانت تبحث عما حدث على الجانب الآخر ليلة الجزيرة الخضراء؟ وبالأخص ماذا حدث للفريق الإسرائيلي الذي قام بالغارة؟ ما هي خسائره؟ كيف قاموا بالعملية؟ من شارك فيها بالأسماء والرتب العسكرية؟ كيف بدأت العملية؟ كيف جرت عملية الانسحاب الإسرائيلي من الجزيرة؟ كيف استبسل المصريون ليلتها؟

والأهم ماذا كانت نتيجة تلك العملية العسكرية ذائعة (الصيت التاريخي المزعوم) بالنسبة لإسرائيل؟

 

 

ولولا إصرار (أيمن مُحمد) الباحث المصري التابع لوحدة الدراسات المجموعة 73 مؤرخين وإلحاحه الوطني المُخلص على كي أبذل الجهد لإزاحة الغموض والسرية عن أحداث تلك الليلة المشهودة ومن قبله رئيس المجموعة المصرية الفذة الأستاذ (أحمد زايد) ما كان أحد منكم ليُطالع الآن بعد 51 عاماً كاملة أدق تفاصيل ما جرى على الجانب الإسرائيلي بتوثيق رسمي بالغ الحذر والدقة فإلى أحداث عملية الإغارة الإسرائيلية الشهيرة على الجزيرة الخضراء لكن هذه المرة دقيقة كاملة التفاصيل بلا أسرار، مبالغات أو نواقص وغموض.

 

 

عملية الجزيرة الخضراء .. ماذا حدث ليلة 19 يوليو 1969؟

 

بالرغم من خسائر القوات خلال عملية (الجدل 5) – بولموس 5 – التي نفذتها وحدة الكوماندوس البحري الإسرائيلية الخاصة 13 – شايتت 13 – بالاشتراك مع وحدة رئاسة الأركان (ساييرت ماتكال) في (الأدبية) لم تتوقف مصر عن تصميمها بالرد بقوة على العدوان الإسرائيلي.

وفي المقابل كان على إسرائيل البحث عن ردٍ ما لضرب عزيمة المصريين فقامت قوات المظلات الإسرائيلية في التاسع والعشرين من شهر يونيو ثم في الثاني من يوليو 1969 بعمليتين غرب نهر النيل خسرت فيها مصر 13 جندي وثلاثة أسرى لكن رد القاهرة لم يتأخر حيث قامت القوات الخاصة المصرية بعملية نوعية في ليلة التاسع من يوليو 1969 هاجمت خلالها القوة المصرية مربض الدبابات داخل حصن لسان بور توفيق على خط بارليف قُتل فيها ثمانية جنود إسرائيليين وجُرح تسعة آخرين بإصابات بليغة بينما أسر المصريون ضابطاً إسرائيلياً واحداً كان مُصاباً وأعادوا بعدها جُثته عبر الصليب الأحمر أما الخسائر في المُعدات فقد كانت تدمير شامل لعدد 8 دبابات أمريكية حديثة كانت قد وصلت لتوها إلى الحصن مع 5 سيارات نقل جنود مُختلفة الأحجام بالإضافة إلى أربعة مدافع بعيدة المدى.

بالرغم من ذلك لم تتوقف مصر عن الهجوم العنيف وقامت قواتها بدك حصون خط بارليف بالمدافع الثقيلة من كافة العيارات ما تسبب بحدوث خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية داخل حصون الخط التي تحولت فيها الحياة إلى شبه المُستحيلة إلى درجة أن مُجرد خروج القوات الإسرائيلية من داخل الحصون للخدمة اليومية اعتبر أمراً انتحارياً وكان عداد الموت لا يتوقف في حصد الأرواح العبرية وهكذا كانت بداية حرب الاستنزاف التي أعلنها المصريون حرباً لرد الكرامة.

أحرجت العمليات المصرية الناجحة والمُستمرة القيادة الإسرائيلية وهوجمت حكومتها داخل الكنيست بينما أعلن الشارع الإسرائيلي سخطه على وزير الدفاع موشيه ديان ورئيس هيئة الأركان حاييم بارليف ما دفع الاثنان إلى تكثيف الغارات الجوية ضد مُدن القناة المصرية في مُحاولة لضرب المدنيين المصريين كي يضغطوا على رئيسهم في القاهرة حتى يوقف تلك المعركة التي بدأها في الأول من يوليو عام 1969 ضد إسرائيل.

في الحادي عشر من شهر يوليو 1969 أعاد فجأة قائد قوة الكوماندوس البحرية الخاصة 13 (زئيف ألموج) طرح خطته التي طرحها من قبل وتم تأجيلها لعدم الضرورة للهجوم على الجزيرة الخضراء أمام رئيس الأركان الإسرائيلية وقتها الجنرال (حاييم بارليف).

تكونت خطة ألموج التي منحتها قيادته اسم الكود (بولموس 6) - الجدل 6 - من عدة مراحل كان أولها نقل عدد من الضفادع البشرية التابعين لوحدته البحرية الخاصة على ثلاثة خنازير

( الكاتب يقصد الطوربيد البشري – مركبة لنقل الضفادع تحت الماء ) بطيئة إيطالية الصُنع لديها القُدرة على السير ونقل الضفادع البشرية تحت سطح المياه

 

والاستفادة من ضعف الحراسات المصرية في نقطة محددة على الجزيرة المصرية الخضراء كشفتها عمليات الرصد والاستطلاع الإسرائيلية اليومية على أن تكون مهمة وحدته احتلال نقاط المُراقبة الرئيسية على الجزيرة تمهيداً لتأمين نزول بقية القوات المهاجمة لتدمير الحصون المصرية عليها،

أما المرحلة الثانية من الخطة الأولية فكانت في نقل قوة نُخبة من وحدة رئاسة الأركان (ساييرت ماتكال) كي تتولى مهمة الهجوم على الأهداف في قلب تحصينات الجزيرة الخضراء.

 

على ضوء خطة ألموج الأولية كانت تلك القوة ستقوم بعملية تفجير لقارب مُفخخ على لسان صخري يقع على الجانب الجنوبي من الجزيرة حتى إن هرعت القوات المصرية ناحيته نزلت القوة الإسرائيلية بسهولة على الجانب الآخر وكمنت للقوات المصرية بعيدة عن مخازن الذخيرة التي كانت مجموعة الفوج الثاني ستقوم بتفجيرها في الموجة الثانية لكن عند بحث إمكانية تنفيذ تلك الفكرة وجدت رئاسة الأركان الإسرائيلية صعوبات تقنية وجغرافية طبيعية كثيرة فقرروا استبدال تفجير القارب المُفخخ بنقل مجموعة من الضفادع على خنزير بطيء تحت الماء ليقوموا بحفلة إطلاق نيران عشوائية تؤدي لنفس الهدف ثم ينسحبوا بسرعة تحت جنح الظلام الدامس عقب إحداث نفس القدر من الإلهاء المطلوب.

 

في داخل قيادة الأركان الإسرائيلية كان الهدف الرئيسي مُحاولة ضرب المعنويات المصرية العالية وبأي ثمن بسبب العمليات المُستمرة الناجحة ضد الأهداف الإسرائيلية التي بدأت مع حرب الاستنزاف التي أعلنتها مصر وكان الاعتقاد أن الهجوم على الجزيرة الخضراء سيكون مؤشراً عسكرياً لا جدال عليه على قُدرة إسرائيل بالوصول إلى أي هدف مصري الأمر الذي كان سيُسهم في رفع المعنويات الإسرائيلية التي تضررت واهتزت بقوة أمام العالم وبخاصة داخل المجتمع في تل أبيب.

 

اعتمدت خطة ألموج الأولى على الغوص البسيط حتى الوصول إلى شاطئ الجزيرة الخضراء ومن ثم انتقال الضُفدع البشري من (وضع الغواص) إلى (وضع المُقاتل) الذي يستخدم كافة أنواع الأسلحة السريعة كمثال الألغام والقنابل اليدوية والرشاشات الحديثة التي لا تتأثر بالمياه المالحة والقاذفات المتوسطة وهي طريقة هجومية لم تكُن القوات البحرية الخاصة الإسرائيلية قد جربتها في أي عملية قتالية من قبل.

وافقت رئاسة الأركان على الخطة التي قدمها وعرضها زئيف ألموج بإصرار وحددت نفس ليلة الحادي عشر من يوليو للتدريب العملي الأول للقوة الإسرائيلية وكانت المُفاجأة أن الوحدة 13 كوماندوس بحري أعدت مُسبقاً نموذجاً ميدانياً للتدريب على شكل الأهداف الحقيقية الواقعة على الجزيرة الخضراء المصرية وكان التدريب الأول بمُشاركة قوة من وحدة نخبة الأركان الخاصة المعروفة باسم (ساييرت ماتكال).

صورة توضح موقع التدريب المشابة للجزيرة الخضراء 

 

 

 

مُنذ البداية أُسندت قيادة العملية إلى زئيف ألموج بالرغم من المعارضة القوية التي أبداها المُقدم (مناحم ديجلي) قائد وحدة ساييرت ماتكال - وحدة الأركان - في تلك الفترة حيث طلب ديجلي أن يتولى هو قيادة العملية بدعوى قُدرته على حل المشاكل التقنية واللوجستية الكثيرة التي ستُقابل التنفيذ لكن رئاسة الأركان قررت إسنادها إلى ألموج فرأى ديجلي إشراك (رفائيل إيتان) قائد وحدة المظلات الخاصة الذي ترقى حديثاً ساعتها إلى رُتبة العميد وكان إيتان يتحفظ كثيراً على طريقة تفكير زئيف ألموج وقد طلب بشكلٍ رسمي الصعود مع القوة المُهاجمة على الجزيرة الخضراء لكن القيادة الإسرائيلية رفضت الطلب وقررت أن يُشارك إيتان وقوته فقط في تأمين رصيف الجزيرة وقت دخول الفوج الثاني من العملية وخلال عملية الانسحاب.

 

في تلك الأثناء كانت العلاقات الشخصية بين قادة الوحدات الخاصة الإسرائيلية سيئة إلى أبعد الحدود وكانت الأحقاد والضغائن سيدة الحال حتى أن مناحم ديجلي كان يرى أن مهمة وحدة الضفادع البشرية 13 لابد أن تنحصر فقط في مهام نقل احتياجات العملية إلى شاطئ الجزيرة الخضراء ليس إلا الأمر الذي أثار حفيظة قائدها ألموج الذي هاجم بدوره ديجلي ووحدة رئاسة الأركان الإسرائيلية ومعها وحدة المظلات التابعة إلى رفائيل إيتان وأعلن صراحة عدم تقبله الإهانات الموجهة إلى وحدته الخاصة 13.

تطور الجدل وصعَّد ألموج الموضوع حيث رفع خطاباً لوزير الدفاع اتهم فيه صراحة ديجلي بأنه يرغب في إفساد عملية الجزيرة الخضراء وحذر من أن ذلك سيُكلف إسرائيل خسائر بشرية كبيرة خلال التنفيذ فأدركت القيادة الإسرائيلية بوجود مُشكلة كراهية خطيرة بين قادة الوحدات الخاصة نبعت من مبدأ التنافُس على أحقية القيام بالمهام الخاصة التي تُحقق لقادة تلك الوحدات الصغيرة الشُهرة والنفوذ العسكري الواسع والسريع.

لم تحسم القيادة الإسرائيلية الموضوع بل تركت الصراع الكلامي بين القادة كما هو وبلغ الأمر أن أصر مناحم ديجلي بعد مذكرة ألموج لوزير الدفاع (موشيه ديان) على رفض طلب الوحدة 13 كوماندوس بحري باصطحاب مُصورين عسكريين مع فريق العملية بدعوى توثيقها للتاريخ فقرر ألموج القيام بمهمة التوثيق دون موافقة أحد مُتمسكاً بحقه في توثيق أعمال وحدته العسكرية.

على الجانب الأهم قررت رئاسة الأركان أن تتولى الوحدة 13 كوماندوس بحري النزول في الموجة الأولى للهجوم بالزوارق المطاطية على الجانب الشمالي من الجزيرة لتأمين نقاط دخول بقية القوات على الشاطئ ولاحتلال مداخل الجزيرة وأن يمنع ألموج ورجاله القوات المصرية من الالتحام بالزوارق المطاطية المُقتربة من الشاطئ التابعة للفوج الثاني الذي تقرر أن يضُم 20 مُقاتل من قوات النُخبة التابعة لوحدة رئاسة الأركان (ساييرت ماتكال) يرافقهم 12 مُقاتل إسناد من وحدة الكوماندوس البحري 13.

 

الاستعداد لعملية الجزيرة الخضراء

هكذا سارت الأمور وفي يوم الأحد الموافق الثالث عشر من يوليو عام 1969 كان التدريب العملي الثاني على نماذج أهداف بالحجم الطبيعي للجزيرة الخضراء المصرية (تدريب موديل) تدربت خلاله العناصر الإسرائيلية المشاركة على النزول في ثلاثة خنازير بحرية ذات المحركات كاتمة الصوت على الشاطئ المصري للجزيرة لكن ذلك التدريب فشل بسبب عدم قُدرة قادة الخنازير البطيئة على الحفاظ على اتزان التشكيل البحري النظامي المطلوب واللازم لتأمين سحب القوة المهاجمة بالسرعة المطلوبة تحت سطح المياه السوداء وسط التيارات المائية العنيفة وبين ألسنة الصخور البحرية والأعشاب المرجانية الطبيعية المفروض أنها تُحيط بالجزيرة المصرية من كُل جانب ما أدى لإصابة عدد من مُقاتلي الوحدات من الصخور الحادة أثناء التدريب.

 

صورة من التدريب الحقيقي علي تنفيذ العملية 

 

عليه قررت قيادة العملية تغيير أسلوب الدخول إلى الهدف وتقرر سحب مجموعة الهجوم بواسطة حبل واحد مُتسلسل يكون مرناً داخل المياه وأن يرتدي أفراد القوة أجزاء مطاطية تحميهم من الصخور المُدببة لكن حتى تلك الفكرة كان لها مخاطر عدة لأن المُعتاد كان في سحب مُقاتلين بحبل واحد لكن المُشكلة هُنا أن تسحب الخنازير البطيئة ذات القُدرة المعروفة أكثر من 12 مُقاتل في حبلٍ مُتسلسل واحد فقط وكانت القوات لم تتدرب على ذلك أبداً.

أما المُشكلة الثانية التي واجهت التدريب على العملية فكانت قوة الزوارق المطاطية من نوع MARK5 وعددها حيث احتاج التنفيذ لعدد أكبر من الزوارق لم يكُن موجوداً في إسرائيل بتلك الفترة فقامت رئاسة الأركان بتوفير بعضها خلال ساعات من إيطاليا وبالرغم من ذلك برزت المشكلة الرئيسية وقتها في تدريب قوات نُخبة رئاسة الأركان التي لم تتدرب نهائياً على ذلك النوع من العمليات بينما اعتادت وحدة الكوماندوس البحري 13 على تنفيذها خلال تدريبها العملي في إيطاليا وفرنسا قبل العام 1969.

وحتى وحدة الكوماندوس البحري 13 كانت لم تتدرب على استخدام الخنازير البحرية لسحب أكثر من أربعة مُقاتلين بحبل واحد تحت ظروف مُحاكاة أن يُلقى عليهم قنابل يدوية ويُطلق عليهم النيران بكثافة من اتجاهات عدة وسط الأمواج والتيارات المائية القوية والصخور المُدببة.

في البداية حاول مُدرب العملية الرائد (سيراتسكي) ضابط الوحدة 13 كوماندوس بحري تدريب القوات على تلك العناصر الجديدة الصعبة حيث ألبس المقاتلين خوذاً عسكرية ثقيلة وكان يطرق بقوة على كل خوذة حتى يتذكر المُقاتلين أنهم تحت النيران لكن تلك الطريقة لم تُقبل ولم تُعتمد كتدريبٍ عملي حقيقي على تلك النوعية الخاصة من المخاطر الميدانية كما كان أمامهم أيضاً إيجاد الحل لإمكانية انسداد الأسلحة وفساد الذخائر وقت السباحة في البحر ثُم السير والزحف على الرمال أثناء التسلل باتجاه الهدف المصري المُحصن بقوة الطبيعة.

استمر التدريب المكثف حوالي سبعة أيام وجرى ذلك بهدوء داخل قواعد تابعة لخفر السواحل والشرطة الإسرائيلية وفي قواعد بريطانية مهجورة من أيام الانتداب وذلك في سرية تامة وفي خلال تلك المرحلة كان من الجلي أن رفائيل إيتان هو المُسيطر على التدريب حيث كان يجتمع بكُل العناصر كقائدٍ أعلى لهم ينقل إليهم من خبراته العسكرية وحدث أن تجادل إيتان مع ألموج بشأن نوعية الذخائر المفروض استخدامها فبينما رأى إيتان استخدام ذخائر عادية فقط طالب ألموج أن تستخدم قوة الهجوم الذخائر الفسفورية حتى يتأكد المُقاتلون من نجاحهم بتدمير الأهداف حتى لو كان ذلك ضد القانون الدولي وفي النهاية وافق إيتان على رأي ألموج حيث تبنى مبدأ السلامة.

 

رافاييل إيتان 

 

على ما يبدو حدث تقارب في تلك المرحلة بين ألموج وإيتان وكانت الاستعدادات تتم بعيداً عن رأي وحدة نخبة رئاسة الأركان إلى درجة أن أعاد إيتان بناء نموذج طبيعي أكبر للجزيرة الخضراء تدربت عليها القوات المُشتركة وكان ذلك بعدما اكتشف وجود تضاريس أرضية جديدة كشفتها صور الطلعات الجوية الإسرائيلية لاستطلاع مواقع الجزيرة.

في يوم الاثنين الموافق 14 يوليو عام 1969 أصدرت قيادة رئاسة الأركان الإسرائيلية أمر موعد العملية وتحددت ليلة التاسع عشر من يوليو 1969 وكانت أهداف العملية طبقاً للأمر الصادر (تدمير قوة الجزيرة الخضراء بما في ذلك الأبنية والتحصينات ويلي ذلك في الصباح عملية قصف جوي مكثف لضمان تسوية الجزيرة بالأرض ترافقها عملية جوية كبيرة لقصف مُدن قناة السويس الثلاثة قصفاً مُركزاً مع تدمير أجهزة الرصد الجوي والمدفعية المُضادة الموجودة على الجزيرة الخضراء لكن ذلك الهدف لم يكُن شرطاً لبداية عملية القصف الشامل التي حدثت بالفعل بعدها).

في الأيام التالية قبل التنفيذ جرى التدريب المكثف كالمعتاد وكان داخل أرض مركز شرطة الجسر القريب من الحدود الأردنية لكن التدريب توقف في المنتصف بسبب قصف أردني أُصيب على أثره أحد ضُباط وحدة رئاسة الأركان الإسرائيلية وفي الأثناء استمرت عملية رصد واستطلاع الجزيرة الخضراء على مدار الساعة من الجو مع تصوير التحركات الروتينية عليها.

لذلك في يوم الخميس الموافق السابع عشر من يوليو عام 1969 جرى التدريب داخل مقر رئاسة الأركان نفسها وفي نهاية التدريب أعطى رئيس الأركان حاييم بارليف تعليماته العامة النهائية لقادة العملية والتي أمر فيها بوضوح ألا تبدأ العملية الرئيسية إلا بعد أن يتمكن مُقاتلي الوحدة 13 كوماندوس بحري من النجاح في النزول على الجانب الشمالي من الجزيرة والسيطرة على موقع رادار الجزيرة ومدرجات رصيف البوابة الشمالية وتأمين مخارج غُرف المباني الشمالية بعدها يبدأ النداء على الفوج الثاني للدخول إلى الجزيرة.

في تعليماته قرر بارليف أنه في خلال القتال وبحالة وجود عشر إصابات بين القوة الإسرائيلية المُهاجمة ستُعتبر العملية كلها كفاشلة كما حدد بارليف ثلاثة أولويات عامة ورئيسية كانت على التوالي: أولاً سحب المُصابين ثانياً تلغيم الجزيرة ثالثاً إحضار أكبر عدد من الأسرى المصريين.

في نهاية التدريب نُقل فريق العملية إلى أقرب نقطة يابسة من الجزيرة المصرية لرصدها على الطبيعة ورافقت القوات دبابات إسرائيلية أمريكية الصنع كانت حديثة الخدمة لكن في الطريق انفجر لغم مصري في القوة وجرح الرائد (رافينوفيتش) ضابط هندسة زوارق الخنازير فتم إخلاؤه مباشرة إلى قاعدة رأس سدر بسبب جرحه البليغ كما عادت الفرقة معه إلى القاعدة بعدما رصدت جنود مصرية قريبة من المياه مع أحد الزوارق المطاطية المصرية كان يوزع طعاماً على هؤلاء الجنود فتأكدت القوة الإسرائيلية من وجود قطع في الأسلاك الشائكة المُحيطة بتلك النقطة على الجزيرة يتسلل منها هؤلاء الجنود المصريون إلى الشاطئ وأن نقطة الدخول السهلة ستكون من تلك النقطة الضعيفة بالتحديد.

 

في الأثناء نشر الجيش الإسرائيلي نقاط استطلاع إضافية أمام النقطة المصرية وكُلف حصن لسان بورتوفيق برصد كافة التحركات المصرية من وإلى تلك النقطة الضعيفة على مدار الساعة والإبلاغ عن أي جديد في محيطها بشرط ألا تُقصف النقطة المصرية كيلا يقوم المصريون بتدعيمها أو بتغيير نظام الحراسة عليها.

في داخل قاعدة رأس سدر تجمعت قوة العملية وتقرر أن يبدأ الهجوم بموعدٍ أقصاه الواحدة والنصف ليلاً على أن يكون الموعد النهائي لبدء الانسحاب الساعة الثانية والنصف وألا يبدأ الفوج الثاني الاقتراب إلا بعد تأكيد الفوج الأول على السيطرة على مدخل الجزيرة عند النقطة الضعيفة مع ضرورة أسر أكبر عدد من الجنود المصريين وتدمير الأربعة مدافع الرئيسية عيار 85 ميليمتر الموجودة على الجزيرة مع تفجير قاعة الجزيرة الشمالية من الداخل والتقرير بتدمير نقطة موقع الرادار طبقاً لمجريات الأحداث وقت الهجوم على الجزيرة وما سيرافقها من تطورات على الأرض.

مريوم الجمعة الموافق الثامن عشر من يوليو سريعاً حيث انشغلت القوات في وضع اللمسات الأخيرة على العملية ومراجعة مهمة كُل فرد وفي الأثناء استُكملت عمليات الرصد والتصوير لموقع الجزيرة الخضراء بينما استمرت عمليات القصف المصري الروتينية بمدافع الجرينوف والبازوكا تجاه النقاط الإسرائيلية المواجهة وقد تقرر أن يقود النقيب (دوف بار) - المُعلم بمدرسة القتال وقتها - الفوج الأول من مجموعة العملية الذي توزع على أربع مجموعات صغيرة العدد تكونت كلاً منها من ضابطين ومعهما ثلاثة ضُباط للمعاونة والإسناد.

حيث قاد المجموعة الأولى من الفوج الأول النقيب (إيلان إيجوزي) وكانت مهمته قطع الأسلاك الشائكة في الثلاثة اتجاهات الشمالية للجزيرة وكان عليه في حال اكتشاف مجموعته أن يُلغم الأسلاك بسرعة بواسطة أنابيب التفجير البلاستيكية ( طوربيد البنجالور ) ثُم يشتبك مع النقطة المصرية المكتشفة لقوته فوراً بشرط أن يُسكتها تماماً.

أما المجموعة الثانية من الفوج الأول للعملية فقد تولى قيادتها النقيب دوف بار بنفسه وكانت مهمته الرئيسية بعد اختراق الأسلاك الشائكة عند النقطة الضعيفة ركوب المباني القريبة وكان طولها مترين ونصف المتر على أن يؤمن نقطة نزول الزوارق المطاطية القادمة إلى الشاطئ وعليها قوات الفوج الثاني.

أما المجموعة الثالثة من الفوج الأول فقد تولى قيادتها النقيب (جادي كرول) وكانت مهمته تدمير برج المُراقبة المصري وتفجير رادار الجزيرة الشمالي وكانت مهمته صعبة وخطرة للغاية وكانت النصيحة العسكرية خلال التلقين النهائي أن يتغلب عليها بكثافة القنابل اليدوية مرة واحدة.

أما المجموعة الرابعة من الفوج الأول فقد تولى قيادتها النقيب (أمنون سوفير) وكانت مهمته الهجوم على مبنى القاعة الشمالية للجزيرة وتصفية من بداخله لكن الغريب أنهم لم يبلغوه بأية معلومات مفيدة عن شكل المبنى وتلك القاعة من الداخل وعدد الجنود بها أو نوعية تسليحهم وخلافه وهل هي فارغة أم بها غُرف وكان عليه ومجموعته اكتشاف حقيقة الباقي بنفسه وجهاً لوجه.

في تمام الساعة 1400 ( الثانية ظهرا ) من يوم السبت الموافق التاسع عشر من يوليو عام 1969 يوم العملية أتمت القوات تدريباتها وتلقينها الأخير أمام رئيس الأركان وقائد سلاح البحرية وقادة الأفرع المختلفة القريبة في شبه جزيرة سيناء ومعهم قادة عسكريين كبار طلبوا من المقاتلين المشاركين الإجابة على العديد من الأسئلة على نموذج مجسم للجزيرة الخضراء المصرية فأدركت القوة المُشاركة أنها بصدد مهمة انتحارية حقيقية حسبت لها القيادات العُليا.

لكن الأمر الذي أقلق قادة العملية بشكل أكبر وبينهم زئيف ألموج أن تعليمات رئيس الأركان كانت التنفيذ مع الحذر البالغ للثمن البشري وقد فضل ألموج مع معظم القادة أن يكون حديث رئيس الأركان مُشجعاً حتى تكون عقيدة المقاتلين الرئيسية هي تحقيق الأهداف الكاملة وليس فقط الحذر والخوف التام مثلما كرر بارليف في حديثه.

على الجانب الآخر أعلن عدد من الضباط الكبار أن هناك احتمالاً لأن يكون عدد القتلى كبيراً ناهيك عن الإصابات لأن القوة المصرية على الجزيرة لن تجد طريق آخر سوى الالتحام أو الموت لأنها ستكون مُحاصرة بعوائقٍ طبيعية وخرسانية مُصمتة فإما الموت أو القتال العنيف وهنا تدخل رفائيل إيتان وهمس في آذان المقاتلين أن عليهم تنفيذ المهام بنجاح مع الالتزام بجدول الأولويات وفي حالة فشل الفوج الثاني في الوصول إلى الجزيرة يكون على الفوج الأول القيام بتدمير مواقع المدافع المصرية الثقيلة أولاً ثم مخازن السلاح ثانياً ثم موقع الرادار ومبنى الاتصالات المصري ثالثاً.

مرت ساعة الغذاء سريعة وكانت بين الوجبات القليلة التي تناولها مقاتلوا الوحدة 13 مع مقاتلي وحدة نخبة رئاسة الأركان الذين لم يتعارفوا بشكلٍ جيد على بعضهم البعض ولذلك جلس جنود كل وحدة وأكلوا مع بعضهم بعيداً عن الآخرين وأثناء تناول الطعام عرض التليفزيون بقاعة الطعام أخباراً عن رواد الفضاء والهبوط المُحتمل للإنسان على سطح القمر ثم اتجه الجميع بعدها لموقع السيارات التي ستنقلهم إلى نُقطة الإنزال الأقرب من الجزيرة الخضراء عند منطقة (رأس مسله).

في داخل السيارات العسكرية التي حملت قوة العملية سرى الصمت الكامل بين عناصر القوة وكأنها فرقة من البُكم وبدا جلياً أن كل مقاتل كان يُفكر بتلك اللحظات الحاسمة في نفسه وحياته وفرصته بالنجاة وقد سجل النقيب جادي كرول في يومياته عن تلك اللحظة أنهم كانوا مشتاقين للتنفيذ لكنهم كانوا يحترمون المقاتل المصري وقدراته الفطرية على القتال الأمر الذي سبب لهم القلق البالغ مع الشعور بالخوف الغير مفهوم بداخلهم.

أما الضابط (عوزي لفنات) فقد أكد على خوف الفريق الإسرائيلي من القوة المصرية على الجزيرة وسجل أنه سرح في أفكاره وفي معلومات التدريبات الرئيسية لكنه كان مُدركاً طيلة الوقت لصعوبة الأمر خاصة عندما شاهد موقع الجزيرة على الطبيعة وأخيراً عندما فهم السبب من تساؤلات القادة الكبار أثناء اللقاء المجمع معهم.

على العكس من ذلك أكد الضابط (يسرائيل أساف) أن خبرته العسكرية وأقدميته منحته قسطاً من الهدوء رُبما الثقة ومع ذلك فقد حاول ألا يُبالغ في التفاؤل لأن العملية كانت بالفعل كبيرة.  

صورة قبل تنفيذ العملية 

 

 

عند الساعة 20 ( الثامنة مساءا ) من ليلة السبت الموافق التاسع عشر من يوليو عام 1969 بدأت عملية إنزال دستة من الزوارق المطاطية الكبيرة وخلفها الخنازير البطيئة إلى المياه وفي تمام الساعة 20:30 بدأت قوة العملية الإسرائيلية الإبحار ببطيء وحذر بالغ باتجاه الجزيرة الخضراء وقد تولى (شاؤول زيف) قيادة زوارق الفوج الأول ومن ورائه تحركت الزوارق التي حملت عناصر وحدة رئاسة الأركان ومعها زوارق أخرى قادها النقيب (داني أفينون) ثم زورق قوة وحدة رئاسة الأركان بقيادة مناحم ديجلي وبينهم عناصر رئيسية دائمة من الضباط الشباب ذوي الأقدمية وبينهم عدد من المقاتلين الشباب كانت عملية الجزيرة الخضراء أول عملية جادة في حياتهم العسكرية.

على الزوارق ارتدت عناصر الضفادع البشرية الخاصة 13 النصف العلوي فقط من الزي المُخصص لعمليات الغطس وكان ذلك لكي تمنحهم الدفء داخل المياه الباردة للغاية تلك الليلة وقد قرروا جميعاً التخلي عن النصف السفلي من بدل الغطس بسبب الإعاقة التي كانت ستُسببها في سرعة أداء العُنصر المُقاتل خاصة وقت الركض لذلك استبدلوها ببنطلونات مصنوعة من (الداكرون) المعروف أنه يجف سريعاً.

بينما ارتدت عناصر العملية الأحذية الكاوتشوك ومن فوقها زعانف الغطس كما ارتدت بقية عناصر العملية ملابس بها جيوب كثيرة لحمل الذخائر والعلاجات الأولية والأسلحة وأجهزة الاتصال وبطاريات الضوء وعليها أحزمة الغطس وأمام صدر كل منهم أسطوانة للأوكسجين وقد حمل كلاً منهم رشاش عوزي أو كلاشينكوف روسي حصلت عليها القيادة الإسرائيلية من أوروبا الشرقية مع عدد من خزائن الطلقات والقنابل اليدوية التي تمت تجربة تحملها للضغط حتى ستة أمتار تحت سطح المياه وكانت القيادة الإسرائيلية قد تحققت على ضوء البيانات المدونة من صلاحية الأسلحة وعملها تحت المياه.

خط السير

طبقاً لكتاب اليوميات العسكرية الإسرائيلية الرسمية لعمليات الضفادع البشرية والقوة 13 تحديداً وصل فوج العملية الأول لنقطة الاستعداد للهجوم في تمام الساعة 22:20 وعلى مسافة 900 متر من الجزيرة الخضراء صدرت الأوامر بالغطس في المياه وفي تمام الساعة 23:00 بدأ فريق الهجوم الأول السباحة الهادئة فوق المياه باتجاه شاطئ الجزيرة الخضراء وكانت المياه ساكنة للغاية وسرعة الرياح لا تتجاوز الخمس عقد وطبقاً لخطة العملية كان عليهم الوصول إلى الشاطئ في تمام الثانية عشر والنصف ليلاً وهو موعد قمة المد الذي منح عناصر العملية فرصة للتخفي داخل المياه خاصة في المناطق القريبة من الشاطئ ومع أنها 900 متراً لكنها كانت تستغرق حوالي نصف ساعة سباحة هادئة ومع ذلك كان الاتفاق أن الوصول للشاطئ لا يتجاوز الواحدة والنصف بعد منتصف الليل مع الأخذ في الاعتبار احتمالات وجود تيارات مائية معيقة أو أن يشرد أحد العناصر عن المسار لأي سبب كان.

بعد ربع ساعة تقريباً كانت عناصر الفوج الأول وعددها 20 مقاتل قد تشكلت في خطين ممسكين بحبلين تجرهم الخنازير البطيئة ذات المحركات كاتمة الصوت تحت المياه باتجاه الشاطئ وكان في مقدمة الحبل يعوم على ظهره وهو ممسك ببداية الحبل الأول النقيب (عوزي لفنات) بينما سبح النقيب (يوسي زامير) على ظهره بنفس الطريقة وهو ممسك بطرف الحبل الثاني وعلى ظهر كل مقاتل ثقل عتاد عسكري زنة حوالي 40 كيلو جرام.

في تلك الأثناء أدرك النقيب (دوف بار) قائد الفوج الأول أنه لن يصل إلى الشاطئ في الموعد المُحدد بسبب التيارات المائية المعاكسة فقرر الأمر بالغطس على أساس اعتقاده بعدم وجود تيارات مائية قوية في العمق ما يُمكن عناصر الفوج الأول من التقدم بشكلٍ أسرع وأكثر أماناً باتجاه الهدف.

في البداية وجدت عناصر العملية صعوبة في الغطس وفشل معظم المقاتلين في المحافظة على الاتزان مع حمل تلك الأوزان والغطس بها على مسافة 4 متر فقط من سطح البحر وغاص الكل بسبب الارتباط بالحبل الواحد إلى أقصى عمق واستغرقت تلك المشكلة أكثر من عشر دقائق ثمينة بتوقيت العملية حتى بدأ الجميع في استعادة الاتزان وبالرغم من ذلك كان من يوجد في أول الحبل ناحية أقرب شاطئ على مسافة من القاع أقل ربما الضعف من الآخر في نهاية الحبل من الخلف الغاطس في العمق وقد شكل ذلك خطورة كبيرة على القنابل اليدوية وعلى مستوى إجهاد المقاتلين وقدراتهم على استنشاق الأوكسجين دون الخوف من حدوث حالات تسمم مُفاجأة من الأكسجين.

بعد حوالي نصف ساعة من الغطس المُرهق صعد قائد الفوج إلى سطح المياه ليرى نتيجة تقدمهم فوجد النقيب دوف أنهم ما زالوا على مسافة 600 متر من الجزيرة وأن قوة التيارات المائية تدفعهم إلى الجنوب الشرقي لكنه أدرك خطأ تقديره بعدما عانى الفوج الأول من قوة التيارات المائية العكسية في العُمق فأمر قوته للعودة إلى سطح الماء ثانية مع الإسراع في التقدم بالسباحة الصامتة ناحية الهدف.

هنا كانت الساعة قد بلغت الثانية عشر والنصف من ليلة التاسع عشر من يوليو 1969 حيث اضطر رفائيل إيتان وزئيف ألموج الموجودان على الزوارق المطاطية في الفوج الثاني المنتظر نتائج الاختراق للنداء على قائد الفوج الأول النقيب دوف بار في اللاسلكي عله يُطلعهم على موقفه وحالة فريقه؟ والأهم هل نجح في احتلال نقاط الدخول كالمتفق عليه من عدمه؟ .. لكنهما ناديا عليه ثلاث مرات في اللاسلكي دون أن يسمعا ثمة أي رد من جانبه.

الخنازير - الطوربيد البشري  

 

 

في الماء كان الوضع صعباً وبات من الواضح أن توقيتات العملية قد انقلبت رأساً على عقب فأشار دوف إلى رجاله بإشارات صامتة متفق عليها كي يتركوا الخطة الرئيسية وأن يبذلوا جهداً فوق العادة للوصول إلى الهدف على الشاطئ وقد سجل دوف في يومياته أنه وجد نفسه في موقفٍ نفسي قاسي لا يُحسد عليه وأنه سأل نفسه عن تلك المزاعم التي ربما سيكون عليه تقديمها لقادته عن سبب عدم نجاحه في الوصول إلى هدفه؟ وأنه غطس بتلك اللحظة وأمر الجميع بالصعود لسطح الماء حيث قام (بسب رجاله) بشكل غير مسبوق وأمرهم بفعل المستحيل وأن يتبعوه عوماً على سطح الماء ضد كافة التعليمات الأولية للقيام بذلك النوع من الغطس بالقرب من الأهداف المعادية ناحية شاطئ الجزيرة التي بدأوا يفقدون علاقة النظر معها على أن يعودوا للغطس على مقربة من الشاطئ والسباحة في هدوء حتى الوصول إلى رمال قاع الجزيرة الخضراء.

ويشهد النقيب دوف أنه كان واثقاً بقوة أنه إذا أجاب على اللاسلكي فإنه سوف يتلقى تعليمات رسمية بإلغاء العملية والعودة على الفور بسبب التوقيتات التي سقطت ولذلك لم يجب على نداءات قادته في اللاسلكي وفي تلك الأثناء وصل فريق المرافقة والإسناد مع خنزير صامت بقيادة النقيب (باولين) إلى نقطة الاتصال الأقرب إلى الشاطئ وكانت لسان من الإسمنت بعرض 4 في 4 أمتار وبارتفاع مترين حيث قامت فرقة الإسناد بإخفاء الخنزير وربطه على الناحية الجنوبية للسان وهى الجهة المحمية من النيران القادمة من جهة الشاطئ بعدها ركبت مجموعته تلك النقطة بكامل تسليحها وعتادها وفي نفس التوقيت وصلت زوارق الفوج الثاني مع القادة وربطت على عوامة قريبة ومن حولها بقية الزوارق ومحركات الزوارق المكتومة في وضع تشغيل دائم.

في تلك اللحظات داخل المياه الباردة بدأ فريق الفوج الأول أخيراً في التقدم السريع بعدما نجحوا في كسر تيارات المياه القوية للمد وأصبح الفريق على جانب الجزيرة الخضراء إلى أن وصل إلى مسافة 150 متراً من النقطة المقابلة لبرج الرادار المصري المفروض أنها نقطة الدخول الضعيفة للنزول على الجزيرة الخضراء.

في تلك اللحظات عادت المشاكل لفريق الفوج الأول حيث فشلت مجموعته في الغطس الجماعي والتف الحبل الرابط بين القوة على بعضه وعلى عناصر المجموعة لدرجة أن اضطر النقيب (أمنون سوفير) بترك الحبل والانفصال عن مجموعته للنجاة لكنه تعثر في زميله الموجود أمامه وانفصل عن وجهه جهاز التنفس فما كان أن تركه ليغوص للقاع وصعد لسطح المياه وكان على مسافة مائة وعشره متراً من شاطئ الجزيرة.

وقد سجل النقيب (يسرائيل أساف) الذي شارك في مجموعة الفوج الأول للهجوم على الجزيرة الخضراء أنه شاهد هرج ومرج في المياه وعلم أن الخطر يُحدق بالجميع لأن الغوص بتلك الأحمال لمسافة أكثر من ثمانية أمتار للعمق سيزيد نسبة الاحتمال من موت الغطاسين بتسمم الأوكسجين لكنهم مثلما قال كان عليهم إكمال مهمة النزول على الشاطئ بأي ثمن.

على مقربة أكثر من اليابسة بدأت الضفادع البشرية الإسرائيلية تمشي على قاع البحر في اتجاه الشاطئ وهنا فقط بدأ الهدوء يعود للفريق الأول مع أن الجميع كان مدركاً عندها أنها دقائق وسيصبحون مكشوفين لبرج المراقبة المصري الذي رأى دوف عليه أحد الحراس بينما كان الحارس المصري الثاني يقف على الرصيف البحري الواقع أسفل ذلك البرج.  

تحت الماء بحوالي ثلاثة أمتار أمر دوف رجاله بالتخلص من أجهزة التنفس وأدوات الغطس فقام الجميع بفك الأجهزة وأحزمة الغطس وإعادة ربطها في الجسد لأجل استخدمها فيما بعد وقت الانسحاب السريع ثم أمرهم دوف عن طريق الإشارات اليدوية بالاستعداد للهجوم المُباغت فأعد الجميع أسلحتهم وكانت الساعة وقتها 1:38 بعد منتصف الليل بالتمام أي ثمانية دقائق زيادة على الوقت المحدد للهجوم وبدأ الجميع في إخراج رؤوسهم خارج المياه في وضع الاستعداد والكُل يحتمى بظل البرج على سطح الماء بينما تشاركت القوة حالة الإرهاق الشديد بسبب المشاق والمشاكل التي واجهتهم من أجل الوصول إلى الشاطئ.

 

 

على الفور أمر دوف عناصر الفوج الأول بالتحرك ناحية السياج الشائك لقطعة في النقطة الضعيفة التي رصدوها من قبل فزحفت الضفادع البشرية التابعة للوحدة 13 على أربع بين السياج واحتموا بجدار نقطة مبنى الرادار وأسفل اللسان الخشبي وفي الطريق وجدوا بقعاً من سائل الزفت الأسود الناتج من عوادم القوارب والسفن عائماً على وجه المياه القريبة من الشاطئ وبكثافة فأخذوا منه وطلوا وجوههم وأجسادهم للتمويه في الظلام.

 

وهُنا بدأت العملية فعلياً وكانت أول خطوة تلغيم الجسر الخشبي وسور مبنى موقع الرادار وقطع الأسلاك الشائكة حيث شارك في ذلك (يسرائيل دجائي) حيث واحد من الفرقة يمسك بالأسلاك والثاني يقوم بعملية قطعها على ألا يصدر منهما أي صوت من شأنه تنبيه الحراسات المصرية وهنا شاهد الفريق أحد الحراس على مدفع رشاش فوق سطح مبنى الرادار وآخر وقف أمام المدخل الغربي فأمر دوف اثنين من قوة الفوج الأول المهاجمة حملا قاذفي أر بي جي أن يوجهها نيرانهما على نقطة موقع المدفع بينما وجه (يسرائيل أساف) قاذف أر بي جي آخر ناحية موقع رشاش الجندي المصري المُتواجد فوق سطح المبني المُقابل لنقطة الدخول.

في تلك الأثناء نجح الفريق في قطع السلسلة الأولى من الأسلاك الشائكة وكانت سهلة للغاية على حد شهادة يسرائيل أساف المسجلة في يومية العملية الرسمية بينما كانت الثانية أصعب حيث سببت جهد وأصوات عالية وهنا كانت المفاجأة مثلما توقع الجميع وقت رصد الجزيرة فقد شاهدوا نقطة الضعف في بناء الأسلاك الشائكة مباشرة تحت جدار نقطة الحراسة وعلى ما يبدو كان الجنود المصريون يخرجون منها إلى الشاطئ لقضاء حاجاتهم والاستحمام ومع ذلك قرر إيلان أن يكون استخدام تلك الثغرة لاختراق الموقع فقط في حال كانت هناك حاجة ماسة إلى ذلك.    

في تلك اللحظات حدثت مفاجأة حيث خرج جندي مصري حمل مصباحاً مُضيئاً باللون الأحمر من داخل المبنى الرئيسي على الجزيرة وتحرك في اتجاه الجدار الشمالي وكان على ما يبدو عنصر يقوم بعملية تنبيه روتينية للحراسات فخشى إيلان إيجوزي أن تكون قوة الفوج الأول قد كُشفت وبسبب الضغط النفسي الذي لم يتحمله أطلق النار صوب الجندي المصري فقطع صمت الليل ما فاجئ عناصر الفوج الأول كله ومن هنا بدأت النيران المصرية تنطلق تجاه الشاطئ من كل اتجاه مارة من على رؤوس المهاجمين حتى القنابل اليدوية بدأت تُلقى عليهم وأدت إحداها لإصابة إيلان بشظايا بسيطة في قدميه.

 

كانت المفاجأة قوية فتجمد العديد من عناصر الفوج الأول في أماكنهم دون رد حتى صاح بهم إيلان إيجوزي بل اضطر إلى ضرب بعضهم في الصدر والوجه حتى أفاقوا وبدأوا العملية وفي الأثناء تدخل فريق الإسناد القريب على اللسان الإسمنتي بقذائف البازوكا بكثافة لعمل الإلهاء حتى استعاد الفوج الأول اتزانه ومن قوة البازوكا سقط الملازم (أرييه إسحاق) على وجهه داخل المياه فاضطر (باولين) للقفز في الماء وأخرجه تقريباً شبه مغشى عليه من رد فعل البازوكا وقوة انزلاقه من على السطح الإسمنتي الأملس من أعشاب المياه ومخلفات القوارب والسُفن.

 

في ذلك التوقيت أمر رئيس الأركان الإسرائيلية حاييم بارليف الذي تابع العملية عن كثب من الناحية الأخرى بالبدء في قصف جنوب الجزيرة بالمدفعية الثقيلة لإشغال وإلهاء المدفعية المصرية القريبة في السويس من عيار 130 ميلليمتر بعيداً عن نقطة إنزال العملية وقوة الفوج الأول.

على الجانب الآخر راح (يسرائيل جونين) أحد عناصر الوحدة 13 يجري بين المباني على الناحية الشمالية من الجزيرة وهو يرمي داخل كل نافذة قنبلة يدوية واحدة وحدث أن ارتدت أحد القنابل إلى قدميه ونجح بمعجزة في رفسها بعيداً عن مكانه في الماء الذي انفجرت القنبلة داخله.

لقطة نادرة من تدريب الوحدة 13 كوماندوس بحري على الجزيرة الخضراء

 

 

على الجزيرة سقط أولاً ثلاثة جنود مصريين وقام (دجائي) بتعليم أهداف المباني الرئيسية بالضوء الأبيض بينما تسلم الملازم (جيل لافي) القيادة بمكان أمنون سوفير الذي اتضح أنه فشل في النزول على الجزيرة وظل عالقاً داخل المياه الضحلة مع الأدوات التي حملها وفي النهاية اضطر الفوج الأول إلى الدخول للجزيرة من خلال نقطة الضعف المفتوحة في الجدار الشائك حيث انتظر الجميع وصول الفوج الثاني للعملية مع زورق زئيف ألموج ومعه زورق رفائيل إيتان.

ويشهد يسرائيل أساف بأنه كان ضمن المجموعة التي أُسند إليها السيطرة على رادار الجزيرة ومعه (جادي كرول) و(عاموس فيس) و(داني ليفي) في تلك الأثناء وجد الفوج الأول عدد من الجنود المصريين لم يكن لديهم خبرة القتال في الظلام فسقطوا بينما نجح ضابط مصري شاب في التسلل بين اثنين من الفرقة الإسرائيلية دون إصابته حيث مر بينهما كالشبح ثم اختفى بشكلٍ غريب بعد أن أرعب الجميع بينما انطلق النقيب دوف بار مع زميله أمنون مع (جيل لافي) لتطهير المبنى الأول.

في تلك الأثناء بدأ رجال دوف الصعود على سطح المبنى عن طريق التسلق ساعدهم العريف (يعقوب بونديك) الذي نال بعد العملية لقب (سُلم يعقوب) وخلفهم الملازم (عامي أيالون) الثاني في الوصول لسطح المبنى وكان خلفه (زلمان روت) حيث شاهدوا نقطتين مدفع مصريتين غطيتا المكان وبينها نقطة أخرى لمدفع ثقيل كانت على ما يبدو لحماية المدفعين في المقدمة.

أطلقت النقاط المصرية النيران على القوة المهاجمة فقطع أصبع يد زلمان روت وأخذ يصيح لإخلائه وحاول عامي أيالون إنقاذه فألقى قنابل ضوء ودخان لحمايته لكن القنابل لم تنفجر فرمى غيرها لكنها لم تنفجر أيضاً ففهم أن وجودهم في المياه والرمال الرطبة لوقت طويل أفسد معداته وبينها قنابل الدخان والضوء وهنا بدأت قوة المُساندة تصل لكن عامي أيالون أصيب في قدميه بشظية قنبلة.

حاولت قوة الإسناد الإسرائيلية المُتواجدة على لسان الإسمنت في البحر التدخل بنيران كثيفة من أجل الإلهاء لكنها تسببت في دفع المصريين للرد بقوة أجبرت القوة المساندة على ترك موقعها والنزول والاحتماء من النيران القادمة إلى جوار الخنزير خلف اللسان الإسمنتي المحمي جيداً.

هنا بدأ دوف في الصراخ طالباً أحدهم الصعود على سطح المبنى وعندما صعد يسرائيل أساف وجده محاصراً من برجٍ قريبٍ جداً فألقى قنابل يدوية داخل البرج لم تنفجر الأولى بسبب تلفها بينما انفجرت الثانية وحيدت البرج الأمر الذي حرر حركة النقيب دوف بار قائد الفوج الأول.

وقد شهد الملازم (ديدي جرول) الذي كانت مجموعته مكلفة بتدمير المبنى الرئيسي على الجزيرة الخضراء تلك الليلة التاريخية أنهم نجحوا في الدخول للقاعة الرئيسية لكنهم وجدوها قاعة كبيرة فارغة تماماً وليست غُرف يجب تطهيرها حيث قال: وهنا سمعنا دوف على السطح ينادي علينا فتسلقنا على ظهر يعقوب وانطلقنا لتدمير المدفع رقم 3 وفي الطريق ألقيت قنبلتين يدويتين لكنهما لم تنفجرا فأدركت بقوة أننا نعاني من مشكلة خطيرة في الذخائر التي تلفت بسبب المياه وانطلقنا بعدها ناحية المدفع وفي الطريق تلقيت طلقة في قدمي جعلتني أنكفئ على وجهي مثل الأرنب وعندما سحبني دجائي تلقيت إصابة أخرى في وجهي وجسدي من شظايا قنابلنا اليدوية الفاسدة وأصبت بالدوار في النهاية.

في الأثناء طبقاً للشهادات الإسرائيلية الرسمية استبسلت القوات المصرية على الجزيرة في الدفاع عن مواقعها بينما انتظر الفوج الإسرائيلي الأول وصول الفوج الثاني الذي تأخر وقام قائد الفوج الأول النقيب دوف بار بالنداء على الفوج الثاني بعدما سيطر ورجاله على نقطة الدخول للجزيرة والسطح المُشرف على تلك النقطة وتمسك بهما لكن أحد من الفوج الثاني لم يجب على النداء فقام دوف بإطلاق قنابل الفسفور الخضراء اللون في السماء طبقاً للمتفق عليه كعلامة على طلب سُرعة تدخل الفوج الثاني فوراً ثم اضطر لإطلاق قذيفة فسفور ثانية باللون الأحمر لكنها كانت موجهه لقوة الإسناد التي بدأت تقصف الجزيرة بشكل عشوائي هدد عناصر الفوج الإسرائيلي الأول حتى خاف النقيب دوف أن النيران الإسرائيلية القادمة من ذلك اللسان ستكون السبب في قتل رجاله.

لقطة نادرة من ليلة العملية قوات الإسناد البرية

 

في تلك اللحظات كانت عناصر الفوج الثاني بنقطة انتظار في البحر على مسافة كيلو ونصف من شاطئ الجزيرة على الزوارق المطاطية السريعة فتقدمت بحذر حتى 600 متر من الشاطئ الشمالي للجزيرة عند نقطة الاختراق وعندما شاهدوا الضوء الأخضر انطلقوا سريعاً إلى الشاطئ مع (داني أفينون) من وحدة رئاسة الأركان أما زورق القائد زئيف ألموج فقد واجه مشاكل فنية بسبب الحبل الذي التف على بعضه فوق المحرك ما منع تحرك الزورق وتلاه بعدها عطل محرك الزورق نفسه.

هنا قرر داني أفينون ترك مُشكلة محرك القائد وانطلق تجاه الشاطئ ونقطة الاختراق لكنه وجد أن المسافة بينه وبين الشاطئ كانت أبعد من 600 متر بينما كل ثانية تساوي حياة لدى النقيب دوف بار ورجاله على سطح الجزيرة حيث عانوا من إصابتين وقلة الذخائر وفسادها واضطروا للانتظار عشر دقائق أخرى أمطرهم المصريون خلالها بالنيران الكثيفة من كل صوب وحدب.

هُنا أمر دوف بار كلاً من: (يوئاف شاحار) و(حاييم شتورمان) بالانطلاق إلى نقطة المدفع المصري رقم 5 والتمركز داخلها على أملٍ أن يجدا داخلها ذخائر ومدافع خفيفة صالحة للاستعمال وفي أثناء تحرك الاثنان سمع الجميع صوت انفجاراً قوياً من ناحية نقطة البرج المصري المدمر وعندما نظروا ناحيته وجدوا جندي مصري بسيط قاتل حتى الموت ألقى وهو في الرمق الأخير بعد أن أفاق قليلاً من إصابته البليغة قنبلة يدوية على سطح المبنى المُتمسكة به عناصر الوحدة 13 فقتل على الفور كلاً من: (يوئاف شاحار) و(حاييم شتورمان).

بدلاً منهما انطلق من جانب النقيب دوف الضابط (يوسي زامير) الذي حاول قتل الجندي المصري الشجاع على البرج لكنه وجده قد فارق الحياة بالفعل وكان الجندي المصري مُبتسماً بشكل غير منطقي ولأن الذخيرة كانت غالية فقد تركه زامير وهو متعجباً واشتبك في القتال.

في تمام الساعة الثانية بعد منتصف ليلة التاسع عشر من يوليو 1969 بعد عشرين دقيقة كاملة من بداية المعركة أبلغ رفائيل إيتان قيادته أن المعركة تبدو له من طرف واحد وأنها على وشك الانتهاء مع أن ذلك كان منافياً للحقيقة ثم أبلغ بعده النقيب (باولين) من قوة الإسناد على اللسان الإسمنتي أن مدافع الجزيرة توقفت عن الرد ناحيته وهنا وصلت قوة الفوج الثاني التابعة لوحدة نخبة رئاسة الأركان إلى السطح الموجود عليه النقيب دوف ورجاله على الجزيرة وكان بينهم ملازم شاب باسم (إيلي ماريك) حمل الذخائر التي طلبها دوف كما وصل مع القوة الثانية (أمنون سوفير) ضابط الفوج الأول الذي تخلص من العوائق التي أعاقته في المياه الضحلة حيث سبح منفرداً حتى شاطئ الجزيرة وانضم للقوة المهاجمة.

في تلك الأثناء انطلق الفوج الثاني في عملية تلغيم أهداف مباني الجزيرة بشكل مكثف وأرسل دوف بعض رجاله لجمع أدوات الغطس التي تركت على الشاطئ بموقع الإنزال ووصل زورق القائد زئيف ألموج بعدما نجح أخيراً في إصلاح المحرك وتخلص من الحبل العصي وتقدم القوة الدكتور الرائد (شيمعون سيلفين) مع مُساعده الطبيب العسكري الرائد (بيني أزولائي) حيث بحثا عن المصابين لعلاجهم في وقت أسرع فيه (شاؤول زيف) لتلغيم أهداف المباني الرئيسية على الجزيرة خاصة المبنى الشمالي الغربي.

في ذلك الوقت استمر القتال من على سطح نقطة السيطرة على المدخل الشمالي ناحية المدفع المصري رقم 4 الذي ظل يقاوم ببسالة شديدة وقد سجل يسرائيل أساف في شهادته الرسمية عن العملية قوله: جرى دوف على المدفع المصري رقم 4 وكان قراره من الخطورة لأننا كشفنا أنفسنا وأصبحنا مثل البط الذي يجرى في ضوء الأفق في تلك الليلة المظلمة وقد عبرت معه من المدفع الأول إلى الثاني إلى الثالث الذي توقفنا أمامه حيث حاولت إطلاق قذيفة أر بي جي لكنها كانت فاسدة ولم تنطلق فألقيت بالقذيفة الفاسدة ناحية البحر وحاولت إدخال غيرها في ماسورة القاذف لكن فجأة انفجر إلى جواري تقريباً قنبلة يدوية وفي البداية لم أستوعب ما حدث وجثوت على ركبتي على الأرض مع سلاحي ثم أغشى على وكنت لا أشعر لماذا أنا على الأرض؟ ولماذا لا أقاتل؟ ولماذا جسدي يؤلمني بقوة؟ والأهم لماذا لا أرى أي شيء سوى الظلام؟ وتحسست جسدي فلم أجد أي إصابة وفجأة سمعت صوت ديجلي يُنادي (طبيب) وهُنا وصل إلى وأنا على الأرض (جيل لافي) وسحبني لمكان آمن واعتقدت أني سأموت لكنني وصلت القيادة بعدها على أرجلي.

أما (إيلي ماريك) فقد شهد بقوله: وصلت مع داني أفينون إلى السطح وكان الجو مغبراً ورائحة اللحم المحترق تملأ المكان وعدة أصوات تدل على وجود إصابات كثيرة في صفوفنا ورأيت في منتصف السطح دوف بار ثم (جادي كرول) وعدد من المصابين كان علينا إخلائهم وفي الطريق قابلنا (يسرائيل) مع (ديدي) و(دجائي) وكانوا مصابين وقد حكى جادي إلى أمنون سوفير ماذا حدث داخل نقاط المدافع المصرية؟ وعلى اليمين رأينا مجموعة من قوات نخبة وحدة رئاسة الأركان تقوم بتطهير المباني التي كانت خالية تماماً من أي قوات مصرية وفي تلك اللحظة ظهر النقيب (إيهود رام) من قوة رئاسة الأركان وفي تلك المرحلة علمنا أن هناك قتيلين بين صفوف الوحدة 13 كوماندوس بحري وستة إصابات بين صفوف قوة وحدة نخبة رئاسة الأركان وقد قام النقيب إيهود رام بتطهير موقع المدفع رقم 4 أخيراً ثم تسلم تقريراً شفوياً سريعاً عما حدث من جادي كرول وهُنا حدثت كارثة حيث سمعنا صوت طلقة ناحيتنا وعندما انحنينا وجدناها قد أصابت منتصف رأس إيهود رام واخترقت جمجمته وخرجت من الخلف بينما سقط هو على الفور قتيلاً في المكان.

أما (عامي أيالون) فقد سجل هو الآخر شهادته الرسمية عما حدث فقال: سمعت عناصر قوة نخبة رئاسة الأركان تقترب فناديت عليهم كي يدخلوا النقطة المصرية وفجأة ألقى أحد المصريين قنبلة يدوية علينا وسمعت انفجاراً قوياً للغاية وشعرت أني أختنق ولا أشعر بجانبي الأيمن وبين الأصوات كنت أسمع الجنود المصريين يهللون ومن أصيب منهم بشكل مبالغ فيه وتيقنت أنهم كانوا ينطقون الشهادة الإسلامية وهي أصوات لا يمكن أن أنساها طيلة حياتي ومن هول الموقف بدأت أسمع صوتي يتحدث كمثل من أشرف على الموت.

في تلك الأثناء أحضرت قوة رئاسة الأركان سُلماً كان معنا من البداية ونزلوا إلى ساحة الجزيرة لتطهير باقي المباني الرئيسية ممن فيها لكن في الطريق للساحة أصيب بيننا بشكل بليغ (يوفال ميرون) وهُنا وصل القائد زئيف ألموج وسمع من النقيب دوف بار تقريراً شفوياً مُلخصاً وكان ألموج مرتاحاً لتدمير ثلثي الأهداف خاصة موقع المدفع رقم 4 الذي تم تطهيره بالكامل وكانت قوة الرد والدفاع داخل الجزيرة قد بدأت تهدأ وفي تمام الساعة 2:15 صعد ديجلي على أحد الأسطح التي تم تطهيرها من المُقاومة المصرية وراح يتحدث باللغة العربية في ميكرفون محمول للقوات المصرية طالباً منها الاستسلام لكن ما حدث أنهم أطلقوا النيران ناحيته بكثافة أكبر كردٍ واضحٍ على أنهم لن يستسلموا أو يسلموا مواقعهم وهُم أحياء.

بلغت المعلومات والبيانات على اللاسلكي الخاص بألموج قائد الأركان الجنرال حاييم بارليف وعلمت القيادة بحجم الخسائر والضحايا فأمر بارليف بالبدء فوراً في تجهيز الطائرات العمودية وأطقم الإسعاف المحمول جواً لنقل الجرحى والقتلى من على الجزيرة الخضراء بينما استمرت عناصر الفوج الثاني مع من بقى من الفوج الأول في تطهير الجزيرة وقتلوا عدداً من الجنود كانوا في طريقهم إلى موقع المدفع رقم 5 وداخل بعض الغرف وفي ساحة الجزيرة وبنفس التوقيت أصيب عدداً آخراً من القوة الإسرائيلية الثانية فأتصل رئيس الأركان بزورق رفائيل إيتان الذي ظل بمكانه بالقرب من الشاطئ ولم يُشارك أبداً في العملية وأبلغه أن وقت العملية انتهى فأمر إيتان في تمام الساعة 2:25 القوات بضرورة تنفيذ أمر إخلاء الجزيرة فوراً فقامت العناصر بالتركيز على تفخيخ المبنى الشمالي مثلما طُلب منهم.

قام (شاؤول زيف) بتفعيل سلسلة الانفجار لكنها انفجرت بشكل غير مرتب وأصابته في قدمه شظية من الحديد المسلح الخاص بالمبنى لكنه تحرك وكأن شيئاً لم يحدث لكن شاب مقاتل أصيب إلى جواره هو الآخر في قدميه إصابة بليغة جعلته ينتبه لما حدث بعدما انفجرت فيه قنبلة يدوية لم يتمكن أحد بيننا من معرفة مصدرها أو من أطلقها علينا لكن تحقيق القيادة جزم فيما بعد بأن عادة شهداء القوات المصرية ألا يموتوا قبل الأخذ بالثأر وعلى ما يبدو كانت تلك الواقعة هي الثانية في نفس الليلة التي قتل فيها جندي مصري "يحتضر برمقه الأخير " أحدنا إلى درجة أننا بدأنا نخاف بعدها من قتلى المصريين أكثر من أحيائهم خلال عمليات القتال القريب.  

 

 

في تلك الأثناء بدأت عملية إخلاء الجرحى فتم إخلاء (ديدي جرول) الذي أصيب مرتين بواسطة زميله جادي أما داني وعوزي وكانا مصابين بشكل طفيف فقد وجدا مشكلة نفسية في إخلاء جثة قائدهما إيهود رام بعدها بدأت عملية حصر المعدات والبحث عنها لسحبها من الجزيرة.

وقد سجل (يسرائيل أساف) في شهادته الرسمية بقوله: ذهبت بهدوء إلى الزورق على الشاطئ فوجدت أمامي رفائيل إيتان يجلس داخله حيث لم تطأ قدميه أرض الجزيرة وبيده جهاز الاتصال بالقيادة ولم يدرك بأنني مصاب وراح يتفحصني وفجأة سألني عن كود العملية فوجدت نفسي أنظر إليه باستغراب ولم أفهم ماذا يريد مني الآن بعد كل ما مر علينا؟ وقمت من مكاني وتركت له الزورق بعدما شك بي ولم أرد عليه ولم أحترم سؤاله لي كقائدٍ أعلى ولليوم لم يفهم إيتان ماذا تسبب لي من حالة نفسية سيئة لكن في الزورق الثاني شعرت بالحزن الشديد فقد وجدت زميلي (يوئاف) نائماً على ظهره لكنه يبدو بلا أي حركة وجسده سليم فأدركت للتو أنه قُتل من تفريغ الهواء خلال التفجيرات لكن أثناء محاولتي فحص جسده لاحظت أن هناك ثقب في صدره فناديت على الطبيب الرائد (سلفين) لفحص يوئاف فجاء حاملاً مصباحاً صغيراً وفحص عينيه ثم تركه وانتقل إلى زورق آخر بينما بقيت أنا أعاني من آلام إصابتي.

على الجزيرة كان المشهد مختلفاً فقد نادي ديجلي في الميكرفون بضرورة إخلاء الجزيرة فحملت القوة (يوفال ميرون) المصاب بشدة وجمعوا سائر العناصر وبدأت عملية الإخلاء الفعلية لكن (أمنون سوفير) مع الجاويش (أوري متتياهو) مُساعد إيهود رام الذي قتل انطلقا ناحية الموقع رقم 5 وألقيا بداخله العديد من القنابل اليدوية فأنفجر الموقع بالكامل وبدأ يحترق بشدة لكن زئيف ألموج نادي عليهما وأخبرهما بأنهما منعا بذلك تطهير الموقع رقم 6 بسبب الغبار والضباب الذي سببته النيران وكان ذلك الموقع مازال يقاوم بشكل ضعيف ومتقطع.

في عملية الإخلاء اعتلى جادي كرول أحد الأسطح وأمن طريق الانسحاب وخلال هذه المرحلة خرج عدد من الجنود المصريين من مكان ما وحاولوا مطاردة القوة الإسرائيلية لكن موقع جاد العالي مكنه من تحييدهم وعلى الشاطئ تولى داني أفينون عملية الإخلاء وركوب الزوارق بنظام من يصل أولاً وبدأ عملية العد كي يُعلن للقيادة عدد الجرحى والقتلى ومن تم إخلاؤه وفي تمام الساعة 2:25 انطلقت أول أربع زوارق مطاطية وكان عليها معظم المصابين والقتلى ومعهم طبيب.

وقد شهد داني أفينون بعد العملية بقوله: في تلك اللحظة كنت أول من علم بالحقيقة الكاملة من قتل؟ ومن أصيب؟ ومن عاد سالماً؟ والغريب أننا اعتقدنا أن (ديدي) قد قُتل لكننا علمنا أن الطبيب اكتشف في الزورق أنه مازال على قيد الحياة فقام بتقديم العلاج الأولي إليه لإنقاذ حياته.

وحدث أنه خلال عملية الانسحاب اكتشفنا غياب الملازم (داني فازا) من قوة رئاسة الأركان وعندما علم ديجلي الذي كان على السطح يؤمن عملية الانسحاب بحث عنه وعندما لم يعثر عليه اعتقد أنه سقط على الرصيف الشمالي للجزيرة فهبط ديجلي مع مصباح وراح يبحث عنه بينما غطى عليه (أوري متتياهو) حتى وجد جثة داني فازا مُلقاة بين الصخور إلى جوار موقع المدفع المصري رقم 4 ويصعب إخلائها فطلب من داني أفينون الحضور إلى ذلك الجانب مع زورق مطاطي لإخلاء الجثة فحضرت بعض العناصر معه وبينما يقومون بقطع الأسلاك الشائكة للوصول إلى الموقع عثروا فجأة على جثة أخرى لزميلهم الملازم (داني ليفي) من الوحدة 13 كوماندوس بحري ملقاة بين الصخور هي الأخرى فتم إخلاء الجثتين.

على الشاطئ اعتقد ديجلي أن أوري غائباً هو الآخر ولم يكُن يعلم أنه غادر مع الزوارق الأولى وخلال البحث بدأ المصريون في قصف الجزيرة بكثافة وسقطت قذيفتان إلى جوار إحدى الزوارق فدمرته وأصابت آخراً وفي تمام الساعة 2:45 كانت معظم القوة قد غادرت الجزيرة الخضراء ولم يتبقى عليها سوى إيلان وجيل لتفجير سلسلة الألغام ومعهم على الشاطئ سلسلة القيادة وبينهم زئيف ألموج وديجلي ودوف بار وعوزي وجونين الذي قام بتغطية مجموعة التفجير النهائي وفي النهاية استقل الجميع زورق زئيف وفي تمام الساعة 2:55 كانت عملية الإخلاء قد اكتملت.

عقب الابتعاد عن الجزيرة أعطى رئيس الأركان أوامره للطيران بالاستعداد للتدخل كي تبدأ عملية التغطية وحماية الانسحاب وأرسل بارليف للقيادة حتى يتم التقاط القوات في منطقة رأس سدر.

طبقاً لما ورد في شهادات يومية الحرب الخاصة بعملية الهجوم على الجزيرة الخضراء غادر الجزيرة أولاً الزورق المطاطي الأول وقد أصيب بشظايا طفيفة وكان عليه المُقدم مناحم ديجلي قائد وحدة ساييرت ماتكال مع سبعة مُقاتلين آخرين بعده غادر زورق كان عليه الملازم (جيدي) مع ثلاثة مُقاتلين وجثتي كلاً من: (داني ليفي) و(داني فازا).

خلال الانسحاب فوجئ الجميع بالمُقدم ديجلي يطلق النيران في المياه واعتقد الجميع أن هناك تهديداً ما من المياه أو أن هناك قارباً مصرياً سيهاجمهم لكن الحقيقة أن تعرض رشاش ديجلي لعطبٍ مفاجئ فخشى أن تفلت منه طلقات بالخطأ فيمن معه على الزورق حيث تعطلت إبرة الضرب من المياه والرمال كما علقت خزانة الرشاش ولم يتمكن من التخلص منها وكان عليه أن يقرر إما التخلص منه كاملاً بإلقائه في البحر أو أن يتمسك به على أن يفرغ الخزانة في المياه وهكذا فعل.

خلال تلك اللحظة اتضح أن زورق ديجلي حمل أوزاناً ثقيلة للغاية من الرجال والعتاد وأنه لا يتحرك بالسرعة المطلوبة فقفز ديجلي ومعه عنصر آخر من وحدة الأركان إلى زورق (جيدي) وفي الطريق تبين أن حتى زورق (جيدي) كان ينقصه الوقود ولم يكن ليصل إلى شاطئ رأس سدر بأي حال من الأحوال بعدما أصبح ثقيلاً جداً فقام جيدي بالاتصال بزورق رفائيل إيتان وهو الزورق الثالث الذي غادر الجزيرة تلك الليلة وكان عليه رفائيل مع (شاؤول سيلاع) والعريف أول (بلوم) و(شاؤول زيف) لكن رفائيل لم يجب على نداء اللاسلكي فقام جيدي بعمل إشارات بحرية عن طريق المصباح الذي حمله في زورقه لكن زورق رفائيل استمر في طريقه ولم يجب فقرر جيدي الهبوط على شاطئ (رأس مسله) حيث تمكن من إنزال الجثتين اللتين أخذهما معه في مكان نقطة آمنة قام بالتبليغ عنها ثم أكمل طريقه جنوباً حتى رأس سدر.

أما زورق (داني أفينون) فقد أبحر قليلاً إلى الغرب كي يتفادى قنابل الهاون التي ظل المصريون يطلقوها طيلة الوقت باتجاه مسار انسحاب القوة الإسرائيلية ثم أكمل إلى رأس سدر وفي الطريق كانت العموديات الإسرائيلية قد غطت المكان فاقترب من ثلاثة زوارق آخري وأكمل معهم المسار ومن فوق رؤوسهم العموديات الإسرائيلية التي رافقت الانسحاب حتى رأس سدر لكن خطأ إحدى الطائرات العمودية كاد أن يكلف خسائر بشرية جسيمة حيث أضاء أحد الطيارين مصابيح طائرته على الزوارق الأربعة فكشفها فأطلق المصريون قذائفهم بكثافة على الزوارق الأربعة وكادت قذائفهم أن تصب الأربعة معاً وحدثت معجزة حقيقية حيث اشتدت الرياح على ما يبدو من محركات العموديات الكثيرة ما دفع الزوارق الأربعة بعيداً بمسافة أمتار قليلة عن كتلة الزوارق المنسحبة من الجزيرة الخضراء.

بعدها حاول قادة الزوارق الأربعة الحفاظ على الاتزان وحمولة الزوارق وكان على الملازم (إيلي ماريك) نقل الطبيب المرافق لهم مع الملازم (نمرود) الذي عانى من إصابة بليغة إلى زورق آخر حتى يعالجه وعندما حقن المصاب بالمورفين وساءت حالته انتقل الطبيب إلى زورق آخر حيث عالج المصابين (عامي أيالون) والملازم (دافيد كيلاوت) الذي عاني من وجود شظية قذيفة في كتفه كانت بارزة بشكل مخيف حتى طلب الطبيب ضرورة الإخلاء السريع إلى الشاطئ فوافقت قيادة العملية وفي هذه الأثناء تعرض الشاطئ القريب لقصف كثيف من قبل المصريين فاضطرت الزوارق أن تُكمل طريقها إلى رأس سدر وكانت أغلب الزوارق تُعاني من نقص الوقود ومن مشاكل في المحركات وكان على القيادة الإسرائيلية التصرف سريعاً وعليه أرسلت 8 دبابات إلى الشاطئ المقابل للجزيرة وقامت بعملية تفتيش وإسناد وقصف مضاد للتخفيف عن الزوارق في المياه بينما انفصلت عدة عموديات وبدأت التعامل مع أهدف أخرى على اليابسة المصرية.

في هذا الوقت انطلق زورقان مطاطيان من الزوارق المنسحبة بسرعة أكبر ناحية رأس سدر وفي الطريق عند (رأس مسله) أدرك الملازم (تامير) قائد أحد الزورقين أن حالة المصابين تسوء بشكل دراماتيكي فطلب هو أيضاً إنزالهم على الشاطئ لكن ذلك كان من الصعوبة بسبب القصف المصري الكثيف فانطلق تامير بأقصى سرعة ناحية رأس سدر وراح يطلق قذائف أر بي جي عشوائية تجاه الشاطئ المصري وعندما شعر أن المصابين ربما يموتوا في الطريق فتوقف مُجبراً على شاطئ قريب حيث هبطت عموديتان ونقلت منه المصابين بينما حلقت عموديات أخرى لحراسة العملية.

وقد شهد (ديدي جرول) أحد المصابين على الزورقين أنه نام على ظهره فوق جثة زميل له تم إخلائه من الجزيرة وكان يعاني آلاماً مبرحة ويصرخ بقوة وقد رفض مساعد الطبيب العسكري إعطائه المورفين بدعوى أنه لم يكن يعرف حالته بدقة وقال: كانت عملية الإخلاء مثل الكابوس كنا ننام في الزوارق والطلقات والقصف يمر تقريباً من فوق رؤوسنا من أغلب الاتجاهات وبدأت ارتعش بشدة وفي منتصف الطريق توقف الزورق على الشاطئ ورأيت عمودية تهبط وهبط منها طاقم طبي مع طبيب حاول البحث عن وريدي لكنه لم يجد واضطر لأن يفتح وريداً في قدمي لكي يدخل منه العقاقير السريعة لإنقاذي بعدها فقدت الوعي وأفقت وأنا لا أرى أي شيء من حولي على سيارة إسعاف تنقلني إلى مستشفى (تل هاشومير) القريب من ضاحية رامات جان القريبة من مدينة تل أبيب فسألت هل سيمكنني أن أرى ثانية؟ ولا أتذكر أي شيء بعدها إلا وأنا في المستشفى ويداي في الضمادات ولم أكن أشعر بهما وشاهدت ناس يقفون فوق رأسي وعلى وجوههم علامات أسى واضحة على حالتي.

في طريق الانسحاب غادر الزورقان رقم 5 و6 دون مشاكل تقنية تُذكر في ذات المسار بطريق الانسحاب إلى رأس سدر وفي الطريق عالج الطبيب المصاحب المصاب (يسرائيل أساف) وعندما ساءت حالته تم إخلائه بواسطة العموديات إلى المستشفى في إسرائيل وقد سجل (يسرائيل أساف) في شهادته الرسمية عن ليلة الجزيرة

بقوله: " كان القصف المصري من كل مكان وكنا في مسار الانسحاب المتفق عليه داخل الزورقين وكان يقود زورقي (بيجلر) مقاتل وحدة رئاسة الأركان وفجأة توقف المحرك وارتعدنا من الخوف وقلت له هذا ليس وقت التوقف والعطل بالمرة وقمت وآلامي تقتلني وجذبت حبل المحرك عدة مرات حتى عادت إليه الحياة وبدأ يعمل بكفاءة من جديد بعدها بدأت أشعر كأني في النهاية وطلبت من الطبيب المرافق منحي المورفين لكنه رفض بدعوى عدم معرفته حالتي بدقة وكنت أنزف وأشعر بالبرد وأرتعد بقوة وفجأة شاهدنا عدة زوارق قريبة واعتقدنا أنها مصرية واستعد الجميع لكننا اكتشفنا أنها زوارق إسرائيلية سأل من فيها عن حاجتنا للمساعدة مع أنهم لم يكن بقدرتهم مساعدة أنفسهم وهنا وجدت نفسي على الشاطئ وعمودية تنقلني وعليها طاقم طبي أفضل عالجني حيث رأيت لأول مرة في الضوء ثقوب صغيرة عديدة في حذاء الكاوتشوك الذي ارتديته خلال العملية وأدركت أنها شظايا عديدة كما أبلغوني أن هناك شظايا أخرى في ظهري وفي رأس سدر وجدت نفسي أمام القادة الكبار بداية من وزير الدفاع (موشيه ديان) كما شاهدت زميلي (دجائي) وكان وجهه مغطى بالدماء كما شاهدت زميلي (زلمان روت) وقد قطع أصبع ونصف من كفه كما شاهدت (إيلان إيجوزي) مصاب بقدميه بعدها نقلوني إلى مستشفى (بئر جفجافه) للعلاج وبداخله تعرفت على ممرضة من الكيبوتس فأغمى عليها من هول هيئتي ثم نقلونا بعدها إلى مستشفى (تل هاشومير) في سيارات إسعاف كثيرة زفتنا عبر الطريق بصافرات الإنذار وقد أفقت بعدها في المستشفى وشاهدت صديقتي (شوش) وكنا حددنا موعد الزواج قبل قيامي بالعملية وكان بعد عشرة أيام وأخبرت الأطباء أنني سأذهب للزواج وأنا على قدمي. "

أما الزوارق المطاطية الأخرى رقم 7 و8 فقد غادرتا الجزيرة الخضراء وأبحرتا جنوباً وكان عليهما عناصر من الوحدة 707 كوماندوس بحري إسرائيلي ممن شاركوا في الإغارة على الجزيرة كقوة إسناد انحصرت مهمتها في تشغيل وصيانة الزوارق المطاطية لكن الزورق رقم 7 توقف على الشاطئ على مسافة ثلاثة كيلو مترات شمال رأس سدر لعطل تقني جسيم في المحرك وهبط منه رجال القوة وسكنوا في مكانهم حتى وصل زورق إسناد قدم من رأس سدر حملهم بأمان.

وكان آخر زورق إسرائيلي قد غادر الجزيرة الخضراء في تلك الليلة هو زورق (إيلان) و(جيل) اللذان بقيا على الجزيرة لتشغيل سلسلة الانفجارات التي وضعت داخل الأهداف بينما انتظرهم داخل الزوارق المطاطية على الشاطئ إلى جوار اللسان الصخري (زئيف ألموج) و(دوف بار) مع (موشيه زوسمان) و(إيال بنائي) وفور إتمام العملية بدأ المصريون في قصف الجزيرة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وبعد خمسة عشر دقيقة من الانسحاب سمعت أصواتاً عنيفة هزت الأرض والمياه بقوة بينما أضاءت سلسلة الانفجارات السماء فوق الجزيرة ورأينا المباني الشمالية على الجزيرة تنهار كلها إلى الأرض وقد استمرت الزوارق في مسارها دون مشاكل فنية سوى مشكلة في جهاز لاسلكي حمله (زئيف ألموج) منعه من النداء أو معرفة ماذا كان يجرى مع سائر زوارق العملية والغريب للغاية أن آخر زورق غادر الجزيرة تلك الليلة كان هو أول زورق وصل إلى رأس سدر.

خلال عملية الانسحاب أصيب أحد الزوارق المغادرة وهو على الشاطئ من شظايا قذيفة مصرية وكان الوضع داخل ذلك الزورق الذي تواجد عليه (ديجلي) مع مقاتل آخر سيئ فقفز ديجلي وزميله لقارب آخر لكن ذلك لم يفد الباقين وبدأت التيارات المائية تجذب الزورق في اتجاه الجنوب وبدأت المياه تتسرب إلى الزورق الذي كان على مسافة 400 متر فقط من شاطئ الجزيرة فقام الزورق بإطلاق أربعة طلقات حمراء لتنبيه سائر الزوارق بوجود خلل خطير لكن أحد لم ينتبه لما يحدث وخشى من في الزورق أن يضبط المصريون نيرانهم على موقع الزورق فقرروا عدم إطلاق أي تحذير إضافي والتعامل مع الموقف فأمر (أمنون سوفير) قائد الزورق الموجودين بنفخ أحزمه النجاة وارتدائها وأخذ السلاح الشخصي فقط مع أجهزة اللاسلكي وأجهزة الملاحة و(جركن) مياه واحد 5 لترات وإكمال الطريق سباحة حتى أقرب شاطئ من رأس سدر.

وقد سجل (عوزي لفنات) أحد الموجودين على ذلك الزورق المعطوب بتلك الليلة أنهم نفذوا الأمر وقفزوا إلى المياه الباردة لكنه شعر في تلك اللحظة بإصابته التي أصيب بها في بداية الإغارة ويقول:

" حاولنا الاتصال بأحد لإنقاذنا لكن أحد لم يجب على النداءات وأطلقنا طلقات حمراء ولم ينتبه أحدهم وحدثت أعطال في أجهزة الاتصال بسبب كثافة تحميل الاتصالات على موجة الشبكة التي استعملناها حيث كان كل منا يخاطب الأطراف الأخرى بنفس التوقيت وكان الجو كقطعة من الجحيم حيث قصف المصريون الجزيرة بشراسة لاعتقادهم أننا كنا عليها ولقد سبحنا في المياه لحوالي نصف ساعة وكنا قد خرجنا من موقع قصف الجزيرة وتوقفنا على سطح المياه وأجرينا نداء آخر باللاسلكي وعندها أدركنا أنهم لا يروننا ولا يسمعوننا أصلاً فأكملنا السباحة وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً تقريباً بدأت شبكات الاتصال تعود لطبيعتها ثانية فالتقطنا الملازم أول (يوئاف حيون) مسؤول الإشارة على برج الاتصال العالي في منطقة انطلاق العملية في رأس مسله وعلى الفور نقل بدوره الاستغاثة إلى رأس سدر فانطلقت عملية الإخلاء من هناك."

كان حيون أحد عناصر وحدة رئاسة الأركان الذين شاركوا قبلها مُباشرة في غارة (الأدبية) لكنه أصيب إصابة طفيفة ولهذا لم يُشارك في عملية الجزيرة الخضراء وتولى مهمة وصل الإشارات بين الزوارق المُشاركة في غارة الجزيرة الخضراء ومع أن نوبة خدمته كانت انتهت في الرابعة صباحاً لكنه أصر على إكمال المهمة وبقي في موقعه.

في هذه الأثناء وصل إلى شاطئ رأس سدر الملازم أول (جادي كرول) وكان بين القلائل الذين شاركوا في العملية منذ بدايتها والمجموعة التي شاركت على سطح مبنى رصيف الدخول للجزيرة ولم يصب وقد قابل جادي الجنرال موشيه ديان الذي وصل إلى رأس سدر في تمام الساعة 5:40 دقيقة وكان معه الجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان بانتظار وصول فريق العملية وكان الحزن والقلق يبدو على وجهيهما وكانا يقفا على الشاطئ عندما بدأت الزوارق المشاركة تصل تباعاً وعلى كل منها تقريباً إما مصاب أو قتيل وقد أبلغت تقارير العملية عن وجود مصابين أو قتلى تم إنزالهم وإخلائهم بالطائرات العمودية في الطريق إلى رأس سدر وكانت كافة التقارير التي وصلت إلى القيادة الإسرائيلية قد أكدت على وجود كارثة عملياتية حقيقية حدثت خلال عملية الإغارة على الجزيرة الخضراء بتلك الليلة التاريخية التي لن تُنسى.

على الشاطئ اتضح أن قارب الإسناد الذي قابل الزوارق في المياه وقاده (أمنون بن تسيون) هو من نقل إشارة الاستغاثة من الزورق الغارق بعدما تلقاها مباشرة من برج الاتصالات في رأس مسله إلى قيادة رأس سدر حيث قرر النقيب (عامي ماؤور) الذي خدم ليلتها كضابط أركان على شاطئ رأس سدر إرسال زورق الإسناد السريع لإنقاذ عناصر الزورق الغارق قاده النقيب (أمنون بن تسيون) الذي تصادف وجود قاربه على مقربة من موقع الاستغاثة وكان الموقع قريباً من الميناء الجديد الذي أسموه (نيو بورت) وقد أبلغهم رفائيل إيتان أن وقت الإنقاذ ينفذ مع اقتراب بزوغ ضوء النهار وأن الموجودين في المياه بخطر داهم.

على الفور أقلعت العموديات التي هبطت وقتها على شاطئ رأس سدر إلى موقع العناصر المُستغيثة في المياه ورافق تلك القوة النقيب (دوف بار) وذلك بعد أن طُلب من المستغيثين البقاء بموقعهم لحين وصول الإنقاذ وكان ضوء النهار في تلك اللحظة قد بدأ يبزغ في السماء وأصبحت المروحيات الإسرائيلية في مرمى المصريين وحدث أن مرت عمودية مباشرة فوق موقع الموجودين بالمياه لكنها لم تكشف مكانهم وفي تلك اللحظة اشتبكت المروحية مع هدف مصري قريب وسمع صوت المدافع المصرية عيار 130 ملم بوضوح وعند اهتزاز الأرض والمياه عثرت العموديات الأخرى على الموجودين بالمياه وبدأت عملية الإنقاذ على مسافة 3700 متراً من شاطئ الجزيرة الخضراء وخلال نصف دقيقة تم إنقاذ عناصر العملية الستة من المياه وفي تمام الساعة 5:60 صباح يوم الأحد الموافق 20 يوليو 1969 وصلت العموديات مع آخر العناصر التي شاركت في عملية الإغارة على الجزيرة المصرية الخضراء إلى الشاطئ في رأس سدر وقد اصطحب رفائيل إيتان معه المصاب (شاؤول زيف) في العمودية التي انطلقت به شمالاً إلى المُستشفى الإسرائيلي (تل هاشومير) حيث بقى زيف داخلها للعلاج المكثف ثلاثة أشهر كاملة أنقذ خلالها الأطباء قدميه من خطر البتر.

أما قوة إسناد الخنازير البحرية البطيئة التي رافقت العملية منذ اللحظة الأولى فكانت آخر قطع تصل إلى رأس سدر في السادسة والنصف صباحاً بعدما أبحرت بهدوء بعيداً عن مسار الانسحاب وعليها معظم أجهزة وأدوات العملية التي جمعوها من ميدان الاشتباك وقت الانسحاب وقد شهد النقيب (باولين) قائد أحد خنازير الإسناد بعد العملية بقوله: كنا نسمع في اللاسلكي عما يحدث في الزوارق المطاطية المنسحبة لكننا كنا نُبحر ببطيء شديد على عكس الزوارق المطاطية السريعة وفي مسار مختلف لتأمين قوتنا وسمعنا عن الزورق الغارق كما سمعنا كلمة السر (الأحجار) عدة مرات التي كانت تعني وجود قتلي من صفوفنا على الزوارق وقد وصلنا إلى شاطئ رأس سدر بعد وصول كل الزوارق والقطع وكانت الجثث تقبع في داخل أحد المباني بالقاعدة ووجدت صعوبة في إيجاد القوة للنظر إليها وكنت أعرف أصحابها وقد عشت وتدربت معهم وشعرت أننا كان علينا فعل المزيد ولولا أننا نجحنا في جذب انتباه نصف قوة النيران إلينا لما سامحت نفسي تلك الليلة وأعتقد أن السبب فيما حدث كان ضعف التدريب على تفاصيل كثيرة أبرزها الأسلحة التي تعطلت والذخائر التي فشلت والاتصالات التي توقفت بسبب الأحمال الزائدة عن العمل.

نتيجة العملية

انتهت عملية الغارة الإسرائيلية على الجزيرة الخضراء بنصف الفريق الإسرائيلي بين مصاب وقتيل وكان أول الأمور الرسمية عقب الوصول إلى رأس سدر القيام بتحقيق أولي أظهر وجود حوالي 36 شهيد مصري وتدمير موقع الجزيرة الخضراء لكن التحقيق كشف أيضاً عن وجود خسائر إسرائيلية غير مسبوقة وتجادلت القيادة بقوة حول الأمر وتأثيره على المعنويات في داخل إسرائيل خاصة بين القوات.

وبلغ الجدال أن استُدعى إلى قاعدة رأس سدر على عجل المسؤول عن تسجيل التأريخ العسكري بوزارة الدفاع الإسرائيلية حيث دار حواراً عنيفاً بين القادة حول كيفية تسجيل أحداث ووقائع تلك الليلة الصعبة باليوميات العسكرية وفي نهاية الأمر اتفق الجميع على ضرورة تسجيلها على أساس نوعيتها وأنها غير مسبوقة الحدوث في الحروب وجرى التعتيم المقصود من قبل القيادات العُليا حتى وزير الدفاع نفسه وخرج الجميع إلى وسائل الإعلام ليمجدوا فيما حدث على الجزيرة الخضراء بينما كانت القبور تُحفر في تكتم وسرية للكثيرين من خيرة نخبة شباب ضباط الوحدات الخاصة من الذين شاركوا في العملية وعلى ذلك صدرت الصحف الإسرائيلية صباح يوم 20 يوليو 1969 بمعلومات كاذبة وناقصة تم تزييفها عن قصد وعمد حيث سجلت يومية الحرب الإسرائيلية السرية مقتل ستة عناصر وجرح إحدى عشر بجروح بليغة.

 

وقد شهد (عوزي لفنات) عن ذلك في يومية الحرب الإسرائيلية عقب العملية بقوله: رفضنا تصوير ما حدث على أنه انتصاراً وكنا نعلم أن هناك فضيحة قد حدثت لكننا كنا في وسط القتال ولم ندفن زملائنا بعد وبالرغم من كل الكذب السياسي والعسكري فقد أدركنا أننا وصلنا إلى قمة شيء ما لم نكن نعرف وصفه يومها وكانت الأحزان تُحاصرنا من كل جانب.

أما النقيب (دوف بار) فقد سجل في شهادته الرسمية قوله: كان البعض قبل قيامنا بتلك العملية يري عدم إمكانية حدوثها سوى في أفلام الحركة الغربية ومع ذلك فلقد شعرنا في نهايتها أننا لم نكتب أي تاريخ وأننا بلغنا حد لم نعرف كيفية شرحه لكننا علمنا أنها عملية لن تتكرر وأن المصريين لن يسمحوا لذلك أن يتكرر وفي اليوم التالي على كذب الإعلام الذي لم نؤيده تجمع الآلاف من المواطنين في أكثر من مقبرة مدنية داخل إسرائيل لتشييع ودفن وتأبين من سقط من زملائنا وعندها بدأت الحقائق على حد اعتقادي تتضح أمام الشارع.

 

تحقيقات سرية عقب العملية

عقب انتهاء الأحداث تُثبت وتوثق يومية الحرب الإسرائيلية المدونة عما حدث أن العملية اعتُبرت مُنتهية وأُغلق باب التدوين العسكري الرسمي للأحداث الميدانية في تمام الساعة السابعة من صباح الأحد الموافق 20 يوليو عام 1969 وكانت آخر تدوينة عن عدد القتلى والمصابين وحصر الأسماء لكن التحقيق الرسمي بدأ في الساعة التاسعة من صباح نفس اليوم والغريب أن هناك قراراً صدر من القاضي العسكري في ذات التاريخ ومعه حظراً شاملاً للنشر مازال سارياً منذ 51 عام وحتى يومنا هذا وأن النتائج التي دونت عن التحقيقات ونقلت أنا - (الباحث) - كانت مجرد ملخصاً مبسطاً عما حدث لم يكشف لي كل أركان الفضيحة العسكرية الإسرائيلية التي حدثت في تلك الليلة.

وكان أبرز ما ورد في ملخص نتائج التحقيقات

قلة خبرة عدد كبير ممن شارك من القوات الإسرائيلية وأن ضعف التدريب النفسي والعملي الذي ظهر في الإجهاد البالغ الذي وصل عليه الفوج الأول لموقع الهدف المصري كان من بين العناصر الرئيسية للخطأ

وكذلك ضعف التسليح ونوعية الأسلحة والذخائر التي لم تنطلق ولم تعمل بكفاءة وقت الاشتباكات

وكذلك وجود نقص في عدد العناصر البشرية المطلوبة لتنفيذ عملية بذلك الحجم وتلك التفاصيل وكان هناك تقصيراً واضحاً وثقته لجنة التحقيق السرية تناول ملف اختيار نوعيات الزوارق والمحركات التي شاركت. بالعملية

كما أثبت ملخص التحقيقات السرية كذلك وجود تقصير في الاستجابة لنداءات التدخل من البر والبحر والجو مع قلة في معلومات الاستخبارات العسكرية عن تحصينات الجزيرة الخضراء وتوزيع القوات المصرية داخلها وكان من بين النتائج الهامة التي وثقتها التحقيقات بشكل خاص وظهر ذلك في الملخص العام عن التحقيقات التي أجريت عن العملية وجود تقصير بالغ لدى كل قيادة شاركت في العملية وأن التقصير نال حتى القيادات العُليا ومن بينها تقصير نُسب إلى الجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان نفسه الذي سمح لعملية كتلك أن تتم بكل هذه العيوب والنواقص في التخطيط والتكتيك والتنفيذ والأداء.

وكانت التحقيقات قد نسبت إلى قائد العملية (زئيف ألموج) مسؤولية التقصير البالغ في السيطرة حيث كشفت التحقيقات الدقيقة عن فقده السيطرة القيادية على كل عناصر العملية في الميدان وأن القيادات الشابة نفذت ما يحلو لها في ليلة الجزيرة الخضراء وأن ألموج ظهر في موقع العملية وكأنه تابع وليس كقائدٍ لوحدة نُخبة بحرية وأن تسلسل الأحداث كشف فشل ألموج في توجيه القتال والرجال على الجزيرة وأن هُناك هرجاً ومرجاً غير عادي قد حدث راح ضحيته ستة قتلى وإحدى عشر جريحاً من القوة الإسرائيلية سببها ضعف شخصية القائد وفساد قراراته في الميدان وعدم انصياع العناصر تحت قيادته لأوامره.

اللافت أن لجنة التحقيق العسكرية الإسرائيلية السرية التي حققت في أحداث عملية الجزيرة الخضراء نسبت كذلك مسؤولية التقصير البالغ للقائد (رفائيل إيتان) حيث وثقت تكاسله عن التدخل السريع بفريق الفوج الثاني وأنه أبلغ بأن الأمور تكاد تنتهي بينما كان الرجال يقتلون على الجزيرة وأن الأوامر التي قضت ببقائه في الزورق وعدم نزوله على الجزيرة لم تعفيه من مسؤولية التقصير حيث لم يستدعي قوة الإسناد ولم يصدر أمراً واحداً كان يُمكن أن يُسهم به في تقليل الخسائر ورأت التحقيقات أن كافة الدعاوى التي ساقها أمام لجنة التحقيق لم تكن مقنعة خاصة في تأخير دخوله للجزيرة على الزوارق تحت قيادته التي لم تكن تُعاني في تلك المرحلة من أية أعطاب أو مشاكل فنية وكانت حُرة في التدخل السريع.

في التحقيق حاول رفائيل إيتان الرمي بالمسؤولية على القائد زئيف ألموج بدعوى أنه كان معه وأن زورق ألموج أُصيب بعطل مسجل في اليومية وأن الفوج الثاني كان تابعاً في المجمل لقيادة ألموج الضابط البحري الأعلى المُتخصص في العمليات البحرية وليس لنخبة قوة إيتان.

بالرغم من توثيق لجنة التحقيقات السرية كل المسؤوليات بدقة شديدة فقد رفض وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان تسجيل أية ملاحظات داخل ملفات كافة القادة المُشاركين بالعملية ومن خلفه فعل ووافق رئيس الأركان حاييم بارليف على تجاهل نتائج التحقيقات حيث رأى ديان في ذلك فتحاً لباب مسؤولية تاريخية جسيمة كان يمكن أن تطاله هو الآخر في نهاية الأمر ما سيدمر فرصه السياسية في المستقبل.

وكانت التحقيقات قد تعمقت في كل كبيرة وصغيرة بين أحداث تلك الليلة المشهودة عظيمة الخسائر بالنسبة للقوات الإسرائيلية إلى درجة أنها حققت في مسؤولية (شاؤول زيف) بعدما تجاهل الإنذار الذي أطلقه الزورق القريب منه وهو يغرق في المياه وكان في الجوار رفائيل إيتان وزئيف ألموج.

كما حققت اللجنة العسكرية السرية في نوعية العلاقة التي كانت قبل العملية بين القائدين زئيف ألموج ومناحم ديجلي ورجالهما وكيف أن المنافسة الغريبة بينهما وبين الوحدات الخاصة تسببت في جزء كبير من الفشل الذي حدث على الجزيرة وتمثل ذلك في عدم فهم القوات لبعضها البعض وعدم اقتناع العناصر بأوامر بعضها للآخر ورأت لجنة التحقيق في الخلاصة أن تعدد أسماء وتخصصات الوحدات الخاصة التي شاركت في عملية الجزيرة الخضراء كان ضد العملية وليس معها وأنه كان بمثابة الفقر في التنفيذ وليس الثراء.

حتى الكادر الطبي الذي رافق العملية تلك الليلة لم يسلم من المسؤولية ورأت لجنة التحقيق السرية أن بعض عناصر الطاقم الطبي خاصة الطبيب الرائد (شيمعون سلفين) والمساعد الطبي الطبيب الرائد (بيني أزولائي) لم يكونا على قدر المسؤولية والخبرة العملية بينما ادعى الاثنان بأن القيادة تجاهلت دراسة حجم العملية وأنها أخفقت في تزويد القوة بالعدد الكافي من الأطباء والأجهزة والأدوية التي يُمكن أن تصمد أمام العدد الكبير من الإصابات والقتلى في عملية واحدة وأنها لم تُبلغهما بتوقعاتها الحقيقية في عدد الإصابات والقتلى لكي يستعدا.

تشاركت الوحدات الإسرائيلية التي قامت بالهجوم على الجزيرة الخضراء عدد القتلى فقد سقط من وحدة الكوماندوس البحري 13

ثلاثة قتلى هُم: (حاييم شتورمان) و(داني ليفي) مع (يوئاف شاحار)

بينما سقط لوحدة نخبة رئاسة الأركان ثلاثة هم: (إيهود رام) و(داني فازا) و(يوفال ميرون).

أما المصابين فكان بينهم عشرة من قوة وحدة الكوماندوس البحري 13 معظمهم كانوا من عناصر فوج الهجوم الأول على الجزيرة وكان أربعة فقط من بين عناصر الوحدة ممن شاركوا بالفوج الأول وبينهم النقيب (يائير ميخائيلي) لم يُصابوا في العملية

وهو ثمن باهظ سُجل في تاريخ تلك الوحدة الخاصة التي مازالت تتساءل حتى يومنا هذا: (هل كان الهجوم على الجزيرة المصرية الخضراء في 19 يوليو عام 1969 ضرورياً ومُلحاً إلى هذا الحد؟).

 

قلدت قيادة الجيش الإسرائيلي بعد العملية في إطار التمويه والتكتم والتعتيم العسكري المقصود على الفشل عدد من الضُباط الذين شاركوا بالعملية أنواطاً وأوسمه شرف عسكرية فنال الستة قتلى نوط البطولة أما الملازم (عاميحاي أيالون) فقد نال نوط الشجاعة بينما نال الملازم (جيل لافي) نوط القوة أما نوط التفرد فقد ناله كلاً من: الملازم (أيالون إيجوزي) – النقيب (دوف بار) – الملازم (جادي كرول) – والرقيب أول (زلمان روت).

 

تكريم النقيب عامي أيالون من قوة الهجوم

 

قبل تسعة عشر يوماً من الهجوم على الجزيرة الخضراء أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر ما عُرف في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وتاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي باسم معركة (حرب الاستنزاف) وكان الفريق (مُحمد فوزي) قد دون في مُذكراته عن تلك العملية الإسرائيلية التي استهدفت الجزيرة الخضراء أن الفريق الإسرائيلي المهاجم تمت إبادته بالكامل وهكذا دوَّن من بعده مؤرخين كُثر رُبما لثقتهم بمعلوماته .. لكنكم اليوم قد طالعتم لأول مرة منذ 51 عاماً الحقائق كاملة عما حدث في ليلة التاسع عشر من شهر يوليو عام 1969 المعروفة بليلة الإغارة الإسرائيلية على الجزيرة الخضراء اللهم أبلغت اللهم فأشهد.

المصادر

يوميات حرب المجموعة 13 كوماندوس بحري

ويوميات حرب ساييرت ماتكال

نص التحقيقات التي تلت العملية .

 

 

ملحق صور

 

 

جادي كرول

 

شاؤول زيف مع موشيه ديان بعد العملية

شاؤول زيف

 

عامي أيالون

 

لقطة نادرة إيلان إيجوزي بعد العملية وهو مصاب مع خطيبته

 

أول صفحة من تحقيقات عملية الجزيرة الخضراء

الوحدة 13

 

 

الجزيرة الخضراء 

 

تدريبات الوحدة 13

 

 



تم بحمد الله

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech