Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
الخميس 27 سبتمبر -ندوة حزب الوفد - طنطا ***** 7 أكتوبر 2018 ندوة بجامعة الازهر كلية لغات وترجمة ***** 8 أكتوبر ندوة بمدرسة أيليت الخاصة ** 8 أكتوبر ندوة في كلية حقوق بورسعيد ** 9 اكتوبر ندوة بمكتبة الاسكندرية **** 20 أكتوبر ندوة بمكتبة القاهرة الكبري بالزمالك*****

بطل العبور الحاج محمد الطيب وذكريات الإنكسار والانتصار

 

بطل العبور الحاج محمد الطيب
وذكريات الإنكسار والانتصار



في هدأة من الزمن وفي خفية من الدهر يتوارى بطل من أبطال العبور لابسا ثياب البساطة ومتدثرا بألحفة النقاء والصفاء في زمن يشتاق إلى قصته العظيمة وبطولته الرائعة، لا يدرك هو عظمة الإنجاز الذي شارك فيه ولا يدرك المحيطون به جلالة التاريخ الذي جاهد في كتابة سطوره، ما إن تبدأ مع الحاج محمد الطيب الحديث عن حرب أكتوبر حتى ينسى معاناة الحياة وشدة الأيام وثقل المسئوليات وتتهلل أساريره ويهب البريق في عينيه الضيقتين ويلهج لسانه منسابًا بالذكريات الممزوجة بالبطولات،

يبدأ عم محمد الطيب حديثه بالحديث عن ميعاد تجنيده فيقول قبل أن أتم عشرين عامًا وفي الخامس من مارس عام 1966م توجهتُ أنا ومجموعة من شباب قريتي -أبومناع بحري- أذكر منهم المرحوم حسين سيد عبدالكريم من عائلة البديويات والمرحوم رشيد حلمي درياس من أقباط البلدة وعبدالواحد الجزار  من عائلة الجزازرة إلى منطقة تجنيد أسيوط فلم يكن أيامها هناك منطقة تجنيد بقنا أو سوهاج أو أسوان،

وبعد الفرز تم قبولي بينما تم رفض المصاحبين لي من القرية، ولبست ثياب الخدمة العسكرية بكل فخر واعتزاز أبحث عن شرف خدمة بلادي، فقد كنت أتوق لإرتداء سترة يُشهدُ لحاملها بالرجولة قبل أن يشهد له الشارب المخطوط فوق شفته، ومن مدينة أسيوط توجهت إلى معسكر تجنيد منقباد الذي ظللنا فيه أربعة أيام قبل أن يتم ترحيلي أنا ومجموعة المجندين إلى حلمية الزيتون بالقاهرة،

ولم نمكث في حلمية الزيتون سوى ليلة واحدة وجهونا بعدها إلى مركز تدريب أساس المدرعات بالقاهرة ومكثنا في مركز التدريب شهرًا نتدرب على استخدام البندقية الآلية والرشاش الخفيف وجميع الأسلحة الصغيرة، وبعد انتهاء الشهر تم تحويلي إلى كتيبة المشاة الميكانيكي باللواء 11 مدرع بمنطقة كسفريت بالإسماعيلية، ويتذكر الحاج محمد الطيب بكل يقظة وتركيز أنه بقي في منطقة كاسفريت مدة سنة كاملة يتدرب يوميًا على فنون القتال وكيفية التعامل مع الأسلحة الآلية،

واشترك خلال هذه السنة في العديد من المشروعات الحربية التي تمثل معاركًا مصغرة، وما زال الحاج محمد الطيب يتذكر بعض الجنود الذين كانوا معه في المنطقة وبلادهم ومنهم إبراهيم حسن إبراهيم من أسيوط وعبدالمبدي محمد من منقباد وعبده سيد سيد من الحواتكة، ويروي لنا الحاج محمد الطيب أنه في أوائل شهر مايو سنة 1967 صدرت الأامر للواء 11 مدرع بالتحرك إلى منطقة الشيخ زويد للانضمام إلى الفرقة الرابعة التي كان يترأسها الفريق صدقي الغول.

وتظهر المرارة جلية حين يبدأ الحاج محمد الحديث عن حرب الخامس من يونيو67 التي لا يجد لها مسمى يليق بها إلا النكسة أو الخيبة، يقول عم محمد الطيب أننا في هذه الحرب لم تتح لنا الفرصة للقتال ولم نستطع أن نعبر عن شجاعتنا أو حبنا لبلدنا فقد بدأت القوات الجوية الإسرائيلية في ضرب المطارات المصرية ثم أصبح الطيران الإسرائيلي متنزها في سماء سيناء يتجول حتى يكتشف رتل عسكري فيتم تدميره بالكامل، أصبحت مهمة الجندي المصري تتمثل في كيفية الاختباء من أعين الطيارين الإسرائيليين، كانت هناك محاولات من المدفعية المصرية لضرب الطائرات الإسرائيلية ولكن هناك فارق بين أن تحاول الأرض محاربة السماء وبين أن تستهدف السماء الأرض، وصدرت الأوامر من سيادة الفريق صدقي الغول بالانسحاب من الشيخ زويد والتراجع إلى منطقة الحسنة وأثناء تحركنا إلى الحسنة تم استهدافنا من الطيران الإسرائيليي ففقدنا بعضًا من الدبابات والعربات ومجموعة غير قليلة من الجنود البواسل، وحينما وجدنا أن الدبابات هدفًا سهلا للطيران الإسرائيلي تركنا الدبابات والعربات وبدأنا في السير على أرجلنا حتى وصلنا إلى الحسنة بسيناء ومن الحسنة إلى ممر "متلا"،

ومن هناك صدرت لنا الأوامر بالعودة إلى الإسماعيلية مهتدين بخط القزق وهو أعمدة خشبية تحمل أسلاك التليفونات من الإسماعيلية إلى سيناء في ذلك الوقت، ويتحدث بانكسار الحاج محمد الطيب حين يروي لنا رحلة العودة من سيناء إلى الإسماعيلية فقد كانت المعركة غير متكافئة واستمرارها استمرار في تدمير القوات المصرية.

ويقول عم محمد الطيب بدأنا أنا ومجموعة من زملائي المسير إلى الإسماعيلية من ممر "متلا" وهو عبارة عن ممر ضيق بين جبلين أغلقته ضربات طيران العدو حتى لا تعود الدبابات والعربات ولكنه بقي ممرًا للمشاة، مشينا ما بين ثلاثين وخمسة وثلاثين كيلو مترا في الصحراء نحمل أرواحنا على أكفنا ونحن نسمع أزيز الطائرات فوقنا تحلق باحثة عن خيال للجندي المصري لتضربه فكم من ضربة كانت أمامنا وكم من ضربة من خلفنا، واستمر المسير مدة ستة وثلاثين ساعة متصلة رأينا فيها الموت يبحث عنا والهلاك يحاول اختطافنا وما أبقانا على الحياة وساعدتنا على تكملة المسير إلا بعض المياه الجوفية التي خرجت من الحفر التي أنتجتها دانات الطيران الإسرائيلي، وبعد معاناة كبيرة ورحلة شاقة وصلنا إلى معسكر أُعدَّ لتجميع للقوات العائدة من سيناء.

وبعد فقد الأمل في عودة جنود أخرى من سيناء تحركت أنا ومجموعة الناجين من حرب النكسة إلى معسكر الهايكستب الذي بقينا فيه لمدة شهرين حاول فيهما المسئولون إخراجنا من الحالة النفسية السيئة وغرس روح الانتقام لشرف الجندية المصرية المنتهك في هذه الحرب اللعينة، ومن معسكر الهايكستب تم إعادة تشكيل القوات مرة أخرى، وتم انضمامي للواء 15 مدرع مستقل وتحركنا إلى أبوصوير مرة أخرى نمني النفس بالحرب وننتظر اللحظة لاسترداد الأرض.

استطاعت حرب النكسة أن تزرع في نفوسنا إحساسين متناقضين الحب والكره، الحب الخالص للوطن والرغبة في بذل الروح من أجله وإحساس الكره للعدو، إحساس الخيبة والانكسار وإحساس البحث عن العبور والانتصار، أحاسيس من النزر اليسير أن تراها مجتمعة في نفس أحد إلا في موقف كهذا.

يحدثنا عم محمد عن اللواء 15 مدرع فيقول أن اللواء عبارة عن خمسة كتائب والكتيبة ثلاث سرايا والسرية تتكون من ثلاث فصائل والفصيلة تتكون من ستة وثلاثين فردًا تنقسم إلى ثلاث جماعات كل جماعة عشرة جنود ثمانية منهم يحملون البنادق الآلية وواحد يحمل أربجيه وواحد يحمل رشاشًا عاديًا، وينضم إلى هؤلاء الجنود اثنين من المقاتلين بالجرينوف يتم تقسيمهم على دبابتين مجنزرتين إلى جانب قائد الدبابة الذي إما هو قائد الفصيلة ويكون ضابطا أو رقيب الفصيلة وهو أقدم جندي بالفصيلة وسائق لكل دباية.

 

 

يضيف الحاج محمد الطيب أنه بعد نكسة 5 يونيو 1967 وبعد انضمامه للواء 15 مدرع ظللنا نتلقى تدريبات قتالية عسكرية دائمة وكذلك قمنا بتدريبات على عبور القناة بالدبابات البرمائية والقوارب المطاطية، ظللنا حتى عام1973 في كر وفر مع القوات الإسرائيلية وضرب متبادل، وفي هذه الفترة تمت ترقيتي إلى رقيب الفصيلة فكنت أنا قائد دبابة وكان قائد الفصيلة الملازم أول عمر حجازي قائد الدبابة الثانية للفصيلة، بينما كان قائد السرية النقيب أحمد فتوح فهمي و كان يتولى قيادة الكتيبة للمقدم الذي تم ترقيته أثناء وجودنا إلى عميد باهر زكي رشدي، أما قيادة اللواء فكانت في البداية للواء عادل سوكة ثم تولاها فيما بعد اللواء تحسين شنن.

ويذكر الوالد محمد الطيب أنه في أثناء فترة الاستنزاف ونتيجة الحزن الذي عشناه أراد والديَّ أن يسروا عني من ناحية وخافوا أن يفقدونني فلا يجدوا أثرا مني يخفف عنهم مرارة فقدي فقرروا أن يزوجوني، وبالفعل تزوجت أم أيمن التي كانت لي خير معين على هذه الأيام الشديدة.

وشعرنا بالمرارة تعتصر قلوبنا حينما تلقينا خبر إنهاء خدمتنا العسكرية في 1/7/1973، كيف لأحلامنا في العبور أن تتبدد بهذه السهولة، كيف لأمنياتنا بالمشاركة في الانتقام لشرف الجندية المصرية أن ينتهي، كيف لهذه الطموحات التي عشنا طوال ست سنوات كاملة نبنيها ونزكيها بالمشاركة في عودة الأرض وغرس العلم المصري في قلب سيناء، كل هذا وغيره من المشاعر المؤلمة هاجمنا حين عرفنا بقرار إنهاء خدمتنا، عدنا إلى بلادنا ونحن ننتظر أن نسمع أخبارًا جديدة وأنباء تسر النفس الحزينة وتريح القلوب المتعبة من الحسرة والأنين حتى جاء الفرج باستدعائنا مرة أخرى إلى القوات المسلحة في منتصف سبتمبر 1973، لم يطل الغياب كثيرًا أقل من ثلاثة أشهر لكنها كثلاثة قرون، رجعنا وزاد الأمل وتجدد الطموح بالعبور المنتظر وإما منتصرًا وإما شهيدا أروي تراب أرضك يا سيناء بدمائي الذكية.

عدت إلى اللواء 15 مدرع بأبو صوير واستلمت مهامي رقيبًا للفصيلة وأقدم جنودها وقائدًا لإحدى دبابتيها.

وفي أول يوم من شهر أكتوبر صدرت الأوامر من اللواء تحسين شنن قائد اللواء بالتحرك من منطقة أبوصوير إلى منطقة الصالحية بالإسماعيلية بين الإسماعيلية وبورسعيد واستمرت التدريبات الشاقة والجادة حتى جاء اليوم الموعود وأشرقت شمس السادس من أكتوبر ومنذ بداية اليوم ونحن متأهبين للتحرك دون أن نعرف إلى أين هذا التحرك، كل جندي يحمل شدته العسكرية وينتظر الأوامر بالإنطلاق، ومع انطلاق الطيران المصري مستهدفًا مواقع العدو الإسرائلي صدرت لنا الأوامر بالتحرك والتقدم نحو القناة، وصلنا شاطئ القناة بعد حوالي 6 ساعات من السير بالدبابات في الصحراء وبدأنا في عبور القناة من منطقة البلَّاح بالقنطرة غرب ومن المواقف التي لا أنساها أننا ومع بداية العبور تشنج سائق الدبابة من رهبة الموقف وعظمة الأمر وغزارة الضربات التي يراها من العدو الإسرائيلي فقمت بقيادة الدبابة البرمائية المجنزرة التي ما أن تدخل المياه حتى تسير فوق المياه مخلفة خلفها الحسرة والخيبة التي حملناها فوق صدورنا ستة أعوام كاملة

حتى وصلنا إلى الضفة الشرقية وصعدنا إلى الشاطئ من ثغرات بخط بارليف تم إعدادها بواسطة الجنود الشجعان من سلاح المهندسين المصري، وتقدمنا لمسافة ثلاثة كيلو مترات في عمق الضفة الشرقية بالقنطرة شرق، تمركزنا في هذه المنطقة وبدأنا الضرب والقتال حتى يوم التاسع من أكتوبر حيث صدرت لنا الأوامر من اللواء تحسين شنن بالتقدم للأمام مرة أخرى فتمركزنا على بعد 4 كيلو مترات من مكاننا،

وبدأت قوات الفصيلة في خندقة الدبابات حتى تختفي عن أعين العدو، وقمنا بعمل خنادق للتحصين نلوذ بها أثناء الضرب على بعد خمسة عشر مترا من خندق الدبابة واستمر القتال مع العدو حتى يوم السابع عشر من أكتوبر حيث أقسى المشاهد التي شاهدتها وآلمها لنفسي حيث استهدف الطيران الإسرائيلي فصيلة كاملة من فصائل الكتيبة التي أنتمي لها على بعد 50 متر تقريبًا من فصيلتنا وللأسف استشهد كل أفراد الفصيلة، منظر من أقسى المناظر التي يمكن أن تراها، ويذكر الحاج محمد أنه في الفترة الأخيرة من الحرب زادت الخسائر في الجيش المصري نتيجة الدعم الأمريكي مما اضطر القيادة المصرية لقبول وقف إطلاق النار.

 

وعشت أيام الفرحة والانتصار وعودة الأرض مع زملاء الكفاح وأصدقاء النجاح ورفقاء الحلم وأخوة الطموح وخلعنا رداء الخيبة والذل ولبسنا تاج العز وأردية

الكرامة، ظللنا بالقنطرة شرق نحتفل بالانتصار

وحينما سئل الحاج محمد الطيب عن أشخاص لا ينساهم يتذكر والفرحة تندى على جبينه أول هؤلاء الأشخاص محمود محمد كمال هندي من الولجة منيا القمح بمحافظة الشرقية كان أحد جنود الفصيلة التي كنت رقيبها وقبل الحرب بفترة صدرت تعليمات للحاصلين على مؤهلات عليا أن من حقهم التقدم إلى دورة تدريبية تتم ترقيتهم على إثرها ضباط بالجيش المصري وكان محمود حاصلا على بكالوريوس السياسة والاقتصاد، فتقدم للدورة وحصل عليها وتم تعيينه ضابطًا ولكن ليس باللواء 15 مدرع الذي كنت أنتمي له، وقد شاءت الأقدار أن قابله في دشنا صدفة قدرية حيث كنت موظفًا في شركة كهرباء جنوب الصعيد وكان هو قادم لدشنا في عمل ضمن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي عمل فيه بعد انتهاء الخدمة العسكرية، احتضنني واحتضنته لقترة طويلة وكأننا أخان فرقت بينهما السنين ثم عادا فالتقيا، وتبادلنا أطراف الذكريات الأليمة والذكريات المبهجة، وحين عرفني بهم قال هذا محمد الطيب الذي كنت طوال الطريق أحكي لكم عن بطولته وأخلاقه وصحبته الرائعة.

وكذلك هناك عزت شهدي ديسا من أقباط البلينا جمعت الحرب بين دمائنا فصرنا أخوة لا تحلو الحياة إلا بوجودنا سويًا، زرته في البلينا وزارني في أبومناع وحضرت فرحه في البلينا.

ومن الذين أسعد كلما أذكرهم سلامة عبدالتواب عبدالحافظ ابن القوصية الجندي الأديب وما زلت أحتفظ بخطاب له كله بلاغة ورقي.

وهناك إبراهيم علي عطا من قرية دروة مركز ملوي كان أحد المقاتلين بالرشاش الجرينوف أثناء الحرب وزارني هنا في قريتي أبومناع بحري، وكان يعمل في مطاحن أسيوط قبل أن تفرق بيننا الدنيا والمشاغل.

وهناك عبده سيد سيد من الحواتكة بأسيوط وقد زرته في الحواتكة بعد انتهاء الخدمة العسكرية وكان أخًا كريما شهمًا نبيلًا.

وسألنا الحاج محمد الطيب عن موعد انتهاء خدمته العسكرية فيقول: انتهت خدمتي في شهر أبريل عام 1974.

 

 

قام بإدارة الحوار ابن البطل -   أيمن الطيب

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech