Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الرائد محمد الحسيني - التصنت الالكتروني

 

 

 

النكسة 67

ما حدث في 67 لم يكن نتيجة ضعفنا أو ضعف معلوماتنا عن العدو ولكنه كان نتيجة طبيعية للغرور والثقة الزائدة ، فقد كان عملي عبارة عن معلومات لا يحتاج لحنجرة قوية وعندما سافرت لبعثة اختاروا من 600 ضابط أربع مائة فقط كنت أنا الأول عليهم في مادة معلومات عن العدو لذلك أري أن كل الأخطاء التي وقعنا بها كانت فرص ضائعة ، ومن فترة الدراسة بالكلية الحربية وأنا أحفظ شكل طائرة العدو المستير والطائرة الأورجان وهي فرنسية جيت سرعتها 900 كيلومتر وهي الطائرة التي ضربت مطار العريش في 67 كنت أعرفها برؤية العين ، وكنت أعرف قوتهم البحرية وعاداتهم وعقيدتهم والدبابات والعربات نصف جنزير وال م.د بازوكا المضاد للدبابات الذي كان يملكونه وقتها كل هذا درسته تماما بالكلية ، فكل هذا معروف ولكن الأهم هو الاستيعاب وردود الأفعال وما هو وضع الجيش المصري والعبرة بمن فهم وأبلي بلاء حسنا ومن كان يملك ثقة زائدة عن اللزوم ويري أن الطريق سهلا فهذا موضوع آخر ، فكنا ندرسهم كدولة قوية لها جيش كبير ولكن حدث سوء تقدير في النهاية وما حدث لنا كان بسبب الاستنفار المعنوي الزائد الذي أدي لأن نقول أننا سنلقيهم بالبحر فالخطاب السياسي كان مختلف عن الواقع وشارك في صنعه أحمد سعيد في برج العرب فملأ الصوت العالي كل مكان وانتشر الكلام عن تضامن عربي حقيقي ولكن بالنهاية لم يكن هناك حسابات دقيقة فصارت قرارتنا خاطئة ،

بالإضافة إلي ذلك كانت أفضل قوات للجيش موجودة باليمن ، ففي 67 كنت موجودا بالعريش وكنت أسمع قائد ورشة الاشارة بالعريش النقيب جرجس يني خليل عندما أبلغوه بوصول 3 دبابات لحماية العريش يقول أن أجهزة اللاسلكي لا تعمل ولا توجد قطع غيار فقام بتوصيل الثلاث دبابات بتليفونات سلك ، وكانت محطة قطار العريش وتسمي محطة الأبطال يأتي إليها العساكر الذين تم استدعائهم من الاحتياطي بالجلاليب وكأنهم ذاهبين لفرح العمدة ولتقسيم الغنائم وليس لحرب ، واتضحت هنا شخصيتنا فكنا نتعامل بسلوكنا كمصريين وليس بسلوك جيشا فظهرت تركيبتنا الاجتماعية التي نري أنفسنا من خلالها أفضل من الجميع كما يقول البعض منا للآخر "انت مش عارف أنا مين" ، وكما يظهر في عادات الأخذ بالثأر في الصعيد فهي نفس الفكرة الكل يريد أن يقول أنه أقوي شخص ، فكانت 67 حالة من الثقة الزائدة بالنفس تستطيع أن توصلك لأحد درجات الغرور ومادمت وصلت لهذه الدرجة سيتوقف عقلك عن الحسابات ، واسرائيل ليست دولة ممتازة هي دولة عادية حسب ما رأيته ، فقد كنت أسمعهم في 67 والاستنزاف وهم يتحدثون كانت جولدا مائير تقول أنا رقم 100 وليفي أشكول يقول أنا رقم 99 وموشي ديان يقول معكم 55 وحاييم بارليف 57 وكان قائد الكتيبة الموجودة أمامنا رقمه 10 وقائد ثان الكتيبة 11 ورئيس عمليات الكتيبة 12 وقائد اشارة اللواء أو الكتيبة 14 والمدفعية الهاون كان كودها 5 أو 105 فقد كنت أسمعهم وهم يحدثون بعضهم بالكود المخصص لكل منهم من مطبخ المعلومات الحقيقي أو عند زيارة أحدهم للجبهة فيتم التبليغ عن كود الشخصية القادمة ، فمثلا كان في لسان بورتوفيق يوم السبت يأتي لقوات العدو أتوبيس به بنات ليل من تل أبيب للترفيه وكنا نسمعهم ونسجل كلامهم ، وكان عسكري المؤهلات بعد 67 يسمع الطيار وهو يطير في سرب الفانتوم من بير سبع وهو يقول : سأضرب النقطة كذا التي معناها بورسعيد فينزل إلي الفردان يقوم بالضربة حتي يصل للدفرسوار فتنفذ ذخيرته مثلا في كبريت فيعود ، كنا نعرف كل ذلك مقدما ، فإسرائيل من وجهة نطري شيئا من العمل والتركيز كافيين للتعامل معها فقد كانت مكشوفة لنا تماما كسياسة وتخطيط وقدرة عسكرية اذن هم عاديين و ليسوا العدو الممتاز ولكن المشكلة كانت في الفرص الضائعة ،

كان لدينا فرصتين ضائعتين أول فرصة كانت يوم 4 يونيو وقتها حدث صمت لاسلكي في قيادة المنطقة العسكرية الشمالية في الناصرة وفي المنطقة العسكرية الوسطي في الليد وفي قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية في بير سبع للعدو وهذا يعني أن الهجوم علي الثلاث جبهات الذين يتبعوا هذه المناطق العسكرية سيكون في الغد ، وهذا معروف ففي حالة الحرب انت تجهز نفسك لترددات العمليات حتي تكون علي موجة ضرب النار ، فمثلا مركز التصنت التابع لنا في مكتب مخابرات غزة كان قائده العقيد فايق الصادق وهو ليس له علاقة بعملنا وكان رئيس المكتب وقتها الملازم مدحت شاهين وكان معه أفراد تصنت عبري مؤهلين كانوا مساعدين في القوات الجوية يجيدون اللغة العبرية موجودين تحت قيادته هم من يقومون بالتصنت

 

 

 

 

وأنشئوا مركز تصنت علي ترددات القوات الجوية الاسرائيلية أتذكر منهم محمد مطر ، إلتقطوا يوم 4 يونيو الطائرات في مطار بير سبع تصفر في الميكرفونات علي أي تردد ؟ كان علي تردد ضرب النار فالطائرة بها سويتش إذا كان الطيار خارج لمعركة حربية فهو يعمل علي تردد واذا كان خارج للاستطلاع وسيعود فهو يعمل علي تردد آخر ، ويومها لم يتكلم العدو ولم يقل شيئا كالعادة في الميكرفون وإلتقطنا صوت تصفير فقط لأنه كان يضبط أجهزته علي تردد ضرب النار أي علي تردد العمليات للتمهيد للهجوم في الصباح وتم تبليغ هذه المعلومات يوم 4 يونيو ، والاشارة الثانية لم أعرفها إلا من خلال زميل كان موجود مع محمد عقل حيث إلتقطوا وقتها اشارتين الإشارة الأولي في السابعة صباحا يوم 5 يونيو في أم بسيس كان يوجد هناك تصنت وتحديد اتجاه تكتيكي لتحديد موقع العدو فإلتقطوا بالاسلكي قوات إبرار جوي اسرائيلي نزلت من طائرات هليكوبتر خلف خطوط القوات المصرية وتسللوا لبير الجفجافة وقطعوا كابلات الاتصالات لقيادة الجيش المصري ، والاشارة الثانية كانت من شبكة اتصالات لاسلكي في حدود الساعة الثامنة صباحا من قائد لواء مدرع اسرائيلي كان موجود خلف خطوط الجبهة في بير سبع وهو مازال داخل اسرائيل وهو يعطي تعليمات مفتوحة وليست مشفرة إلي قواته بوجوب عبور حدود المصريين بحلول الساعة التاسعة ولكننا أضعنا كل هذه الفرص ، أنا شخصيا كان معي أجهزة تحديد اتجاه وفصيلة بجوار مطار العريش بحوالي 500 متر وكانت هذه الأجهزة محاطة بعدة أرايل عمودية كل أريال منهم طوله 12 متر ، وقد رأيت يوم 4 يونيو طائرات ميج 17 كانت تصعد وتهبط من مطار العريش حتي غروب هذا اليوم ، وفي يوم 5 يونيو أثناء عملي صباحا سمعت صوت طائرات أورجان بدءت في ضرب مطار العريش في الساعة الثامنة و40 دقيقة صباحا ،

لم أنتظر وأشفر وأرسلت رسالة مفتوحة لقيادتي بالمعادي التي تتبع المخابرات الحربية وأبلغتهم أن مطار العريش يتعرض للضرب بطائرات أورجان ، قام العدو بأول ضربة ودار ثم قام بضربة ثانية أصابوا بها الجهاز الرئيسي عندي ،

القيادات بمصر كان فكرها متفاوت ، فالمشير عبدالحكيم عامر انتهت دراسته عند درجة أو تكنيك معين فكان لا يعرف كثير من المعدات الحديثة والمعلومات العسكرية ، فأنا مثلا كنت تخصص استطلاع لاسلكي بمعني أني أقوم بتصنت وتحليل معلومات وتحديد اتجاه فمن الممكن أن يكون المشير لا يعرف أساسا أنه يوجد بالجيش شئ اسمه استطلاع لاسلكي ولا أهميته ! ، والرئيس السادات كان سلاح اشارة ولكن آخر معلوماته عن الاشارة أن يقف علي التبة بالعلم أو يقف ومعه فنار فيضئ بالمورس للمراكب ، بنفس الوقت كان هناك قيادات فذة ومنضبطة 100% مثل محمد فوزي وعبدالمنعم رياض وبعدهم في حرب أكتوبر

كان مهندس الحرب المشير الجمسي علي يدي فقد كنت أراه أثناء وجودي بنبطشيات في ادارة المخابرات الحربية ليلا وهو قادم بقميصه النصف كم ويظهر من بعيد الوشم الموجود علي يده الذي قام والده بعمله له وهو بالمنوفية وكان يسألني عن الأوضاع وماذا يوجد بالنقط القوية ويدون كل ما يعرفه في النوتة الخاصة به ، واستمر في تجميع المعلومات حتي قام وهو رئيس هيئة العمليات بإعطاء كافة التعليمات لحسني مبارك بكل ما يخص الطائرات كحجم الذخيرة الذي ستحمله الطائرة والساعة التي ستطير بها والمكان الذي ستعبر وسترجع منه والهدف الذي ستقوم بضربه ،

فكان الجمسي مثال للقيادات الممتازة أما القيادات الأعلي باتت معلومات أغلبهم قديمة وتوقف العمل بها وكانوا يحتاجون لتحديثها ، وبالنسبة للشاذلي لي عليه مأخذ صغير أنه في 67 قال أنه دخل قليلا لصحراء النقب في اسرائيل وهو ينسحب وهو ما ليس صحيحا كذلك فقد قام بخطأ أنا لم أقم به بالرغم أني كنت ملازم أول وقتها وهو دخوله بقواته ممر متلا فدخل المصيدة أثناء عودته ، وكان معه أفراد من الصاعقة ويستطيع ان يعبر من فوق الجبل ولكنه دخل الممر بينما كان عليه أن يتجنب ذلك ،

في بداية عام 67 توليت فصيلة العريش فقد كان لنا هناك سرية استطلاع لاسلكي تكتيكي داخل العريش عبارة عن أجهزة تصنت وأجهزة تحديد اتجاه محمولة فكنا نفترش الأرض في أي وقت ونقوم بمهام التصنت وتحديد الاتجاه وارسال المعلومات ، كما تواجدت سرية تحديد الاتجاه الاستراتيجي مع سرية الاستطلاع اللاسلكي التكتيكية في سيناء علي الجبهة الاسرائيلية قبل الحشد للحرب ، في البداية كان قائد السرية تيمور طه السعيد ثم انتقل للمخابرات العامة في مايو 67 ، ولكي ينزل القاهرة ليسلم نفسه كان لابد أن يأخذ طائرة من مطار العريش وكانت حالة الطوارئ أعلنت والمفترض عدم وجود طيران بالعريش وكانت هناك طائرات مدنية تابعة لمصر للطيران لازالت تهبط بمطار العريش فسافر في آخر طائرة مغادرة ، وتولي مكانه قيادة السرية النقيب محمد عقل الذي كان عائدا للتو من بعثة في روسيا ،

وعندما أعلنت حالة الطوارئ صدرت الأوامر بأن يفتحوا علي محور أبوعجيلة فذهبوا لهناك واستمريت أنا بالعريش كتحديد اتجاه استراتيجي ، فكان يكمل القاعدة مثلا عندما يتم التقاط اشارة من جهاز لاسلكي معين يقوم مركز التصنت بالحصول علي المحتوي وهو الراديوجرام أي نص الإشارة فيرسل لنا التردد وهو يعمل وتوجد شبكة بيننا فأقوم بإعطائه الاتجاه ويقوم الموقع الثاني والثالث بنفس الشئ ونجمع المعلومات علي الخرائط فنعرف موقع المحطة ،

مع دخولنا مايو 67 بدء التوتر علي الجبهة السورية وعملت اسرائيل مصيدة وأسقطت عدة طائرات ميج سورية حتي يزداد التوتر وأعلنت سوريا وقتها أن عدد الطائرات التي سقطت هم 10 طائرات بينما أعلنت اسرائيل أنهم 14 طائرة وتضامن عبدالناصر مع سوريا ، بدء وقتها النشاط الاسرائيلي يزداد وبدءت المناطق العسكرية الاسرائيلية ترسل حوالي 100 اشارة يوميا ثم أصبحوا 200:300 اشارة خلال مايو إلي أن وصلنا 4 يونيو حدث ما يسمي في عرف اللاسلكيين وأفراد الحرب الالكترونية بالصمت اللاسلكي كان علي جميع الجبهات وهذا يعني التحضير للحرب ليلة المعركة وبلغنا ذلك للقيادة وقتها بطريقة منتظمة كنا نتبعها لتصعيد الخبر ، فكنت أبلغ ادارة الكتيبة أولا ثم يتم ابلاغ فرع الاستطلاع اللاسلكي بادارة المخابرات والذي يبلغ مدير المخابرات ثم المخابرات العامة ثم الرئاسة كان الموضوع متشعب ،

كما كان مركز التصنت الموجود بمكتب مخابرات غزة كما يبلغنا بالمعلومات كان يبلغ قائد مكتب المخابرات والذي يبلغ بدوره ادارة المخابرات الحربية ، و وحدة الاستطلاع التكتيكي التي تركتنا وانتقلت لموقع اخر كما تبلغنا وتبلغ القيادة وادارة المخابرات يبلغ في نفس الوقت قيادة الجبهة في بير الجفجافة بسيناء ،

عندما تفكر فيما كان ممكنا أن يحدث وقتها ولماذا لم يتم الاستفادة من المعلومات التي حصلنا عليها ولماذا لم يكن هناك رد فعل أو منع طيران طائرة المشير فوق سيناء ولماذا لم يحدث تحذير للمطارات لمنع ضربها ولم يتم ابلاغها بأنها ستتعرض لضربة جوية في الغد ؟ ما السبب فيما حدث ؟ ستجد أننا كاستطلاع لاسلكي كان وجودنا مستجد ، وبجوارنا مثلا كل فرقة في الجيش بها سرية استطلاع تقوم بالاستطلاع بنظارة أو بالقوات فتضرب طلقة وتري ما نتيجتها ومن الممكن أن تقوم بعمل دورية أو تشتبك فتحصل علي معلومة ، وقائد الجبهة مثلا فجأة خلال فترة الطوارئ فصيلة أو جماعة استطلاع بسيناء أبلغته أن هناك لواء دبابات ناحية بير سبع أو علي محور أم بسيس أو علي محور أبوعجيلة فقد تكون المعلومة غير صحيحة أو رأي أحدا سيارة جيب فتخيل أنها فصيلة دبابات للعدو بسبب الرمال ، ففي ذلك الوقت تزيد المعلومات ونسبة تأكيدها لا تصل 100% ، ثم فجأة يبلغ سيد محمود ابراهيم بيان معين اذن سيتم الابلاغ بأن سرية استطلاع تقول كذا ثم يدخل تقريره وسط كم هائل من التقارير بعضها يؤخذ به والبعض الآخر لا ،

ثم نأتي للقيادة السياسية تجد من يقول أن لدينا جاسوس قال أن اسرائيل ستضرب يوم 5 يونيو في المخابرات الحربية أو في مكتب الرئاسة أو الأمن الحربي ، أو الملحق العسكري الفلاني يقول كذا واستطلاع المشاة يقول كذا والاستطلاع الجوي يقول كذا ، فأتت وقتها كثير من المعلومات بعضها مختلف وغير محدد أسبقيات ، ومن بيده القرار لا أستطيع القول بأنه مؤهل 100% فلم يأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب فهذا تحليلي شخصيا لما حدث يوم 5 يونيو 67 ، كما كان كل ما نفعله هو استعراضات عسكرية ،

كما كانت طبيعة العلاقة بين الرئيس والقيادات التي تحته علاقة ثقة متبادلة بنسبة 100% ثقة لا نهائية ببعضهم وهم يأكدون له أن الجيش تمام وقال المشير للرئيس "برقبتي يا ريس" فعندما آخذ قرار كرئيس في هذه الحالة سآخذه وأنا مطمئن بناء علي كلام هؤلاء المسئولين وعبدالناصر كان رجل سياسي لم يحضر تدريب للجيش إلا بعد 67 ، أما المشير في هذه الفترة لم يكن لديه أي تركيز بالعمل وكثرت الأقاويل حول سلوكياته وعلاقاته النسائية والشخصية ، وكان من استشهد أو خدم جيدا باليمن له حجز سيارة نصر 1100 بسبعمائة جنيه ولكن كان هناك أيضا من يحصلون علي نفس السيارة بالواسطة والمحسوبية ، وعن الناس الذين لا يعرفون بواطن الأمور مثل الاذاعة المصرية فهم يشعرون أن مصر هي الجيش الذي لا يقهر والعرب يشعرون أنهم حتي وإن قصروا فمصر تستطيع أن تمسح اسرائيل من علي الأرض في ثانية ،

وفي يوم 5 يونيو استيقظنا صباحا وسمعت صوت طيران يضرب مطار العريش بطائرات أورجان لونها زيتي ، وكان بجوار المطار سرية مدفعية مضادة للطائرات 85 مللي بدءت تشتبك مع العدو وضربت طائرة من طائراته سقطت علي الأرض وانفجرت ، في الضربة الثانية ضربوا جهاز تحديد الاتجاه الرئيسي فبلغت ما حدث فقالوا لي انتقل لموقع تبادلي وحددوا لي هذا الموقع وكان بين محطة الأبطال والبحر وسط النخيل في المكان الموجود به نادي الضباط الآن ، أصيب بالانفجار عسكري سائق من قوتي بشظية في ظهره كان اسمه السعيد عبده غانم وأرسلته لمستشفي العريش المدني تلقي بها الإسعافات الأولية ثم عاد واستكمل الحرب معنا،

نقلنا للموقع التبادلي و وقتها أتت سيارة من القيادة بها مهمات وقاية و وقود وجهاز احتياطي لي انتقلنا معا للموقع ،

عندما رأيت الهجوم علي العريش يوم 5 يونيو كنت أري أن طائرات الأورجان هذه بطيئة وقولت أن ما يفعله العدو مغامرة وجنون وبدءت أنظر للسماء منتظرا أن أري صواريخ القاهر والظافر والناصر تمر وهي ذاهبة لتدمير اسرائيل حسب الخلفية التي كانت موجودة عند كل المصريين ، لم أستسلم علي الاطلاق وبكل ثانية كان لدي أمل جديد ومتماسك ،

وكان بجواري بين الطريق الأسفلت والبحر المدفعية الساحلية التي تدافع عن العريش وكان زميلي ملازم أول فكري جودة محمد قائد الإشارة بها وكانت اتصالاتهم لازالت تعمل ، وكانوا مقيمين هناك ولديهم مكاتب وتجهيزات وكان معي مرتبات السرية أو الفصيلة التي كان من المفترض أن نقبضها في 1 يونيو فسلمته كشف المرتبات والمرتبات نفسها حتي يضعهم بالخزينة عندهم ، واستمريت بمتابعته يومين كنا علي اتصال مادمنا بجوار بعض وأعرف منه الأخبار قبل أن ينسحبوا في يوم 7 يونيو تقريبا ، مرت الأيام وانسحبنا وبعد شهر وجدته يطلبني من بورسعيد لأذهب إليه وآخذ مرتبات العساكر ،

أما بفصيلتي قمنا بتشغيل مكن مولدات الكهرباء الخاص بأجهزة الاتصال وبدءنا نعاود الاتصال مع قيادتنا ، رتبت العساكر وانتظرنا نحاول أن نعرف الأحداث ولم يكن موجود أي مصدر للمعلومات سوي راديو ترانزستور صغير كان معي كنا نسمع عليه اذاعة صوت العرب ، وسمعت أحمد سعيد وهو يقول هيا يا عرب فلقد أسقطنا 85 طائرة ! وفي طريقنا إلي اسرائيل ونحن لا نعرف أي شئ عن الموقف ، وكان تصوري أن القيادة السياسية والعسكرية قد أصيبوا بصدمة ولم يستوعبوا الموقف فلم يعرفوا ماذا يفعلوا ، زائد أن أفضل قواتنا كانت موجودة باليمن ولم تعد بعد وقواتنا التي ذهبت لسيناء ذهبت علي استعجال وبالجلاليب حتي بدون أي ترتيب واعتمد كل واحد علي الآخر ولم يكن هناك خطوط واضحة للتعامل ،

وكانت الفرقة السابعة مشاة قد وصلت للشيخ زويد في الشمال ، وأعتقد أن هذا الحدث الغير متوقع صاحبه شلل فكري سياسي وعسكري ثم تبادل للإتهامات فكانت القرارات التي أتت بعده كارثية وأري لو لم يتم اتخاذ هذه القرارات لكان الموقف أهون بكثير ،

استمريت في الاستماع للأخبار بالراديو وسمعت صوت طلقات لأول مرة في الساعة الرابعة عصرا يوم 5 يونيو وصوت جنزير يقترب من ناحية غزة علي الطريق الساحلي وقادم إلينا ، ولم يكن معي سوي عربيات لاسلكي وعربية نقل عسكرية عليها مهمات وقاية كاوتش وعدد من براميل البنزين ، لم أكن أعرف ما يدور حولي نظرت فوجدت دبابات زيتي باتون كانوا حوالي 6 دبابات ومعهم حوالي 6:9 عربية نصف جنزير أي سرية ميكانيكا قادمون وهو يطلقون النيران ورأوا العربيات الموجودة عندي فقاموا بضربها ، وكان تسليحي الشخصي هو رشاش بورسعيد بالطبع لن يؤثر فيهم فنزلنا بحفر كان العرب يحفروها للنخل ليزرعوا فيها كانت مثل الخنادق ، ولم تمر نصف دقيقة إلا و وجدت جميع العربيات معي تم ضربها وأصبحت وراءهم ودخلوا العريش ، بعدها عبرت الطريق الأسفلت لزميلي بالمدفعية الساحلية ، دخل المغرب ورأيت طائرتان ميج 21 تطيران فوق العريش تخيلت أنهم طائرات استطلاع أو قد يكونوا اشتبكوا وفجأة بعد دقيقة واحدة وجدتهم تدمروا وقفز منهم الطيارين بالمظلات بدون أن أري أي طائرات اسرائيلية تضربهم ،

وعندما حللت هذا الحدث لم أجد سوي تفسير واحد أن الأسطول السادس بعد أن تحرك شرق المتوسط وأتت سفينة التجسس ليبرتي أمام العريش فقد تكون الطائرتين تم ضربهم من منظومة دفاع جوي لأني لم أسمع صوت طائرات اسرائيلية علي الاطلاق فقد رأيت الطيارين وهو يقفزوا ومستحيل أن يقفزوا بدون أن يتعرضوا لهجوم ، وقد رأيت بالصحراء أثناء رجوعي للقناة يوم 9 أو 10 يونيو اثنين من الطيارين برتبة رائد وهم مغطيان ببطانيتان وعرضت عليهم أن يسيروا معنا ولكنهم رفضوا وقالوا لا نستطيع السير قد يكونوا تكبروا أو شيئا آخر لا أعرف وقال أحدهم "نتأسر أحسن" ، ومع أن فصيلتي كانت حوالي 29 فرد الا أني عدت للقناة بخمسمائة فرد تقريبا ممن انضموا إلينا أثناء الانسحاب ، أما سريتي فقدت منها رقيب اسمه سليمان خليل أصيب بحالة هستيريا مع أول ضربة قبل أن أنتقل للموقع التبادلي وفقد السيطرة علي نفسه وجري ولم أره مرة أخري بعد ذلك ففي وقت الحرب بكل أسف يمكن أن يصاب البعض بحالة رعب وهلع لا ينجو منها سوي من كان متماسك و لديه وعي وثقة بالنفس ،

وصلنا لآخر اليوم بعد أن دخلت سرية العدو إلي العريش ودمرت عرباتنا واستكملت طريقها ، وقتها لم يكن هناك اتصال فلم أبلغ القيادة بما حدث ولازالت المصادر التي أعرف منها الأخبار هي المدفعية الساحلية والراديو ، بيتنا ليلة 5 يونيو وكان معي علب كمبوت كنا نشتريها من سوق غزة فأكلنا منها ، في اليوم التالي يوم 6 يونيو لم يكن هناك جديدا واستمرت قوات جديدة للعدو تتوالي علي العريش بدون وجود لمقاومة وعرفت من المدفعية الساحلية أنه حدث اختراق لجزء من الفرقة السابعة في الشيخ زويد فتسرب العدو مندفعا نحو العريش حتي يحقق هزيمة نفسية بسقوط العريش بيده ، وكانت الفرقة السابعة لازالت ثابتة وكان بها وحدة م.د وسمعنا أن هناك صف ضابط اشتبك مع قوات العدو من خلف الصبار بمدافع م.د واستمر في المقاومة أيام 6 و 7 و8 يونيو واليهود غير قادرين عليه ، وقد أبلغونا يوم 6 يونيو أن اللواء 12 مدرع تحرك من وسط سيناء قادما ليحرر العريش فلا تقلقوا وانتظرنا أن يأتي اللواء ولكن لم يأتي أحد ، واستمر نفس السيناريو يوم 7 يونيو وأصبح الراديو هو مصدر معلوماتنا الوحيد حيث فقدت الاتصال بالمدفعية الساحلية وفهمت بعد ذلك انهم انسحبوا ولم يبلغونا ،

من الراديو بدءت أسمع أن المعارك توقفت علي الجبهة المصرية وصدرت أوامر للجيش بالانسحاب لأرض القناة وتوقف اطلاق النار علي الجبهة المصرية ، وبدء وقتها الأمين العام للأمم المتحدة يطلب من عبدالناصر أن يساهموا في إنقاذ ما تبقي من الجيش المصري الذي لا يزال موجودا بسيناء ورفض عبدالناصر هذا وكان رده علي الأمم المتحدة أن مصر ليس لها جيش في سيناء فالجيش انسحب بالكامل لغرب القناة هذا ما سمعته من الراديو ، بدء الطعام ينفذ منا ويوم 8 يونيو صباحا رسميا أصبح ليس لنا جيش بسيناء والاتصال مقطوع بيني وبين القيادة فقررت الرجوع بالفصيلة لغرب القناة...

 

الانسحاب

 

 

كانت الفصيلة 28 فرد وأصبحنا 27 بعد فقدان الرقيب الذي أصيب بهستيريا و في أول محاولة للإنسحاب أخذت العساكر وقولت لهم سنبدء التحرك بتسليحنا الشخصي المتبقي معنا ، دخلنا شوارع العريش وكانت العريش مدينة صغيرة ليست كالآن وإذا بنا ونحن نعبر من شارع للآخر ظهرت دبابات العدو والعربيات نصف جنزير وقامت بضربنا فقمنا بوثبات سريعة بإتجاه البحر حتي أجد الطريق ، خرجت علي الطريق الأسفلت وكان يبعد عن البحر حوالي 300 متر وبدءت أري جثث عساكر مضروبة علي الشاطئ وبجوارها البندقية الآلية والخوذة ممن كانوا انسحبوا من الشيخ زويد من الفرقة السابعة وكان عددهم كبير فالجثث كانت بطول الشاطئ لأن الفرقة كانت تنسحب عشوائيا وكانت الطائرات الهليكوبتر والدوريات الأرضية للعدو يعرفون موقعهم فقاموا بإبادتهم ، بعد العريش اتجهت يسارا أي غرب العريش من الاتجاه الجنوبي وعبرت الكثبان الرملية التي كانت تسمي الفواخرية تقريبا لا أتذكر بالضبط ، وكانت منطقة الكثبان الرملية هذه تغمر الرمال بها قدمك حتي الركبة تقريبا ، كان يوما عصيبا للغاية ودرجة الحرارة مرتفعة جدا بالنهار وكانت الحركة في منتهي الصعوبة وليلا انخفضت الحرارة كثيرا لدرجة أننا نمنا ملتصقين ببعض من شدة البرودة ، وحتي هذا الوقت لم نكن نصدق أننا انهزمنا ولكن ببالنا أنه حدث انكسار بمنطقتنا فقط وسنأخذ بثأرنا في المرحلة التالية ولم نصاب بالإنهيار أبدا ،

وعندما حل الليل قررت أن نمشي بعد ذلك ليلا وننام نهارا حتي نستطيع أن نواصل السير وأن أحدد طريقي بحيث يكون بعيد عن الطريق الأسفلت والخطر الكائن به من دوريات العدو التي تحصد الأرواح ، في هذا اليوم عندما كنت قريب من الطريق رأيت الدبابات والعربيات نصف جنزير وهي عائدة من الغرب إلي الشرق حيث اسرائيل وبتحليل الموقف يبدو أنه عندما تم إعلان وقف اطلاق النار يوم 7 يونيو علي الجبهة المصرية ترك العدو نقاط قليلة وسحب كل قواته حتي يستكملوا الزحف علي سوريا والجولان والقدس والضفة الغربية ، فقد رأيت كم كبير من المعدات الاسرائيلية التي وصلت قناة السويس وهي تسير علي الطريق الأسفلت من الغرب للشرق بسرعة عالية ، انتهي يوم 8 وفي يوم 9 أو 10 يونيو أثناء سيرنا أكملنا الطريق كنت أسير أنا في الأمام والعساكر خلفي فرأيت حولي أشياء دائرية علي الرمال كانت عبارة عن ألغام وضعها العدو ولم يغطيها بعد فأمرت العساكر بأن يتوقف كل واحد منهم بمكانه لأننا في الطريق لحقل ألغام وعلي كل فرد منهم أن يرجع بهدوء بدون أن ينزعج للمكان الذي أتي منه ، وبالفعل تراجعنا وتجنبناه واستكملنا المشوار ، اليوم التالي كان يوم 10 أو 11 يونيو قضيناه بدون طعام ولا ماء وبدأنا نشرب من غطاء الزمزمية ، وكنا أثناء سيرنا نسمع أحيانا لصوت حركة علي الطريق علي اليمين ونسمع صوت ضرب نار من وقت لآخر ولكن لم نري شيئا ورأينا دبابات مصرية علي بعد النظر تسبقنا في المشي أحيانا وأحيانا نسبقها كانت تنسحب بجوارنا ولم نحاول الذهاب اليها لأني كنت أعتبرها خطر فهي هدف مكشوف للعدو ، وفي اليوم التالي انضم لنا عسكري من سرية ال 85 مللي م.ط التي كانت موجودة بجانب مطار العريش وكان مصابا وأصر علي استكمال الطريق معنا ولكنه لم يصل واستشهد للأسف فإصابته كانت شديدة ، بعدها رأينا عشش بدو مهجورة دخلناها فوجدنا دجاجة وبير ماء به دود يرقات ناموس و وجدنا زلعة فملئناها بالماء و وضعنا عليها عصا وبدءنا بعمل نظام ديموقراطي فكنت أنا وأقدم فرد نحمل الزلعة بالعصا أولا بعدها يتناوب اثنان آخران علي حملها وهكذا وأخذ الجنود تلقائيا الدجاجة وتم شواءها وأخذ كل منا جزء ،

وفي اليوم التالي رأينا الطريق علي مرمي البصر والذي بات يقترب منا شيئا فشيئا وبالطبع استخدمت في هذه الفترة الطبوغرافيا التي تعلمتها في الكلية الحربية ، فلكي أجد الغرب حددت الشمال الحقيقي من مجموعة الدب القطبي والكاسيوبيا والاثنان يدوران حول بعضهما فحددت الغرب ومشينا بإتجاهه ، صحيح أن الطريق كان أحيانا يقترب وأحيانا يبتعد فلم يكن مستوي تماما مع الغرب ولكننا وصلنا بالنهاية ، ثم أبلغني أحد الجنود بوجود عربية مضروبة علي الطريق فقال اثنان من الجنود سنراها فقد يكون بها طعام أو ماء وأول ما ذهبوا واقتربوا من الطريق في ثواني سمعت صوت ضرب نار بعده جاءت دورية وضربت المكان واستشهد بهذه اللحظة عسكري المواصلات وعاد الآخر، استكملنا الطريق وأصبحت الليالي متكررة نمشي ليلا وننام نهارا وسط الحشائش حتي لا يتم اكتشافنا ، وطوال هذه الفترة كنا نري دوريات علي الأسفلت وطائرات تقوم بالإستطلاع ومسح للمنطقة وضرب لأي فرد منسحب ، عبرنا بير العبد أولا وخلال رؤيتنا للدبابة التي تسير بجوارنا والعربية المدمرة كنا نلتقي بأفراد منسحبين بمفردهم فكنا نحن المجموعة المتماسكة الوحيدة خلال الانسحاب ولها قائد يوجهها فكان ينضم لنا من نقابله سواء كان ضابط أقدم أو عسكري شارد من المشاة وغيره ، وأتذكر أننا إلتقينا في الطريق بضابط مشاة برتبة ملازم أعتقد أنه كان يتبع الفرقة السابعة وكان مستسلم للغاية فساعدناه وأقنعناه أن يرجع معنا بصعوبة

وبعد عودتنا بشهر أو شهرين وأنا أسير بشارع قصر النيل وجدت شخص يتقدم ناحيتي وسلم عليا واحتضني كان هذا الضابط الذي كان فاقد الأمل في العودة للقناة وبقليل من الدعم المعنوي استكمل الطريق معنا ، وصلنا رمانة بعد ذلك و وجدنا هناك كثير من النخل فيما يشبه الواحة جلسنا تحته وأخذنا استراحة وبدءنا نشعر بالإقتراب من قناة السويس والصخب الذي يدور بها وقد نقابل اسرائيليين بالطريق ،

ونحن نجلس تحت النخل ومعي عساكر فصيلتي وغيرهم ممن انضموا لنا وقد زاد عددنا نظرت إلي ارتفاع النخل وكان تقريبا حوالي 50 متر وعبرت من فوقنا طائرة سي 130 وتمنيت أن يكون معي وقتها بندقية آلية كان من الممكن أن أضرب بها الطائرة ولكن كنا نحتاج لخارق حارق وذخيرة ، وصلت الطائرة لقناة السويس ويبدو أنها ألقت مواد غذائية وإمداد ومعونة للقوات الاسرائيلية ورجعت علي الفور بعد أن قامت بطيران منخفض وصلت به للقناة وعادت ،

وقتها قررت التخلي عن مظهرنا العسكري كنوع من الاحتياط لأننا قد نقابل اسرائيليين بالطريق فقد اقتربنا كثيرا من قناة السويس ، كان هذا في يوم 14 يونيو تقريبا ، فقمنا بتفكيك الرشاشات القصيرة وفككنا السلاح كما تعلمنا حتي لا يعاد استخدامه فدفنت إبر النار بمكان والمواسير بمكان آخر والخزن بمكان ثالث وباقي جسم السلاح بمكان مختلف ، وتخلينا عن الخوذ والرتب وكنت ارتدي طاقية وليست خوذة وكان الكارنيه لازال معي فدفنتهم واستكملنا المشوار ، بدءنا نستئأنف المشي نهاية اليوم وبدءنا نقترب من الطريق الأسفلت وبدءت أري خنادق علي حرف في بها شهداء من الصاعقة وكانت الجثث منتفخة وكل خندق به جثتين أو ثلاثة بسلاحهم ، اقتربت أكثر من الأسفلت ومشيت عليه لحظة فرأيت جثث دهستها الدبابات ولم يتبقي منها سوي ثلاثة أصابع هم الباقين من الدهس والذين عرفت من خلالهم أنها جثث لبشر ،

لم نكن نتوقف كثيرا لأن الوقوف كان يعرضنا للخطر الشديد وبدءت أري القنطرة وآثار لنقط اسرائيلية موجودة هناك فمشيت يسارا أي جنوب القنطرة واستمرينا في السير حوالي 5 كيلومتر لم أقابل خلالهم أحد حتي وصلنا لشاطئ قناة السويس ، وجدنا عند وصولنا قوارب صغيرة علي القناة أشرنا لهم فبدءوا في نقلنا وعبرنا للناحية الأخري وأعطوا كل واحد منا ساندوتش جبنة وماء فكنا نشرب أولا وكانت المياه تنزل علي البلعوم كالسكينة وكانت تؤلمنا أسناننا عند ضغطها علي الخبز وكانت أنفي مسلوخة وأصبح وزني 40 كيلو ،

 

أخذونا لمعسكر الجلاء فطلبت هناك قائد وحدتي اسماعيل شوقي بالتليفون وأبلغته بوصولنا للمعسكر فأخبرني أنه قال للضابط البحري محمود نديم أن لديه احساس يقول أن محمد الحسيني سيرجع لا يعرف كيف ولكني سأرجع كان هذا الاحساس يراوده منذ أن أبلغناه أننا تعرضنا للضرب بالطيران ، وقد كنا 6 ضباط بسيناء عدت أنا يوم 15 يونيو وعاد مدحت شاهين الذي كان موجودا بغزة يوم 19 كما عاد مترجم عبري يوم 25 عن طريق قارب أخذه من رمانة ، أما أغلب أفراد التصنت من القوات الجوية ساروا من غزة حتي الضفة الغربية وعادوا عن طريق الأردن ، أما الثلاث ضباط الموجودين بأبوعجيلة فقدوا أو استشهدوا أي فقدنا 50% من الضباط حيث عاد ثلاثة ولم يعد ثلاثة ،

 

 

تستطيع أن تقول أن سيناء وقتها كانت فارغة من الجيش الاسرائيلي فقد اعتمدوا أن قيادتنا ابلغت الأمم المتحدة بعدم وجود جيش مصري بسيناء وأنه انسحب بالكامل للقناة فترك العدو نقط قوية فقط للمراقبة واستكمل سيره ، ولم تكن سيناء فارغة منهم وحدها بل اسرائيل ايضا بدليل الأفراد الموجودين في مكتب مخابرات غزة وانسحبوا وفي الغالب ساعدهم ناس من البدو أو من فلسطين و قاموا بتوجيههم من خلال اسرائيل والضفة الغربية إلي أن وصلوا عمان فاسرائيل عندما قامت بتعبئة عامة أصبحت فارغة حتي ان قوات الصاعقة التي دخلت من الأردن ومن النقب تقريبا لم يجدوا أحد عندما دخلوا اسرائيل ،

 

 

عندما وصلت غرب القناة شعرت أن هناك نوع من الاتفاقية الغير معلنة بين نقط المراقبة الاسرائيلية التي وصلت قناة السويس وأساسا لم يكن لهم قوات بسيناء وبين القوات المصرية وهيئة قناة السويس بأن يظل كل طرف بحاله حتي يعبر أكبر عدد من الشاردين ، وفي هذه الفترة كنت أسمع راديو اسرائيل وهو يذيع أغنية شادية "قولوا لعين الشمس ما تحماش لاحسن حبيب القلب صابح ماشي" كانوا يذيعوها للجيش المصري وهو راجع ماشي نوع من السخرية ، وبلا شك نستطيع أن نقول من خلال المشاهد التي رأيتها أنه تم اغتيال متعمد لأغلب عناصر الجيش المصري المنسحبة والشاردة فلم يترك العدو أحدا ولا شيئا لا الخوذة ولا السلاح حتي زمزمية المياه كانوا يجمعوها من الجثث ، ولم يهمهم أن يأخذوا أسري فليس لديهم مكان للأسري ولم يتركوا أي شخص مهم علي قيد الحياة ، فأنا شخصيا فعلت ما فعلته برمانة من التخلي عن المظهر العسكري لأني من الاستطلاع وتابع للمخابرات فلو كانوا وجدوني كان من المستحيل أن يأسروني بل سيقوموا بتصفيتي في الحال أنا وجنودي حتي لا نعود مرة أخري فنحن كنا علي مستوي تكنولوجي يعتبر متقدم من الصعب تعويضه بالجيش ،

بعد أن بلغت اسماعيل شوقي بوجودنا في معسكر الجلاء أخذنا القطار الحربي من المعسكر حتي القاهرة وأتذكر أننا لم نستطع الجلوس لأن أعصاب قدمنا كانت مشدودة ولو جلسنا كنا نشعر بالألم بكل جسدنا فنمنا أسفل الدكك حتي يكون جسمنا مستقيم ، وصلنا القاهرة ولم يكن معي لبس وقد تقطع الأفرول وأصبح غير صالحا للاستخدام وكانت ملابسي العسكرية موجودة بالدولاب الصغير الصاج بخيمتي بجوار مطار العريش الذي انسحبت منه وكانت ساعتي وكل أشيائي الشخصية والفورمة موجودين هناك ، وكنا قبل الحرب ننزل اجازات بهذا القطار الحربي من العريش ثم يكمل القطار لغزة وأتذكر في آخر اجازة قبل الحرب أن تيمور طه السعيد الذي انتقل قبل الحرب لمخابرات الخدمة الخاصة قال أن مدحت شاهين عائد من أجازة وذاهب لمكتب مخابرات غزة فأرسلوا له من قابله في محطة الأبطال وأنزله من القطار قضي اليوم معنا وبعدها ذهب إلي غزة بالسيارة لظروف الحرب ، فكنا نستخدم القطار في الظروف العادية للانتقال بين العريش وغزة وأتذكر يومها كانت تجلس أمام مدحت علي الكرسي المقابل بالقطار موظفة التي تبيع تذاكر مصر للطيران بمكتب غزة ،

لم أكن أعتبر من الشاردين فقد عدنا فصيلة كاملة ماعدا اثنان وأعتبر أنني غادرت موقعي للانتقال لموقع آخر لاستكمال عملي في المعادي بالقاهرة ، لم يتحدث أي أحد معنا طوال الطريق للقاهرة أما الشاردون كان لهم نظام آخر وقد يستوقفوهم ويسئلوهم بعض الأسئلة فقد كان لهم نظام مختلف في التعامل ويتم توزيعهم بشكل مختلف أيضا ، وصلنا القاهرة وطمأنت القائد وسلمته العساكر وأرسلوا عربيات لتأخذهم لمحطة مصر ليذهب كل إلي بيته ثم نزلت المنصورة ورأيت اهلي واطمئنوا علي ولم يصدقوا أني لازلت علي قيد الحياة وكانت جدتي في عزبة البنا في الشرقية وهي عزبة ملك جدي وجدتي و كان لدينا عبيد وأعتقناهم وعندما تأخرت بالجيش أرسلت جدتي إلي شيخ حتي تسأله عني فقال لها سيعود اطمئنوا وهو كان يقول نفس الكلام لكل من يسأله عن أحد بالجيش سواء من عادوا ومن لم يعودوا ،

وقد كنت جاد جدا وأنا ملازم ولم يكن لي أي نوع من الأنشطة الاجتماعية البارزة بسبب عشقي لعملي بالاستطلاع اللاسلكي وكسر الشفرة وتحليل المعلومات فكنت أقضي به كل وقتي ، عندما عدت لمنزلي كنت بنفس الملابس البالية ففتحت دولابي لأبحث عن لبس عسكري أرتديه فوجدت بدلة الفسحة الخاصة بالكلية الحربية فأخذتها معي وذهبت إلي وحدتي والتي صار موقعها مكان الكلية الأمريكية بالمعادي بعد أن صادرناها وأنشأنا هناك مركز تصنت وأصبح مكان الوحدة الجديد فوق هضبة بجوار أساسات المشاة عند القمر الصناعي وتم وضع اللاسلكي والأرايل هناك ، وصلت الوحدة ومعي بدلة الفسحة والقميص الكاكي ولا أتذكر لماذا لم أكن أرتدي الجاكيت واتطلعت إلي الخريطة وبدءنا العمل علي القوات الاسرائيلية الموجودة شرق القناة ،

كان الوضع بعد النكسة صعبا و لم نكن نستطيع النزول للشارع كان الشعب ينظر إلينا كمتهمين بالرغم من أن الكثير قاموا بأعمال بطولية مثل المدفعية الساحلية استمر جندي منها في ضرب العدو بال م.د من وراء الصبار في الشيخ زويد لعدة أيام والبطل الذي أسقط طائرة اسرائيلية في مطار العريش وغيرهم كثيرون...

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech