Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

نسر 1 - يتحدث عن ظروف النكسة

 

 

شكرا للسيد عز الدين شوكت علي مشاركتنا هذا المقال الجميل

 

الطيار المقاتل، ممدوح عبدالله الملط،

لقبه: النسر القائد، نسر 1 ، متخصص في طلعات الصيد الحر بالميج 21

توفي في 2006 ، سجل معه المؤرخ العسكري عصام دراز

و نقلا عن الاستاذ عز الدين شوكت .

 

 

كانت حرب 67 تجربة مريرة وكان الطيار ممدوح الملط على رأس أحد الأسراب الجوية بمطار المليز وفوجئ يوم 5 يونيه بالهجوم الجوي الإسرائيلي وهو يجلس داخل طائرة على الممر وانطلق رغم ذلك ليواجه الطائرات الإسرائيلية، ولكن طائرته أصيبت أثناء الإقلاع واستطاع أن يقفز بالمظلة ويصاب إصابات بالغة

واليوم يروي لنا تفاصيل ما حدث قبل وبعد 5 يونيه الحزين.


قبل 5 يونيه
في 15 مايو 1967 أي يوم رفع درجة الطوارئ بالقوات المسلحة المصرية كنت أدرس في دورة تدريبية بمطار غرب القاهرة لكي أتأهل لأكون مدرب هجوم جوي لهذا تم التوقف الدورة التدريبية وطلبوا مني العودة إلى سربي الذن كان في مطار أبو صوير ثم نقل بعد رفع درجة الاستعداد والطوارئ إلى مطار وادي المليز بسيناء.

عندما وصلت السرب كان قائد السرب قد انتدب لإدارة غرفة عمليات القوات الجوية بسيناء لهذا توليت قيادة السرب بالنيابة، وكان واجب عمليات السرب تبعا للخطة فهد وهي خطة هجومية وكان واجب عملياتنا هو العمل كمظلة جوية غرب مدينة غزة على ساحل البحر الأبيض، بدأنا التجهيز للتدريبات من اليوم الأول ولكن التدريبات توقفت لرفع درجة الاستعداد للحالة القصوى وكان عندنا باستمرار أربع طائرات في حالة الاستعداد الأولى والطيارون فيها مربوطون داخليا بصفة مستمرة. وطبعا هذه الحالة فيها جهد شاق على الطيارين. وظلت هذه الحالة من 18 مايو حتى يوم 5 يونيه. فكنت أقوم بدوري في حالة الاستعداد الأولى لمدة ساعة وفي حالة الاستعداد الثانية لمدة ساعة ثانية وهي أن يكون الطيار تحت جناح الطائرة، أما الساعة الثالثة الطيار يكون في الميس بالقرب من الطائرة. كنت أقوم بدوري في حالات الاستعداد وفي فترات الراحة كنت أدير شئون السرب في هذه الفترة حضر لزيارتنا شخصان على جانب كبير من الأهمية وهما المرحوم المشير عبد الحكيم عامر ووزير الحربية شمس بدران.


زيارة المشير كان كلها أحاديث في جوانب إنسانية وشخصية ولم تتكلم في شئون العمليات وأذكر أنني طلبت منه مزيدا من طلعات الاستطلاع لأن معلوماتنا عن العدو وأهدافه وقواته كانت محدودة جدا. وافق المشير وأخرجنا طلعات استطلاع من سربنا. وكانت طلعة الاستطلاع تتم بطائرة واحدة منفردة وتصور على ارتفاع عال جدا وحتى قيام العمليات الحربية لم تكن نتائج الصور الجوية التي التقطناها قد شاهدناها.

الزيارة الثانية كانت زيارة الوزير شمس بدران وكانت بعد لقاء عبد الناصر بالطيارين في مطار أبو صوير وما حدث فيها حيث أعلن عبد الناصر أننا لن نبدأ بالهجوم وسوف نتلقى الضربة الأولى ومن المعروف أن الطيارين استقبلوا هذا الكلام بغضب شديد جدأ، أنا لم أحضر هذا المؤتمر ولكن زملائي الضباط حضروه وأخبروني أن المشير بعد اللقاء عاد إليهم وراح يطمئنهم ويقول لهم "ما تخافوش يا ولاد، والله لنحارب"

كانت زيارة الوزير شمس بدران بعد هذا اللقاء وكان برفقته الفريق أول صدقي محمود وكان زيارة لتفقد القوات كما قلت. كنت قد درست تكتيكا جويا في دورة تدريب قادة الأسراب وكنت درست جيدا وضع القوات للدفاع ووضعها للهجوم. وكان من الواضح أن أوضاع القوات المصرية كانت أوضاعا هجومية ثم جاء الرئيس وأعلن أننا سنتلقى الضربة الأولى أي سنلتزم الدفاع بعد هذه الضربة وكان قواتنا سواء الجوية أو البرية مكشوفة لأنها في وضع الهجوم. قمت بتوجيه السؤال للوزير شمس بدران في هذا الوقت. هل نحن الآن هجوم أم دفاع؟ فكانت إجابته بما معناها "إنت لسة صغير وليس من شأنك الحديث في هذه المواضيع" بالطبع شعرت بالإحراج وانتهى الموضوع عند هذا الحد. طالت فترة الطوارئ ووضح لنا أننا لن ننفذ أي خطة لا "أسد" ولا "فهد" وبقى الموقف لا دفاع ولا هجوم وطائراتنا موضوعة على الأسفلت في العراء، طائرتان على يمين الممر وطائرتان على يسار الممر. الرادارات تعمل ولكن لا تستطيع اكتشاف الطيران المنخفض

البداية
كان يوم 5 يونيه ككل الأيام بدأ يتولد عندنا شعور بأننا لن نحارب صباح 5 يونيه كنت مربوطا في طائرتي في حالة الاستعداد الأولى. كنت أستمع إلى راديو ترانزستور صغير وضعته على لوحة جهاز التنشين وفي نفس الوقت كنت أقرأ كتابا للتسلية وطبعا ساعة مربوط في الطائرة وساعة أخرى تحت الجناح كحالة استعداد ثانية. ثم ساعة في الاستراحة قريبا من الطائرات. عملية مرهقة ومملة جدا.

زاد ذلك شعورنا بأننا لن نحارب. في هذه اللحظة سمعت صوتا يقول قنابل، نظرت إلى السماء وجدت فعلا قنبلتين نازلتين وعدة طائرات عبرت المطار. رأيت القنابل في الجو نزلت في قلب الممر وكانت قنابل من عيار ثقيل. أحدث انفجار هذه القنابل صوتا شديدا جدا وكمية هائلة من الغبار أدت إلى انعدام الرؤية للحظات. بعد لحظات بدأ الغبار ينقشع وأنا كقائد سرب أعطيت أوامر بإدارة المحركات دون الرجوع إلى غرفة العمليات لأنني أرى الهجوم بنفسي. قلت آمرا "دوّر" فبدأت الطائرات الأربع في إدارة المحركات والمعروف أن ماكينات الطائرة يجب أن تدور لمدة دقيقة كامة، ستين ثانية لكي تصبح الطائرة جاهزة للإقلاع . كانت هذه الثواني هي أطول ثواني في حياتي كلها.

لمحت طائرة الطيار "طلعت الشال" تحترق وكان رقم 4 في التشكيل من الناحية المقابلة لي. كانت الطائرة تشتعل والطيار داخلها يحترق ويضيء وسط اللهب وبدأت اكتشف أن هذه القنابل قد دمرت الممر تماما ويستحيل الاقلاع فكدت أتراجع في قرار الإقلاع وأفك نفسي من الطائرة ولكنني وجدت ميكانيكي طائرتي وكان اسمه جمال واقفا على السلم وسحب فيشة تأمين المقعد ويمارس عمله في تجهيز الطائرة للطيران. في هذه اللحظة خجلت أن أتراجع وشعرت بأنني قد أجبرت على العمل والاستمرار وأنني طالع أموت لا محالة. ولا مفر من أن أموت. أغلقت طائرتي وكانت انتهت مدة الإدارة ودخلت الممر وأنا فاتح محركاتي على أقصى سرعتها. وأثناء تحركي وجدت الطائرة تخرج خارج الممر لأن لم يكن هناك سوى ممر ضيق لكي أستطيع الإفلات من حفر القنابل التي دمرت الممر. عندما اجتزت هذه الحفر شعرت بفرحة شديدة وأنني سوف أنجح في الإقلاع وإذا نجحت في ذلك فإنني سوف أستطيع تحقيق عمل بطولي مجيد وسوف أفك الهجوم على المطار. وفي هذه الفرحة بدأت الإقلاع ولكن الطائرة لا تقلع. سحبت العصا لآخر مشوار والطائرة لا تقلع والممر يقترب من نهايته. أدركت أنني ميت لا محالة وفي لحظة استرجعت كل ذكرياتي ومرت كل حياتي منذ أن كنت طفلا أمامي، وعند آخر الممر وجدت الطائرة تقلع بزاوية حادة جدا "زوم" وإقلاعها بهذا المنظر سيعرضها للانهيار مرة ثانية وحينما أرجعت العصا للأمام حتى أضعفت هذه الزاوية اكتشفت أن العصا غير مؤثرة في الطائرة وشممت رائحة بارود. ووجدت الجناح يهتز. أدركت في هذه اللحظة أن طائرتي قد أصيبت. ضربت المظلة وضربت مقابض الكرسي والطائرة تدور بي كنت في غيبوبة عندما سمعت صوتا شديدا بعد فترة اكتشفت أن هذا الصوت هو ارتطام جسمي بالأرض ووجدت مظلتي بجانبي ولم تكن مفرودة بالكامل. كنت أنزف ولا أستطيع التنفس وبدأت أتحسس على أطرافي لأعرف هل كنت حيا أم ميتا اكتشفت أن أطرافي موجودة وأني على قيد الحياة ولكن لا أستطيع الحركة. في هذه اللحظة رأيت جنديين من جنود المدفعية يرفعان سلاحهما نحوي وقالوا لي: انهض، قلت لهم: أنا غير قادر على الحركة، أنا الرائد ممدوح،
تعالوا احملوني.
حملني الجنود وأخذوني إلى قائد الموقع، كان قائد الموقع ضابط احتياط، كان ضابطا شهما وشجاعا، وعرف أنني طيار مصري. وكان الجنود يعتقدون أنني إسرائيلي. أحضر الضابط مرتبة ووضعها على الأرض وأرقدني عليها بجوار مدفع 57 مم وبعد فترة من الوقت عادت الطائرات الإسرائيلية في موجة هجوم ثانية. وأكملوا تدمير كل طائرات المطار ثلاثة عشرة طائرة ميج 21 وطائرة هليوكوبتر واحدة. رأيت في هذه الأثناء طائرة واحدة ميج 21 تقلع من المطار وتختفي عرفت بعد ذلك أن طيارا اسمه عادل هلال كانت وجهة نظره أن أفضل شيء يفعله هو إنقاذ هذه الطائرة وأنه لا جدوى من الاشتباك مع العدو. أحضر لي ضابط الموقع راديو ترانزستور وكانت الإذاعة المصرية تبث برامجها المعتادة وبالمصادفة كان برنامج من برامج المرأة وكانت المذيعة تشرح عملية طبخ طبخة معينة. عندما سمعت راديو القاهرة يذيع هذه البرامج المعتادة بكيت، شعرت بأننا قد فوجئنا مفاجأة قاسية جدا وأن ما حدث في مطاري حدث في كل مطارات مصر ولا أحد يعرف أن القوات الجوية المصرية يتم تدميرها. بكيت بحرقة وشاهدني الضابط فعاتبني بشدة وقال أن هذا وقت الجهاد والعمل وليس وقت البكاء وأن هذا عيب من طيار مثلي، شعرت بالخجل من نفسي

وفي نفس الوقت بدأت موجة هجوم ثالثة وموجهة هذه المرة ضد المدفعية المضادة للطائرات بالذات. كان قصفا شديدا وعنيفا واستشهد عدد كبير من الجنود حولي وكانت بعض الهجمات قريبة مني جدا وأنا غير قادر على الحركة. اكتشفت أن عندي أربع فقرات في ظهري مكسورة وبعد هذه الغارة رأيت الضابط يبكي فقلت له أنت الآن تبكي مثلي.
بعد فترة حضرت لي عربة إسعاف، حملوني على نقالة جرحى إلى عربة الإسعاف وأرسلوني إلى نقطة طبية على الطريق الأوسط، وهي نقطة إخلاء جرحى ووضعوني على الأرض وبجواري جنود مصابون إصابات قاسية جدا. أخليت من هذه المنطقة إلى الإسماعيلية ومنها إلى مستشفى القوات الجوية وظللت بالمستشفى عدة شهور وظللت أتابع الأحداث وأنا بالمستشفى. كنت مصابا بصدمة نفسية شديدة جدا، وشعرت بأنني لم أقم بدوري كضابط وطيار


الحقيقة أننا لم يكن لدينا معلومات حقيقية عن العدو الذي سوف نواجهه. لم نكن نتصور أن العدو ممكن أن يهزمنا بهذه البساطة. أيضا كنا نتصور أننا أقوى قوة في الشرق الأوسط. شعرت بأن كل ما قيل لنا كان غير حقيقي. سألت نفسي، ما هو التدريب الذي تلقيته لكي أكون جاهزا للقتال في 5 يونيه. لقد كنت واحدا من فريق الألعاب البهلوانية في القوات الجوية وفي هذا الفريق كنت قد وصلت إلى مستوى عال من المهارة، فقد كنت أقوم بالألعاب البهلوانية الصعبة بعدد 11 طائرة وكان مركزي حرجا جدا وسط هذا التشكيل وعملي كان يحتاج إلى مهارة جبارة ولكنها للأسف استعراضية. كنا نقوم بالتدريب لمدة شهر ونصف قبل استعراض 23 يوليو ولكن هذا التدريب وهذه العروض البهلوانية التي كانت تنتهي بإطلاق الدخان الملون أمام المنصة، كل ذلك لم يكن له أي فائدة قتالية. تذكرت عدد المرات الي تدربنا فيها على القتال تدريبا حقيقيا، تذكرت كم مرة تدربنا على ضرب النار الحي من الجو إلى الأرض. اكتشفت أنني لم أتدرب على ضرب النار الحي طوال مدة خدمتي من عام 1956 إلى 1967 إلا ثلاث مرات فقط طوال هذه المدة وكانت من الجو إلى الأرض.


نعم، ثلاث مرات فقط في إحدى عشرة سنة ولم يكن بالقوات الجوية كلها جهاز الهدف الجوي المقطور لأغراض التدريب من الجو. كل التدريبات كانت باستخدام الكاميرات وكثيرا ما كانت الأفلام محروقة أو غير صالحة وإذا تم تحميضها لا يوجد من يقوم بتصحيح هذه الهجمات أو رفع المستوى القتالي.
تذكرت أنه عندما كنت أقرأ الخطة للطيارين قبل يوم 5 يونيه وكانت مهمتهم عمل مظلة جوية غرب مدينة غزة وستكون في تشكيلين من 12 طائرة. قال لي طيار من طياري السرب أنه لم يسبق له الطيران في تشكيل 12 طائرة من قبل، وللأسف أنا صحت فيه وقلت له "لا تقل مثل هذا الكلام، لأن هذا الكلام يخفض الروح المعنوية" بالضبط كما قال لي شمس بدران أي أننا سنقاتل بالروح المعنوية المبنية على الأكاذيب وليس بالتدريب الحقيقي. وعاتبت نفسي عتابا شديدا لأن الرجل قال كلمة الحق وأنا تجاهلتها لأن الحقيقة هي أننا لم نقم بالطيران أبدا بتشكيل 12 طائرة معا تشكيلا قتاليا. طرنا من قبل 12 طائرة و30 طائرة ولكن في تشكيلات للاستعراض أمام المنصة يوم 23 يوليو لإسعاد القادة ولا شك أن الطيران بتشكيل قتالي 12 طائرة في مظلة جوية دون تدريب كان من المؤكد أنه سيفشل إذا كنا قد اشتبكنا في قتال حقيقي. فإن ذلك سيكون المرة الأولى التي نرى فيها نيرانا حية نطلقها من الطائرة. في الحقيقة كنا نعيش على وهم الروح المعنوية ولهذا كنا مخدوعين في مستوانا الحقيقي.
لماذا هزمنا؟

إن القتال الجوي يحتاج إلى تدريب عنيف جدا وذلك لرفع المستوى القتالي لكي يمكن التصويب على طائرة في الجو وإسقاطها. عملية صعبة جدا ونحن لم نتدرب على ذلك. كانت تدريباتنا فقط للاستعراض في 23 يوليو وأعيادنا الوطنية. كذلك حراسة طائرة السيد الرئيس وهي خارجة من مصر أو عائدة. كذلك حراسة طائرات الرؤساء والضيوف وكل ذلك لا يرفع المستوى القتالي. كذلك شعرت بحزن شديد عندما تذكرت حديثي مع الوزير شمس بدران وكيف أنه استطاع أن يخرسني ويمنعني من الكلام.
لقد كنت درست التكتيك الجوي وهي خلاصة خبرات طيارين وقادة. لماذا لم أحترم هذه الخبرات وهذا العلم وأشرح وجهة نظري؟ علما بأنني كنت أتكلم عن نقطة في غاية الأهمية والخطورة. وهذه النقطة كانت أحد الأسباب التي مكنت إسرائيل من تدمير قواتنا الجوية في دقائق. وأيضا نفس النقطة التي استطاعت بها إسرائيل أن تدمر قواتنا المسلحة وهي في العراء والأرض مكشوفة. إنها نقطة "أوضاع القوات" هل كانت أوضاعا دفاعية أم هجومية. ولتأكيد خطورة حديثي مع الوزير شمس بدران أن الطائرات التي قامت بالهجوم علينا في وادي المليز عبارة عن أربع طائرات من طراز أورجان وهي طراز قديم نسبيا وهذه الطائرات استطاعت أن تدمر 60% من الطائرات الموجودة بالقاعدة في موجة الهجوم الأولى وفي موجة الهجوم الثانية استطاعت أن تدمر بالقي القوة الموجودة بالمطار وهي 13 طائرة ميج21 وطائرة هليوكوبتر وطائرة أخرى كانت بالمطار. لقد أعلن الرئيس عبد الناصر وهو القائد الأعلى عن أهدافه في قرار الكارثة وهو تلقي الضربة الأولى ولكن أوضاع القوات لم تتغير وكان لا يمكن القيام بعد الضربة أو القيام بضربة تالية


لماذا أصدر عبد الناصر قرارا بمنع الاستطلاع الجوي؟
لقاعدة وادي المليز قصة خاصة جدا، فهي تقع في وادي المليز الذي يمتد من شمال سيناء حتى وسطها شرق خط الممرات الشهير. بير جفجافة. وادي الجدي.. ممر تتلا وقد أنشئ هذا المطار بعد حرب 56 بعد أن كان مجرد أرض هبوط أقامها الجيش البريطاني، وكان في سيناء قبل حرب 67 عدة قواعد عسكرية، أهمها قاعدة العريش ثم مطار السر ثم مطار الحمة ثم مطار بير تمادة جنوب قاعدة وادي المليز بحوالي ثلاثين كيلومترا فقط وفي نفس الوادي. كان يحتل قاعدة المليز سرب طائرات مقاتلة ميج 21، وكان قائد هذا السرب هو المقدم عبد الكافي صبحي، وكان عبد الكافي صبحي اسما لامعا في القوات الجوية، لأنه من أبطال حرب 56، وقد استطاع عبد الكافي صبحي أن يسقط ثلاث طائرات في هذه الحرب التي بزغ فيها تفوق وقدرات الطيارين المصريين أمثال عبد العزيز بدر وفاروق الغزاوي ونبيل كامل وتحسين زكي وفؤاد كمال ونزيه خليفة وحسين صدقي. جيل فذ كان نواة للقوات الجوية المصرية المعاصرة التي واجهت هزيمة 67. وكانوا قادة لواءات جوية في مرحلة إعادة البناء وحرب الاستنزاف حتى نصر أكتوبر. إن أخطر ما حدث في قاعدة المليز الجوية، هو صدور أوامر سياسية عليا كما قيل للطيارين أي من عبد الناصر شخصيا بمنع طلعات الاستطلاع الجوي فوق إسرائيل خوفا من حدوث احتكاك وقد صدر هذا القرار قبل 5 يونيه بثلاثة أيام فقط. كان الأمر بمثابة مفاجأة كاملة لأن الطيارين كانوا أول من يعلم أهمية طلعات الاستطلاع الجوي وكان هذا السرب هو القوة الرئيسية لطلعات الاستطلاع المصرية اليومية فوق إسرائيل إلى أن صدر هذا القرار العجيب الذي أثر في معنويات كل الطيارين وأثر على نتيجة الحرب كلها لصالح إسرائيل. إن موضوع منع طلعات الاستطلاع فوق إسرائيل موضوع له جذور تحتاج إلى مزيد من الدراسة لتحليل قرارات عبد الناصر في هذه الحرب. فقد أخبرني المرحوم اللواء طيار تحسين زكي أنه عندما كان قائدا لأحد الأسراب ميج 17 التي كانت متمركزة في قاعدة العريش الجوية وكان ذلك في عام 1963 فوجئ عند توليه قيادة السرب بالعريش بأن هناك تعليمات عليا مستديمة تمنع القيام بأي اختراقات أو طلعات استطلاع فوق إسرائيل وألا تقترب الطائرات المصرية من الحدود حتى مسافة 10 كيلومترات ولقد فوجئ تحسين بتلك الأوامر التي لم يكن يعلم عنها أي شيء. وقد حكى لي عن التأثير السيء لهذه الأوامر على الطيارين فقد كانت الطائرات الإسرائيلية تقوم باختراق يومي فوق سيناء وبعض هذه الاختراقات تكون على ارتفاع منخفض جدا لدرجة أن الطيارين المصريين كانوا يشاهدون الطيارين الإسرائيليين وهم في كابينة الطائرة. ومع استمرار الوقت وانخفاض الروح المعنوية للطيارين المصريين قال اللواء تحسين أنه سمح للطيارين المصريين على مسئوليته الشخصية بالقيام باختراقات على الارتفاعات المنخفضة وبدأ الطيارون المصريون يقومون باختراقات جريئة فوق صحراء النقب سرا إلى أن جاء أحد الطيارين ذات يوم بعد عملية اختراق وقال لقائده تحسين زكي أنه شاهد شيئا غريبا جنوب مدينة بير سبع. مباني خرسانية تحت الإنشاء ولكنها غريبة لضخامتها وطلب من قائده أن يذهب معه إلى هذا المكان لمشاهدة هذه الإنشاءات الغريبة. وبالفعل طار تحسين زكي مع هذا الطيار في طائرة واحدة "ديوال" وطار فوق هذه الإنشاءات وكانت في مرحلة البناء ويقول لي تحسين زكي رحمه الله أنه فوجئ بحجم هائل لمبنى ضخم غير محدد الملامح لا يمكن أن يكون مصنعا. شعر بالمسئولية وعندما عاد إلى قاعدة العريش قرر أن يقوم بإبلاغ ما شاهده إلى قائد القوات الجوية. إن ما شاهده شيء خطير على وجه التأكيد وقد استنتج تحسين زكي أن هذا المبنى لا يمكن إلا أن يكون مبنى لمفاعل ذري وبالفعل ركب تحسين زكي طائرة جمهورية بمحرك واحد واتجه إلى مطار ألماظة الحربي ومن مطار ألماظة إلى مكتب الفريق صدقي وطلب مقابلته على الفور وبالفعل استقبله الفريق صدقي على وجه السرعة. وهنا يظهر تعاون الرجال، أدى تحسين التحية وقال لقائده بسرعة أنه يطلب الأمان لأنه سيدلي بمعلومات هامة فقال الفريق صدقي: قل ما عندك، فأصر تحسين على الأمان أولا فضحك الفريق صدقي وقال له: إذا كان الموضوع بخصوص الاختراقات فأنا أعرف أنك تخالف الأوامر وتخترق المجال الجوي لإسرائيل وأنا أعرف ذلك وأتستر عليك على مسئوليتي قل ما عندك؟ حكى تحسين زكى عما شاهده جنوب مدينة بير سبع واستنتج أن يكون ذلك المبنى لمفاعل ذري تحت الإنشاء وبالفعل اهتم الفريق صدقي بالأمر وقال له أنني سأذهب فورا الآن للرئيس عبد الناصر لإخطاره بهذه المعلومات الخطيرة وبالفعل كانت هذه أول معلومات تصل للقيادة المصرية عن مفاعل ديمونة الإسرائيلي. هذه كانت قصة تحكي عن معدن الرجال الذين تعرضوا للهزيمة ظلما سواء للطيارين المقاتلين الشجعان المتحمسين لكنهم لا يحرمون من تحدي الطيارين الإسرائيليين: وقائدهم تحسين زكي الذي كان يمارس هواية اختراق سماء إسرائيل مثلهم. ثم صدقي محمود رحمه الله الذي هتف الشعب المصري بعد الهزيمة مطالبا برقبته والشعب لا يعلم أنه لا يوجد جندي مصري واحد من أصغر جندي حتى قائد الجيش أو قائد القوات الجوية جبن أو تخاذل أو تردد. الهزيمة كانت هزيمة سياسية للقيادة السياسية التي استهانت بكل قواعد الصراع العسكري وعندما وقعت الكارثة كان الهم الأكبر لها هو وجود كبش فداء ليحميهم ويظلوا في مناصبهم وتحملت القوات المسلحة مرة ثانية الظلم، بل أحقر أنواع الظلم

عاتبت نفسي جدا لأنني لم أحاول أن أناقش الوزير شمس بدران لقد شعرت وأنا في حالة عتاب للنفس أنني ضابط جبان أخاف من الناس أكثر من خوفي من الموت. بعد فترة علاج طويلة بالمستشفى بدأت أخرج إلى الناس وكان الجو مشحونا ضد الطيارين وكان الناس يتهموننا بأننا جبناء وأننا السبب في إذلال مصر وأننا كنا نقيم الحفلات ونسكر ولا نفيق من الخمر. لن أنسى عندما ذهبت إلى مكتبة في مصر الجديدة لاستعارة بعض الكتب للقراءة وطلبت استمارة كتاب إضافي فوافقت أمينة المكتبة. وحينما أبرزت لها بطاقتي الشخصية وعرفت أنني طيار قالت لي: أنت لا تستحق أن تأخذ كتابا إضافيا، كتاب واحد كفاية عليك ألا يكفي جبنكم في الحرب؟ وبالصدفة كانت الصحف قد نشرت في هذا اليوم خبر منح أوسمة للطيارين الشهداء في حرب يونيه. فقلت لها أن هذه الأوسمة لطيارين لم يموتوا بالحصبة ولكن ماتوا وهم يحاربون. من قال أن الطيارين لم يحاربوا في 5 يونيه. لقد شاهدت إذلال الشعب المصري لنا باعتبار أننا الجبناء الذين تسببنا في الهزيمة. في هذه الفترة أيضا تعرضت للكشف الطبي وتقرر حرماني من الطيران نهائيا نتيجة إصابتي، وكان ذلك بمثابة ضربة قاصمة لكل آمالي، ورغم ذلك صممت على التحدي وعلى أن أعود للطيران مرة أخرى ولم أيأس وتابعت العلاج المكثف حتى استطعت العودة إلى تشكيلات القوات الجوية وأن أعود للطيران وأيضا أساهم في إعادة بناء القوات الجوية، ويكرمني القدر بأن أشارك في حرب أكتوبر وأن أسقط ثلاث طائرات إسرائيلية وأنال أعلى الأوسمة وهذه قصة أخرى

 

شكرا ابن البطل ممدوح الملط علي تعديل وتصويب الاخطاء

نقلا عن صفحه الاستاذ عز الدين شوكت في الفيس بوك

https://www.facebook.com/ez.eldin.7

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech