Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

مقاتل إبراهيم عبد العال - صائد الدبابات رقم 2

 

حكاية بطل

ستظل مصرنا أم الدنيا ومصنع الأبطال على مر العصور والأزمان ، منذ مينا موحد القطرين إلى الآن ، حيث تقود مصر الحرب على الإرهاب الخسيس ، فقصص وبطولات شعبها لا تنتهي ، وبعضها أشبه بالأساطير .

وأقدم لكم اليوم حكاية بطل من أبطال حرب أكتوبر المجيدة . هذا البطل هادئ الملامح والطباع ، بشوش الوجه ، دمث الأخلاق ، كريم ومضياف .

وأود في البداية أن أعتذر له ، ولكل أبطالنا الذين لم نكلف أنفسنا أن نبحث عن بطولاتهم الاالآن ، ولا شك أننا مقصرون بحقهم ، وكمجموعة 73 مؤرخين نقوم بما نستطيع وحد حدود امكانياتنا لكي نصل لكل ابطالنا في كل مكان .

وبطلنا هذا ، رغم أنه من أبنـاء محـافظتي ، إلا انني – وللأسـف الشديد - لم أعلم عنه شيئاً إلا منذ عامين ونصف تقريبا ، عندما تلقيت دعوة لحضور احتفالية تنظمها مكتبة مصر العامة بالمنصورة لإحياء ذكرى حرب رمضان / أكتوبر المجيدة ، والاحتفاء ببعض أبطالها . وكانت المفاجأة هي أنني - ولأول مرة بحياتي - ألتقي أبطالاً حقيقين ، وأستمع اليهم وجها لوجه ، وأسألهم ويجيبون عليّ ، وكنت من قبل أستمع إلى قصصهم في الإذاعة أو أشاهدها في التلفـاز .

ويالسعادتي عندما علمت أن أحد هؤلاء الأبطال من أبناء محافظة الدقهلية ، وأنه ملقب بصائد الدبابات الثاني ، وحاصل على وسام الشرف من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل الشهيد - بإذن الله - محمد أنور السادات رحمه الله تعالى ، ورفيق كفاح محمد عبد العاطي صائد الدبابات الأول رحمه الله .

وكان للمجموعة 73 مؤرخين معه هذا اللقاء حيث بدأ يروي لنا قصته قائلا :

*****************************

اسمي إبراهيم السيد عبد العال أبو العلا ، من قرية / نوب طريف - مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية . وهي قرية صغيرة على مشارف مدينة السنبلاوين ، وتشتهر بمهنة الحدادة اليدوية .

ولدت لأسرة متوسطة الحال ، ثاني خمسة أبناء ، أربعة منهم أولاد وبنت واحدة ، متزوج ولدي أربعة أبناء ، ثلاثة ذكور ، وبنت واحدة أيضاً .

حصلت خلال مشوار تعليمي على دبلوم المدارس الثانوية التجارية بطلخا ، ثم بكالوريوس التجارة من جامعة المنصورة ، ثم دبلومتين للدراسـات العليا ، إحداهما في المحـاســبة والأخرى في المراجعة المالية ، وكلتاهما من جامعة المنصورة .

بدأت علاقتي بالعسكرية والحرب ، في سن مبكرة بالمرحلة الإعدادية ، مع بداية حرب اليمن عام 64 م ، حين كنت أتابع أخبار الجيش ، والأعمـال البطولية للصاعـقة المصرية فيها وأطالع قصصهم بشغف .

وكنت طالباً في الصف الأول الثانوي ، حين قامت حرب 1967م - أو ما يسمونها بـ "النكسة" - وهي فعلاً كذلك ، لأننا لم نحارب فيها أصلا ، وإنما وقعنا في فخ سياسي وعسكري للأسف .

وخلال أيام الحرب ، كانت الإذاعة يوم 5 يونيو ، تنشر في الناس بيانات كاذبة ، عن خسائر العدو الفادحة من طائرات ، ودبابات ، وأفراد .. إلخ . وكنا نرى الطائرات في سماء مطار شاوة القريب منا ، ونسمع أصوات الانفجارات ، فنظنها انفجارات طائرات العدو التي أسقطها الطيران المصري - كما تقول بيانات الإذاعة - حتى وصل بنا الأمر أن توقعنا أن جنودنا سيبيتون تلك الليلة في تل أبيب .

ولكننا كنا واهمين ، وأفقنا في اليوم التالي على كابوس انسحاب الجيش المصري إلى النسق الثاني . وكنا - كمدنيين - لانعرف أين يقع هذا النسق الثاني ، ولكن عرفنا فيما بعد أن تلك العبارة تعني الهزيمة ، لأن النسق الثاني يقع غرب قناة السويس ، مما يعني بلا شك هزيمة الجيش المصري ، وتقهقره إلى الخطوط الخلفية للأسف .

و خسرنا في النكسة حوالي 75% من قوتنا العسـكـرية ، وسلاح الطيران بوجه خاص حيث كانت طائراتنا ترقد على الأرض مكشوفة للعدو ، فتم تدمير معظمها ، كما تم تدمير معظم المدرعات والمركبات أثناء انسحاب القوات في العراء بدون غطاء جوي .

وكانت صدمة ما بعدها صدمة ، وساد الحزن والهم كل أنحاء الجمهورية ، على مختلف المستويات ، وكنا - رغم صغر أعمارنا وقتذاك - ندرك معنى الهزيمة ، ومصممين على ضرورة الأخذ بالثـأر، وسارعنا للتطوع في صفـوف المقاومة الشعبية ، وكنا نتدرب في الساحة الشعبية بالسنبلاوين على حمل السلاح واستعماله ، باستخدام بنادق الخفراء العتيقة .

واستشهد في النكسة من بلدتنا شابان هما :عبد الهادي مندور ، وعبد المعطي سلام ، وتم دفنهما بمقـابر الشـهداء . كما تم اعتبار شـاب آخر من عائلة مرعي ضمن المفقودين رحمهم الله تعالى ، وجميع شهدائنا .

وأذكر أني شاهدت بنفسي وقتها ، أحد العائدين من الحرب - من بلدة مجاورة لنا - يسير بثياب رثة بالية ، وهيئة يُرثى لها ، مما أثار حفيظتي ، وجعلني أصمم في قرارة نفسي على الأخذ بالثأر ، وكان ذلك أحد أسباب تطوعي في المقاومة الشعبية .

ولم أكن وحدي من لديه رغبة الانتقام والأخذ بالثأر ، بل كانت تلك الروح متأججة لدى كافة طوائف الشـعب ، وكان الناس على اسـتعداد كامل غير مشـروط للتضحية بكل غال ونفيس ، من أجل استرداد الأرض والكرامة . وكنت أتابع كل أخبار القوات المسلحة عبر مختلف الوسائط الإعلامية المتاحة وقتها : من إذاعة ، وجرائد رسمية ، ومجلة القوات المسلحة أيضاً .

وكان الناس يُضّحون باحتياجاتهم الأسـاسـية - راضين - من أجل المجهـود الحربي ومؤثرين مصلحة الوطن على مصالحهم الخاصة . بعكس ما نراه الآن من بعض الفئات القليلة التي لا يهمها سوى مصالحها فقط ، رغم أن قواتنا المسلحة - حالياً - بحاجة إلى مساندة كافة طوائف الشعب ، في حربها ضد الارهاب ، الذي يستهدف النيل من مصر وتفتيت وحدتها ، تمهيدا للنيل من الأمـة ككـل ، لا قـدر الله ، ولكن الله ناصرٌ الكنانة وحاميها ، بحوله وقوته ، ثم بسواعد أبنائها البواسل .

وأذكر أن جمال عبد الناصر بدأ بسرعة في إعادة بناء القوات المسلحة ، وقام بعملية تطهير واسعة بين القيادات ، واسـتعـان بالأكـفأ بدلاً من أهل الثقة - كما كان الحـال سابقاً - وأدرج حملة المؤهلات العليا ضمن التجنيد الإلزامي . كما أدخل أنواع جديدة من الأسلحة إلى منظومة التسليح ، مثل صاروخ المالوتيكا - الذي كنت أحد العاملين عليه في سلاح المدفعية وغير ذلك .

كما رفع عبدالناصر شعار "ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بالقوة" . وبدأت مصر بعد النكسة بوقت قليل جداً ، في الرد على الهزيمة ، بشن حرب استنزاف للعدو ، شملت سلسلة متواصلة من العمليات الفدائية البطولية ، قام بها رجال قواتنا المسلحة في عمق سيناء . مما كبد العدو الخسائر الفادحة ، وأقَضّ مضجعه ، وأفقده صوابه ، فبدأ يوجه ضرباته للمدنيين الأبرياء . فبدأ عبدالناصر نتيجة لهذا في تهجير سكان مدن المواجهة - على طول قناة السويس - إلى أماكن مختلفة من الجمهورية ، ليكونوا بمأمن من نيران العدو ، وخاصة بعد حادثة بحر البقر .

واستمرت حرب الاستنزاف حوالي 500 يوم ، إلى أن طلبت إسرائيل الهدنة رغم أنفها بوساطة أمريكية ، فيما يسمى بمبادرة "روجرز" ، مما يدل على مدى معاناة العدو من ويلات حرب الاستنزاف ، وما تكبده خلالها من خسائر موجعة . وحيث رأت مصر في الهدنة فرصة لاستكمال بناء حائط الصواريخ المضادة للطائرات ، فقد قبلت المبادرة .

وأنوّه ، أن الأسلحة التي أمكن للقيادة المصرية توفيرها للجيش في ذلك الوقت ، كانت جميعها دفاعية ، وليست هجومية على الإطلاق ، بما في ذلك جميع الأسلحة التي استخدمتها قواتنا المسلحة في حرب رمضان / أكتوبر 73م ذاتها . وكان السوفييت لا يعطوننا السلاح إلا بـ "القطارة" بكل ما توحي به هذه الكلمة من معانِ .

وأحزنني جداً في بداية تلك الفترة – كما أحزن مصر كلها - استشهاد البطل الفريق / عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة في ذلك الوقت ، رحمة الله عليه .

وكنت مهتما جدا في ذلك الوقت ، بقراءة التاريخ ، وخصوصاً تاريخ الفتوحـات الإسـلامية لما بها من بطولات رائعة نحتاج لتسليط الضوء عليها في مدارسنا ، لنشر القدوة الحسنة بين الناشئة ، وبث روح البطولة والانتماء فيهم . كما أرى ضرورة الاستمرار في نشر قصص هذه البطولات الرائعة لجنودنا البواسل في حرب الاستنزاف ، وحرب أكتوبر ، في كافة طوائف المجتمع .

وأرى أن مما يساعد على ذلك ، تحويل هذه البطولات إلى أعمال درامية ، لسد الفراغ الذي تملأه حالياً كثير من وسائل الإعلام ، بتسليط الضوء على من هم قدوة سيئة للأسف .

وحين حصلت على الدبلوم المتوســط بعد النكسة بعامين في 1969م ، التحقت مباشرة بالجيش المصري كمجند . وكان عمري قتها لا يتجاوزالثامنة عشرة ، وكشأن كل مجند مستجد ، تم إلحاقي بأحد مراكز التدريب في الكيلو 4,5 طريق القاهرة / السويس ، ومكثت فيه 45 يوماً مدة التدريب ، ثم انضممت لسلاح المدفعية بالتل الكبير في الإسماعيلية .

وعلمت هناك أن اللواء / عبد التواب هُديب قائد المدفعية ، رحمه الله ، والذي تولى مهامه بعد النكسة ، قد أحدث تطويراً هائلاً لسلاح المدفعية ، وأدخل أسلحة جديدة بعيدة المدى وصواريخ مثل صاروخ المالوتيكا ، بالإضافة لمشروع صاروخي "القاهر" و "الظافر" اللذي تسببت اسرائيل في إفشاله ، باغتيالها لعدد من الخبراء الألمان المشاركين فيه ، عن طريق إرسال طرود مفخخة لهم .

وكان قائد سلاح المدفعية وقت تجنيدي ، هو اللواء/ محمد سعيد الماحي ، وكان قائد مركز تدريب المدفعية آن ذاك هو العقيد/ فتحي عبد التواب راشد ، الذي أخبرنا قبل ترحيلنا من المركز إلى مواقعنا وكتائبنا الجديدة ، أن مصر قد استوردت أسلحة جديدة من الاتحاد السوفييتي ومنها ذلك صاروخ معروف عند السوفييت باسم ”مالوتيكا”،بينما أطلق المصريون عليه اسم "فهد" ، وأنه سيتم اختيار وتشكيل خمسة كتائب من سلاح المدفعية للتدريب عليه .

وتبين لنا فيما بعد ، أن طول الصاروخ الشهير يبلغ طوله حوالي 70 سم ، ووزنه حوالي 15 كجم ، ويتم تركيبه على منصة إطلاق محمولة وزنها 5 : 10 كجم ، ومزودة بمنظار لتحديد الهدف وإحكام التصويب عليه ، وأن مدى الصاروخ يتـراوح بين 300 و 3000 متراً وسرعته حوالي 150 م / ث ، أي أنه يقطع مسافة كيلومتر واحد في 8 ثوان - وتولد رأسه عند اصطدامها بالدبابة المعادية درجة حرارة حوالي 6000 درجة مئوية ، تكفي لصهر واختراق أي كتلة فولاذية أمامها ، وأن عادم الصـاروخ ليس له تأثير مضر على الأفـراد ولكن يجب مع ذلك أن يبتعد المقاتل عن منصة الإطلاق مسافة لا تقل عن 20 متراً ، لئلا يصطدم به الجزء الخلفي الذي ينفصل من الصاروخ عند انطلاقه ، وأنه ثمة منظار مستقل يكون مع حكمدار ( قائد ) طاقم إطلاق الصاروخ ، لتعديل المسار وإحكام التصويب أثناء توجه الصاروخ إلى هدفه .

 

وعرفنا وقتها أن الكتائب الخمس التي سوف يتم اختيار عناصرها ، وتدريبهم على هذا الصاروخ الجديد ، ستتكون من 36 طاقم إطلاق لكل كتيبة ، وأن الطاقم يتكون من حكمدار مطلق الصاروخ ، والمتحكم فيه ، يعاونه اثنان من المقاتلين يمينا ويسارا ، حيث يتم تزويد القاعدة بصاروخين على اليمين وآخرين على اليسار .

وكان لابد للحكـمدارية أن يتمتعوا بالهدوء ، وقوة الأعصاب ، ومسـتوىً عـالٍ من التركيز حيث يكون التحكم في الصاروخ - بعد إطلاقه - من خلال سلك فولاذي رفيع يتم توجيهه عن طريق عصا تشبه عصا "لعبة الأتاري" بيد الحكمدار ، فلو تحركت يده سنتيمتراً واحداً أكثر أو أقل من اللازم لأخطأ الهدف ، ولذلك لابد أن تكون أعصابه فولاذية .

ونظرا لأنني عاشق لحياة الجندية منذ الصغر ، وتشربت مبادءها منذ طفولتي في المدرسة أثناء حصص مادة "الفتـوة" - والتي كنا نرتـدي بموجبها الزي العسـكري من ضابط وجندي ، ومساعد ، ونتعلم السير بالخطوة المعتادة ، في طابور أشبه بالعرض العسكري . فقد سهل علي ذلك ، بالإضافة لحبي لحياة الجندية ، أن أتدرب بقوة وحماس وتركيز ، مما ساعد في اختياري لقيادة أحد الأطقم المتخصصة في إطلاق الصاروخ فهد ، والبالغ عددهم في ذلك الوقت 180 طاقماً .

وأنوه في ذات السياق أن هدف تطبيق نظام الفتوة في المدارس آنذاك ، كان بث الرجولة والروح العسكرية في نفوس الشباب منذ الصغر ، فهو أشبه بالتربية العسكرية لطلبة الجامعة الآن ، ولكنه أكثر فعالية ، لأنه منذ الصغر .

ورغم أنني قد تركت الحياة العسكرية منذ أكثر من 45 عاما ، إلا أنني لا أزال حتى هذه اللحظات أذكر بحمد الله كل التفاصيل ، كأنها حدثت بالأمس .

وأعود للحديث عن المالوتيكا ، ونظراً لأننا لا نكون وحدنا في المعركة عند مواجهة دبابات العدو ، وإنما تكون قواتنا من المشاة مشتبكة مع تلك الدبابات أيضاً في نفس الوقت ، بينما تكون دبابات العدو مستمرة في إطلاق النار علينا من مدافعها الداخلية والخارجية معاً ، كما تكون مزودة بأجهزة تقوم آليا بتحديد الإحداثيات بدقة متناهية ، بينما نعتمد نحن على تقديرنا الشخصي بمجرد النظر ، فقد كان الكشف الطبي يُجرَى علينا بدقة فائقة ، وخاصة الأعصاب ، والنظر ، والقلب . كما الحـكمدارية خصوصاً يخضعون لتحـاليل طبية عديدة وكذلك معاونوهم ، الذين يتدربون أيضا على إطلاق الصواريخ وتصويبها ، ولكن بدرجة أقل من الحكمدارية ، تحسّباً لأن يُضطر المعاون للعمل محل حكمداره في حالة إصابة الأخير أو استشهاده لا قدر الله .

ولكن لم يحدث خلال حرب أكتوبر - في حدود علمي - أن حل أحد المعاونين محل الحكمدار .

وبتوفيق الله ، كانت صواريخ الموليتيكا ، وسام 6 ، وسام 7 ، من أهم الأسلحة التي أحدثت خسائراً عظيمة في صفوف العدو . بالرغم من أن الملوتيكا كان في الواقع سلاحا قديماً ومستخدما لدى السوفييت منذ أيام الحرب العالمية الثانية ، كسلاح دفاعي فقط .

وكنا نتدرب في المرحلة الأولى ، تدريبا إلكترونيا أمام الشاشات في عربة محاكاة Simulatorمجهزة ، على أيدي الخبراء السوفييت ، حيث تظهر على الشاشة دائرة حمراء تمثل الدبابة ، ونقطة بيضاء تمثل الصاروخ ، وعلينا أن ندخل النقطة البيضاء في الدائرة من خلال عصا التوجيه ، التي تشبه عصا الأتاري ، كما سبق .

وكنا نحصل من المدربين لنا على درجات تقدير المستوى ، وبدأنا - مع التدريب - نتطور بشكل مدهش . وكان الخبراء الروس يقولون لنا إن الجندي الروسي فقط يستطيع أن يحصل على 10/10 ، مما أثار حميتّنا وجعلنا نتحداهم ونتحدى أنفسنا ، وصممنا على أن نحصل على نتيجة 10/10 ، وكنا من أجل ذلك نواصل التدريب ليلاً ونهاراً .

وكان من بين من حصلوا على 10/10 - مثالاً لا حصراً – محدثكم مقاتل / إبراهيم عبد العال ، وزميلي مقاتل / محمد عبد العاطي - صائد الدبابات الأول الشهير ، وزميلي مقاتل / يحيى حسـانين ، وزميلي مقاتل / أبو بكر العدل .

ولأن التدريب في المحاكي كان محتاجاًإلى التيار الكهربي لتشغيله ، فقد كنا نتدرب عليه في طنطا وبلبيس . أما التدريب العملي ، فكان يتم على دبابات هيكلية تتحرك بسرعات مختلفة ، وعلى مسافات مختلفة .

كما تدربنا على تقدير المسافات عبر ما يعرف بالأرض الميتة - ونسميها كذلك لاحتوائها على كثبان أو انحناءات ، تجعل الهدف يبدو للناظر على مسافة أقرب من المسافة الحقيقية وكان يشترك في تدريبنا خبراء مصريون ، مع الخبراء السوفييت .

وبانتهاء التدريب العملي ، أصبحت أحد مقاتلي الكتيبة 35 فهد بقيادة المقدم / عبد الجابر أحمد علي ، التي اشتهرت أثناء الحرب بـ "عفاريت عبدالجابر" ، وكان قائد سـريتي هو النقيب / حسـين السوسي ، وقائد فصيلتي هو الملازم أول / فؤاد الحسيني ، وكنت أنا حكمدار طاقم ، ومعي الزملاء مقاتل / صلاح شاهين ومقاتل / السادات فراج كمعاونين وأذكر أن الطاقم الذي كان مجاوراً لطاقمي من جهة اليسار في التشكيلات القتالية ، كان بقيادة الحكيمدار مقاتل / السيد أبو الفتوح .

وحصل أن كتيبتنا تم توزيعها بالكامل على الفرقة 16 مشاة بقيادة العميد عبد رب النبي حافظ والتي في صلب تنظيمها اللواء 16 مشاة وفية الكتيبة 16 مشاة بقيادة المقدم / محمد حسين طنطاوي والذي أصبح فيما بعد المشير طنطاوي

إلى أن جاءت سنة "الحسم 1972 " ، وقد تولى الرئيس السادات - رحمه الله - الحكم في 1971م ، وسمّاها هو نفسه بذلك . وكانت المظاهرات المطالبة بالحرب لا تتوقف ، ولكنه رحمة الله عليه ، كان يعد الخطط الخداعية المتقنة للحرب ، والتي وصلت لأكثر من 65 خطة خداع ، حسب علمي .

وفي عام 1971م ، تم عمل تعبئة للجيش وانتقلنا إلى الجبهة ( الضفة الغربية للقناة ) وتوقعنا قيام الحرب فعلاً كما كان السادات يوحي للعالم أجمع ، ومكثنا هناك مدة أسبوعين . ولكن عدنا مرة أخري دون قتال .

وكنا نشاهد الجنود الإسرائيليين وهم يسبحون بالقناة ، وكذلك المجندات ، مع استفزازهم المستمر لجنودنا ، باستعراض القوة على الضفة الشرقية من القناة . وخاصة أنهم كانوا يمتلكون أقوى الأسلحة وأحدثها ، ممّا زودهم به كلٌ من أمريكـا ، وانجـلترا ، وفرنسـا ، في سلاح الطيران خصوصاً . فكانوا يمتلكون "الفانتوم" الأمريكية ، و"الميراج" الفرنسية اللتين تستطيعان الطيران لمسافة 2000 كم متواصلة ، بينما كان لدينا نحن طائرات ميج 17 وميج 21 التي أقصى مسافة تستطيع طيرانها بدون توقـف هي700 كم .

ولذلك كان فارق الإمكـانيـات المادية بيننا وبين عدونا مُرعبا ، ولكننا بذلنا أقصى ما نستطيع ، وتسلحنا بالإيمان والعزيمة ، فأيّدنا الله سبحانه وتعالى بنصره ، وخذل عدونا .

أما بالنسبة للدروع ، أي الدبابات - والتي كنت مكلفا بالتصدي لها - فقد تم إلحاق كل كتيبة منا على فرقة مشاة ، وكان الصاروخ "مالوتيكا" هو السلاح الوحيد بعيد المدي في فرق المشاة طبقا لما لدينا من سلاح قديم ، لأن باقي الأسلحة الأخرى لا يتعدى مدى أيٍ منها 1 كم ، ولذلك كان الاعتماد الأساسي علينا - بعد الله تعالى - في التصدي لدبابات العدو ،واصطيادها .

وكانت الدبابات ، ولا تزال ، تُسمى "شبح الموت" أو "الصدمة القاتلة" ، لأنها تحمل في جوفها الدمار والهلاك ، وتأتي كالشيطان مخيفة ومرعبة ، فتُدمّر كل ما يقابلها . فكيف لشاب - لم يتجاوز العشرين من عمره – عاري الصدر ، إلا من ملابسه العسكرية ، أن يقف أمام تلك الوحـوش الفـولاذية المرعبة غير هيّابٍ لها ، ولا خائف منها ؟ ، بل وأن يتمكن من تدميرها أيضا .

ويتكون طاقم الدبابة غالباً ، من أربعة مقاتلين ؛ الأول سائق يقودها ، والثاني يشغل رشاشاً مضاداً للأفراد ، والثالث يشغل المدفع الرئيسي المضاد للدبابات ، والرابع يشغل مدفعاً م/ ط "مضاد للطائرات" ، فهي في الحقيقة ، تسطيع تدمير بلدة كاملة .

وكان لدى العدو دبابات "سنتوريون" الإنجليزية ، و"إم 48" ، و"إم 60" الأمريكية ، أما نحن فكان لدينا دبابات "تي 34 و تي 54" و"تي 55 وتي 62 الاكثر حداثة " السـوفيتية الأقل تطوراً ومدى وإمكانيات . ولذلك كانت إسـرائيل - من حيث القدرات المادية - متفـوقة علينا في كل شيء ، فهي تحصل على كل ما تريده من أسلحة متطورة من أمريكا وفرنسا وانجلترا ، أما نحن فلم يكن لدينا سوى ما نحصل عليه بالقطارة من روسـيا ، وكان يجب أن يظل في السر والكتمان .

واستمرت مصر في بناء المنشآت والتجهيزات الهندسية اللازمة للمعركة على الضفة الغربية ، فبنت القواعد الخرسانية اللازمة لبطاريات صواريخ الدفاع الجوي ، وبنت المصاطب التي تشبه الأهرام لنتمكن من خلالها دباباتنا من كشف خط بارليف وتحصيناته وغير ذلك . وكنا نحن نتدرب ليلاً ونهاراً ، غير مُبالين بآراء الخبراء العسكريين عن نسبة الخسائر التي سوف تتكبدها مصر إذا حاولت عبور قناة السويس ، والتي قد تبلغ 60 % من قوات عبور القناة - حسب توقعاتهم - حيث متوقع أن يتسبب النابالم المشتعل الذي ستضخه الأنابيب فوق سطح المياه من الضفة الشرقية ، في فقدان ما لا يقل عن 40 % من القوات العابرة ، ليأتي بعد ذلك خط بارليف - وهو عبارة عن ساتر ترابي بطول 170 كم بكامل طولالقناة من بور سعيد إلى السويس ، بارتفاع يتراوح بين 20 و30 متراً ، وبزاوية ميل o65 ، ومُطعّم بعدد 35 نقطة حصينة ، ومُسلّحة تسليحاً ذاتياً ، كما تحميها المدرعات والمدفعية الثقيلة من الخلف ، والطيران من أعلى - ليُجِهز على 20 % أخرى من إجمالي التشكيلات المهاجمة .

وكان رأي الخبراء السوفييت ، أن مصر إذا فكرت في العبور ، فإنها تنتحر بلا شك .

وعندما قام الرئيس السادات رحمة الله عليه - في عام 1972م - بطرد الخبراء السوفييت من مصر ، تشاءمنا أننا لن نحـارب ، ولكن تولى تدريبنا بدلاً عنهم ، خبراء مصريون ، وكانوا - والحق يقال - على درجة عالية من الكفاءة ، وكنا نحن أيضا مسـتبسـلين في التدريب وكان أبطال القوات المسلحة من رجال التوجيه المعنوي ، وعلماء الأزهر الشريف الأجلاء مستمرين في غسـيل آثار النكسـة من نفوسـنا ، والشد من أزرنا ، والرفع من منسوب الإيمان لدينا ، كما كانت هنالك أوقات للرياضة والترفيه أيضا .

وكان المقدم / عبد الجابر أحمد علي قائد كتيبتنا شديداً جدا علينا في بادئ الأمر ، وكنا نهابه ولكن أحببناه كثيرا بعد ذلك حين عرفناه جيدا ، ورأيناه بعد أن خبرناه ، قائداً عظيماً ومخلصاً ، ويعمل دائما على إزالة أية مشاكل أو مشاحنات بين أفراد الكتيبة ، وهي صفات أعتبرها شخصياً من أهم سمات القيادة الناجحة .

وبمرور الوقت أصبحت الكتيبة بالنسبة لنا بيتنا الأول لا الثاني ، وكان قائد مدفعية الجيش الثاني سـيادة العميد / عبدالحليم أبو غزالة رحمه الله ، حريصاً على يقيم لنا الندوات الدينية والأنشطة الرياضية ، والترفيهية المتنوعة ، في نهاية كل أسبوع .

وأذكر أنه تم خلال عام 1972م ، وخلال فترة التدريب ، عمل مناورة سميت بـ "المناورة الكبرى" ، وكانت مصرية خالصة ، عند الكيلو 4,5 طريق القاهرة / السويس ، جنوب شرق القاهرة ، واشتركت فيها جميع أفرع القوات المسلحة ، تحت إشراف وزير الحربية وقتها الفريق / محمد أحمد صادق رحمة الله عليه ، ووصل سيادته وقتها إلى الموقع بالهليوكوبتر ، كما حضرها أيضا الفريق الشاذلي رئيس الأركان وقتئذ ، وحضر معهما جميع قادة الأفرع .

وشاء الله يومها ، أن أقف إلى جوار الرئيس الأسبق / محمد حسني مبارك قائد القوات الجوية وقتئذ ، وكانت معاملة القـادة لنا جيدة جدا ، وجاءنا العميد / عبدالحليم أبو غزالة رحمه الله وقال لنا بالحرف الواحد :"إننا سندخل الحرب بالأسلحة التي في أيديكم فقط ، ولن نحصل على أية أسلحة أخرى ، فعلى كل واحد منكم أن يحافظ جيدا على السلاح الذي معه" . وكرر لنا سيادة المقدم / عبد الجابر أحمد علي - قائد الكتيبة - ذات التنبيه .

وفي ذات اللقاء ، وجّه اللواء / محمد سعيد الماحي قائد سلاح المدفعية السؤال قائلا : "أنتم كم حكيمدار بالكتيبة ؟"

فأجاب قائد الكتيبة المقدم / عبد الجابر أحمد علي قائلا : "يا افندم نحن 36 طاقماً ، ويتكون كل طاقم من حكيمدار واحد يعاونه اثنان من زملائه ، أي أن مجموع مقاتلي الكتيبة 108 ، فعلّق أبو غزالة قائلاً : "من سـينجح في تدمير دبابتين أو ثلاثة للعدو سأعمل له تمثالا في ميدان رمسيس ، وسيحصل على أعلى الأوسمة ، هل تعرفون لماذا يا أبطال ؟ لأنه لو دمر كل مقاتل دبابة واحدة لإسرائيل ، فهذا يعني أن كل كتيبة ستدمر 36 دبابة ، فيكون محصول خمس كتائب ، تدمير أكثر من 180 دبابة .

ولو دمر كل واحد اثنتين أو ثلاثة سيتضاعف العدد ، وهذا يعني هزيمة العدو بإذن الله ، خاصة إذا علمنا أن كل ما تم تدميره من دبابات العدو في 1967م كان 17 دبابة فقط".

وهنالك قام زميلنا مقاتل / يحيى حسانين متسائلاً : "يا افندم ولو دمرت أربعة ؟" ، قال له أبو غزالة : " لو دمرت أربعة سأعطيك أعلى وسام في القوات المسلحة" ، فقام زميلنا مقاتل / عبد العاطي - وكان كلاهما قوي البنيان ، بسبب ممارستهما للرياضة وكمال الأجسام - قائلاً : "ولو دمرت خمس دبابات يا افندم ؟" ، فصاح به الفريق الشاذلي قائلا : "ما اسمك ؟" فأجاب : "محمد شرف عبد العاطي حكيمدار الكتيبة يا افندم" ، ولكن الشاذلي صاح مرة أخري ، وبنبرة أكثر حدة : "ما اسمك؟" ، فرد عبد العاطي قائلا : "رقيب / محمد عبد العاطي شرف ، حكيمدار الكتيبة يا افندم" –

وكرر الشاذلي السؤال لأن عبد العاطي نسي من فرط الحماس أن يذكر رتبته أولا أثناء تعريف نفسه ، حسب التقاليد العسكرية - وأجابه الشاذلي : "لو دمرت خمس دبابات ، أقسم بالله سأصنع لك تمثالاً بميدان رمسيس وأعطيك أعلى وسام في القوات المسلحة" .

 

 

 

وللعلم فإن أعلى وسام في القوات المسلحة ، هو وسام "نجمة سيناء" المخصص للضباط فقط ، دون غيرهم . ولكن حازه عبد العاطي رحمة الله عليه ، لأنه دمر 23 دبابة و5 مدرعات للصهاينة .

وخلال عام 1972م أيضاً ، قمنا بالتدريب على عبور قناة السويس ، ولكن عند ترعة الاسـماعيلية ، حيث أقامت قيادة الأركـان هناك سـاتراً ترابياً مماثلاً لسـاتر خط بارليف وبذلنا نحن أقصى طاقاتنا في التدريب على فتح الثغرات في ذلك الساتر ، باستخدام مضخات ومدافع المياه - التي استوردتها الدولة خصيصاً من الخارج ، لذلك الغرض - كما تدربنا مراراً وتكراراً ، على العبور بارتداء ملابس العوم ، والقوارب المطاطية .

وفي عام 1973م ، صدرت لنا الأوامر بالانتقال إلى الجبهة ، وكان ذلك قبل الحرب بعشرة أيام تقريباً ، حيث قمنا بحفر الخنادق والملاجئ في مواقع تمركزنا ، وتسلمنا معدات قتالية من أســلحة ، وقنابل يدوية ، وتعيينات "تغذية ولوازم الإعاشة" ، مما لا يتم توزيعه إلا في حالة الحرب ، وكنا قد تسلمنا سابقاً مثل هذه التجهيزات في عام 1971م ، والتي يكون محظـوراً على المقـاتل ضابطاً كان أو جندياً ، أن يمس شـيئاً منها ، إلا في حالة الحرب .

ومن الطريف أن أحـد الزملاء ، وكان يُدعى بـ اسمه "كمال صهيون" ، قام بأكـل ذلك التعيين الخـاص به ، فعوقب بحلق نصف رأسـه فقط على درجـة زيرو "أي بدون شعر نهائيا" دون النصف الآخر ، ودون أن يسمح له بحلق باقي رأسه لمساواة بعضها ببعض .

وتلقائياً ، بدأنا نحن نتهامس فيما بيننا ، ونسأل الضباط : "هل سنحارب هذه المرة ؟ أم أنها مثل المرات السابقة ؟" ولم نجد إجابة شافية عند أيٍ منهم . وظلت الأيام تمر بهدوء ، ولا شيء مختلف يحدث . حتى إن الشهيد مقاتل / عبد المولى ، رحمه الله ، قال : "لا ها نحارب ولا حاجة !! كل شيء ماشي عادي وطبيعي ، مثل المرات السابقة".

ولكن كان لدى البعض منا - مع ذلك - الإحساس بأن هذه المرة ليست كسابقاتها ، نظراً لأن مرات التعبئة السابقة ، كانت تحصل ، في نقطة واحدة على خط الجبهة ، أو في عدة نقاط متباعدة ، أما تلك المرة ، فكانت التعبئة عامة وشاملة ، على خط الجبهة بالكامل .

وبالتأكيد كانت إسرائيل على الجانب الآخر تراقبنا بواسطة فرق الاستطلاع ، وأبراج المراقبة ، وطائرات التصوير الجوي .. إلخ . فلو شعرت بأية بوادر للحرب ، لبدأت هي بالهجوم ، لا قدر الله . ولذلك وجب علينا أولاً خداع العدو ، وتضليله بكل حرفية ، واتقان .

وحتى بزوغ شمس يوم السادس من أكتوبر ذاته ، لم يكن أحد منا يعلم متى سـتبدأ الحـرب وظلت الأمور تسير بشكل طبيعي جدا ، فمن المقاتلين من تجمعوا على الشاطئ يلعبون كرة القدم ، ومنهم من جلسوا في استرخاء يمصون أعواد القصب ، ويثرثرون فيما بينهم .

وكنا نرى الإسرائيليين على الجانب الآخر بوضوح ، وعلمهم يرفرف فوق أرضنا ، دون أن يستطيع أحد إنزاله ، أو حتى فتح قناة السويس للملاحة ، وكان هذا طبعا بسبب المساندة الدائمة من أمريكا وسائر أعداء الأمة لهم . فنزداد عزماً على الثأر ، وشوقاً ليوم الملحمة .

ولما بلغ الخبر إسرائيل أن مصر ستحارب يوم 6 أكتوبر ، سواءً من الملك / حسين ، أو من خلال أشرف مروان رحمه الله ، أو من كليهما - كما قيل . أعطت جولدا مائير أوامرها لوزير دفاعها موشي ديان باسـتطلاع الموقـف . وحيث كان تحـت تصرفي المنظار الخاص بمنصة الإطلاق ، بالإضافة لمنظاري الشخصي ، فقد تبينت صباح ذلك اليوم وجود مسـئول كبير على الجانب الآخر من القـناة ، دونما تحديد شخصيته ، ولكن كانت مصفحات العدو تظهر أمامي بوضوح وهي تلمع هناك تحت ضوء الشمس ، وكانت طائرات العدو تحلق في السماء فوقهم ، ما بين الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة ظهرا تقريباً . ونظرا لما شاهده ذلك المسئول لديهم من حالة الاسترخاء التام الظاهر على جنودنا فقد اطمأن أن الأخبار التي وصلت عند جولدا مائير غير صحيحة ، وطمأنها أن لا نية لدى المصريين للحرب ، وبذلك أعمى الله بصائرهم ، ونجحت قواتنا في خداعهم .

ومع تخطي عقارب الساعة للثانية عشرة ظهرا في ذلك اليوم ، كنا نشعر أن ثمّة شيء غير معتاد في الأجواء ، ونتمنى لو أنها الحرب . لكننا كنا غير مصدقين ، لعلمنا أن الحرب لا تبدأ عادة في وسط النهار ، وإنما تبدأ مع أول أو آخر ضوء ، وخاصة أننا سنعبر مانعاً مائياً كبيراً مفروشاً بالنابالم المشتعل ، ونتسلق ساتراً ترابياً منيعاً مزوداً بأكثر من 35 نقطة حصينة مسلحة ، غير أرتال المدافع ، والمدرعـات ، وأسـراب الطائرات ، التي يُفترض أنها دوماً متأهـبة ، علاوة على أن العدو في الغالب يكون منتبهاً بعد الظهر يكون منتبهاً ويستطيع رؤيتنا بوضوح .

وفي تمام الواحدة بعد ظهراً ، تأكد شعورنا الداخلي أننا سنحارب ، حين تلقينا التعليمات بارتداء الخوذات ، ونفخ القوارب استعداداً للعبور . وكنا - مع ذلك - لا نزال غير مصدّقين إذ كيف وأبراج مراقبة العدو منصوبة على الضفة الشرقية للقناة ، ترصدنا لحظة بلحظة ؟ ولكن نفّذ كل واحد منّا الأوامر بحماس وقوة ، ضاربين عرض الحائط بآراء الخبراء السوفييت ، كما قلت سـابقاً ، عن حجم الخسائر المفترض حصولها أثنـاء عبورنا للقناة وقبل أن نبدأ في القتال أصلاً ، بالإضافة للخسائر المتوقعة خلال المعركة .

ورغم حرارة ، وحماسة الاستعدادات الجارية على قدم وساق ، إلا أنه كانت تسود بيننا حالة من الصمت المطبق . وعندما صدرت لنا الأوامـر بالإفطار ، تيقنّا أنها الحـرب ، دون أن ينطق أحـدٌ منا بكلمة ، واستمر الجميع في صمت تام ، متأهبين ينتظرون الأوامر .

(( ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين – أوامر الافطار صدرت في توقيتات مختلفة لافرع القوات المسلحة فمثلا الطيارين صدرت لهم الاوامر بالافطار صباح السادس من أكتوبر وكانت صارمة جدا لدرجة أن قادة الاسراب بعضهم وضع الطعام والمياة بيدة في فم الطيار للتأكد من أفطارة وفي بعض الافرع الاخري صدرت التعليمات بالافطار فور بدء العمليات ، كلٌ طبق درجة أهمية وصول الخبر ))

وبدأت الخطابات المشتملة على أوامر بدء المعركة تسري من القادة الأعلى للأدنى ، كل حسب رتبته . إلى أن وصل خطاب قائدنا المقدم / عبدالجابر في الًساعة الواحدة والنصف ظهراً . وفي تمام الساعة الثانية ، صدرت لنا الأوامر المباشرة بشد القوارب . وفي تمام الثانية وخمس دقائق ، إذا بطائراتنا تزأر من فوق رؤوسنا ، عابرة باتجاه الشرق ، قاصدة مواقع العدو .

وارتفعت أصواتنا عالية بالتكبير والتهليل حين رأيناها تطير فوق وجه الأرض تقريباً لتمسح سيناء الحبيبة ، وتنسف أهداف العدو الحيوية في العمق . وبدأت صيحات "الله أكبر" من حناجرنا ترُجّ الأرض رجّاً ، وتزلزل الفضاء حولنا بأكمله .

ومع فائق احترامي وتقديري الكاملين لكل القادة والمقاتلين الذين شاركوا في الحرب على أرض الميدان - والذين تشرفت بأن أكون واحداً منهم - إلا أنه بالتأكيد كان الطيـارون هم أصحـاب الضربـة الأولى القوية ، والمؤثرة جدا على مواقع العدو ومطاراته ، والموجعة جداً لإسرائيل . وكانوا هم أصحاب السبق في فتح المجال لنجاح قواتنا البرية في إنجاز مهمة العبور والاقتحام ، تحت سماء خالية تقريباً من طائرات العدو

وفي تمام الساعة الثانية والثلث ، بدأت المدفعية المصرية بقيادة "أبو غزالة" ، رحمة الله عليه ، في دكّ النقاط الحصينة على طول خط الجبهة ، مستخدمين 2000 من المدافع وقاذفات الصواريخ مختلفة الأنواع والأعيرة . واستمر القصف على رشقات متوالية ، لمدة إجماليـة حوالي 53 دقيقة ، عبرنا نحن أثناءها تحت ساتر القصف .

وكانت طائراتنا في ذات الوقت قد عادت لقواعدها سالمة بالكامل تقريباً ، بعد أن أدت مهامها بنجاح منقطع النظير . ويصعب عليّ جدا أن أصف بالكلمات مشاعرنا ، أنا وزملائي وقتها .

ورغم صدور الأوامر لنا بالإفطار في ذلك اليوم المشهود من شهر رمضان المبارك ، إلا أن البعض منا ظل صائماً . ورغم الأوزان الثقيلة على ظهورنا وأكتافنا ، والتي قد تصل إلى 35 أو 40 كجم لكل مقاتل ، والبعض كان يحمل على ظهره مدفعم/ د "مضاد للدبابات" طراز B10 - الذي يصل وزنه إلى 120 كجم تقريباً - إلا أننا كنا نشعر ساعتها وكأننا نطير فوق الأرض ، لا نسير على أقدامنا .

وكان بدء العبور عند الثانية وثلث بعد الظهر تقريبا ، وكنا أكثر من 6,000 مقاتل شكّلوا موجة العبور الأولى ، وفور بدء تتابع وصـول الرجال إلى الضفة الشـرقية لقناة السـويس لم ينتظروا سلالم الحبال التي سيلقيها إليهم زملاؤهم الذين سبقوهم بلحظات إلى أعلى الساتر الترابي ، بل قفزوا – وأنا منهم - على الرمال صاعدين لنلحق بهم ، متحفزين لملاقاة ذلك الجندي الاسرائيلي "السوبر" كما يزعمون .

ومع آخر ضوء يوم السادس من أكتوبر الموافق للعاشر من رمضان ، كان أسود مصر على الضفة الشرقية قد وصل عددهم إلى 80,000 ضابط وجندي تقريباً ،. وبثّ الله في قلوبنا العزم والقوة ، وفي قلوب أعدائنا الرعب والوهـَن .

وأذكر أنه في يوم 6 أكتوبر - أول أيام العبور - ظهرت أمامي دباباتان إسـرائيليتان وجهزت صواريخي فعلاً للاشـتباك معهما ، لكن سـبقـني زملائي من رجال المشاة بتدميرهما بالـ "آر بي جي" . وسعدت بذلك ، رغم أني تمنيت لو كنت أنا من فعلها .

ومرّ اليوم الأول دون أي اشتباك لي ، رغم كوني متلهفا لذلك ، لأرى ما سيفعله الصاروخ الصغير "مالوتيكا" بتلك الدبابات المتوحشة ، نظراً لأن كل ما سبق لنا من تدريب ، كان يتم على دبابات هيكيلية "غير حقيقية" وغير فاعلة .

وفي صباح اليوم الثاني 7 أكتوبر ، واجهنا هجوماً كاسحاً من حوالي 40 دبابة إسرائيلية وطبعا أنا لا أشتبك معها بمفردي ، ولكن تشارك معي قوات المشاة ، وقاذفات اللهب والرشاشات الثقيلة ، وأطقم صواريخ الـ "آر بي جي" في الجوار ، بالإضافة لقوات المدفعية من الخلف .

واشتبكت جميع الأسلحة في القتال ، وبالفعل قمت باصطياد دبابتين في ذلك اليوم ، وكنت غير مصدق أنني استطعت تدمير دبابتين للعدو ، وجاء إلينا المقدم/ محمد حسين طنطاوي قائد الكتيبة 16 مشاة ، وصاح بأعلى صوته "اثبت يا جندي أنت وهو" .

وحيث أن الاسبلايتات "علامات الرتب" تكون منزوعة من الأكتاف أثناء المعركة ، وكان سيادته طويلا نحيلا ، فقد رد عليه أحد الجنود الذين لا يعرفونه متسائلاً : "مين انتا ؟".

وجاء قائدي الرائد / بسيوني ناحيتي ، وأشار إليّ مخاطباً المقدم طنطاوي قائلاً : "يا فندم هذا هو إبراهيم عبد العال ، وقد قام بتدمير دبابتين اليوم" ، فنهضت من مكاني ، وذهبت إلى حيث يقف المقدم / طنطاوي ، وقبلته ، وقال لي "اتجدعن يا ابراهيم يا عبد العال اتجدعن" .

وكان طنطاوي صديقا لعبد الجابر ، وكان كلاهما من نفـس الرتبة ، لكن كان طنطاوي هو الأقدم منهما ، وكنت في منتهى السعادة ذلك اليوم ، لأنني وأخيرا وبعد 5 سنوات من التدريب المتواصل ، أجني أنا وزملائي ثمار تدريبنا الشاق .

ومرّ يوم 8 أكتوبر دون أن أدمر شيئاً . أمّا يوم 9 أكتوبر ، فكان يوماً مشهوداً بالنسبة لي حيث تعرضنا منذ الصباح لهجوم كثيف – كما أسلفت - من مدرعات العدو المدعومة بالطائرات ، وإحقاقاً للحق فإن صواريخ الدفاع الجوي المصرية ، كانت لها بالمرصاد . وما أن تظهر طائرة معادية ، حتى يكون صاروخنا للدفاع الجوي في طريقه إليها ، فإما أن يتقاطع معها مباشرة ، وإما أن يسير وراءها أينما ذهبت حتى يدركها فينسفها نسفاً ، في مشهد سينمائي مثير . وسبحان الله الذي أعمى تلك الطائرات المهاجمة عنا ، فكانت تلقي بحمولتها قبل مكان تمركزنا بنصف كيلومتر تقريبا ولا تصل إلينا .

وحتى الطائرات التي كانت تسقطها صواريخنا ، كانت إما أن تسقط أمامنا بمسـافة كافية ، أو خلفنا بمسـافة كافية ولا تسـقط فوقنا أبداً ، فأحسسنا يومها ، أن ثمّة مساندة خفية من الله تعالى حاضرة معنا .

وأما على الأرض ، فقد أمسكنا بأحد طياري العدو الناجين بعد سقوط طائرته ، وأراد أحد الزملاء قتله ، ولكنّ التعليمات كانت تقضي بعدم قتل الأسرى ، كونهم كنز للحصول منهم على المعلومات ، وأيضا لاحتمال الحاجة لاستخدامهم لاحقاً في تبادل الأسرى ، لا قدر الله فحجزت زميلي عما أراد ، وسلمناه لقيادتنا .

واشتبكت جميع أسلحتنا مع مدرعات العدو المهاجمة ، وكنا نحن في المقدمة ، واستطعت أنا وطاقمي - في ذلك اليوم - تدمير 6 دبابات معادية في غضون ساعة أو أقل ، وكان قائدي الرائد / بسيوني هو المكلف بعد الدبابات المدمرة ، وكانت التعليمات ألا يتم احتساب الآليات التي لم يتم تدميرها بالكـامل ، حتى لا نتورط في بيانات كاذبة كما حدث في 67 م فلم يحتسب دبابتين للعدو أصبتهما - لأنهما لم يدمرا بالكامل - ولكنه جاء يمشي إلي مكاني أنا وطـاقمي ، وأقسـم أن يحملني على كتفيه ، ويذهب بي إلى الرئيس السـادات رحمه الله ويعطيني أعلى الأوسمة .

 

ولمَّا علمت أن زميلي / عبد العاطي قد دمر حتى ذلك اليوم 7 دبابات ، أي أنه تفوق علي بواحدة ، أسعدني هذا جداً ، لأن الأهم بالتأكيد ، هو إتمام تدمير دبابات العدو ، وليس مَن الذي قام بالتدمير . وكان هذا الإنجاز لي ولعبد العاطي ، حدثاً غير مسـبوق في تاريخ الحـروب ، ولا حتى من السوفييت صانعي المالوتيكا أنفسهم ، لأن الجندي السوفييتي الذي دمر 6 دبابات طيلة فترة الحرب العالمية الثانية لديهم ، أقاموا له تمثالا هناك ، ويحتفلون بذكراه كل سنة . بينما أنجزنا أنا وعبد العاطي ذلك ، بل وتخطاه عبد العاطي ، خلال أربعة أيام من القتال فقط ، بتوفيق الله تعالى *وَمَا رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى* .

وفي يوم 10 أكتوبر ، لم أتمكن من تدمير سوى دبابة واحدة ، لأن الدبابات الإسرائيلية التي وصلت عبر الجسر الجوي من أمريكا لليهود وقتها ، كان مداها المؤثر يبلغ 5 كيلومترات وبدأت تتعامل معنا من بعيد ، خارج نطاق الصاروخ الذي أحمله ، والذي لا يتعدى 3 كم كما سبق . وطلبت من الرائد / بسيوني أن أتقدم للأمام لاصطياد أكبر عدد ممكن من دبابات العدو ، وحماية الكتيبة من شـرها ، لكنه رفض قائلاً : "أنت تريد أن تحقـق رقما قياسـيا ولكن إذا تقدمت ودمرت دبابة أو أكثر ، ستكونأنت نفسك هدفا مكشوفاً وسهلا للعدو فيمكنهم قصفك بصاروخ موجه ، أو حتى بطائرة ، ونحن لا نريد أن نخسرك ، لأنك مهم جدا بالنسبة لنا ، وأنت السد المنيع للكتيبة .

وإزاء خطورة موقف الشديدة للحرب ككل بالنسبة للعدو ، زودهم الأمريكان بخرائط تصوير جوي واضحة جدا لطبيعة الجبهة ، وتبين لهم أن القوات المصرية الموجودة عند الخط الفاصل بين الجيشـين الثاني والثالث قليلة جدا ، فحاولوا استغلال هذا للنفاذ بين الجيشين ، ومحاولة تطويق الجيش الثالث من الخلف لقطع طريق إمداداته ، وهو ما سمي تالياً ، بثغـرة الدفرسوار الشهيرة ، والتي بدأت أحداثها في يومي 15، 16 أكتوبر .

وكان السبب في أن قيادة الأركان أهملت منطقة الفاصل بين الجيشين هذه - عند البحيرات المُرّة وفايد - أن أرضها من جهة سيناء ، طينية سائبة تسمى "الملاحات" ويستحيل على أي دبابة أو مركبة حربية أن تجتازها ، لأنها حتماً ستغرز فيها ، فتعتبر من وجهة نظر عسكرية أرضاً ميتة ، ومانعاً طبيعياً أمام العدو . ولكن تفاجأنا أن بضع دبابات إسرائيلية تسربت منها ، ووصلت إلى الضفة الغربية للقناة مرة أخرى من خلالها ، وذلك بعد أن قاموا بفرش أرض الملاحات بحصائر متشابكة من جنازير الحديد - قادمة من أمريكا - لتستطيع دباباتهم المرور فوقها .

وبدأوا الهجوم بـ 7 دبابات فقط ، ، وتأخر التبليغ عن ذلك التسرب في حينه لقيادة القوات المسلحة ، استهانة من قيادة الجيش الثاني بذلك العدد ، مما تسبب في تأخير تدخل قواتنا الجوية لإنهاء المشكلة ، وخلال يومي 16 و17 أكتوبر ، كان عدد دبابات العدو التي استطاعت عبور القناة إلى الضفة الغربية للقناة تحت غطاء من الطيران التابع لهم قد وصل إلى 30 دبابة . و قاموا بسرعة بتفريق الدبابات في المنطقة ، ليصعب على قواتنا القليلة المتواجدة هناك من الجيش الثاني اصطيادها ، وتدفقت في نفس الوقت أعداد ضخمة من قواتهم الخاصة خلف الدبابات لتوسيع الثغرة ، وبدأوا في الهجوم بقيادة شارون وقائد القوات الخاصة على الفرقة 16 التي أنتمي لها - فيما سمي تالياً بمعركة المزرعة الصينية - وذلك بغرض الالتفاف خلف الفرقة ، ودخول الإسماعيلية .

 

 

ولكن استطاعت الفرقة 16 - تعاونها قواتنا الخاصة ( الصاعقة والمظلات ) - التصدي لهم ، ومنعهم من ذلك ، وتكبيدهم الخسائر الفادحة ، فحاولوا في يومي 17 و 18 أكتوبر تغيير اتجاه الهجوم ، وحاصروا منطقة فايد في محاولة للدخول إلى مدينة السويس ، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك أيضاً ، رغم أن حصارهم للسويس استمر لمدة 100 يوم بعد وقف اطلاق النار . وكانت كل دبابة للعدو تدخل السويس ، يتم تدميرها بواسطة المقاومة الشعبية بشكل أساسي، وأفراد من الجيش الثالث باستعمال الآر بي جي .

وأسجل هنا ، أنني خلال معركة المزرعة الصينية ، والتي تُعتبر واحدة من أكبر معارك العصر الحديث ، لم أر جندياً إسرائيلياً واحداً مترجلاً على قدميه ، بل كانوا جميعاً مختبئين داخل الدبابات والمدرعات . وصعدت فوق تبة عالية لأستطيع كشف تحركاتهم من خلال منظار منصة الإطلاق ، ومنظاري الشخصي ، وأبلغ زملائي في الأسفل بتحركات العدو ليمكنهم اتخاذ القرار نحو المناورة ، أو المواجهة ، حسب الأحوال خلال المعركة .

وكان من نتائج المساعدات الأمريكية الضخمة ، التي بدأت في الوصول للعدو ، أنه منذ بداية الحرب ، وحتى يوم 15 أكتوبر ، كان الواحد من صواريخ سام يخرج من قاعدته باتجاه الطائرة معادية فيسقطها مباشرة . ولكن اعتبارا من يوم 16 أكتوبر ، بدأنا نرى الصواريخ تخرج في اتجاهات معاكسة لاتجاهات سير الطائرات ، نتيجة للتشويش الذي قامت به طائرات الإعاقة الأمريكية - الواصلة للتو - وتدخلها في المعركة .

وظلت دبابات شارون - رغم محاولاتها المستمرة العنيدة والكاسحة - عاجزة عن الوصول إلينا ، لأننا كنا نقاتلها مجتمعين ؛ قوات المدفعية ، والمشاة ، والمالوتيكا . فكانت لا تسـتطيع أن تطلق قذائفها علينا إلا من بُعد ، فأرسل شارون مجموعة من قواته باتجاهنا قاصدين اختطافي مع صاروخ لفحصه لدى خبرائهم ، لأنه كان جديداً عليهم ، ومفاجئة موجعة لهم .

وكان أكثر ما يضايقني أثناء المعركة ، هو تكرار الحاجة لعمل الحفرة البرميلية للاختباء أثناء المناورة من مكان لآخر ، وكان كل مقاتل معه كوريك "مجرفة" شخصية لعمل الحفرة التي سيتحصن فيها ، ويقاتل منها . ولكن نظراً لأهمية ما أقوم به ، كنت إذا أردت حفرة معينة أعطاها لي قائدي جاهزة ، وأمر أحد زملائي من المشاة بحفر غيرها ، فلم أحفر سوى حفرة واحدة طيلة الحرب ، ومن مكاني فوق التبة ، وبجواري قائدي الرائد / بسيوني ومعاوني مقاتل / أبو بكر ، رأينا مقاتلي العدو مستمرين في الزحف نحونا .

وكان كل من زملائي المشاة معه سلاحه الآلي ، ويستطيع حماية نفسه ، أما أنا فلم يكن معي سوى الطبنجة "مسدس" العادية ، ومداها المؤثر لا يتعدى 20 م ، وليس بها سوى 6 طلقات ، مما يعني أنني إذا استخدمتها ، فلن أستطيع إصابة أيٍ منهم من مسافة كافية بل سأكشف لهم عن مكاني ، فكان لابد من التفكير في حيلة للنجاة منهم ، والقضاء عليهم .

وبعد المشورة مع قائدي ، نزلت داخل الحفرة ، ووضعت خوذتي فوق يد الكوريك للتمويه وأعطيت منظاري الشخصي لمعاوني ، ليتابع تقدمهم نحونا ، وأما أنا فكنت أتابعهم من خلال منظار منصة الإطلاق ، وكان أبو بكر مسلحاً بمدفع ماكينة نسميه "المعزة" ، لأنه صغيراً ، ويمكن جرّه مثل العنز ، ويمكنه إطلاق 20 طلقة / ث ، في حين كان كل واحد من الصهاينة يحمل سلاحا آليا وقنابل يدوية على الأقل . وقلت لأبي بكر : "لا تطلق النيران حتى آمرك" ، وأثناء ذلك سقطت دانة "قذيفة مدفع" بالقرب مني ، فأهالت التراب علي وأسقطت الخوذة من على يد الكوريك ، فسمعت زملائي من المشاة يخبرون الرائد بسيوني باستشهادي ، وظللت مع ذلك مختبئاً بالحفرة حتى اطمأن الإسرائيليون لعدم وجود أحياء فبدأوا في الاقتراب . وسألني ابو بكر قائلاً : "أضرب يا افندم ؟" ، قلت له "لا تضرب حتى يقتربوا" ، فرد قائلاُ "إنهم في متناولي الآن" ، فقلت: "اضرب" ، فضربهم فقتل من قتل ، وأصاب من أصاب ، وفشلت خطتهم لاختطافي .

واستمر شارون في محاولته بكل ما أوتي من قوة أن يخترق الفرقة 16 ، ليتمكن من تطويقها ، والالتفاف حول الاسماعيلية ، مدعوما بقصف من مدافع أبو جاموس الجبارة في الضفة الشرقية - وكانت مخبأة خلف بوابات فولاذية مصفحة ضمن نقاط خط بارليف التي لم تكن قد سقطت بالكامل بعد ، وكان أهالي السويس والاسماعيلية قد ذاقوا منها الأمرّين من شدة تأثير مقذوفاتها – ولكنه فشل في التقدم أمام حفظ الله ، ثم بسالة رجالنا .

وكان يوم 20 أكتوبر من أكثر الأيام صعوبة حيث صب علينا العدو الضربـات صبا ونفذت ذخيرتي ، فلم أتمكن من الاشتباك ، حتى تم وقف إطلاق النار اعتبارا يوم 28 أكتوبر .

واستشهد بالقرب مني - في معركة المزرعة الصينية - زميلي ومعاوني مقاتل / أبو بكر العدل أثناء تجهيز أحد الصواريخ للإطلاق .

كما استشهد كل من الزملاء : مقاتل / عبده عمر من الغربية ، ومقاتل / عبد المولى السيد رمضان من البحيرة ، والصديقان : مقاتل / جعفر بيومي ، ومقاتل / صبحي يعقوب ، بعد أن دمّر كلٌ منهما ثلاث دبابات للعدو . وكان أحدهما قد حاول إنقاذ الآخر عندما خرج من حفرته لينبه صديقه بوجود دبابة في الخلف ، فأصابتهما الدبابة معا وهما مسلم ومسيحي ليدل ذلك على مدى ترابط ولُحمة الشعب المصري العظيم .

واستشهد أيضا زميلنا مقاتل / أنور عياد ، وزميلنا مقاتل / حامد عيد ، الذي كنا نلقبه بـ "العريس" لأنه كان متزوجا منذ شهرين فقط ، وكان هؤلاء كلهم - رحمهم الله - من كتيبتي كتيبة 35 المالوتيكا الشهيرة ، "عفاريت عبدالجابر" .

ورأيت كذلك كثيراً من زملائي جنود المشاة يُستشهدون أمامي ، ولكني لم أكن أعرف أسماءهم . وأصيبت إحدى دباباتنا أثناء المعركة فاشتعلت ، وتوجه بعض زملائي من مقاتلي المشاة لمحاولة إطفائها - وهو خطأ كبير منهم - وحاولت تنبيههم فلم يسمعوني من شدة أصوات الضرب ، وانفجرت فيهم للأسف . كما استشهد مقاتل / محمد الغريب من جنود المشاة حيث سقط أحد زملائه من القارب أثناء العبور ، فقفز هو خلفه لينقذه – مع أنه لا يجيد العوم - فأنقذه وغرق هو ، ولذلك أطلقنا عليه "محمد الغريق" ، بدلاً من " محمد الغريب" فعسى رحمة الله أن تسعهم جميعاً .

أما عن البطولات الأخرى ومظاهر الشجاعة فلا تُحصى ، وكنت أرى بعيني زملائي من أسود المشاة المصريين ، وهم يقفزون فوق الدبابات ويسقطون القنابل اليدوي م/ د في كوة البرج ، ثم يقفزون من على الدبابة للأرض مرة أخرى بسرعة وخفة متناهية قبل أن تنفجر ويتم بالفعل تدمير الدبابة .

وكانت أول اجازة لي بعد الحرب في شهر نوفمبر ، بعد وقف اطلاق النار ، وكانت منصة إطلاق الصواريخ قد حدث بها بعض التلف نتيجة للقصف الشديد أثناء حصارنا لقوات العدو في الثغرة ، فتم إرسالي في مأمورية إلى المخازن الرئيسة في القاهرة ، لإحضار الذخيرة وقطع الغيار اللازمة لإصلاحها ، وسمحت لي القيادة بزيارة أهلي خلال ذلك .

واستقبلني الأهالي - عند وصولي لبلدتي - استقبالا حافلاً ، حيث كانت الإذاعة المصرية قد أشارت إلينا وقتها - أنا وعبد العاطي – لما دمّرناه من دبابات للعدو .

و توجهت بعد أن قضيت الليلة مع أهلي ، إلى مركز القيادة بالكيلو 5, 4 ، لاستلام الذخيرة واستبدال القطع التالفة ، ولكن فوجئت هناك بأمين المخزن يقول لي : "افرد القاعدة" فبسطتها أمامه ، فقال لي إن المنصة مدمرة ، وأنه سيتم خصم قيمتها من مستحقاتي لدى القوات المسلحة !! ، فتعجبت كيف أنّه غير مدرك إننا كنا في حرب ، وأن إصابة السلاح أثناء المعارك شيء عادي ، فاتصلت هاتفياً بقائد كتيبتنا المقدم / عبد الجابر ، الذي وبّخه بشدة ، وقال له : "انت قاعد عندك في الظل ، وعايز السلاح يرجع من الحرب إجباري سليم ؟" ، وطبعا تسلمت بحمد الله ما أريد ، وعدت إلى الوحدة بسلام . ثم انتقلت بعد ذلك من الجيش الثاني إلى الجيش الثالث ، وجاءت خدمتي هناك بجوار قاعدة للصواريخ المصرية ، ورأيت فوجاً كاملاً من الأشقاء مقاتلي جيش الجزائر الشقيق متمركزين هناك بجوارنا ، في نفس المنطقة .

وفي يناير 1974م ، تم إنهاء فترة تجنيدي بالقوات المسلحة ، على أن أبقى احتياطيا تحت الطلب في أي وقت ، وكافأتني الدولة أعزّها الله - بالإضافة لما حصلت عليه من تكريم - بتوظيفي في فرع وزارة الشئوون الاجتماعية بمحافظة الدقهلية . وتدرجت في السلم الوظيفي ، إلى منصب مراقب مالي ، وخرجت إلى التقاعد عند بلوغ السن القانونية . ولا زلت أعمل حتى الآن - بحمد الله - مراجعاً مالياً في مشروع الأسر المنتجة بالمحافظة .

وسأظل دائماً ، رهن إشارة الوطن في أي وقت ، وإلى آخر نفس في حياتي بإذن الله . وأساله - سبحانه وتعالى - السلامة لمصر ، ولجيشها ، وشعبها . وأن يوفق رئيسها لما فيه الخير والرشاد ، وأن يديم العز والحفظ للكنانة .

"وهكذا انتهت ذكريات البطل مقاتل / إبراهيم عبد العال - صائد الدبابات الثاني ، وأحد عفاريت "عبد الجابر" - حفظهما الله ، عن حرب أكتوبر ." .

* والحمد لله رب العالمين *

ü     أجرت الحوار ، وأعدت التقرير : أميرة المرسي - المجموعة 73 مؤرخين .

ü     مراجعة وصياغة لغوية : مهندس / عبدالناصر المرابط - المجموعة 73 مؤرخين .

ديسمبر 2019م

* * *

 

 

 

 

 

 

 

.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech