Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي

الشهيد طيار سامي فاضل - القوات الجوية العراقية

سارت تتمهل الخطي علي ضفاف نهر الفرات في مدينه الحبانيه  .. أجمل مدن الشرق كان الطريق هادئا وماء الفرات عذبا يترقرق عاكسا ضوء شمس الصباح الهادئه ولم يكن ضباب الصباح قد انقشع بعد تحركت أوراق الاشجار مصدرة حفيفا آنس وحشه الطريق وزاد من رونقه ذلك النخيل الباسق الذي طالما رأت فيه سهاد أصل ثابت وفرع شامخ في السماء كشموخ بلادها تزينه عناقيد من التمر الاصفر فاقع لونه  كأنه ثريات الذهب لم تجد في هذا الصباح شيء مختلف عما اعتادت عليه وهي تخطو الهويني بجوار نهرها المحبب الا انها لمحت من بعيد طيف شخص يقف ميمما وجهه شطر الفرات لم تتبين ملامحه ولكنه لفت نظرها بشده احساس ما انتابها كرياح هبت بشده علي غير توقع فاقتلعت رصانتها وذهبت بلبها مشدوهه الي ذلك الشخص وقد اقتربت خطاها  حثيثا من مكان وقوفه  منذ الوهله الاولي أدركتة  بوقفته الصلبه الشامخه ينظر الي الفرات موليا ظهرة للعالم من خلفه جذبتها حلتة الانيقة الرسمية التي تبينت بعد خطوات اقتربتها منه وقد غلف الجو بضباب رقيق انها زي رسمي لضابط بالجيش العراقي ازداد الموقف اجلالا وبدأ قلبها يزيد من نبضاته في سرعة محببة الي نفسها وقد شغفت بذلك الشامخ كالنخيل وكأن ثريات الذهب قد انصهرت علي كتفيه مكونه نجوما رسميه ونسورا مشرعه الاجنحه تكاد تنطلق من فوق كتفيه معلنه عن هويه صاحبها ... نعم انه طيار من ابطال العراق ولكن من هو اقتربت سهاد اكثر واكثر وانقشع ضباب الصباح معلنا عن شروق شمس لم ترها سهادمن قبل في حياتها فقد اشرقت الشمس علي صفحه وجهه وظهر النور الساطع من ثغر ابتسامته الوضاحه حينما التفت اليها في هدوء ميزت ذلك الوجه المليح تطل من تحت حاجبين كثيفين عيون في سواد جواد عربي أصيل تنظر اليها في حنو وابتسامته الساحرة من تحت شارب كث كاحد نجوم السينما العالميه ...ملامحه البابليه كانت تنطق بأنها تعرفه ولا تكاد تصدق انها امامه كان دخان سيجارته السومر بين يديه يتمايل  في خيوط متشابكه مستمرة وهي تتأمل فيه في كل لمحه وحركه لم تكن تصدق انها تراه وانها امامه قالت في صوت لم يصدر من شفتيها هل انت ابي؟

-         نعم يا ابنتي الجميله

-         أأنت هو ؟.. أم اني أحلم. ...

-         نعم أنا هوولكنك تحلمين يا أبنتي

انطلقت ملامحها بتعبير شجن تائه في حيرة لا يستطيع عقلها استيعابها

-         انك تحلمين يا سهاد ولكن عزائنا انني واياك في حلم واحد علي نهر الفرات وفي مدينتي الحبيبه الحبانيه والي جوار قاعدتي الجويه التي تربض هنالك تحتويها الانبار

-         ولكنك تركتني صغيرة شارده طفله لم تتعد عامها الاول لم تراك مع أنك رأيتها فلم يرق قلبك لأنينها واحتياجها لك تركت امك وزوجتك وابنتيك واخواتك البنات بدون رجل  تركتهن وحيدات حزينات لم تصدق والدتك ان ابنها لن يعود ظلت على امل انك اسير وسترجع يوما لاحضانها والدتك  تلك المرأة البسيطه غيرالمتعلمه عاشت مع بناتها التسع وابنتك الكبري في حزن وانتظار ان يعود ولدها وتحتضنه لكن هيهات هيهات الغائب لم يعد والامل قد مات وسافرت لتحارب في بلد غير بلدك وتستشهد في غير وطنك مع اناس ليسوا ................

-         لا تكملي يا سهاد .

-         اليست تلك الحقيقه  يا فخر الطيران العراقي .. سامي فاضل حسين .؟

كانت تنظر اليه ودموعها تملا عينيها وتبلل اهدابها الطويله الفاحمه  تنظر اليه وقد استطالت قامته عنها فسطع وجهها الناصع . ترنو اليه.. لم يكن حده كلامها ولومها له الا شوقا وحنينا لغائب طال الشوق إليه .

بادرها قائلا يهدئ من انفعالها ويشفق علي قلبها الذي كان يدق ويكاد يئن من فرط سرعته واضطرابه ، قلبا تعب من الشوق إليه وسهر ليالي طويلة رأت فيها اليل الساهر حالكا والنهار المشمس حارقا.

-         لم أكن أعلم إنك سوف تصبحين بهذا الجمال يا ابنتي ، ألم يتوجوكي بعد جميلة جميلات العراق؟

ابتسمت في خفر وحياء تربت عليهم منذ نعومه اظفارها ...

-         لا تخجلني يا أبي .

-         إنها الحقيقه يا ابنتي ، إنك سميراميس البابلية ترفرف حولك الحمائم البيضاء كسحابة تظلك جمالها يسري في ملامحك الراقية وشموخها متأصل في دمائك النبيلة.

-         لا تزد يا أبي في مدحي فأنت تمدح نفسك قبلي ، فقد ولدت من صلبك وأحمل فتنة عيونك الرائعه  .

-         أتغازليني يا سهاد ؟

-         نعم كما لم أغازل أحدا قط إن مشاعري تجاهك قد فاقت حدود الوصف .

-         الن تحكي لي عن أحوالك يا ابنتي ؟

-         أتوق شوقا لأسمع تاريخك المشرف يا أبي .

-         وهنا التفت سامي برشاقة عسكرية نحو النهر وسبحت نظراته مع أمواجه الذاهبة لبعيد ولفهما صمتا رهيبا لم يقطعه إلا أصوات الطيور  وكأن العالم توقف للحظات حتي اصوات البشر بهت رنينها وجاء صوته عميقا  وكأنه يخرج من شغاف قلبه ..

-   في أحد أيام صيف من عام 1945 وفي بيت هاديء بمحافظة بابل جنوبي بغداد ولد للأستاذ المحترم فاضل حسين مولود ذكر.  كم كانت فرحته كبيرة أن يكون ابنه البكري ولدا سيحمل اسمه . والتف حوله جيران الحي الطيبون يهنئونه ويقدمون له هدايا ابتهاجا بالمولود الجديد لرجل أحبوة دوما واحترموا أخلاقه وصفاء سريرته . وحملت البابليات زهور التهاني بالمولود لأمه التي قرت عينها برؤية ذلك الطفل المنتظر .. وقد كان ان اطلق عليه اسم (سامي) . ونشأ ألابن في تلك الأسرة الجميلة يلفه الحب وتوالي من بعده  تسع بنات هن آيات الحسن والأدب . كبر سامي وتعلم حتي المرحلة الثانوية حتي جاء وقت التحاقه بالجامعه وأبدي رغبته الالتحاق بكلية القوة الجويه وهاجت ثورة في منزل فاضل حسين الموظف بدائرة الصحه . وررفض أن يكون سامي طيارا وهو ابنه الوحيد وكذلك صعقت أمه من رغبه ولدها ، ولكن سامي أصر حتي وصل الأمر الي تهديده بالانتحار إذا لم يلتحق بتلك الكلية ويصبح طيارا .

 نعم يا سهاد كانت رغبتي شديدة جدا في ان اكون طيارا مقاتلا مثل سباع بابل المجنحة في تلك السنوات التي فارت فيها دمائي مع المد الثوري وتطلع العرب الي حريه ارادتهم وانطلاق العراق كسهم لا يلوي علي شيئ في اتجاة مستقبلنا الذي نتطلع بناء مجد العراق به.

- أكان اعتراض جدي وجدتي شديدا لهذة الدرجه يا ابت؟

- نعم يا ابنتي ليس عن قله لوطنيتهم ولكن خشيه من غياب إبنهم الوحيد إن مشاعرهم الانسانيه قد تغلبت عليهم في تلك الايام ولكنهم وافقوا بعد ذلك نزولا علي رغبتي الجامحة وحسهم القومي الذي نما مع الوقت بأن يكون في دارهما احد افراد الجيش العراقي يشار له بالفخر والعزة.

- وأنت فعلا كذلك يا أبي اكمل بالله عليك

- والتحقت يا سهاد بكليه القوة الجويه في محافظه البصرة وذهبت جنوبا أتلمس طريق العلم والمعرفه في سلك العسكرية العراقيه العريق . شعرت بالفخر وأنا التحقت بالكلية بعد قبولي بها وأصبحت رجلا ذو قيمة . تحولت في أيام معدوده الي ذلك الضابط الملتزم بشرف العسكرية والمستحق أن يرتدي زيها المقدس . أطل علينا عام 1966  وجاء يوم 24 اكتوبر وقد حققت حلمي بالألتحاق بالكلية أتدرب وأتعلم ، نصل الليل بالنهار، نحصل العلوم العسكريه ونجتهد في تدريباتنا البدنية ، نتطور كل يوم عن سابقه ونعلم كل يوم أنه لا سبيل لعزة العراق الا بقوة خالصة قادرة علي حمايتها وردع اعدائها .

كنت ضمن دورة الطيران الثامنة عشر والتي توجت بتخرجنا كطيارين مقاتلين في العام 1969 . وكم كانت سعادتي حينما كنت من الاوائل علي تلك الدورة . وبلغت سعادتي عنان السماء وفرحت كل أسرتي ، أبي وأمي وإخوتي البنات الائي كن يغمرنني بحبهن وحنانهن  كلما عدت الي منزلنا . كم كانت فرحتي بهن وكم كانت سعادتهن بي وبتلك النجوم التي تزين كتفي وبذلتي العسكرية الائى كن يشعرن بالفخر حين أضمهن الي وأنا ارتديها . مازلت اتنفس عبيرهن الهادئ وأرى وجوههن المليحة وعيونهن البريئة . لقد ساهمت في إسعادهن وأسعاد أبي وأمي . ولكن لا تمنحنا الحياة كل شيء ولا يدوم لنا الحال ، ففي نفس العام 1969 توفي والدي في شهر نوفمبر إثر حادث سيارة أليم أودي بحياته تاركا خلفه أسرة اتشحت بالسواد وأم مكلومة وبنات تسع ينحن حزنا عليه وابن انكسرت فرحته في بداية حياتة العسكريه ، كم حزنت علي جدك يا سهاد .

-         انت الآن تشعر بما يجيش في صدري يا أبي .. أكمل بالله عليك .

-         كان عملي بعد التخرج في قاعدة الموصل الجوية ، وكنت احد الطيارين الذين اختيروا ليقودوا طراز الهوكر هانتر الأنجليزى الصنع حيث كانت أفضل طائرتنا القاذفة وقتها وقد قام طيارونا العراقيون بتدريبنا عليها جيدا . وكان لي من الرفقاء وقتها أعز وأخلص الأصدقاء أذكر منهم الطيار سالم ناجي الذي رافقني في كلية الطيران وفى العمل بالقاعدة الجوية بعد ذلك.

-         تحدثت معه عنك يا أبي ويذكرك دائما بالخير.

-         انهيت  يا سهاد دورة قادة التشكيلات الجوية في جناح تدريب القتال الجوي . والتحقت بالسرب الذي كنت أنتسب إليه وهو السرب المقاتل التاسع والعشرون في قاعده تموز الجوية في الحبانية ، وذلك في  (شباط ) فبراير1973م . وأثناء تلك المرحلة شعرنا بأن شيئا ما يحدث في الخفاء ، علما بأن السرب استمر في فعالياته التدريبية الاعتيادية وكأن شيئا لم يكن . إلى أن دعينا للاجتماع ، وكانت الدعوه للطيارين في السرب التاسع والعشرين ، والطيارين من السرب السادس أي أن جميع طياري طائرات  الهنتر كانوا مدعوين لهذا الاجتماع . وأصبح الجميع يترقب ولا أحد يدري أو يعلم ماذا هناك  .

وعلى حين غفله لم نسمع إلا وجلبة في خارج القاعة التي كنا نتواجد فيها . ودخل علينا الرئيس الراحل أحمد حسن البكر(رحمه الله )  ، وبصحبته وزير الدفاع المرحوم حماد شهاب  ( رحمه الله ) ، وقائد القاعدة الجوية حميد شعبان ، وجمع من القادة والضباط . وكانت مفاجأة كبيرة حيث أن أكثرنا لم يلتقي السيد الرئيس أو وزير الدفاع سابقا . وكم كانت فرحة غامرة ، واعتقدنا جميعا أن الزياره للمجاملة والاطلاع لأن السيد الرئيس غالبا ما كان يحضر إلى القاعدة لأنها منتجع لطيف ومكان هادىء يقضي فيه عطله نهايه الاسبوع . وبعد المجاملات وشرب الشاي العراقي تقدم احد المرافقين للسيد الرئيس حاملا لوحة كبيرة . وقف بجانب الرئيس . فبدأ الرئيس بكلامه وقال إنه قدم اليوم إلى هذا المكان ليبلغنا قرارالقيادة السياسيه والعسكرية بإرسالنا كسربين مقاتلين الى جمهورية مصر العربيه للمشاركه في الحرب التي ستكون بين العرب وإسرائيل والتى لانعلم موعدها  ولكنكم ستبقون هناك إلى أن تنتهي المهمة التي أرسلناكم من اجلها ولانعلم من سيعود منكم أولا يعود . وهذا بناءا على طلب من الحكومه المصريه اللتي طلبتكم بناءا على توصيه من قائد القوات الجويه المصريه آن ذاك حسني مبارك  .

وبعد ذلك فتحت اللوحة وكانت عبارة عن درع نقش عليه شعار العراق وشعار حزب البعث وفيه العبارات التالية ( تكليفكم بهذا الواجب المقدس شرف للعراق وللأمة العربية ) .

وتوالت الكلمات والتعليقات وكانت فرحة غامرة شملت الجميع بدون استثناء واستمر الجو حميميا . وقد سألنا السيد الرئيس عن احتياجاتنا الشخصيه والعامة ، فبادره زميلي الطيار سالم ناجي بالقول:

سيدي الرئيس نحن سنغادر أرض الوطن ولا نعرف من منا سيعود ، وسبق لنا وأن اشتركنا في الجمعية الخاصة بالأراضي للضباط ولم نستلم ارض . فنظر سيادته الى احد المرافقين وأشار له فقط . وبادر طيار اخر وأخبره بأننا بحاجه إلى سلاح شخصي ما دمنا سنذهب للحرب . ونظرة أخرى الى المرافق (الياوران ) .وقدم لنا سيادته في حينها مبلغين من المال ، الأول يوزع على الأفراد والثاني كمصروفات  نثرية تنفق في مصر ، وكان كل جزء ( سته عشر ألف دولا ر أمريكي ) . وخلال نصف ساعة وصل لكل طيار مسدس نوع براوننك جيكي 13 مع 50طلقة رصاص . ووصلت الأسماء مع تخصيص قطع الارض (600م )مربع في أجمل أحياء بغداد . وبعد ذلك غادرنا السيد الرئيس مصحوبا بالسلامة وعندها بدأت الحركة والاستعدادات للسفر.

-         كيف كان الرحيل من العراق ووداع أسرتك وأهلك يا أبي

-         آآآه  آه يا سهاد .. كان شعوري مختلطا مثل سبائك معادن تنصهر في جوف قلبي كان حماسي شديد الفوران إن ايماني بقضيتي العربيه وإني ذاهب لأدافع عن عروبتي من جبة مصر جزء أصيل داخلي لا يتجزأ عن دفاعي عن اراضي العراق علي جبهاتا وقسمي للدفاع عن أراضيها الشماء وتقابل ذلك الاحساس مع رهافه لحظات الوداع مع أمك ومع اخوتي البنات كم كنتي صغيرة وانا احتضنك وأودعك علي أمل لقاء قريب ... كنت اترك العراق وأنا تارك فيها نفسي ورحي ووجداني

-         وماذا عن وداع جدتي يا ابي؟

-         كأن نصلا حادا صلبا باردا قد انغرس في أطراف أعصابي وأصابني بنوع من الشلل حينما اقدمت علي وداعها فلم أستطع حتي أن أخبرها بمغادرتي كنت احبها حبا جما وأخشي علي رقه حالها من فراقي رفقت بمشاعرها من الوداع وتجرعت وحدي مرارتة لم ألمح حتي لها لم تراني قط بعد ذلك اليوم الذي غادرتها فيه وكأني عائد مرة أخري قريبا كان هذا أملي الذي طالما تقت إليه كنت متحملا آلام البعاد عن حنينها والتيه في براح العالم علي أمل ان أعود وفي يدي صولجان كرامتي العربيه وأهديه لها فربما سامحتني علي ذهابي بدون وداعها ... تحملت ألم فراق امي الحبيبة من أجل أمي الكبري وعروبتي كان الصراع بين مشاعري وواجبي يجرف أوصال أعصابي حتي أدماها متحملا ومتحاملا مافي وجداني من اجل ان أعود يوما حاملا راية الانتصار القيها تحت قدميها قربانا كي تغفر لي .

-         إن عدم وداعك لها كان دائما هو الحاجز الذي حال دون تصديقها خبر إستشهادك يا أبتى وإلي الآن لم يزل قلبها ينبض حنينا لعودتك..... قاومت سهاد مشاعرها الجارفه ومسحت دموعا تساقطت كحبات ماس بطرف ثوبها ... أكمل يا أبي فلم تخبرني بعد كيف سافرت الي مصر .

 كانت هذه المرحلة نشطة وفعالة حيث اتخذ القرار بإعداد وتهيئة كافة المستلزمات المطلوبة لاستقبال الطائرات في مصر قبل مغادرة الطائرات أرض العراق. وعليه تم الاتفاق مع الجانب المصري على تخصيص مطار( قويسنا )في محافظه ( المنوفيه ) بوسط دلتا النيل لإيواء الطيران العراقي في إقامته في مصر ولهذا تم إخلاء المطار من كافه الأمور التي تخص القوات الجويه المصريه .

بدأت طائرات النقل العراقيه من نوع انتنوف 12 بعمل رحلات متتاليه إلى مصر تنقل خلالها جميع المواد والتجهيزات الخاصة لطائرات الهوكرهنتر لأن مثل هذه المواد غير متوفرة في مصر لعدم وجود طائرات من طرازات غربية لديهم ، وكذالك إرسال مجموعه من الضباط المهندسين والفنيين وضباط صف وفنيين  عراقيين برتب مختلفه للتهيؤ لاستقبال السرب عند وصوله . استمر هذا الحال لفتره تعدت الشهر.

وبدأت رحلتنا إلى مصر حيث كانت الخطة تقتضي المرور بالمملكة العربية السعودية ومنها الي مصر وفي تلك الأثناء واجهتنا بعض العقبات نتيجة لاختلاف الاجواء وطبيعة الأماكن التي لم نكن قد طرنا فوقها قبل . وفي يوم السابع من  أبريل (نيسان) 1973 م أقلعنا من المملكة السعودية في اتجاة مطار الأقصر في جنوبي مصر كان صباحا مشرقا لا تلوح فيه الغيوم وبعد أن عبرنا الحدود السعودية طرنا فوق البحر الاحمر بارتفاع منخفض حتي لاح لنا الشاطي المصري عند مدينه الأقصر . واستبشرنا خيرا وتسلقنا لارتفاع خمسة آلاف قدم باتجاة مطار الأقصر. وتسلمنا تعليمات الهبوط وحطت الطائرات علي الممر بسلام وكان باستقبالنا الإخوه العراقيين الذين وصلوا قبلنا والأخوه طياري القاعدة المصرية . وتوجهنا من فورنا الى مقر القاعدة حيث كان باستقبالنا السيد قائد قاعدة الاقصر الجوية . وتناولنا المشربات المصرية  المميزة ومن ثم توجهنا الى الميس لتناول طعام الغداء  وبعدها توجهنا الى غرف الضباط للراحة . وعندها كان  الطيارين الأولين جاهزين للمغادرة الى قويسنا ( هذا المطار اللذي تقرر ان يكون مقرنا القادم ) .

وفي الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم كنا قد أتممنا استعدادنا وأستقل كل منا طائرتة وانطلقت ست طائرات إلي مطار قويسنا . كان الطريق قسم منه صحراوي وقسم منه وديان عميقة جدا تصل الى نهر النيل الخالد.

-         أكانت أول مرة لك تطير فوق نيل مصر يا ابي؟

-         نعم يا ابنتي بل كانت أول مرة أزور فيها مصر العظيمة

-         اكمل يا أبي فكلي آذان مصغية

-         وصلنا منطقة بني سويف ومنها إلى حلوان . كانت الأهرامات واضحه المعالم من فوق حلوان ، وبدت القاهرة من بعيد كبيرة جدا تملأها العمارات ويتفرع فيها نهر النيل بشكل جميل . عبرنا القاهرة ووصلنا ( بنها) وبعدها بقليل شاهدنا مطار قويسنا القريب من الطريق الرئيسي الرابط بين القاهرة والاسكندرية ( طريق مصر الأسكندرية الزراعي ) .

وأستقبلنا من قائد المطار والضباط المصريين إستقبالا وديا في غير تكلف وذهبنا الي القاهرة لنمضي فترة راحه في أحد الفنادق مع جولة في أحياء القاهرة العريقة . وكم كانت تلك اللحظات رائعة حيث أنني ولأول مرة كنت أري بعيني تلك الأماكن التي طالما شاهدتها في السينما وقرأت عنها فى الروايات العربية الخالدة . وفي المساء أقيم لنا حفل علي شرف الطيارين العراقيين حضرة قائد القوات الجوية بنفسة ولفيف من القادة المصريين .

وبدأت التدريبات بجدية منذ اليوم الأول والذي كان الثامن والعشرين من  أبريل (نيسان ) حيث كان التدريب بالطائرات مزدوجة الكابينة وبعدها يطير الطيارمنفردا ليتسني لجميع طياري السرب التعرف علي المنطقة وأجواء الطيران وظروفه . ولم يكن هناك اختلافا كبيرا حيث شعرنا اننا نطير في العراق بالإضافه إلي أن طيارينا كانوا من أكفأ طياري القوة الجوية العراقية  وممن يشار اليهم بالبنان حيث تدرب الأقدمين منا في بريطانيا بلد صنع الطائرة الهوكر هانتر ومجموعتي كانت قد تدربت على ايدي معلمي طيران من الهند وباكستان منذ الكلية والدورات المتقدمة والتي سبق وأن تخرجت منها مع باسم كاظم وسالم ناجي ( دوره قاده التشكيلات المقاتله ) .

وكانت واجبات الطيران تتضمن  :

  1. القتال الجوي  1ضد 1 و2 ضد 2 .
  2. الضربات الجويه الواطئه ب2 طائره  وب 4 طائرات .
  3. الملاحه الواطئه ب 2طائره و 4 طائرات  .
  4. تشكيلات القتال الجوي الواطئه  .
  5. الطيران العام  والذي يشمل الألعاب الجوية وإعاده التأهيل للطيارين  العائدين من الاجازات الدوريه والاجازات المرضيه التي تزيد على الاسبوع  .
  6. طيران الالات بالطائرة المزدوجة  .
  7. الرمي جو/ ارض  مدافع وصواريخ  .

واستمر التدريب بجد واجتهاد في اطراد مستمر وبحماس محموم مع انتظام الأجازات للطيارين وقد خصصت لنا القيادة المصرية إحدي العمارات بأرقي أحياء القاهرة يسمي مصر الجديده تطل علي ميدان فاتن حمامة وهي احدي اهم ممثلات مصر في تلك  الفترة وفنانه رائعه .

-         نعم اعرفها يا ابي

-         وقد التم شمل اسرتنا الصغيرة أنا وأمك وأنت يا سهاد حيث اكتملت سعادتي بوجودك في مصر في تلك الفترة وحضرت أيضا عمتك الآنسه ساميه الي مصر .

واستمر التدريب علي وتيرته المتصاعدة وكم كانت الزيارات متتالية من قيادات القوات الجوية المصرية وقائد القوات بنفسه تكررت زيارته لمطار قويسنا ليتابع التدريبات بنفسه .

وبدأ العد التنازلي ليوم الحرب وأحسسنا بذلك من التكليفات الجديدة التي وصلتنا واستمرار التدريبات بشكل اقوي . واجتهدنا في وضع الخطط التي انيط بالسرب تنفيذها حيث كانت الخطه بأن يتولي السرب الهجوم علي عدد من المواقع الاسرائيليه جنبا الي جنب مع القوات الجويه المصريه الأمر يشمل القيام بالطلعة الاولى بعدد  ( 12 ) طائره ، ( 4 ) طائرات لكل هدف والاهداف كانت :

  1. موقع القياده والسيطره الاسرائيلي في الطاسة .
  2. موقع صواريخ ارض / جو  هوك .
  3. موقع مدفعية ذاتية الحركة  (175 ملم) .

أواخر شهر أغسطس ( أيلول ) يوم من العشرة الاخيرة منه وعلى حين غفله وعند العصر ونحن متواجدين في مقر السرب ... لم نجد الا والسيد الرئيس محمد أنور السادات  ( رحمه الله )  بيننا  .

رحبنا به كثيرا وتوجهنا معا الى السكن حيث قاعه الأستقبال ، وجلس بيننا وتناول الشاي العراقي معنا وبقي لفترة أكثر من ساعة ، واستفسر سيادته عن أحوالنا واحتياجاتنا وعن إن كانت لنا أي طلبات .وفى الحقيقه لم يكن لدينا أى طلبات . وقال بأنه سيأمر بنقل سربنا إلى مكان أفضل ، ولكن من جانب آخر كانت جميع حسابات العمل الجوي للسرب محسوبة من هذا الموقع وطبعا لا علم لنا بموعد بدء العمليات .

بعد ذلك غادر سيادته مودعا من قبلنا وكان ذلك من الإجراءات التي باشر سيادته على أدائها قبل الحرب لزيارة جميع المواقع والاطلاع شخصيا على الاستعدادات والحالة المعنوية للجميع في كل المواقع وحتى القطاعات البرية حسب ما علمنا لاحقا .

وهكذا استمرت الأيام بالتتالي إلى أن جاء اليوم الموعود ...

-         اهي الحرب اذن ؟

-         نعم يا سهاد إنه السادس من اكتوبر( تشرين أول)  يا إبنتي أعظم يوم في تاريخ أمتنا العربية . كم انتظرت ذلك اليوم كي نرد كرامتنا العربية ونثبت أخوتنا وولائنا لعائلتنا العربية الكبيرة لا تقولي يا سهاد أنهم أرض غير أرضنا وقوم ليسوا قومنا ، بلي يا ابنتي انهم أخوة ساندونا ونساندهم انها أرضي مثلما العراق ولم يكن النيل يختلف عن دجله او الفرات ، بل إني لم أشعر قط بغربة أو أحس بوحشة بين إخواني المصريين .

-         فهمت يا ابي .

-         صباح اليوم كان الجو لطيف والأمور هادئه . وصلنا المطار ولم يكن هناك منهج طيران لهذا اليوم وجميع الطيارين موجودين . عند حوالي الساعه الثانية عشر ظهرا وصلت للمطار طائرة نقل مصرية صغيره بمحركين ، ونزل منها ضابط من الجيش المصري سأل عن قائد السرب  .. وتوجه إلى مكتبة وأمضي عنده أقل من عشره دقائق .. حيث تبين بأنه تسلم مغلف مكتوب عليه ( يفتح الساعه 1230 يوم  6 اكتوبر 1973 م  ) .

ومثل البرق تم تناقل الخبر بين الطيارين ونحن من جانبنا كنا قد هيئنا جميع المستلزمات وحتى اسماء الطيارين لأي مجهود جوي بالاضافه الي الخطه الرئيسيه التي تدربنا عليها سابقا.

وكانت التشكيلات مكونة من :

التشكيل الاول : الرائد الطيار  يو سف محمد رسول                  قائد التشكيل

                    النقيب الطيار  وليد عبد اللطيف                الرقم  3

                   مع اثنين من الطيارين

وكان الهدف ضرب مركز القيادة والسيطرة في موقع الطاسة   .

التشكيل الثاني  : الرائد الطيار  ناطق محمد علي              قائد التشكيل

                     الملازم الاول الطيار  باسم محمد كاظم     الرقم  3

                     مع اثنين من الطيارين

وكان الهدف موقع صواريخ هوك ارض /  جو  .

التشكيل الثالث  : النقيب الطيار عماد احمد عزت            قائد التشكيل

                       الملازم الاول الطيار سالم محمد ناجي    الرقم 3

                       مع اثنين من الطيارين

وكان الهدف موقع مدفعية ذاتية الحركة   ( 175  ملم  ) .

تم اكتمال التجهيز من قبل كل قائد تشكيل وفي هذه الاثناء كانت الطائرات تجهز على خط الطيران وتحمل  بالأسلحة وكان التسليح  ( 4  مدافع رشاشه  23 ملم  )  مع  (  24)

صاروخ نوع (  سورا  )  موزعه على  ( 8 ) حمالات تحت الاجنحة وبمعدل ثلاثة صواريخ لكل حمالة .

كان لكل تشكيل وقت للتشغيل  والدرج والإقلاع لأن خطوط الدخول الى داخل سيناء مختلفه .. والكل كان متحفزا وللصراحة فإن العملية كانت تشبه تمرين ممارسة قبل العملية الأصلية ولكنا لانستبعد ان تكون التوقيت الصحيح لبدايه الحرب وضرب العدو الصهيوني ضربة قاصمة موجعة  .... أقلعت الطائرات الاربعه الاولى ثم الاربعه الثانيه 

يليها الاربعه الاخيرة.

كان خط سيرنا بتوقيت الثواني وليس الدقائق ، واتجهت طائراتنا الأربعة نحو منطقة قناة السويس وكنا نتوقع صدور  أمر العوده قبل خط القناة . ولكن الذي حدث اننا كنا نسير بسرعة عالية وبإرتفاع منخفض  جدا أقل من  20 متر . لقد تدربت علي تلك المهارة فى العراق جيدا من قبل .

وجدنا المناطق المحاذية لقناة السويس مملؤة بمختلف أنواع الآليات و المدرعات وال أشخاص ، وكانت الفرحة غامرة  وانقلب التدريب إلي واقع والحلم إلي حقيقه . وها هي قناة السويس تمر كخيط أزرق حاد من تحت طائراتنا ونحن متجهون الي المواقع الصهيونية لضربها وطرد الإسرائليين من أراضينا العربية .. لا تتخيلي يا ابنتي وأنا أعبر القناة يوم السادس من اكتوبر  الساعه  ( 1400  ) بالضبط   كنت أشعر أنني أمتطي ثور آشور المجنح وأدخل في موكب  مهيب ذو جلال بجوار النسور المصرية مخلفا ورائة شمس انتصف وهجها في عين العدو لنذود عن أرضنا العربية عدوان إسرائيلي جثم على أراضينا لسنوات . وأن تلك هي البداية ولحظة الأنطلاق .. إنني بجوار اخواني في مصر لأحمي إخواني العرب أجمعين . صدقيني يا ابنتي لقد كنتي  في مخيلتي أنتي واختك الصغري . في تلك اللحظة كنت أنطلق بطائرتي وأشعر أنه قد آن الأوان لتحقيق النصر ولتشبي عن الطوق وأنتي حرة وليس في بلادنا العربية أي أرض محتلة .

توجهنا نحوالشرق وبعد مسيرة أكثر من ( 10 ) دقائق وصلنا للهدف .وسحبت  الطائرات الأربعه لأعلي قبل الهدف ورتبنا وضعنا لمهاجمته ..وتحققت كل أهداف السرب وكانت افتتاحية العبور العظيم بطائراتنا . ورأيت  في طريق العوده أجمل ما وقعت عليه عيني إنهم إخواني المصريين الذين أسرعوا كالفهود يقتحمون القناة ويعبرون إلى ضفتها الشرقية ليدحروا العدو الذي فر مذعورا ، إني كنت شاهدا عيان علي ذلك . وعدنا إلي المطار وعادت الطائرات ال ( 12  ) سالمة غانمة والحمد لله . وبسرعة كبيرة تم إعادة تجهيز وتسليح الطائرات ال  ( 12  ) مرة ثانية ، وكنا جاهزين للواجب التالي وبنفس الطيارين ولنفس الاهداف  ..

إنتظرنا ... وانتظرنا .. وجاء الأمر من القيادة العامة  بعدم الحاجة لاعاده الضربة الجوية وذلك لتحقيق أهداف الهجوم الاول ..

يوم 8 اكتوبر( تشرين أول) :

------------------

لم يكن هناك واجبات في اليوم السابق بالرغم من أننا كنا مستعدين والطائرات جاهزه . بعد الظهر وصلت أوامر جديدة تقضي بإقلاع  ( 12 ) طائرة في  (3 ) دفعات باتجاه سيناء مرورا فوق منطقة الاسماعيلية  في مهمة مهاجمة الأهداف الأرضية الإسرائيلية في عمق سيناء والدخول بإرتفاع متوسط ... وتهيئه خطوط سير طيراننا.

-         ماذا يعني هذا يا ابي؟

-         السبب في اننا نحتاج الى تهيئة خط سير لدخول طائراتنا عبر قناة السويس متجاوزين القطاعات المصرية وذلك لأن طائراتنا تفتقر الى جهاز  ( IFF ) جهاز التعرفه للهوية الموجود في الطائرات الروسية المستخدمة في مصر. حيث يقوم الجهاز بإرسال ذبذبة خاصة  إلى أسلحه الدفاع الجوي المصري فيعلموا بأن الطائرات معادية او صديقة في حين أن طائراتنا لا ترد على ذبذبات الدفاع الجوي وبذلك تعتبر طائرات معاديه وهذا كان من المشاكل التي ظهرت خلال العمليات ..

أقلعت الطائرات بالتتابع وكانت المسافه بين تشكيل واخر حوالي ثلاثة كيلومترات  وبإرتفاع 500 متر . وكان التشكيل الأول بقيادة الرائد يوسف ومعه الرقم 3 النقيب وليد مع الملازم أول عبد القادر والملازم عامر  .

التشكيل الثاني بقيادة الرائد ناطق ومعه الرقم 3 الملازم أول باسم  وأثنين من الطيارين .

التشكيل الثالث بقيادة النقيب عماد ومعه الرقم 3 أنا الملازم أول سالم وأثنين من الطيارين  .

عند تجاوز التشكيل الأول لمنطقه الإسماعيليه تكلم النقيب وليد مع قائد التشكيل مبينا له بأن السماء أمامهم عباره عن قطعة من النار لإحتدام القتال بين القطعات الإسرائيليه والمصرية في المنطقة ، وأن التشكيلات ستدخل في هذه النار فأجابه الرائد يوسف بأن يستمر. ودخل التشكيل الأول في النار وأصيبت طائرة النقيب وليد وطائرة الملازم عامر.

وتجنبت الطائرات الباقية المنطقة وعادت بعد تنفيذ الواجب  ... عادت  (10 ) طائرات

وفقدت طائرتان وطياريها :

  1. النقيب الطيار وليد عبد اللطيف السامرائي .
  2. الملازم الطيار عامر أحمد القيسي .

   

بسبب هذه الحاله في صعوبة تأمين خط سير آمن لطائراتنا وخاصة في الأماكن التي تتواجد فيها قطعات بكثافة لصعوبة التمييز .

10 اكتوبر( تشرين أول)

--------------

يوم أمس لم يكن لدينا طيران وذلك لإنشغال السرب بموضوع فقدان النقيب وليد والملازم عامر .... وموضوع حركة الطائرات خلال خطوط القتال  حيث أننا سنفقد نصف الطائرات في كل طلعة ننفذها وكان لابد من إيجاد حل لهذا الموضوع لأن القطعات العسكرية على الجبهة لايمكنها تمييز الطائرات التي تمر فوقها وبالتالى ستكون معرضة لنيران المقاومات .... فقد أطلقت علينا صواريخ  ارض /  جو وشاهدناها في اللحظات المناسبة وعملنا مناورة قاسية جدا للتخلص من الإصابة ...

عند ساعة الظهيرة وصلت طائرتين إسرائيليتين إلى المنطقة وتم إطلاق صافرات الإنذار وكنا داخل الملجأ الكونكريتي ( الدشمة الخرسانيه) تحت الارض وقسم من الطيارين عند باب الملجأ .

وفجأ دوت اصوات الإنفجارات حيث أسقطت الطائرتين القنابل على المطار، وسارع الجميع إلى الإحتماء وخاصة الذين كانو خارج الغرفة الحصينة . سقطت إحدى القنابل بين الملجأ والسيطرة الجوية  وهزت الأرض وتناثرت شظايا الزجاج من الشبابيك وملأ التراب المكان.  وكان الخوف من أن تكون هذه القنابر كيمياويه فتقضي على الجميع  ...

ولكن الله ستر وخرجنا من الملجأ مباشرة بعد مغادرة الطائرات الإسرائيلية المنطقة .. كانت غرفة السيطرة الجوية قد محيت من الأرض وأصيب أحد الضباط المسيطرين الجوييين وهو مصري .

لم تصب طائراتنا لأنها كانت داخل الدشم الخرسانية سوى إصابة إحدى الطائرات المزدوجة بإصابات خفيفة بسبب انفتاح باب الملجأ بسبب الضغط الذي أحدثته الموجة الانفجارية للقنابل .

يوم أمس كان هجوم الطائرات الإسرائيلية على مطار طنطا وسمعنا أصوات دوي القنابل نتيجة القصف وتوقعنا أن نكون التالي في الضربة الصهيونية .

11 اكتوبر( تشرين أول)

--------------

كان هناك واجب بأربعة طائرات وهو مهاجمة أحد موقع القيادة والسيطرة الإسرائيلية في عمق سيناء عصر هذا اليوم :

الرائد الطيار ناطق محمد علي

الملازم ضياء صالح  مع اثنين من الطيارين

وغادرت الطائرات مطار قويسنا  ونفذت الواجب على أتم وجه وعادت . وفي طريق العودة تعرضت  الطائرات الى وابل من النيران أصيبت على إثره طائرة قائد التشكيل والرقم إثنين بإصابات مباشرة . حاول الطيارين الوصول بطائراتهم إلى أقرب ما يكون من قناة السويس قبل أن يتركو طائراتهم  وفعلا ترك قائد التشكيل طائرتة وبعده ترك الرقم أثنين طائرتة وهبط الاثنين بالمظلات ....

لم نعلم ما الذي حصل وكان الجميع في قلق على مصير ناطق وضياء ... لم نحصل على أي اخبار عنهم حتى المساء ... واليوم التالي وردت إلينا أخبار بأن ضياء قد اصيبت طائرتة وهبط بالمظله وكان موقع نزوله على الضفة الغربيه من القناة وعند القطعات المصريه  ... وكانت محنة عظيمة له حيث عومل معاملة سيئة جدا إلى أن أثبت نفسه بأنه طيار عراقي وأنه من مطار قويسنا وذلك بعد أن سأله أحد الضباط المصريين عن إسم أحد الضباط العاملين في المطار ومن حسن حظه أنه عرف إسم الضابط ولهذا كانت إجابة فيها النجاة . أما الرائد ناطق فقد هبط على الضفه الشرقية من القناة وبات ليلته في مياه القناة حتى الفجر وعبر سباحة بالاستعانة بأحد الجسور إلى الضفة الأخرى ومن حسن حظه أن ضياء قد سبقه ولهذا استقبل من قبل القطعات المصريه وتم نقلهم الى المستشفى المركزي ...

13 اكتوبر ( تشرين أول):

-         توقف يا أبي قليلا  فإني أخشي علي نفسي من سماع احداث هذا اليوم

-         ولم يا إبنتي إنها مشيئه الله وقدرة إن الرحمن قد إصطفاني من بين كثير من خلقه كي أكون جوارة ألا تريدين أن تعلمي كيف كانت إراده الرحمن في ذلك اليوم؟

-         آة يا ابي كم تريحني كلماتك وتطيب بها خاطري أكمل يا أبي من فضلك فلم أعد الأن أستمع إليك بأذني ولكن بحواسي جميعا .

-         في هذا اليوم يا سهاد وصلت الأوامر لتنفيذ واجبين بتشكيل من أربعه طائرات لكل منها واجب  منفصل وكان الهدف مهاجمة أرتال القطعات  الإسرائيلية المتقدمه من سيناء بإتجاه منطقة  (  الدفرزوار  )  وتم القرار أن يكون التشكيل الأول بقياده النقيب عماد احمد وكنت انا رقم ثلاثه في ذلك التشكيل مع اثنين من الطيارين ..

والتشكيل الثاني بقيادة الملازم أول طيار سالم محمد ناجي والملازم أول طيار عبد القادر خضر الرقم ثلاثه ومعنا أثنين من الطيارين .

وفي التوقيتات المحددة بدأنا التحرك . شعرت وقتها أن طائرتي بها عطل بسيط لم يمنعها من الطيران ، ولكني أبلغت النقيب عماد الذي أمرني ان أستمر وبالفعل انطلقت التشكيلات الي السماء  .

 كانت طائراتنا تنطلق بسرعه عاليه وعلي ارتفاع منخفض جدا وهي مهارة مدربين عليها جيدا من قبل ووصلنا لقناة السويس . من خواص طائرة الهنتر إنك عندما تكون في المقصوره فبامكانك الطيران بارتفاع متر واحد عن الأرض لأن مدى الرؤيا وقوس النظر عالي جدا مما يسمح بمثل هذا النوع من الطيران .

كنا نتجه نحو الشرق بشكل عمودي على القناة داخل سيناء  ومن ثم استدار تشكيلنا  الأول إلى جهة اليسار بزاويه 90 درجة عن خط السير الاول . وهاجمت الوحدات الإسرائيلية المتجهة صوب القناة ومن بعيد شاهدت النيران تعم المكان . وكانت الوحدات الإسرائيلية عباره عن رتل من الآليات والسيارات االتي تحمل الوقود... وتوجه التشكيل الثاني  مباشرة إلى مجموعة الاليات الإسرائيلية التالية وقام بمهاجمتها بالصواريخ وبشكل مباشر ...واشتعلت النيران فيها .

غادرنا الموقع وكانت سرعتنا عالية وعندها علمت من النقيب عماد بأن طائرته قد اصيبت بنيران العدو وزاد من ارتفاع طائرته في طريق العوده  .

كانت المقاومات الأرضية الإسرائيلية تطارد طائراتنا .. وفقد الطيار عماد سيطرته علي الطائرة وقرر القفز بالمظله . وفي تلك اللحظات اشتبكت في طريق العوده مع وحدات إسرائيلية وكانت نيرانها شديدة فاستدرت أواجهها . وهنا ظهرت مقاتلاته الفانتوم التي ملأت السماء من حولي وكان التشكيل المصاحب لي قد اتجه في طريق العوده غربا . وواجهت الموقف وتذكرت عطل طائرتي ولكن هذا لم يفت في عضدي فقد كانت العراق قد حملتني أمانه ألا استدير للعدو أو أفر من أمامه  أبدا. فأصيبت الطائرة اصابه مباشرة واندلعت النيران فيها من كل جانب . ولم اشعر إلا بجسدي يسقط مع الطائرة بإتجاة الارض أما روحي فكانت تسموا إلي أعلي وتصعد إلي بارئها أحسست أني تحررت من جسدي وسمت روحي تطوف السماوات وكأنها بذلك السمو ترتقي عن الأرض وتسبح فية  خفيفة هادئة هانئة . كانت سعادتي غامرة وروحي تتلقي التهاني بالنصر ممن حولي وقد صعدت أرواحنا في رحلة أخيرة بعد أن قضيت حياة جد قصيرة إستطعت فيها أن أخدم وطني وأقوم بواجبي وأحفظ أهلي وأستشهد دونهم .... لم أمت يا أبنتي فأني عند الله من الاحياء ولكن لا تشعرون .

نظرت سهاد إليه وعيونها مليئة بدمع قد تحجر في مقلتيها فأصبح مثل حبات الماس البراقه وهنا إبتسم لها في حنو وقال:

-         سهاد يا ابنتي ، اتبكين علي أم تكوني سعيدة فخورة بوالدك الطيار ابن العراق الذي حارب مع مصر وانتصر ؟

-         لا استطيع أن اصف لك ما أشعر به الأن إنني .........

-         لا تقولي شيئا فأنا كنت حولك في كل مكان وإدرك ما مر بك .

-         هل تعلم ما حدث لنا من بعدك ؟

-         أعرفه ولكني أود أن أسمعك وأنتي تفضي إلي بمكنون إحساسك يا إبنتي .

-         لقد علمنا أنك مفقود وبقيت جدتي وأنا علي أمل أن تعود يوما أو أن تكون حتي أسيرا فتصلنا إخبارك وظللت أنا بدونك لا أعرف كيف أعيش . أما جدتي فقد أحتضنتني وظللت معها وهى يراودها الامل .

-         تركت فراغا كبيرا يا  أبتي ، تركت أمك وزوجتك وإبنتيك الصغيرتين . وتركت أخواتك التسع بدون رجل وحيدات حزينات لم تصدق والدتك أن إبنها لن يعود وظلت على أمل أنه أسير.

والدتك المرأة البسيطة الغير متعلمة عاشت مع بناتها التسع وأنا معهم في حزن وانتظار أن تعود وتحتضنك، لكن هيهات هيهات الغائب لم يعد والأمل قد مات. لكن المصيبة الكبرى قبل أيام عرفت أنا من أصدقائك بخبر استشهادك وأنهم لم يخبروا جدتي في حينها رفقاً بها وبرقةِ حالِها.

عشنا علي امل كاذب لم يتحقق في أي يوم من الأيام ..

وفي كل عام يأتي أكتوبر( تشرين أول)  ومعه ذكراك . وفي كل عام وفي نفس اليوم يتجدد الحزن ونذرف الدموع على فقدان الأبن والأب والأخ الذي أستشهد في عز شبابه ولم يفرح برؤية بناته وهن يكبرن .

تريد أن تعرف ماذا حدث في حياتنا يا أبتي؟

 لقد ذهب السند والمعيل والأبن والأخ الوحيد والأب الذي لم أراه ولم أعرفه ولم أسمع صوته . لقدعرفته من خلال كلام جدتي وعماتي وأقاربك وجيرانك وأصدقائك . لم أراك إلا في الصور ، إنتظاري لك كان يقينا داخلي . كنت أبكي عليك وأنا صغيره ، وحتي لحظات من الأن مازلت ابكيك . كانت جدتي تضمني اليها وتنوح عليك بشعر يدمي الصخور ويذيب الحجر وأنا أسمعه وأبكي على بكاءها . لقدكانت تضرب رأسها في الحائط وهي تبكي على ولدها الذي فقدته وهوفي عز شبابه . لم يكن له ولد يحمل اسمه ، فقط بنتان يتيمتان . واستمرت جدتي تتذكرك كل يوم ، تتذكر ذلك الشاب الوسيم التي حملته وولدته وربته حتى تراه رجلا وتتفاخربه . وكان بالفعل  رجلا تحمل مسؤولية امه واخوته بعد ان توفي والده .  تلك جدتي التي لم يمهلها الزمن لتفرح بك ، ظلت تنتظرك وتعيش على امل .

عاشت وربت أخواتك وإبنتك الكبيرة . كانت جدتي دائما تبكي فراقك وهي تراني امامها . كم تمنيت يا أبي أن تكون معي  مثل كل الاطفال . وما حدث بعد ذلك كان أن جائها الخبر حين أذاع التليفزيون العراقي برنامجا في الذكري الخامسة والعشرين لحرب اكتوبر( تشرين أول) 1998 بعنوان ( سفر الابطال ) تحدث عن الطيارين العراقيين الذين حاربوا في مصر. وظهر زملائك يتحدثون ، وحينما ذكر اسمك أجهشوا بالبكاء ذاكرين استشهادك. وهنا عرفت جدتي الحقيقة وأصيب قلبها ولكنها كانت اقوي من المرض .. كانت احزانها قد صلبت عودها وشدت ازرها واصبحت اقوي من الألم . لقد استمرت في حياتها وربت أخواتك البنات حتي تزوجن ، وربتني حتي أصبحت مهندسة ترفع اسم أبيها عاليا. شعرت دائما أنك معي تفخر لنجاحي وتسعد لتفوقي .

-         نعم يا ابنتي انا بجوارك دائما بجوار أمي التي رحلت عنها بدون وداع لقد اخلفت موعدي في العوده إلي الوطن لكني لم أخلف ابدا وعدي . لقد نلت الشهادة وصولجان النصر إني أحيا بين جنبات بيتنا القديم في الحبانيه تهيم روحي حول أمي في كل مكان  أسكن الهواء الذي تتنسمه واقف علي عتبات الديار التي تزورها.  أشرف علي إخواتي من فوق مآذن بغداد وقباب الحبانيه و حدائق بابل  ونخيل الحبانية إنني إسكن عراقي هوائها نسيمي ومياة فراتها ودجلتها دمائي منذ ذلك اليوم وانا حولكم يا سهاد .. اخبري أمي ان تاج النصر تحت قدميها وانني احيا بين حنايا وجدانها ولكن لا تشعرون اخبريها أن سامي فاضل حسين قد تربي علي يد أم علمته أن الواجب هو جوهر الحياة وأن الوطن أغلي من الحياة نفسها ... إن العراق وطني وكل أرض عربيه هي ارضي أدافع عنها بسلاحي لم أتركه قط حتي ذقت الموت .

-           لقد حييت عمري  كله على أمل أن يكون عندي أب وأن أحتضنه وأن أبكي على صدره إذا تأذيت . لقد عشت وأنا أرى كل بنت وولد وهم ينادون آبائهم وأنا أتمنى أن أنادي كلمة أبي وأحلم بها . لقد عشت وأنا أسمع الأغاني الحزينه من صغري وأبكي عليها وهي تذكرني بك وأنت الذي لم أرك الا في الصور. كنت كلما أرى طيارا أتذكرك . وكلما أرى أب اتذكرك . وكلما أرى عائلة سعيده اتذكرك . عشت اليتم وعاش في داخلي أنينه لقد أبصرتك اليوم لهذا الزي الذي لطالما لفت نظري وتهفو نفسي لأن اراك يوما .

-         وها قد تحقق مرادك وحلمت بي يا ابنتي .

-         نعم يا أبتي هذة نهاية مرضية ، سوف أراك كل يوم في حلمي وأبثك شوقي وحنيني إليك لن أبكي بعد اليوم لأنك أخبرتني أنك حي عند المولي عز وجل .

-         نعم يا أبنتي الحبيبه تلك هي الحقيقه المطلقه .

-         أبي .. نسيت أن أخبرك أنك قد منحت من قبل الرئيس المصري محمد أنور السادات نوط الشجاعة ونجمة الشرف المصرية ، دوما افتخرت بذلك .

-         إن هذا التكريم أنتي أحق به مني يا سهاد فقد كرمني الله بالشهادة أما أنتي فلك أن تفخري بين العرب جميعا أن لك أبا دافع عنك ، عن العراق وعن مصر وعن كل العرب فنال الشهادة وأهدي لكم النصر.

               .........................................................

قام بإداره الحوار مع كريمه البطل ( المهندسه سهاد سامى فاضل حسين ) لجمع تفاصيل حياه البطل المدنيه حسن الحلو ( رئيس قسم التسجيلات بالمجموعه 73 مؤرخين ) عن طريق الانترنت وتم جمع المعلومات العسكريه عن طريق مذكرات اللواء طيار ( سالم ناجى ) من القوات الجويه العراقيه .

قام بكتابه القصه / محمد عبد الحميد ( عضو متطوع بالمجموعه 73 مؤرخين ) .

تصحيح لغوى / سامى فرحات ( عضو المجوعه 73 مؤرخين ) .

مراجعه تاريخيه / المجموعه 73 مؤرخين .

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech