Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

البطل جمعة علي مصطفي - أحد أبطال الجزيرة الخضراء دفاع جوي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

من مدينة السويس بتاريخ 5 أكتوبر2019 و لقاء المجموعة 73 مؤرخين مع البطل جمعة علي مصطفى أحد أبطال الدفاع الجوي مدفعية 85 مم، و مقدم الحديث يحيى مصطفى عن المجموعة 73 مؤرخين، و نحن الأن بأحد مساجد مدينة الإيمان بجوار منزل البطل ، و نبدأ مع البطل بسم الله ليعرفنا بنفسه ...

 

هو جمعة علي مصطفى و الذي كان أحد مقاتلي جيشنا المصري في حروب مصر المعاصرة، و من مواليد عام 1945 و قد التحق بالخدمة العسكرية بتاريخ 1 / 4 / 1965.

و عن نشأته .. فقد وُلد بطلنا في صعيد مصر ثم انتقل مع عائلته إلى مدينة السويس عندما كان عمره 4 أعوام عام 1949 و بطبيعة الحال قد حصل على شهاداته التعليمية من مدينة السويس.

و لم يعي البطل بما حدث عام 1948 في حرب فلسطين نظرًا لصغر سنه؛ لكنه عاصر ماحدث في يوليو 1952 عندما قامت ثورة الأحرار و انتقال الحُكم من الملكية إلى الجمهورية بتولي الرئيس محمد نجيب أول رئاسة جمهورية لمصر، حيث عاصر البطل الملك و قد ذكر أن من ضمن مظاهر الملكية ذهاب التلاميذ إلى المدرسة يرتدون الشورت و الطربوش.

و قد قامت الثورة و تولى اللواء نجيب و تلاه جمال عبد الناصر و كان يبلغ البطل في هذا الوقت حوالي 8 أعوام؛ و قد ذكر بأن الشعب كان واعيًا لما يحدث حوله بل أنه كان على استعداد لذلك لأن الملكية و إن كانت جيدة إلى حد ما في بداياتها إلا أنها طغت و تجبرت في النهاية و انتشر الفساد في أوصالها.

و قد كان للعدوان الثلاثي على مصر و على مدن القناة و بالأخص مدينة بورسعيد أثره على مدينة السويس أيضًا باعتبارها جزءٌ لا يتجزأ من كيان مدن القناة الباسلة جميعًا.

و نظرًا لوقوع الأحداث قريبًا فقد شهد آثارها البطل و لفت نظره حركة الفدائيين في مواجهة القوات المعتدية إلا إنه لم يفكر في الانخراط في هذا النشاط لصغر سنه.

و علاوة عما شهده من آثار العدوان الثلاثي فقد شهد أيضًا مقاومة الفدائيين التي كانت ناشبة في القناة و خصوصًا بعد استئناف الكفاح المسلح ضد الاستعمار مرة أخرى في منطقة القناة بعد إعلان الجمهورية و في ظل تنفيذ إتفاقية الجلاء عام 1954 و قد كان بطلنا يبلغ من العمر آنذاك 10 أعوام .

و إذا كانت مدينة بورسعيد هي الهدف الأساسي للعدوان فإن جارتها السويس لم تسلم أيضًا من العدوان لأن جل القناة كانت الغاية التي كان يرمي إليها الاستعمار و لم لا ؟ و هو يقصد بعدوانه السافر الصريح أن يعيد القناة إلى أملاكه مرة أخرى و يعيد احتلالها ثانية بعد توقيعه معاهدة الجلاء بأشهر قليلة .

و رغم أن التأثير الذي لحق بمدينة السويس لم يقتصر على ضررالمنشآت جراء الغارات و حسب بل طال الضرر حركة الملاحة في القنال كما نعلم و أُغلقت القناة و توقف النشاط في مدنها.

و قد كانت القناة و مدنها دائمًا خط الدفاع عن مصر في كل الأحداث الجسام التي وقعت على مدار تاريخ مصر الحديث و لم لا ؟ و القناة في الأساس قلبُ تلك الأحداث.

و عن حرب اليمن ...

فيرى بطلنا بأن الزعيم القائد الراحل جمال عبد الناصر لم يُخطئ حينما شارك في حرب اليمن طبقًا للميثاق الخاص بتحرير الشعوب و مساعدتها في الثورات، فقد كان للرئيس جمال عبد الناصر دورٌ فعال و ملموس في تحرير الشعوب ليس على مستوى اليمن فقط؛ و لكن امتد هذا الدور إلى إفريقيا أيضًا، فقد كان يرقى في حماسه إلى مستوى الزعيم الجنوب إفريقي الشهير مانديلا و قد ساعد أغلب الدول الإفريقية في نيل حريتها و استقلالها.

و اليمن دولة عربية كانت تسعى إلى التحرر من خلال الثورة فساعدتها مصر كعادتها؛ و قد كان يسود في اليمن في هذا الوقت أنواع من الجهل جعلت معظم الشعب اليمني يؤمن بالخرافات و الخزعبلات بل و الخوف أيضًا منها فكانوا يتخيلون أشياءًا غير منطقية، و هذا يدل على مدى نسبة الجهل التي كانت متفشية بين شعب اليمن، و كان ذلك من مسببات الثورة.

و لم يكن البطل جمعة على مصطفى قد تم تجنيده في تلك الآونة عندما نشبت ثورة اليمن عام 1962 و لكنه كان واعيًا منفتحًا على مجريات الأمور.

و عن تجنيده يحدثنا البطل جمعة مصطفى قائلًا :

بأنه في البداية ذهب إلى مركز التدريب في التل الكبير، و عفوًا كان يتم اختيار الأذكياء و من هم على درجة عالية من سرعة التصرف، لأن سلاح الدفاع الجوي بالذات يحتاج إلى مقومات خاصة إلى حد ما نظرًا لتعلقه بكثر الأجهزة و الإتصالات و تقدير المسافات و الارتفاعات و غيرها، و قد كان البطل يعمل على آلة تقدير المسافات و كانت تشبه جهاز التليسكوب المزدوج.

و كانت وظيفته رصد الهدف (الطائرة) و تتبعه و تحديد المسافة و في النهاية يتم تحويل ذلك إلى المدفع للقيام بمهمته في الدفاع الجوي أوتوماتيكيًا، و كانت الحركة التي يقوم بها هي أساس ضبط زاوية المدفع للتنشين على الهدف؛ و بعد رحلة مركز تدريب التل الكبير انتقل البطل إلى مركز تدريب ألماظة لمدة 3 أشهر.

و عن الفرق بين الحياة المدنية و حياة الجندية يقول:

هناك مثل يقول " إن لم يربِهِ والداه، يربِهِ الجيش "، فكان الجيش يحمل العديد من المعاني الخاصة بالتربية من انضباط و نظام و أساليب و سلوكيات النظافة و الهندام و الترتيب فيصلح بذلك الفاسد و الطالح و يعدل من سلوكيات و أفعال البعض.

فالتغيير من الحياة المدنية إلى العسكرية ليس سهلًا؛ بمعنى: لو لم يكن الانضباط ما كان الجندي و ما كانت الحروب و المعارك لذلك كل تلك الأشياء في سلك الجندية من الضروري لها أن تحدث.

فأنا مجند لأحمي بلدي و لحمايتها يجب أن تتوافر كل تلك المقومات في مقدمتها الانضباط؛ بالإضافة إلى قائد يرشدني لتنفيذ الأوامر العليا بالإضافة للأخلاقيات و الأدب و ذلك كله إلزاميًا على المجند و المتطوع سواء. حتى أن ذلك يَفرق مع المتطوع كثيرًا فينفذ كل ذلك على أكمل وجه فهذه وظيفته و رغبته التي ولع بها و يحبها، أما المجند بطبيعة الحال يقضي فترة تجنيده و يرجع إلى المدنية مرة أخرى. و كان من أوائل الأسلحة التي تدرب عليها بطلنا بطبيعة الحال البندقية النصف آلية و بعد ذلك الآلية، و في الوحدة تدرب على استخدام الطبنجة ثم تخصص في سلاح الدفاع الجوي.

و عن الفرق بين الحياة العسكرية و المدنية بالنسبة للطعام مثلًا ...

فيقول بطلنا بأن هذا الأمر لا يمثل بالنسبة له أدنى مشكلة، حيث يذكر بأن في هذا الوقت كان الشباب مختلفين في طباعهم عن شباب اليوم و كان هناك مقولة شائعة و فحواها أن:

يقبل المجند بكل شئ في الجيش و يطويه أو يعديه حتى تمر أيامه بسلام، لأن الهدف الأساسي و المعروف لكل شاب في هذه المرحلة أن يقضِ مدة خدمته و يخرج لاستئناف حياته العادية بعد ذلك. لكننا بدلًا من أن نقضِ في الخدمة 3 سنوات قضينا 9 بالإضافة إلى 3 أشهر إضافية بالطبع قضيناهم!

فمن سيحرر الأرض؟ فقد قضينا كل تلك السنوات في حروب، و لا يوجد جيل في التاريخ مثل جيلنا لا قبلنا و لا بعدنا؛ فقد عشنا النكسة و الانتصار، و عشنا مرحلة الخداع التي سبقت حرب التحرير و رأينا مدى دهاء و ذكاء الرئيس الراحل أنور السادات رحمه الله في التخطيط لتلك الحرب.

فقال الرئيس السادات في سنة 1971 أنها سنة الحسم و كذلك قال أيضًا على سنة 1972 أنها سنة الحسم، و قد قام الرئيس الراحل في سنة 1971 بتسريح 300,000 عسكري من الخدمة علمًا بأن لا أحد قد خرج من الخدمة فعليًا، و بعد ذلك بدأ الاستدعاء لكل منهم جزئيًا بالتدريج ثم تلى ذلك مرحلة استرخاء واضحة حتى أنه بعث برحلات العمرة و بدأ يعلن عن استئناف عمليات الزراعة و الصناعة و المشاريع و غيرها من النشاطات العادية جدًا مما يُنبئ عن تقبل القيادة السياسية للأمر الواقع و أن الدولة ستتعايش مع حقيقة وجود جزء من أراضيها مسلوبٌ في حوذة العدو، و بذلك اعتقد الجميع أن مصيرهم أصبح مرتبط بالجيش و أن الوجود في الخدمة مقرون بأرزاقهم و كسب العيش إلى أجل غير معلوم؛ فمن يريد التطوع يتطوع و من يريد التجديد يجدد الخدمة فلا يوجد حرب.

و جاء القرارُ خاطفًا صائبًا في لحظة توقف عندها الزمن عندما آن للحق أن يكتب نهاية البُغاة الظالمين و أن يسترد الأرض السليبة الجريحة لتنطلق صيحات النصر و الفخر بدلًا من صيحات الألم و الأنين و مرارة عار الهزيمة التي انصرمت قبلها بسنوات.

و حينذاك كان رجال التوجيه المعنوي، و الأزهر الشريف، و الدعاة، و رجال الدين المسيحي يزورون الوحدات ليحثوا و يشجعوا المقاتلين على الحرب و الجهاد؛ و ليمدوهم بجرعات الحماس و العزيمة حتى يُكلل قتالهم بالنصر المبين.

و بالعودة لفترة مركز التدريب ....

فقد أنهى البطل جمعة تلك الفترة و استعد لاختياره للتخصص و كان ذلك في منطقة التجنيد، فكان يحدث ذلك في غرفة يدخل إليها المجندين و يتسلموا حقيبة ثم يدلفون إلى قاعة مليئة بالمناضد و يقومون بمحاولة فك و تركيب ما بالحقيبة من أسلحة مما يعد نوعًا من اختبارات الذكاء و السرعة.

و طبقًا لنتيجة ذلك الاختبار يتم الاختيار أو الاستبعاد؛ فمن ينجح فيه يتم اختياره لدخول السلاح و من يرسب يتم استبعاده، و قد نجح في هذا الاختبار حوالي 55% من المُختبرين.

و كان يوحد بين أفراد الدفعة الناجحة تقارب المؤهلات و الرُقي و غيرها من الصفات المشتركة؛ و كان مع البطل في تخصصه 4 اصدقاء من مدن مختلفة من السويس و سوهاج و الغربية و الدقهلية كانوا الأوائل في هذا الاختبار متسلسلين و أولهم البطل جمعة و قد اجتازوا معه تدريبات و فرق مختلفة تتكون من عشرات من الأفراد تتراوح أعدادهم من 60 إلى 70، و عندما اجتازوا تدريبين آخرين جاءوا جميعًا بنفس الترتيب ما عدا واحد كان ترتيبه الخامس، و كان البطل جمعة قد وصل للترتيب الثاني و الثاني مكرر حتى جمعهم قائد الفوج و كافؤهم بإجازة و منحهم رتبة الامباشي (العريف) و كانوا لم يكملوا عامًا في الخدمة و بذلك كانت هذه المكافأة تقديرا لمستواهم العالي في التدريب.

و عن آلية التدريب المتخصص في مركز التدريب يقول لنا البطل:

كان هناك تدريبًا بالذخيرة الحية أو باستخدام الذخيرة الهيكلية و أيضًا باستخدام موقع هيكلي، و كانت أولى فئات المدافع التي تدرب عليها البطل هي فئات مدافع 85 مم؛ و قد كان الفوج يتكون من 6 سرايا يشرفون على منطقة المثلث بالسويس مشكلين ستار حماية لمنطقة الجزيرة الخضراء بحيث يغطيها قوس نيران المدفعية، و قد شاركت تلك السرايا السِت في موقعة الجزيرة الخضراء الشهيرة ــــ إحدى معارك حرب الاستنزاف ــــ حيث ساهمت تلك السرايا و سرية أخرى تابعة لهم متمركزة في قلب الجزيرة الخضراء في إرهاق و تكبيد طيران العدو خسائر فادحة.

و في عام 1966 كان البطل جمعة قد أمضى ما بقرب من العام في الخدمة و كان يشغل نفس موقعه بصحبة الفوج و بطبيعة الحال كانت الحالة وقتها حالة سِلم تام فلا يوجد أي اعتداءات أو اختراقات من جانب العدو؛ و بالتالي فالتادريب مستمر على وتيرته المعروفة و العادية سواء بأسلحة هيكلية أو حية. فقد كان يتم ضرب النار بمعدل كل 45 يومًا.

و بالسؤال عن نقطة محورية هامة تتعلق بالفرق بين التدريب قبل و بعد نكسة يونيو؛ يجيبُنا البطل بأن الفرق كان ملموسًا، فبطبيعة الحال كان التدريب بعد تلك المرحلة الصعبة على أحسن ما يكون.

فالبرغم من مرارة النكسة و صعوبة دروسها و قساوتها؛ إلا أنها كانت أكسبتنا درسًا مستفادًا ساهم بشدة في تصحيح الخطأ الذي تسبب في تلك الكارثة العسكرية؛ فقد انتصر الجيش لإرادته و أعاد بناء نفسه ثانية.

و في يناير 1967 تم استدعاء البطل للذهاب إلى اليمن و كان موقعه في منطقة الحُديدة و قد وقع الاختيار عليه بصحبة ثلاثة من زملائه، و كان يتم اختيار أربعة فقط للسفر إلى اليمن فلم يكن متاحًا السفر لأي فرد، و قد علم بسفره فجأة و أنه سيتحرك أول شهر يناير.

و قد استقل البطل مع زملائه الثلاثة و زملاؤه من باقي سلاح الدفاع الجوي المركب من بورتوفيق للسفر إلى اليمن للدفاع عن ميناء الحُديدة.

و عند وصولهم اليمن كان الوضع هادئًا عن بداية الحرب التي نشبت قبل ذلك بخمس سنوات في عام 1962، و قد عادت القوات المصرية من اليمن بعد نكسة 1967 و توالت الدفعات القادمة من هناك و كان البطل ممن عادوا في نهاية عام 1967.

و كان أسلوب المعيشة في اليمن فيه من الترفيه؛ فمثلًا كان يأتي الطعام طازجًا ذا جودة عالية و يقوم الجنود بطهيه كما كان التعامل مع اليمنيين تعامل جيد، فبطبيعة الحال كانت الحُديدة مدينة صغيرة على الميناء مثل بورتوفيق فكان الجنود يقومون بالتبضع منها و التسوق و التعامل مع أهل اليمن؛ و كانت الفترة التي قضاها البطل جمعة في اليمن فترة هادئة خالية من الاشتباكات.

كما أن الجنود المصريين قد تم الاستعانة بهم لتدريب الضباط اليمنيين حديثي التخرج، وكان البطل جمعة آنذاك برتبة رقيب و كان بطبيعة لحال من المشاركين في تدريب هؤلاء الضباط.

و قد كان الجنود في اليمن يتواصلون مع ذويهم في مصر من خلال الخطابات، و كانوا يستخدمون الشرائط للتسجيل و بالتالي يتم إرسالها مثل الخطابات أيضًا.

و عن أثر خبر كارثة النكسة بقول لنا البطل جمعة أن الجنود في اليمن كانوا يمتلكون أجهزة الترانزستور التي كانت تعمل بالبطارية فكانوا دائمًا ما يتابعون أخبار ما يحدث بمصر و المنطقة و بالتالي من البديهي أن يعلموا بأنباء النكسة الحزينة و التي أصابتهم بالحزن الشديد و أيضًا شعروا بأن نفوسهم و أرواحهم قد نُكست هي الأخرى.

و من خلال متابعتهم للأخبار كانوا يتوقعون اشتعال الحرب في أي لحظة بين مصر و إسرائيل؛ و لكن لم يخطر على بالهم بأي حال من الأحوال أن ينتهي الأمر بتلك الكارثة الرهيبة لأن الجيش في تلك الفترة في النظر البطل جمعة كان جيد التدريب و لديه جاهزية للقتال في أي لحظة؛ لكنه لم يستطع أن يُفسر ما حدث بالضبط هل حدث بسبب سوء التخطيط أم ماذا؟ أو أن الطبيعة الجغرافية لشبه جزيرة سيناء ليست ممهدة للقتال مثلًا فلا يوجد تفسير واضح للأمر.

و لكن كانت الكارثة في حد ذاتها درسًا تعلم منه القادة العسكريين بعد ذلك كيفية التخطيط الجيد و كيفية تفادي الوقوع في نفس الخطأ مرة أخرى، و كان من أبرز أمثلة هؤلاء القادة محمد عبد الغني الجمسي و سعد الدين الشاذلي، و هما من القادة الذين استكملوا طريق النصر و خططوا للعبور العظيم.

و لما كان لأخبار الهزيمة من آثار سيئة على مقاتلي اليمن فإنهم كانوا يتشوقون إلى سرعة الرجوع لمصر، و يبدو أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يشعر بهم، فأصدر أوامره بسرعة عودة القوات المصرية من اليمن.

و لم يكن أثر تنحي الزعيم جمال عبد الناصر أقل ألمًا من أنباء النكسة، فقد أحسوا بأن تنحيه سيزيد الطين بلة و سوف تضيع مصر و لا قائد غيره يعيد البناء و يقود عجلة الصمود في تلك الأيام العصيبة المؤلمة.

و قد أتى قرار رجوع جميع القوات المصرية من اليمن بعد حوالي أكثر من 3 أو 4 أشهر من حدوث النكسة؛ حيث عاد من هناك البطل جمعة بتاريخ 13/12/1967.

و قد كانت دفعته آخر دفعة من القوات المصرية تعود من اليمن؛ حيث كانت تعود القوات المصرية إلى مصر تدريجيًا تبعًا لتسلسل المدن من قلب اليمن إلى ساحلها على البحر الأحمر لذلك كانت دفعة البطل جمعة آخر دفعة تعود من هناك و التي كانت مسئولة عن حماية ميناء الحُديدة.

و قد عاد هذا الفوج من اليمن شمالا إلى رأس بناس على البحر الأحمر في مصر ثم استقلوا قطارًا إلى السويس و تمركزوا في نفس الموقع الذي تركوه قبل السفر لليمن.

و مما سمعه البطل جمعة علي مصطفى بعد رجوعه إلى السويس؛ استقبال أهالي السويس للمقاتلين العائدين من رحلة التيه و الانسحاب بسيناء؛ فقد احتضنتهم المدينة و أهلها و أمدتهم بما حرموا منه أيامًا و شهورًا من أبسط احتياجاتهم من مأكل و مشرب و ملبس.

و لم يفكر جيش العدو حتى تلك اللحظة في إنشاء خط بارليف و بالتالي لم تكن قوات العدو قد زحفت و تمركزت على القناة بإقامتها لخط بارليف و نقطه الحصينة.

و حتى تلك الآونة لم تكن السويس قد أصيبت بأي إصابة غادرة من قبل العدو، و لكن جاءت حرب الاستنزاف بعد ذلك و نالت السويس نصيبًا وفيرًا من ضربات العدو الغاشمة و تدمرت معظم مبانيها.

و بسؤال بطلنا عن نسبة الأمل في رجوع سيناء المحتلة إلى أحضان مصر مرة أخرى فقد أجاب بأن الأمل بالنسبة لكونه عسكريًا لم يتعدَ نسبة ال50% أما بالنسبة لشخص مدني فإنه يعتقد بأنها ستكون 0%، و بمجئ بشائر حرب الاستنزاف اختلفت النسبة بشكل كبير و أصبحت 100% إيمان بأن الأرض ستعود قريبًا، و علاوة على أحداث حرب الاستنزاف فقد كانت مجهودات الأقربين لصالح المجهود الحربي و إعادة بناء جيشنا من أهم أسباب زيادة الإيمان و الروح المعنوية و الصمود و كل مقومات النصر المنتظر، فقد تبرع الأب و العم و الأخ و الجدة لصالح المجهود الحربي.

و قد تعود البطل جمعة و كل زملائه من الجنود في حرب الاستنزاف على الضرب و القصف و غارات العدو المستمرة؛ فأصبح كل ذلك بمرور الوقت هباءًا لا يؤثر على عزيمة الجندي و إيمانه حتى أنه شبه أصوات القصف و تأثيره كتأثير الألعاب النارية الخاصة بالأطفال.

و كانت مدينة السويس بالتحديد هي أكثر مدن القناة تعرضًا للقصف و الغارات باستمرار، حتى أنه يقول بأن من قضى فترة التجنيد بالسويس هو من خاض أشد الأحداث و المعارك في حرب الاستنزاف؛ و قد كانت منطقة المثلث على أول طريق الإسماعيلية من المناطق التي كان يستهدفها دائمًا العدو علاوة على ضرباته الغادرة العشوائية مما كان يُعرض موقع الكتيبة دائمًا لهذه الغارات فقد كان يبعد حوالي 300 متر عن مباني منطقة المثلث.

و كانت إسرائيل تستخدم في تلك الإغارات المستمرة طائرات مروحية بدون طيار؛ فهي لم تكن مستحدثة في السنوات الأخيرة و إنما ظهرت لأول مرة في يونيو 1968، و قد كانت تلك الطائرة تقوم بمسح طول القنال و عرضها حتى عند محاولة إصابتها كانت تتفادى ضربات المدفعية المضادة و تناور وحدها نظرًا لأنها مزودة بأجهزة حساسة.

 

(( ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين لا يوجد أي مصدر عسكري يؤكد معلومة أستخدام طائرات هليكوبتر مسيرة خلال حرب الاستنزاف – انما تم استخدام طائرات ثابته الجناح بدون طيار خلال مرحلة ما قبل حرب أكتوبر وفي حرب أكتوبر وتم اسقاط عدد منها أشهرهم النوع شوكار الامريكي ))

 

و كانت غارة الطائرة المروحية بدون طيار من أبرز اشتباكات في حرب الاستنزاف التي شارك فيها بطلنا...

كانت الساعة الثامنة صباحًا، و كان بطلنا فردًا على آلة تقدير المسافات و الارتفاعات، و هي عبارة عن تليسكوب 3×1 يتم النظر من خلاله لتقريب المسافة و تحديد نوع الطائرة؛ و لما ظهرت الطائرة و تم تحديد نوعها بدأت المدفعية م . ط تشتبك مع الطائرة المعادية، و عقب ذلك بحوالي ساعتين اقتحم الطيران المنخفض الأجواء بعدما اتضح أن المروحية بدون طيار كانت تلتقط صورًا للمنطقة بأكملها.

و ما كان من أفراد الموقع بطبيعة الحال إلا الاشتباك مع الطيران المنخفض لأول مرة في حرب الاستنزاف بكل شجاعة وتركيز، فباشتعال لهيب حرب الاستنزاف اشتعلت داخل نفوس المقاتلين جذوة و لهيب الصمود و العزيمة و الروح المعنوية العالية لقتال العدو بعدما أطفأت النكسة فيهم كل الآمال بالصمود و النصر إلا أنها لم تكسر الإرادة التي جعلت مقاتلينا يكابدون الأنفس لاستعادة ما سُلب.

و في تلك الفترة كانت عائلة البطل قد تم تهجيرها كمعظم أهالي مدن القناة و قد كان يحتفظ بمفتاح المنزل، و بطبيعة الحال كان يمكنه الاستئذان من القائد لمدة 24 ساعة للذهاب للمنزل؛ حتى أنه يصف لنا الطريق فقد كانت الطرق مظلمة ليلًا تملأ أزقتها الفئران خالية من الناس و الحياة.

و لما كان البطل جمعة في هذا الوقت رقيبًا فقد كان يُكلف كضابط نباطشي، فقد كان يشرف على توزيع التعيين على سرايا الكتيبة و يعود ثانية إلى موقعه.

و كان من نتائج الاشتباك الأول مع طيران العدو أن فر هاربًا و لكن بتوالي غاراته الغاشمة كان يدفع الثمن غاليًا و يتكبد خسائرًا جراء اشتباكات المدفعية معه.

و عندما كان الروس بمصر و قبل أن يغادروها؛ كان لدى مصر صاروخ يصيب الهدف على بعد 100 متر و نتيجة لذلك كان هناك صعوبة في إصابة الطيران المنخفض الذي يحلق عادةً على ارتفاع 50 متر. لذلك عمل المهندسون المصريون على تطوير هذا النوع من الصواريخ؛ فأصبح الصاروخ صاحب المدى 400 متر يتمكن من إصابة هدف على بعد 100 متر و الصاروخ صاحب المدى 100 متر يتمكن من إصابة الهدف على بعد 50 متر و كان ذلك كله بعد مغادرة الخبراء السوفييت من مصر مما يثبت أن المصري في كل المجالات سواء كان عسكريًا أو أو عاملًا أو مهندسًا يستطيع أن يحقق الكثير و يجد الحلول لأصعب المشكلات.

و كانت معركة الجزيرة الخضراء من أبرز معارك حرب الاستنزاف التي شارك فيها بطلنا، و يطلق بطلنا عليها اسم النقطة الحصينة لأنها تبعد حوالي 3 كيلو متر و نصف عن النقطة الحصينة عيون موسى التي كانت تتولى مهمة ضرب مدينة السويس كلها؛ فبطبيعة الحال كانت تضرب أيضًا موقع الجزيرة الخضراء؛ كما كان موقع الحزيرة الخضراء يضم عدد من تشكيلات الأسلحة المتنوعة فقد كان يضم عدد من الفصائل الخاصة بقوات: دفاع جوي، مشاة، صاعقة، مدفعية الهاون.

و تقدر مساحة الجزيرة الخضراء بحوالي 1000 متر مربع فهي ليست كبيرة و كان موقعها على هيئة 3 أدوار كل دور خاص بمهمة أو وظيفة محددة؛ فقد كان الدور العلوي يحتوي على المدافع و غيرها من أسلحة الدفاع الجوي أما الدور الثاني فكان يختص بالشئون الإدارية و الأرضي خاص بشئون أخرى.

و في يوم 21 ــ 22 نوفمبر 1968 قام الاستطلاع باكتشاف أن هناك إبرارًا وشيكًا من العدو على الجزيرة، و قد صدقت توقعات الاستطلاع بعد مُضيّ حوالي 5 أو 6 أيام من خلال مراقبة و رصد التحركات على جبهة العدو و التي كانت غير مُطَمئنة و مريبة، و في هذا اليوم اقتحم الجزيرة حوالي 20 زورق يحمل الزورق الواحد حوالي 5 أو 6 أفراد من العدو و بدأ في عمل التفاف حول الجزيرة حتى تمكنوا من حصار الجزيرة في محاولة لاحتلال تلك الجزيرة التي لا تبعد عن النقطة الحصينة عيون موسى سوى 4 كيلومترات، و بينها و بين بورتوفيق حوالي 3 كيلومترات و نصف.

و حدث ذلك في تمام الساعة الثانية صباحًا و كان ضوء القمر مع حركة أمواج خليج السويس من بديهيات العوامل التي تساعد على ظهور أي تحركات على سطح المياه مع العلم بأن زوارق العدو مكتومة الصوت؛ لتُفاجأ بعد ذلك قواتنا المرابطة على الجزيرة بأن قوات العدو تحوم حول الحزيرة بهذه القوارب.

و ما إن تم رصد فعلتهم حتى اشتبكت معهم قواتنا في قتال متلاحم حول ليل الجزيرة لنهارٍ مشتعل؛ فقد تمكنوا من صعود الجزيرة عن طريق الرصيف الخاص باللنشات؛ و تم الاشتباك الذي دام حتى الفجر حوالي الساعة الخامسة صباحًا، و بعد ذلك نزل بطلنا مع عدد من زملائه للدور السفلي للجزيرة حوالي الساعة السابعة صباحًا لأخذ قسط من الراحة بعد قتال شرس دام لساعات.

و قد قامت المعركة على النحو التالي .....

حيث قسم العدو نفسه بالزوارق بحيث تقوم مجموعة بالمناورة من الأمام و مجموعة أخرى بالاشتباك داخل الجزيرة، و قد كانت قوات المشاة و الصاعقة هي التي تتصدى للعدو على أرض الجزيرة و تشتبك معه حيث أن بطبيعة الحال لا تستطيع قوات الدفاع الاشتباك أرضًا مع العدو، و في حومة القتال أطلقت قوات العدو المشاعل المضيئة لتتمكن من صد مقاومة قواتنا المرابطة على الجزيرة بالإضافة لطلب طائرات النجدة الخاصة بالعدو لانتشال قتلاهم و جرحاهم بعد فرار من نجى منهم؛ و قد تكبد العدو خسائر قدرت بحوالي 25% مقابل 7% من قواتنا حسب تقدير البطل جمعة.

و يصف بطلنا مشاعره كجندي عندما حدث الاشتباك على الجزيرة بأنه لم يكن خائفًا سوى من احتمال احتلال العدو للجزيرة، فالجزيرة موقعها استيراتيجي و تعتبر قريبة جدًا من أحد نقاط العدو الحصينة (عيون موسى )، كما أنها كنز ثمين بالنسبة للعدو فباحتلالها يتمكن العدو من احتلال مدينة السويس بأكملها و بالتالي يسعى لاحتلال ما يشاء من أراضي على الضفة الغربية حتى يحتل مصر كلها؛ و لولا تلك المعركة لما كانت حرب تحرير الأرض و لما كانت مباحثات الكيلو 101 و وقف إطلاق النار و انسحاب العدو من كامل الأراضي المصرية التي احتلها؛ أو بالأحرى لما كنا استعدنا حتى الأن شبرًا من أراضينا المسلوبة أو أن ذلك كان يمكنه أن يؤخر و يُصعب المضيّ في طريق النصر.

و علاوة على معركة الجزيرة الخضراء الشرسة؛ لم يهدأ للعدو بالًا حتى قام بقصف الزيتيات الخاصة بشركات البترول في السويس في نفس يوم المعركة، و بعد انتهاء تلك المعركة تحرك بطلنا مع زملائه من الجزيرة لقيادة المنطقة و بالتحديد في وحدات المعسكر حتى يتم قضاء فترة راحة و نقاهة من القتال لاستعادة و تجديد الطاقة مرة أخرى و قضاء الإجازات، و بعد ذلك عاد البطل جمعة لقضاء 6 أشهر مع المجموعة التاسعة في مطار ألماظة.

و في الفترة التي تلت ذلك اتخذت معارك الاستنزاف بُعدًا آخر؛ فقد خفت حدة ضربات العدو على مدينة السويس و اتجت إلى شدوان حيث المعركة الشهيرة يناير 1970، كما أنها ركزت ضرباتها ايضًا على مناطق تقع على أطراف المدينة مثل منطقة البحيرات المرة و غيرها في مدن القناة فقد كانت الاشتباكات مع العدو بسيطة في السويس.

و في بدايات عام 1969 كان هناك مخزنًا للجاز في نهاية شارع هلال بالسويس،و أثناء غارة من غارات العدو بمدفعية الهاوتزر الـ155 مم على مدينة السويس سقطت دانة من مدافع النقطة الحصينة على المخزن، فاشتعل المخزن اشتعالا كالجحيم و انطلق الدخان كثيفًا حتى خُيل للعدو أنه قد ضرب هدفًا ثمينًا حيث اعتقد أنه دمر مخزنًا للذخيرة و هو قي حقيقة الأمر مخزنًا للجاز؛ و لذلك اتخذ العدو تلك المنطقة و المناطق المجاورة لها أهدافًا لتركيز ضرباته عليها حتى يتأكد من خلوها من مخازن الذخيرة؛ فقد أصاب بضرباته الغاشمة منطقة الروض، و شارع الجيش ، و شارع أحمد عرابي.

و مع تصاعد العمليات الفدائية ضد قوات العدو و بالأخص العمليات التي كانت تقوم بها منظمة سيناء العربية و المجموعة 39 قتال خلف خطوط العدو؛ فقد تصاعدت معها الروح المعنوية للبطل جمعة و زملائه. و بالنسبة لأفراد منظمة سيناء العربية فقد كان بطلنا يراهم دائمًا و هو بصحبة زملائه أثناء فترة راحتهم عندما كانوا يمشون في شوارع السويس الساكنة؛ فقد كان أفراد المنظمة دائمًا ما يجتمعون في جامع الشهداء بصحبة الشيخ حافظ سلامة أحد أبرز أيقونات المقاومة الشعبية في السويس.

و كان رأي بطلنا عن فترة وقف إطلاق النار و التي بدأت في أغسطس 1970 أنها كانت فرصة لراحة قواتنا من قتال مرير دام لشهور و أيام طويلة، و أنها كانت فرصة أيضًا ليعيد الجيش تجديد قوته؛ كما أنه يوضح أنها كانت فرصة لخداع العدو من وجهة نظره،بالإضافة لاستكمال بناء حائط الصواريخ فقد كانت فرصة ثمينة ليستكمل جيشنا بنائه بمعاونة شركات المقاولات.

و بالرغم من حالة وقف إطلاق النار إلا أن التدريبات كانت دائمًا في استمرار و تقدم مع الأخذ بالاعتبار بأن بطلنا لم يتدرب على شئ واحد و هو العبور لأنه بطبيعة الحال كان أحد مقاتلي سلاح الدفاع الجوي.

و بعد ضرب العدو لكوبري نجع حمادي في الصعيد محاولة منه لتدمير محولات السد العالي؛ كُلفت كتيبة بطلنا بالانتقال من السويس إلى المنيا أعلى جبل بمنطقة العِدوة و الذي كان كاشفًا لمدينة نجع حمادي و التي تبدو أنها على بعد حوالي 20 كيلو مترًا بالرغم من أن المنيا تبعد عن نجع حمادي بحوالي 400 كيلو متر؛ و قد اصطحبت الكتيبة معها إلى هذه المنطقة محطة الرادار و أقمت بتلك المنطقة حوالي 6 أشهر.

و عندما حدثت وفاة الزعيم جمال عبد الناصر ساد الحزن الشديد و الإحباط بطبيعة الحال بين أوساط الجنود، فهو القائد الأعلى الذي يتحمل المسئولية كلها و لكن القادة الأصاغر أمدوهم بدفعة معنوية؛ فقد طمئنوا الجنود بأن الصمود سوف يظل إلى أن يحققوا النصر.

و قد كان هناك تخوفًا لأن لا يكون الرئيس الراحل أنور السادات على قدر المسئولية، فأثبتت الأحداث بعد ذلك العكس بعد ما رآه العالم كله من دهاء و ذكاء و خداع الرئيس الراحل محمد أنور السادات و الذي كُلل بنشوبِ حربٍ التحرير التي لم تكن في حُسبان العالم قبل أن تكون في حُسبان العدو نفسه.

و بعد تولي الرئيس السادات تلك المسئولية الثقيلة؛ كان قراره بتسريح حوالي 300 ألف جندي رديف، و بعد ذلك تم استدعاءهم تدريجيًا لوحداتهم؛ لتأتي بعد ذلك حزمة من القرارات في ظاهرها لا مبالاة و في باطنها قمة الاستعداد لملاقاة العدو في أقرب وقت. فقد طرد الرئيس السادات الخبراء السوفييت من مصر و قد انقسمت الآراء حول صحة القرار أو خطؤه، و لكن من وجهة نظر بطلنا بأن من يركز في الأمور و يدرسها يرى تقدمًا ملحوظًا في أحوال الجيش، و بذلك يتم إدراك السبب الحقيقي لطردهم فمثلًا؛ لم يكن هناك فائدة لوجودهم الذي كان يمثل عبئًا أكثر من كونه استفادة، فلما تم اتخاذ القرار و طردهم السادات كان واثقًا فعلًا في ذلك القرار.

و مرت الأيام و السنون عادية ثقيلة تحمل في طياتها وعودًا من الرئيس السادات بأن ذلك العام هو عام الحسم، و لكن يمر العام تلو العام و لا حسم.

و عندما حل عام 1973 كثرت الإجازات و الراحات، و أصبح الجنود و الضباط يمُنحون الإجازات بكثرة بالإضافة لمن تم تسريحهم؛ فقد كان بطلنا من ضمن من تم تسريحهم، فتم تسريحه عام 1971 و قضى شهرًا خارج الخدمة و تم استدعاءه ثانية إلى موقعه بين مقاتلينا الأبطال.

و بعد عودة البطل جمعة إلى موقعه لم يكن أفراد الأفواج مجتمعين مع بعضهم البعض مثل قبل، و لكن أتيحت الإجازات بشكل مفرط حتى أن الفوج المكون من 12 فردًا؛ ينزل منه 4 أفراد إلى إجازاتهم و يبقى الثمانية الآخرين بالكتيبة، ليستمر الوضع على ماعليه بالتبادل، بالإضافة أيضًا لفتح أبواب السفر للعمرة و غيرها من مظاهر المبالاة التي لا تنبئ على أن هذا الجيش سوف يأخذ بثأره قريبًا، و لكن التدريب كان على أشده و يزداد كل مدى مما جعل جنودنا يتسائلون لماذا لا يحاربون و هم يتدربون بهذا الشكل مُذُ فترة طويلة؟

و في يوم النصر يوم السادس من أكتوبر1973 كانت كتيبة بطلنا في المؤخرة (النسق الثاني) لم تعبر القناة لأنها بطبيعة الحال كتيبة دفاع جوي، و في هذا اليوم لم يكن أحدًا من جنود الكتيبة على دراية بما سيحدث في الساعات المقبلة إلا القادة و بعض الضباط. و لم يشعر أي جندي في الكتيبة بأن هناك حالة غير طبيعية حيث جرت الأمور كعادتها حتى أصدر القادة و الضباط بعض التعليمات و الأوامر الخاصة بتجهيز المدفعية مثل تنظيف المواسير و توجيه المدافع و تجهيز الذخيرة؛ و يقول بطلنا أنه و زملاؤه اعتقدوا في البداية أن هناك هجومًا مباغتًا من العدو لذلك يأمرهم القادة بالاستعداد لتوجيه ضرباتهم.

و لكن تأكد لهم أنهم على موعد مع النصر عندما بدأت الملحمة؛ و ها هم قد شاهدوا طائراتنا المصرية تحلق إلى الشرق لتدك حصون المعتدين و تمهد الطريق للأخذ بالثأر و تمحو آثار الحزن و الانكسار عن ملامح سيناء المسلوبة؛ فتكفكف دمع مصرنا الذي لم يجف طوال 6 سنوات؛ فقد كان شعورًا لا يوصف و كان بطلنا و زملاؤه غير مصدقين ما تسمعه آذانهم و ما تشاهده أعينهم حتى أن البطل جمعة لم يستوعب ما حدث إلا عندما كانت الساعة الرابعة عصرًا؛ فقد كانت المفاجأة مهيبة و خاطفة؛ فقد شعر أنه يريد أن يعبر إلى الشاطئ الشرقي مع من عبروا رغم أنه غير مكلف بالعبور بسبب آلية سلاحه.

و توالت الأيام و لهيب حرب أكتوبر مازال مشتعلًا مشتدًا و مازال بطلنا بصحبة زملائه في وحدتهم التي تحتل منطقة المثلث الاستيراتيجية، و قد حدثت عدة اشتباكات مع العدو يومي 8 و 9 أكتوبر عندما حاول العدو أن يستيقظ من غفلته و يقوم بالهجوم المضاد بواسطة طائرات الميراج و كانت نتيجة تلك الاشتباكات فرار العدو كل مرة من جحيم دفاعاتنا الجوية.

و أعقب هذه الاشتباكات الهدوء حتى يوم 16 أكتوبر تقريبًا و قد وصلت إليهم أنباء الثغرة؛ و التي أثرت على معنويات الجنود بعد أن كانت في عنان السماء بالرغم من أن هذه الأنباء لم تصل إلا إلى عدد قليل منهم. و لعبت الأحداث دورها في إعادة رفع الروح المعنوية للجنود مرة أخرى حينما علموا بأمر أسر عساف ياجوري قائد اللواء المدرع الإسرائيلي بالرغم من أن العدو نجح أن ينقل المعركة في السويس و الإسماعيلية، و لكن لم يفلح العدو في دخول منطقة المثلث على مدخل مدينة السويس و إنما التف حتى وصل إلى منطقة جبل عتاقة ممهدًا الطريق لنفسه باستعمال إمكانياته خلال مدة الحصار التي فرضوها على السويس و التي تخطت الــ 3 أشهر. و خلال مدة الحصار تراجعت كتيبة بطلنا من منطقة المثلث إلى الروبيكي يوم 19 أكتوبر تقريبًا للاستعداد للقتال إذا ما صدرت الأوامر بتصفية الثغرة، و في خلال هذه المدة كانت تصلهم أخبار معارك الثغرة عن طريق اللاسلكي حتى أنهم علموا بملحمة السويس 24 أكتوبر 1973 التي سطرها رجال المقاومة الشعبية بقيادة الشيخ حافظ سلامة إلى جانب رجال الجيش الثالث الميداني.

و انتهت معارك أكتوبر بعد ذلك خلال مباحثات الكيلو 101 على طريق القاهرة السويس ، و قد تم إقامة خيمة عند هذه المنطقة محاطة بالحراسة لتتم فيها المباحثات، حيث حضر عيزرا وايزمان مساعد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية كما حضر أيضًا المباحثات المشير الجمسي باعتباره ممثل الجانب المصري في المحادثات.

و بذلك وضعت الحرب أوزارها بعد أن تمت مباحثات الكيلو 101، و بعد أن لقنت مصر و جيشها و شعبها العدو درسًا لن ينساه إلى الأن و لن بنساه إلى الأبد.

و من هنا آن الآوان للمقاتل أن يستريح من عناء صبرٍ كالعلقم دام لسنوات، و شهور، و أيام؛ فقد حصل بطلنا على أول إجازة بعد حرب أكتوبر في يناير 1974 أي بعد انتهاء الحرب تمامًا و انتهاء الحصار و المباحثات و وقف إطلاق النار، و قد كانت رؤية المقاتلين أبناء هذا الجيش المنتصر يمشون في الشوارع ساعين لنزول إجازاتهم لها أشد الأثر على المدنيين و المواطنين العاديين، فيحكي بطلنا عن سيدة من السيدات عندما رأته كانت تقوم من مكانها لتجلسه و تسأله هل يحتاج لأي شئ؟، فيقول أيضّا أنه طالما يمشي في الشوارع و يستقل المواصلات مرتديًا أفارول الميدان يرى السعادة و الفخر في أعين الناس حتى أنه يشعر بأنهم يريدون أن يحملوه على أعناقهم؛ و قد كان أفراد الجيش الثالث يضعون شارة زرقاء بينما أفراد الجيش الثاني يضعون شارة حمراء مما يدل على أن هؤلاء الجنود هم من كانوا على جبهة القتال يحاربون جنبًا إلى جنب، و ليسوا ممن كانوا على الخطوط الخلفية، و لذلك كان يسهل على الناس أن يميزوا هؤلاء المقاتلين و بالتأكيد كان بطلنا منهم.

و قد كان استقبال الأهل و الأحباب استقبالًا حافلًا لا مثيل له لدرجة أنه لم ينم في هذا اليوم من شدة ما حدث فيه من بهجة و فرحة بالنصر و بواحد ممن شاركوا في صنعه.

و قد انتهت مسيرة هذا المقاتل المشرفة و التي قاربت ال 10 سنوات بين صفوف قواتنا المسلحة بتاريخ 1/3/1974 توازيًا مع انسحاب العدو من خط فض الاشتباك الأول.

و كانت دفعة البطل جمعة هي الدفعة الثانية التي تم تسريحها من الجيش بعد الحرب، و قد كان هناك عدد من المسميات التي تطلق على الدفعات مثل أسد، نمر، صلاح؛ فكانت دفعة بطلنا هي الدفعة (نمر).

و قد تم إطلاق هذه المسميات على الدفعات حتى يسهل على أفرادها معرفة موقفهم في التسريح أو الاستدعاء، و كان المشير الجمسي هو من أطلق هذه المسميات.

و كانت كلمة بطلنا لشبابنا: أن يحافظوا على مصر، فهي بدونهم و بدون جيشنا لا تكون، فهي التي ذكرها الله تعالى في القرآن 4 مرات صراحةً و 24 مرة بطريقة غير مباشرة، و قد نجلى الله لسيدنا موسى على أقدس بقاعها، فبشبابها تبقى مصر و تعيش في خير و سلام، فالشباب جيل مستقبلها و يجب عليهم آخذ العظة و الدروس من أجدادهم و ابائهم الذي رأوا بأعينهم ما حدث و حاربوا من أجل مصر و أتوا لها بالنصر؛ و هم ايضًا من رأوا الهزيمة القاسية و تذوقوا مرارتها.

و قد أضاف لكلامه موجهًا إياه لمن يتذمرون و يتأففون دائمًا من الأوضاع المعيشية؛ بأن الفلاحة البسيطة وقت الحرب كانت تتنازل عن قرطها الذهبي مقابل أن يتم بناء الجيش مرة أخرى و قد لا تمتلك غيره كذلك كان الرجل البسيط يتبرع بما يملك حتى نستطيع أن نبني جيشنا، فالجيش هو درع الوطن، و من الواجب على الشباب أن يحافظوا على الجيش و يحافظوا على الوطن و أن يقفوا خلف القيادة التي لا يمكن أن تخطئ أبدًا، و لننهض بمصر لأنها مستهدفة من دول لا تقارن بها و لا تذكر، و هذه نصيحة من جدكم الذي عاصر الهزيمة و عاصر انتصار مصر، و في النهاية يرجو بطلنا من الشباب أن يأخذ بهذه الوصايا و ينفذها.

و قد و جه كلمته لمصر قائلًا:

أن روحه فداءً لها، و هو مع القيادة قلبًا و قالبًا لتبقى مصر حاميها الله دائمًا بجيشها و رجال شرطتها بشبابها و بناسها؛ و بقيادتها الحكيمة الواعية، و تحيا مصر.. تحيا مصر .. تحيا مصر.

 

قام بالتسجيل / أ يحيي مصطفي / مدير مكتب القناة وسيناء / المجموعة 73 مؤرخين

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech