Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

اللواء طيارأركان حرب مجد الدين رفعت

بسم اللَه الرحمن الرحيم

 

النشأة والتربية

ولدت في ديسمبر عام 1945 بالدقي بمحافظة الجيزة ، واسرتي ترجع اصولها إلى محافظة الشرقية -  تلك المحافظة التي تتميز بالكرم وكثرة الابطال -  وتحديدا  من بلدة صغيرة اسمها الفؤادية "الزهراء حاليا" ، دخلت مدارس الاورمان الابتدائية ومدرسة الزقازيق الاعدادية ، وكنت ولدا علي اربعة بنات ، وكان والدي مديرا لبنك التسليف الزراعي ولكنه كان ريفيا اصيلا ، وكان صارما في تربيته معي ، وبدأ حبي للطيران من موقف قديم حيث كنت صغيرا وجاء طائر وانقض من اعلي وخطف رغيف الخبز الذي اكل منه وطار عاليا ، فلفت نظري قوة من يطير وانه يستطيع ان يفعل ما يريد ، وكنت بدأت بصناعة الطائرات الورقية الكبيرة حينها، ومرة صعدت علي عمود ارسال الراديو كي الحق بطائرتي ولكن وبخني ابي لانه كان دائما يضع السلامة اولا ،  وكان ابي يحرص علي الا العب مع اخواتي البنات ، كي لا اكون لينا من صغري ، وحدث موقف عندما كنت فى العاشره ان جاء بعض الفتية واخذوا في معاكسة اخواتي البنات ، فجريت الي ابي اشكوا له الموقف ، فضربني وقال لي كيف تهرب ولا تدافع عن اخواتك فهم شرفك وعرضك ، ويجب ان ترجع وتدافع عنهم وان مت في سبيل ذلك فأثر في ذلك الموقف كثيرا فيما بعد ، وعندما كبر ابي ومرض ، قال لي يامجد الدين يجب ان تدخل الجيش ، قال لي ذلك رغم اني الولد الوحيد ، وبعدها بقليل توفي ، فعزمت علي ان احقق لابي وصيته.

الشغف بالطيران

وكنت في المدرسة شغوفا بالطيران وصناعة نماذج الطائرات ، بالاضافة الي ذلك يسكن بجوارنا كذلك بعض الطيارين في منطقة الدقي والعجوزة ، وكنت اذكر منهم المرحوم الرائد طيار حسن القصرى ، كان قد استشهد في 67 وكنت معجب به كثيرا في صغري ، وبعدها انهيت الثانوية العامة وقررت ان اقدم في كلية الطيران والكلية البحرية رغم اعتراض امي الشديد ومحاولاتها المتعددة كي تمنعني ولكني كنت مصرا وتذكرت كلام ابي لي قبل ان يتوفي ، وذهبت الي الكلية الحربية لاداء الكشف الطبي ، وللاسف رسبت في الكشف الطبي بسبب كشف النظر!!!!! ، فأيقنت اني لن استطيع اكون طيارا مقاتلا ، فغضبت وتأثرت كثيرا بالرسوب واقمت بخيمة في العين السخنة مع بعض الاصدقاء حتي تأتي الجامعة ، وقدرا تم ارسال اشارة الي البيت في القاهرة يطلب تواجدي الساعة 6:30 في مستشفي الفرنساوي حيث كانوا يطلبون ضباطا في الطيران ، وارسلت الي امي في العين السخنة وجئت فورا الي ميدان عبده باشا في حوالي السادسة صباحا ، ووجدتهم ينادون اسمي في المستشفي !!

ودخلنا المستشفي ، ودخلنا الي عيادة النظر ، وكنا 150 شابا وبعد ان اتممت كشف النظر ، وجدت الدكتور يقول لي " تفضل " ، فظننت انني رسبت فالتفت وهممت بالمغادرة ، وفجأة وجدت الدكتور يمسكني ويقول لي " اتفضل انت نجحت " ، ولم اصدق نفسي وقتها واتممت كامل كشف الطيران الطبي وكنت الوحيد الناجح فى هذا اليوم

الكلية الجوية

ودخلت الكلية الجوية في  2 اكتوبر عام 1964 ضمن الدفعة 18 طيران ، ولم اكن اعلم تحديدا نظام الكلية الجوية وسنوات الدراسة والحياة العسكرية وما الي ذلك وفوجئت بالحياة العسكرية الشاقة في الكلية وكان يرأس الكلية وقتها اللواء عبد الحميد الدغيدي ، وكنا دفعة كبيرة العدد تقريبا 200 شاب ، وللاسف رسبت في السنة الاعدادية وتخرجت في الدفعة 19 بدلا من الدفعة 18 .

 بدأت الطيران علي الطائرة الجمهورية مع مدرب هندي ، وكنت في اول طلعة لي اظن ان الطائرة واقفة في مكانها بسبب الارتفاع العالي – حوالي 1.5 كم  - فنظر لي المدرس واشار الي عداد السرعة !

وبعد فترة من التدريب بدأت الدفعة 19 في الطيران الفردي Solo ، قائد السرب الرائد فاروق عليش قام  بأختبارىو كان ادائي جيدا ، وعند الهبوط قال لي الرائد فاروق ، روح موت نفسك ، هتطلع سولو وكنت سعيدا جدا بالطيران بمفردي اني وصلت لمستوي الطيران الفردي Solo .

ووصلت للقسم النهائي وبدأت الطيران علي الطائرة ياك 11 ، وكانت طائرة روسيه قوية جدا، وكان  مدرسى هندي  يدعي ( راجي ) ، بالاضافة للمدرس الهندي كان هناك مدرسون مصريون لا انساهم مثل النقيب نيبل رضوان ، المرحوم طلعت ضاحي ، عزت الاتربي ، كل هؤلاء علموني علي الطائرة الياك 11 .

التخرج

وتخرجت ضمن الدفعة 19 في يوم 15 مايو عام 1967 ، واخذنا الرتب كضباط طيارين ، ولكن كنا ننتظر ان يتم تخرجنا رسميا امام احد القادة ولكن ذلك لم يحدث لظروف التوتر قبل الحرب ، وفور التخرج اخذنا امر بان نأخذ طائرات التدريب وننتشر بالطائرات ونذهب بها الي مطارات مختلفة ، وكانت اول مرة اطير في تشكيل قتالي Battle Formation ، وطرت انا والطيار محسن سليم الي مطار التحرير ، ورجعنا للكلية وقيل لنا اننا سنتخرج في يوم 1 يونيو ، وتخرجنا في الجمانيزيوم ، وجاءالفريق اول صدقى محمود وقال لنا انتم دفعة محظوظة ، ستتخرجون علي اسراب القتال مباشرة

وخرجت من الكلية بدون اي اتصالات ولا احتفالات ورجعنا لبيوتنا ، ودخلت علي والدتي وكانت مازلت تظن اني طالب ، وقلت لها اني اصبحت ضابطا ، ففوجئت وقالت لي اخيرا اصبحت موظفا !

بعد التخرج ، بدأنا نسمع في الاخبار والاذاعة انباء الحرب ، واننا سننتصر وما الي ذلك ، وكنا نري ان المدرسين قد ذهبوا الي اسراب القتال ، وكنا نقرأ اخبارا مثل ان مصر تملك اكبر مظلة طائرات سوبرسونيك تغطي خليج العقبة وما الي ذلك ، وبالطبع كنا متحمسين ومنتشين بقواتنا الجوية ، ولكن عندما حدثت الحرب كانت الصدمة كبيرة للغاية !


 

هزيمة 67

جاء يوم الاثنين 5 يونيو ، وكان مفروضا ان نسلم انفسنا إلى وحده تدريب القتال فى كبريت يوم 7 يونيو بعد ان منحنا اجازه ميدانيه 00كنت نائما في الصباح ، وفور وقوع الحرب ايقظني والدتي واخبرتني انها تري اشيائا في السماء ، وانفجارات عديدة ، وفتحنا الراديو ووجدنا احمد سعيد يقول ( مرحي ياعرب ابشروا ياعرب وقعت اسرائيل في الفخ ، واسقطنا حتي الان 23 طائرة ) ، طبعا بعقليتي انا كملازم طيار ، لو اسقطنا 23 طائرة اذن بكم طائرة كانوا يهجمون  ؟؟

لم ادر ماذا افعل وقتها ولم تكن هناك تليفونات منتشرة كما هو الحال الان ، فقلت نحن ضباط ويجب ان نكون في اماكننا ، فذهبت انا و زميلي الملاح محمد علي عامر فسلمنا انفسنا في الرئاسة ، وهناك وجدنا الجميع في الخنادق ، دخلنا شئون الضباط واخبرونا ان نذهب للكلية ، ذهبنا الي مطار الماظة ، فوجدنا المدفعية المضادة للطائرات تضرب بكثافة ، ذهب زميلي الملاح الي الوادي الجديد ، واخبرونا ان طياري المقاتلات يجب ان يذهبوا الي بلبيس للكلية الجوية مرة اخري ، وعندما ذهبنا هناك  كان كبير المعلمين وقتها العميد طيارعصمت صبحي الاتربي موجودا ، دخلنا عليه ووجدناه في حالة اكتئاب كبيرة ، وطلب منا ان نذهب الى احد الخنادق ، اعطانا بعض الطبنجات كتسليح شخصي ، ووجدنا الكلية الجوية وهي تضرب والطائرات علي الارض من الطيران الاسرائيلي ، وكان العدو يستهدف طائرات الاليوشن التي لم نستطع ان نحركها من الكلية ، وضربوا كذلك رائد مشاة اسمه منير مجاهد ، حيث كان قد صعد فوق احد ابنية الكلية واطلق النار علي طائرة ميراج كان تطير علي ارتفاع منخفض ببندقيته

كنا وقتها نتفرج علي القصف والانفجارات دون ان يكون في مقدورنا فعل اي شيئ ، وبدأنا نشعر بحجم الكارثة ، وبتنا في ذلك اليوم في الخنادق ، ولم يسمح لاحد بالرجوع للمباني والمبيت في الغرف تحسبا لاي غارة ، ونحن في الخندق حذرني الميكانيكية من عقارب الصحراء ، ولكني لم ابالي ، وسرعان ما شعرت بشئ داخل بنطلوني وبشكة في ركبتي فعرفت انه عقرب وحملني اثنين من زملائي الي مستشفي القاعدة فورا ، كان الدكتور علي عكاشة هو الطبيب وقتها ، وفور ان رأي الدكتور ساقي وهي متورمة قال لمعاونية ( هاتولي المنشــار ) وظننت انه سيقطع ساقي ولكنه كان يريد فتح قنينة الدواء  ، انتظر الطبيب نصف ساعة ولم يحدث شيئا فطمنني الطبيب ولم يحدث شيئ ونمت تلك الليلة في ميس الضباط .

وفي تلك الليلة وجدت طائرة ميج 21 تهبط في مطار الكلية هبوطا اضطراريا ، ونزل منها رائد طيار لااعرفه ، وبات معي الليلة ثم في الفجر اخذ طائرته مسرعا وترك الكلية الجوية ، وفي اليوم التالي جائت الدفعة 18 وانضمت علينا في الكلية ، وتركنا اماكن المبيت المخصصة وذهبنا للبيات في مدرسة بلبيس الابتدائية وكانت قريبة من الكلية ، وكنا مسلحين بالطبنجات ومتأهبين لاي شيئ يحدث وكنا عدد كبير من الطيارين ،  ونحن في المدرسة سمعنا خبر التنحي لجمال عبد الناصر !! ، وكان الرجال منهارون تماما من سماع ذلك البيان ، فكان جمال عبد الناصر يمثل لنا رمزا كبيرا في تلك الايام ....

ثم اخذونا بعد انتهاء الحرب  الي قاعدة مرسي مطروح  ونقلونا علي طائرات اليوشن 14 ، وذهبنا الي هناك كي نطير علي الطائرة التدريب  التي اتت حديثا  L-29 ، وقدم الينا في مرسي مطروح مدرسي الكلية الجوية كي يعطونا فرقة تدريب علي القتال واذكر منهم العقيد طيار ابراهيم شاكر وكانوا ذوي خبرة ومهارة كبيرتين وكان معلمي وقتها هوالرائد طيار رأفت صادق ، وبدأنا بعد الحرب الطيران بكثافة رهيبة نهارا وليلا علي غير المعتاد وتعلمنا كل انواع الطيران ، وفي خلال شهر يوليو ونصف اغسطس قمت بعمل 80 ساعة طيران تقريبا ، وكان قائد القوات الجوية وقتها الفريق مدكور ابو العز ، وكان يمر علينا في مطروح كي يعطينا الامل والحماسة علي قدر المستطاع .

وبعد فترة من الطيران المكثف والشاق ، ذهبنا الي الرئاسة واخذنا فرقة الـ MiG-17 ، ثم ذهبنا الي بني سويف وكان قائد القاعدة انذاك العقيد طيار حسني مبارك ومعه العقيد طيار نبيل المسيري والذي اصبح رئيسا للاركان فيما بعد ، وكان قائد وحدة تدريب المقاتلات ، وتدربنا مع الدفعة 18 دفعتي القديمة ، والحق علينا كذلك بعض طياري الهيلوكبتر اللائقين للطيران علي المقاتلات ، وتدربنا لمدة شهر ،  من سبتمبر حتي اكتوبر وكنت قد طرت في ذلك الشهر 35 ساعة طيران علي طائرة الـ MiG-17 .

الميج 21

وبعد ذلك جاء الينا المقدم طيار فؤاد كمال وكان قائدا لاحد اسراب الميج 21 ، فكانوا يريدون زيادة عدد طياري الميج 21 00جاء كي يختار من يصلح للطيران علي تلك الطائرة المقاتلة من طياري الميج 17 ، وكنت ضمن المختارين وطرت مع بعض الطيارين علي الميج 21 كنوع من الاختبار ، واثبت كفائتي علي تلك الطائرة وبعد فترة من الطيران تم اختياري مع اخرين كي نصبح طيارين علي تلك الطائرة وبالفعل بدأنا الطيران علي الميج 21 واخذنا المدرسة الارضية Ground School ، ثم اخذنا مع المقدم طيار فاروق الغزاوي والمقدم طيار مهندس صبحي الطويل فرقة القتال الجوي ثم ذهبنا الي قاعدة بني سويف .

الفروق بين انواع الطائرات :

قد طرت علي انواع عديدة من الطائرات من طائرات تدريب ومقاتلة ، فقد مررت علي الجمهورية والياك 11 ، ثم الـ L-29 وبعدها الميج 17 ثم الميج 21 ، كانت اول طائرة نفاثة اطير بها هي الـ L-29 ، واذكر الطيار رأفت صادق معلمي عليها وشدة المناورات التي كنا ندخلها ، وحدث مرة بينما كنت اطير بالـ L-29 كنت مصابا بالزكام ، وكانت اذني بها بعض الالم ، وبعد اداء مناورات حادة بالطائرة ، نزلت منها واذني بها الام شديدة ، فجائني طبيب القاعدة الدكتور رجاء نصار وكان طبيب انف واذن ، كشف علي اذني وقال لي اني لا اصلح كي اكون طيارا مقاتلا ابدا ، وان اذني "" باظت "" ، وكانت صدمه بالطبع ، وقال لي ان اكون طيار مواصلات افضل ، واخذت بالبكاء وارجوه الا يذكر ذلك الامر ويدعني اطير ، وقال لي انتظر طائرة الاليوشن 14 حتي تأتي وتأخذني الي اسراب النقل !!

نزلت لمدينة مرسي مطروح بسرعة وذهبت الي طبيب مدني هناك وكشف علي واعطاني بعض الادوية ، وعدت للقاعدة وقلت للطبيب جربني طلعة طيران ثم اعد الكشف علي ، طرت ووجعتني اذني ولكني تحملت الالم، ونزلت للطبيب مرة اخري وسمح لي بالطيران ، استكملت الطيران بعد ذلك و كنت اول طيار من دفعتي ينهي التدريب.

وكان تدريب طائرة الميج 21 يتم مع طيارين مصريين وروس علي حد سواء ، وكان مدرسي الروسي يدعي " جرول " في بني سويف ، واخذت اطير طيران مكثف علي الطائرة حتي يونيو 68 حيث انضممت لاسراب القتال ، وتحديدا السرب 16 قتال بقيادة الرائد طيار ابراهيم  الكيلاني سالم وكان معه النقيب طيار مجدي كمال ضمن اللواء الجوي 238 بقيادة المقدم طيار سمير عبد الرازق ( وتولي بعده المقدم الطيار علي زين العابدين ) - في غرب القاهرة ، بينما السرب 14 قتال من نفس اللواء موجودا بقاعدة بشبراخيت .

ودخلنا طياري الدفعة 18 و19 وكنا مجموعة واحدة ، وكنا حوالي ثمانية طيارين من الدفعة 19 ، وانضممت للسرب 16 وكنا نقوم بطلعات تدريبية بشكل مكثف اكثر من ذي قبل بسبب طبيعة الحرب ، فكانت الطلعات اكثر واخطر من الكلية ومن وحدة تدريب المقاتلات بكثير حتي ظننت اني سأموت من اليوم الاول للطلعات ، واستقبلنا الطيارون القدماء في السرب بروح ترحاب ولكن بتحدي كبير في نفس الوقت ، وعند اول دخول لي في القاعدة وجدت النقيب طيار احمد شفيق ومعه اربعة من الطيارين الجدد وشاهدت المناورات الحادة جدا وكيف انهم كانوا يستخدمون الطائرات على الحد الاقصي ، وكنا ننافس بعضنا البعض في الطلعات ، وكان تدريبا شاقا لاقصي حد لدرجة انه حدثت بعض الخسائر البشرية في التدريبات ، وبالفعل استشهد بعض الطيارين في تلك الفترة ، اذكر منهم نهاد فخري ، حسام شحاتة ، شيحة ...

 وبعد واقعة استشهاد بعض طيارينا في التدريب تذكرت جيدا اني كنت قرأت كتاب اسمه حصون اسرائيل ، وكان عن اثنين صحفيين فرنسيين ذهبوا وسجلوا مع كل قادة الكتائب والأسراب في الجيش الاسرائيلي ، ويذكرون ان هناك كانت لديهم خسائر في الطيارين بلغت 11 طيار اسرائيلي بسبب الطيران المنخفض بين عامي 56 و 67 ، وظهرت نتيجة تلك الخسائر في ارتفاع مستوي طياري العدو ، وتذكرت ذلك الكتاب وانا اتابع خسائرنا في الطيارين جراء التدريبات القاسية ، وعرفت اننا نمضي علي الطريق السليم ، اذكر اني طرت مرة مع النقيب الطيار سمير عزيز ، وفي اول الطلعة هزمني في المناورات ، وقال لي " يابني لو عايز تعيش لازم تظل ورائي ولا تتركني " ، فتدريب الاسراب هو استعداد لمواجهة طيار اسرائيلي وليس مجرد تدريب في مدرسة القتال ، وتعلما كيف نحمي انفسنا وكيف نشتبك مع طائرة وكيف نناور ، فكان الامر مختلفا تماما في السرب .

كانت تلك الفترة في عام 68 ، اي بعد الهزيمة بعام واحد ، فكنا مازلنا تحت تأثيرها ، وكنا عاقدين العزم علي الاستعداد بكل قوة ليوم الثأر ، فلم يكن لدينا هم ولا هدف سوي الطيران ثم الطيران ، كي نلحق بمستوي طياري العدو ، وكان الطيارين القدامي وقادة الاسراب حريصين علي ذلك ولكن في نفس الوقت كانوا يخافون علي الطيارين الجدد ، اذكر النقيب طيار احمد شفيق ( وزير الطيران المدني فيما بعد ) كان حريصا وشرسا في نفس الوقت اثناء طيرانه ، وكان الكل يريد ان يطير معه ، بسبب خبرته الكبيرة بالطيران القتالى  ، اذكر واقعة طريفة حدثت لي انا والطيار احمد قدري كنا في مهمة اعتراض لطائرات علي ارتفاع منخفض فوق طريق مصر اسكندرية الصحراوي ، وكان يمثل طائرة الهدف النقيب الطيار سمير عبد الله ، وطاردت الطائرة الهدف وبدأت استغرب من استمرار هبوط الطائرة ، وفجآة تنبهت اني اطارد سيارة علي طريق مصر اسكندرية الصحراوي ووجدت قائد السيارة وهو يضئ لي الانوار مخافة ان اصدمه !!  كانت المدرسة الروسية تقليدية في التدريس ، وكانوا يحذروننا من ان تقل السرعة عن رقم معين ،  وان نطير طيران تقليدي جدا ، ولكن كنا ننظر للعدو ونراه يفعل بطائراته امورا غير تقليدية علي الاطلاق .

وتم بعد فترة حدوث بعض التغييرات في تشكيلات اللواء 238 ، فتم تشكيل سرب جديد في الغردقة من بعض طياري السرب 16 و 14 ، وذهبت انا واثنين من الطيارين زملائي وانتقلنا للسرب الجوي  14 في شبراخيت بقيادة الرائد طيار طلعت ابو العزم  لنحل محل الذين ذهبوا للسرب الجديد ، وكانت طائرات السرب من نوعية ميج 21 FL ، وبدأنا نأخذ في السرب 14 مهام طيران طوارئ خدمة ليلية في ليل الدلتا البارد في مطار شبراخيت ، وبدأنا الطيران النهاري والليلي كذلك ، وبدأت التدريبات مع السرب 14 ووجدتهم اكثر شراسة كطيارى السرب 16 ، وتعلمت منهم الكثير ، واذكر اول مهمة ليلية طوارئ اخذها ، كانت الوردية من 3 الي 6 فجرا ، وكان الجو باردا جدا وكانوا يمنعوننا من اغلاق الكابينة علينا ونحن في الطائرة كي لا ننام اثناء الخدمة من البرد الشديد .

وحدث اثناء وجودي في خدمة الطوارئ ليلا ان قام العدو بالهجوم علي منطقة الزيتية فجرا ، وعلي الفور اخذت الاوامر بالاقلاع السريع Scramble لاعتراض الطائرات المغيرة ، اقلعت بسرعة واخذت اتجاه السويس ، ووجدت موقع الزيتية قد تمت الاغارة عليه بالفعل ومنفجرا والدخان يتصاعد منه ، وكانت هناك طائرتي ميراج علي بعد 64 كم مني ، فطلبت التعزيز بطائرة اخري كي تتساوي الكفة ولكن عند وصولي للموقع كانت قد فرت طائرتي العدو ولم يحدث اشتباك في تلك الواقعة .

بدأنا بعد ذلك التدريب علي الاقلاع باستخدام الرادار ، وكنت اشكوا دائما من ذلك الطراز من الميج 21 حيث لم يكن بها مدفع ، ولم تكن الصواريخ K-13 ذات اعتمادية عالية ، فكانت متطلبات اطلاق ذلك الصاروخ محدوده للغاية ، حيث كانت المناورة يجب الا تزيد عن 2G ، ويجب ان يكون الصوت كبيرا من باحث الصاروخ ، ويجب ان يكون المدي الاقل للهدف 1 كم  ، فكان صاروخا ضعيفا في اداءه .

الطائرة الجديدة

وجائت اخبار عن طراز جديد من الميج 21 وهو الطراز " M " المزودة بمدفع رشاش به 200 طلقة بجهاز تنشين وصاروخين وثلاثة خزانات وقود ، اختاروني انا وبعض الطيارين من السرب ، بالاضافة الي النقيب طيار امير رياض من قاعدة الغردقة  وكذلك الرائد طيار فوزي سلامة ، وكان يطير علي الطراز F-13 وكان مدفعها به 60 طلقة فقط ، حيث كان دخل اشتباكات عديدة مع مدحت زكي وفريد حرفوش ضد طائرات العدو ، وكان يشكو دائما من قلة ذخيرة مدفع بالطائرة .

وبدأنا الطيران علي الطراز الجديد “ M “ واخذنا فرقة قتال علي الطائرة الجديدة في مطار غرب القاهرة ، ولم تكن الطائرات قد اخذت التمويه الخاص بالطائرات المصرية ، فكانت تأتي مفككة وتركب ونطير بها مباشرة ، وفي اول طلعة بالطائرة الجديدة ، وانا بعمل مناورة  سمعت صوت فرقعة  ، فظننت انه يوجد انفجار بالطائرة ، واذا ببدلة الضغط تنفجر ، حيث انه تم ضبطها علي الحد الاقصي ، ومع قوة المناورة انفجرت البدلة ولكني لم اصب بأذي ، وقد حدثت نفس الواقعة مع قائد اللواء ولكني نبهته الي انها بدلة الضغط ، في ثاني طلعة طلب مني قائد اللواء ان نطير سويا كي نجرب الطائرة الجديدة وهي محملة بالثلاثة خزانات كي نري قدرة احتمال الطائرة ولكن وجدنا انها بالثلاثة خزانات قد قلت سرعتها بشكل كبير ، علي عكس الطرازات الاقدم الاخف وزنا والاقل تقدما مثل الـ F-13 .               


 

الترقية والاشتباك الاول

وفي يوم 2 يوليو 69 ، كنت قد ترقيت الي رتبة ملازم اول ، كنا في خدمة الطوارئ في مطار غرب القاهرة ، وتمت ترقية دفعتي ( الدفعة 19 ) ، بينما هم في شبراخيت وانا في مطار غرب ، ووجدت احد الافراد يجري نحوي ومعه رتب ملازم اول في يديه ويقول لي " يافندم حضرتك اترقيت لرتبة ملازم اول " ، وبينما هو يركب لي الرتب علي اكتافي سمعنا نداء طلعة الطوارئ Scramble ، طلعنا وكنا اربعة طيارين ( انا و فكري فوزي ، تميم فهمي ، نبيل فؤاد ) ، ويذكر ان كان اثنين من زملائنا ( تميم فهمي ونبيل فؤاد ) كانوا قد اسقطوا طائرة للعدو قبل يومين فقط .

ناحية هضبة الجلالة بطائرات الـ FL ، وكانت طائرات العدو قد اسقطت بعض طائراتنا وكنا في طريقنا لاعتراض طائراتهم ، وطلب منا ان ننضم مع بعض طائراتنا التي ستجئ من مطار انشاص ونقوم سويا باعتراض العدو ، وبينما كنا في الطريق وجدنا طائرة علي اليمين ، فابلغت عنها الموجه الارضي الذي كان جديدا وبدون خبرة علي الاطلاق ، فقال لنا ان تلك الطائرة هي من طائراتنا القادمة من انشاص ! ! ! ، وكانت الطائرة تناور بشكل غريب وتحاول ان تركب ذيلنا ، فابلغت عن الطائرة مرة اخري وتم التأكيد ان تلك الطائرة من طائراتنا ، الي ان اقتربت الطائرة وتمكنت من رؤية الاجنحة الدلتا ولكن لم يكن للطائرة ذيل مثل الميج 21 ، وعرفت انها طائرة ميراج للعدو ، وابلغت الموجه انها بدون ذيل ، ثم وجدت الطائرة تطلق صاروخا ناحية زميلي تميم فهمي وابلغت الموجه بذلك ثم انقضضت علي الطيار مشتبكا معه ، واثناء مناورتي وجدت زميلي تميم فهمي يقول لي انه قد اصيب وسيقفز ، ودخلت في مناورة مع الطائرة ثم وجدت ان الوقود بدأ في النفاذ فبدأت اتملص من المناورة وخرجت منها باتجاه مطار غرب القاهرة وهبطت هناك .

وبعد ما هبطت استقبلني احد الطيارين واخبرني ان زملائي الثلاثة قد قفزوا من طائراتهم ، وقد عثروا علي احدهم بطائرة هيلوكبتر ، بينما قفز الاخر وهبط علي قمة جبل وظل هناك ثلاثة ايام حتي عثروا عليه ، وقال لي هدئ اعصابك ومعك ورقة وقلم فاكتب بكل تركيز ماحدث  بالتفصيل ، وكتبت كل ماحدث ، وبالطبع جاء احد الضباط الكبار من القيادة وتم عمل مجلس تحقيق معنا للاطلاع علي تفاصيل الاشتباك وكيفية خسارة كل تلك الطائرات ، وكان خطأ الموجه فادحا بالطبع ، ولكن كنا نتعلم في ظروف قتال صعبة ، وذهبت بعدها لزيارة زملائي في المستشفي ووجدتهم في قمة الغيظ والغضب من الموجه الغير كفئ الذي كان يخبرنا ان تلك الطائرة هي صديقة ووجهنا بطريقة خاطئة تماما ادت لسقوط الطائرات .

وكان الطيارين الروس الموجودين في مصر وقتها يسخرون مننا ويقللون من مستوانا بسبب تلك الواقعة ، ويقولون كيف طائرة واحدة اسرائيلية تسقط ثلاثة طائرات مصرية ؟ ولكن بعدها قد حدث كمين اسرائيلي شهير للطيارين الروس وقد اسقطوا لهم عدد كبير من طائراتهم في كمين اسرائيلي واحد ، ولم يتكلم الطيارين الروس باستعلاء بعد تلك الواقعة ابدا وعرفوا مستواهم ومستوي العدو جيدا .

وبعد تلك الواقعة المحزنة بدأنا بالطيران علي الطائرة الميج 21 M ، وكنا في في خدمة طوارئ بعد وقت المغرب ووجدنا نداء الاقلاع ، وكنا اربعة ( امير رياض ، وفائي ، بشر وانا  ) طلعنا مظلة جوية ناحية المنزلة ، وفوقها قالوا لنا اهبطوا في مطار المنصورة ، وكنا في مهمة دعم للسرب ، وهبطنا في المنصورة  وكنت ببدلة الطيران فقط وظللت هناك لمدة ثلاثة اسابيع حتي جائتني ملابسي ، ومنذ ذلك الحين لم اري مطار غرب القاهرة اطلاقا وظللت في قاعدة المنصورة الجوية حتي نهاية حرب الاستنزاف .

نزلنا في المنصورة وكان كبيرا ونشيطا للغاية بسبب انه مطار جبهة بالطبع ، ووجدت السرب 44 ، والسرب 42 بقيادة الرئد الطيار عصام صادق ، وكان ضمن اللواء 104 المشكل حديثا ، وكان هناك السرب 62(ميج 17 ) بقيادة الرائد طيار سمير فريد  ، وكان قائد اللواء104 المقدم طيار علي زين العابدين ، والرائد محمد عبد المنعم عطية رئيس الاركان ، وعلي الرغم من الاختلاف بين الاسراب الا اننا كنا نطير سويا واحيانا كانت تختفي الفروقات بين الاسراب ، وكانت اشتباكات كثيرة ومتواصلة وكان مستوانا وخبرتنا تزداد باستمرار .

أشتباكات حرب الاستنزاف  :

وفي يوم من ايام حرب الاستنزاف بدأ العدو قصف الجبهة  بطائرات السكاي هوك ، فقرر النقيب طيار احمد شفيق والعميد الطيار صلاح المناوي والطيار علي زين ، اننا نقوم بعملية صيد حر free hunt لتلك الطائرات وعدم تركها ، وكانت الخطة ان تقوم طائرتان  بالطيران المنخفض جدا والاعتماد علي التوجيه الملاحى للموجه الارضي (محمد الطباخ) حتي نصل الي منطقة قصف تلك الطائرات ، وفور الوصول تقوم الطائرات بالارتفاع عاليا مفاجئا طائرات العدو ، حيث ان طائرات السكاي هوك هي مقاتلات قاذفه تستخدم في القصف ، فقام اثنين من طيارينا ( احمد شفيق ومصطفي جامع ) ، بالقيام بطلعة صيد لتلك الطائرات وقاموا باسقاط طائرتي سكاي هوك وعادوا للقاعدة بنجاح ، وكانت طلعة ناجحة ونال التخطيط اعجاب الجميع ، وطلب تكرار تلك الطلعة مرة ثانية ، رغم المخاوف بسبب توقع العدو .

وكانت هناك طلعات تدريبية في داخل سيناء ، فكان الطيار امير رياض يأخذني كي يعلمنى الطيران فوق سيناء ، فحدث مرة في طلعة طيران ان كنا علي ارتفاع منخفض ، وفجاء وجدت مثل ترعة صغيرة تمر بسرعة تحتي ، وظللنا نطير في الصحراء لفترة وسألته اين نحن ؟ فرد علي فقال نحن فوق مطار المليز في سيناء ، وفي العودة وجدت ترعة وبها سفن غارقة ولم انتبه الي انها القناة ،  فتدربنا علي الطيران كثيرا داخل سيناء كي نكسر حاجز الخوف للطيارين .

تم اتخاذ القرار بتكرار الطلعة التي تم اسقاط طائرتي سكاي هوك اسرائيلية وطرنا تلك المرة انا والرئد طيارعادل نصر قائد ثان اللواء 104  ، وتم الطيران بنفس التخطيط ، اخذنا ارتفاعا منخفضا جدا حتي الوصول لطائرات العدو وهناك نرتفع عاليا ونفاجئ الطائرات المغيرة ، ووجدت عادل نصر يقول في اللاسلكي ، " Tally-Ho " وهي الاشارة الخاصة برصد طائرة معادية ، وقام بعمل مناورة واصبح وراء طائرة سكاي هوك من الطائرتين ، ولكن فجأة وجدت طائرة ميراج اسرائيلية ترتفع من الاسفل منقضة عليه ومطلقة صاروخ عليه ! ، فقد كان العدو  اتخذ قرارا بحماية طائراته السكاي هوك بطائرات ميراج تطير علي ارتفاع منخفض كحماية لتفاجئ الطائرات المعترضة لطائراته كما كانت المخاوف ، وصرخت في اللاسلكي " شــد يافندم " ، رد علي وقال لي " مانا شادد " ولم ينتبه الي ان خلفه طائرة تنقض عليه من الخلف في تلك اللحظة ، ولكن كررت كلامي ونبهته بكلام صريح ان هناك خلفك طائرة ، وبالفعل قام بعمل مناورة حادة وبالكاد هرب من طائرة الحماية وصاروخها ، ودخلت في الاشتباك في وجه الميراج كي اصرفه عن مطاردته ، واخذنا نلف ونأتي في مواجهة بعضنا البعض " مقصات " جوية ، وبعد فترة بسيطة وجدت الطائرة الميراج تهرب وتعود ادراجها للشرق ، وكذلك قمنا انا وهو بالعودة للمطار  ، وفي طريق العودة قبل المطار وجدت صوتا عاليا بالطائرة ، ولم افهم ماكان ذلك الصوت هل كان عطل فني ام ماذا ، ولكن وجدت الطائرة تبطئ وتقل قوتها بشكل سريع ، واخذت الاذن بالهبوط اولا قبل زميلي ، وعند الاقتراب النهائي اخبرني المراقب ان طائرتي قد اصيبت ! وان الطيار الاسرائيلي قد تتبعني كل تلك الفترة واصابني عند اقتراب هبوطنا ، واخبرني ان اقفز لو اقتضت الحاجة ولكن الطائرة كان يمكن التحكم بها بعض الشيئ ، وبالفعل هبطت بالطائرة وهي مصابة وكان هبوطا عنيفا جدا مزق العجلة الامامية وتوقفت الطائرة بعد الممر قبل سور المطار ببضعة امتار وفوران هبطت ، وعلي الارض وجدنا ان الطائرة بها فتحة كبيرة في الذيل ، وتم اصلاح تلك الطائرة وتركيب ذيل جديد لها ، ولكن لم يتم دهان الذيل الجديد بتمويه الطائرات فلم يكن ممكنا الطيران بها في اشتباكات جوية بسبب وضوحها من بعيد ، وتم وضع تلك الطائرة بعد ذلك في بانوراما حرب اكتوبر وهي من طراز M  وتحمل رقم مسلسل  FL8040   ، وقد تم منحي نوط الشجاعة بسبب هبوطي بالطائرة رغم اصابتها .


 

اســقاط الفانتوم

وبعد اصابتي بفترة ، قمنا بطلعة مع النقيب الطيار سمير عزيز قائد التشكيل ، وطلعنا اربعة طائرات ميج 21 من قاعدة المنصورة ، سمير عزيز ، رضا اسكندر ، ووصفي بشارة ،  مجد الدين رفعت ، كنت انا رقم 4 ضمن التشكيل ، وكانت مهمتنا هي عمل مظلة جوية ، واثناء الطيران اخبرنا الموجه الارضي بان هناك طائرتين فانتوم علي بعد 80 كم وقادمون باتجاه" 270 " درجة ناحيتنا غربا ، وان علينا الابتعاد عنها .... ورد عليه قائد التشكيل سمير عزيز بقوله ، تمام ونحن اتجاهنا الان " 090 " ، فكان سمير عزيز شجاعا ومقداما ولا يهاب الفانتوم وكان قد اسقط طائرة للعدو في اشتباك سابق وكان متلهفا علي اسقاط طائرة اضافية في ذلك الاشتباك ، وبدأ الموجه في اخبارنا ببعد طائرات الفانتوم عنا ونحن نترقب بشدة المواجهة وخصوصا ان طائرة الفانتوم كانت مسلحة بصواريخ AIM-7 sparrow بعيدة المدي وكلنت متقدمة للغاية في ذلك الوقت باجيال عن صواريخنا وقد اسقطت طائرتين فانتوم اربعة طائرات ميج 21 مصرية بذلك الصاروخ ، وجاء صوت الموجه الارضي : 80 كم .... 60 كم .... 40 كم ....20 كم ونحن مصرين علي الثأر لزملائنا ،  حتي رأتنا طائرتي الفانتوم ، وعندما شاهدا اربعة طائرات ميج 21 تطير بسرعة في مواجهتهما ، تراجعا وادركا ان العدد ليس في صالحهما ، واصابهما الخوف وقاما بعمل مناورة 180 درجة للخلف ناحية الشرق مرة اخري ، وبعد الالتفاف جائت فانتوم امام طائرة وصفي بشارة  " في وضعية الساعة 6 " وكنت انا بجانبه ، وانقضضنا نحن الاثنين بسرعة غريزية علي الفانتوم الهاربة ، واطلق وصفي عليها صاروخه الاول وهو فرحا وقال في اللاسلكي " واديني بضرب عليها الاول  " ، فلم يصبها الصاروخ ، وقمت بعمل مناورة حادة واصبحت معه خلف الفانتوم في وضعية اطلاق عليها ، واطلق وصفي عليها الصاروخ الثاني وهو يصف الاطلاق علي اللاسلكي كذلك ، وانفجر الصاروخ في الفانتوم ووجدناها تنفث الدخان ولكنها تابعت الطيران !! ، فعاجلتها بصاروخ من طائرتي  وسقطت طائرة الفانتوم لاسفل والدخان الكثيف ينبعث منها ، واصطدمت بالارض وانفجرت بعد قفز الطيار من الطائرة !!

ونزلنا فرحين للغاية وهنأنا بعضنا البعض وفرح كذلك كل من في القاعدة بتلك النتيجة ، وكانت هناك مكافأه وقتها في القوات الجوية انه يتم اعطاء 500 جنيها لكل طيار اسقط طائرة معادية ، وجاء الينا اللوء الطيار حسني مبارك رئيس الاركان وجلس يستمع باهتمام الي تفاصيل الاشتباك الذي قمنا به ، وطلبنا منه الـ 500 جنيها ولكنه قال لنا هو انتم طالعين تدافعوا عن بلدكم ولا علشان تاخدوا فلوس ؟؟ فلم يكن متأكدا من صحة الرواية بعد ، حتي عثر علي حطام الفانتوم علي الارض ، وبعد ذلك ارسل لنا كي نذهب إلى رئاسة القوات الجوية ، واعطانا الـ 500 جنيها ، وكانت من نصيب وصفي بشارة وكعادة التشكيل الذي اسقط الطائرة تم تقسيم جزء من المبلغ علي الفنيين واعطاني نصيبا منها بسبب مشاركتي في اسقاط الطائرة .

اثنين ضد ثمانية 

اشتباك اخر لا انساه ابدا ، كنا في القاعدة  ، وتم طلب اقلاع فوري Scramble بسبب رصد ثمانية طائرات ميراج معادية تغير علي احد الاهداف في منطقة التل الكبير ، طلعنا طائرتين ، وبعدهما طائرتين ، وكان اول اثنين انا وعصام صادق ، طرنا بسرعة  ووجدنا ثمانية طائرات ميراج تطير علي ارتفاع منخفض امامنا ، واصابني بعض الخوف ، وقلت في نفسي نحن اثنين فقط ، ماذا سنفعل امام هؤلاء الثمانية ؟ لكن التوكل علي الله كان اكبر من الخوف ، ودخلنا في مواجهة الثمانية ، وركزنا علي طائرة واحدة فقط منهم ، وفجأة وبعض اطلاق الصاروخ سمعت صوت انفجار شديد في طائرتي ، وظننت انه صاروخ معادي ولكنه كان مدخل الهواء الخاص بالمحرك Engine Intake ، قد اقترب بشدة من الهواء المنبعث من الميراج فدخل في فتحة المحرك لطائرتي واصاب المحرك خلل ولكنا عدنا بسلام بعد الاشتباك مع الثمانية طائرات .

عصيان الاوامر

ليست كل الطلعات للطائرة الميج 21 كانت اعتراضية ، ولكن كانت هناك طلعات Escort حماية لطائرات الميج 17 ، وكان موقع هوك بالوظة الهدف المعتاد للقصف الجوي المصري ، وكنا طائرتين ميج 21 ( بشر وانا ) قد اخذنا التعلميات بالقيام بمهمة حماية جوية لطائرتين ميج 17  بقيادة ( سمير فريد – مجدي كامل )  فهي مقاتلات قاذفة متخصصة في مهام القصف الارضي ، وبالفعل طرنا وقمنا بلقاء الطائرات ، فكنا نطير خلف الميج 17 وعلي ارتفاع كبير ، لاعتراض اية طائرات قد تتعرض لهم اثناء القصف، وعندما وصلنا لموقع هوك بالوظة رأينا من اعلي طائراتنا وهي تقوم بالقصف عل الموقع ، حيث كانوا يطيرون علي ارتفاع منخفض كي يكونوا اسفل مدي الرادار المعادي ، ويستهدفون اولا الرادار الرئيسي بالقنابل ، ثم يقومون بعمل غطسات " Dive " علي الموقع عدة مرات مستخدمين صواريخ عيار 80 ملم ، احيانا بمدفع الطائرة عيار 37 ملم ، وكانت مهمة قصف ناجحة ، ولكن اصيبت طائرة قائد التشكيل الطيار سمير فريد بنيران الدفاع الارضي ، ورأيناها وهي ينبعث منها الدخان ولكنها كانت قادرة علي الطيران ، ولكن ببطئ شديد ، وامرنا قائد التشكيل بصوته الجهوري ان يغادر زميله في التشكيل مجدي كامل ويتركه ولكنه ابي ان يتركه ولكنه رفض ، وقال له بصوته الجهوري ( بتعصي الاوامر هاحاكمك ) ولكنه رفض مغادرة التشكيل ، وكذلك امر طائرات الحماية – ( انا وبشر ) –  ان نتركه ونعود ولكننا رفضنا واكدنا له اننا سنستمر في حمايته لانه بسبب اصابته سيكون صيدا سهلا لاية طائرة اعتراضية تطارده ، وظللنا ورائه نحميه حتي هبط في قاعدة المنصورة ، وبعد الهبوط انبنا علي عدم امتثالنا لامره ولكن طلعتوا رجاله !!


 

الطائرة الغربية

ظللنا كذلك في اشتباكات مستمرة مع العدو حتي جاء وقف اطلاق النار بعد مبادرة روجرز ، وبدأنا في الانتظام في تشكيل الاسراب وبدأ يتم تنظيم القوات بشكل اكثر بسبب هدوء المعارك ، وبدأنا في اجراء بعض الامتحانات النظرية وقسمنا الي طياري فئة اولي وفئة ثانية ، وكنت من الفئة الاولي ، ووقتها توفي الرئيس جمال عبد الناصر وكانت صدمة كبيرة للطيارين وبكي الكثيرين لوفاته ، واتذكر ايام تعيين السادات رئيسا مكان جمال عبد الناصر ، وبعدها وفي يوم من الايام كنت عائدا من الاجازة لقاعدة المنصورة ، ووجدت اثنين من الضباط يقولوا لي انت مطلوب في الرئاسة ، ظننت اني ساخذ جزاء او شيئ من ذلك القبيل بسبب تعاملنا العنيف مع الطائرات ، ولكن قيل لي انه تم اختيارك لكي تكون ضمن البعثة التي سوف تسافر الي ليبيا كي تطير علي الطائرة الميراج 5 التي سوف تشتربها ليبيا من فرنسا ، وستطير علي انك طيار ليبي بسبب قلة عدد الطيارين في ليبيا ، وكنت اول مرة اسمع ان هناك طائرات ميراج ستأتي لليبيا ، وبعدها بعدة ايام سافرت ومعي بعض الفنيين الي ليبيا ، لم يستقبلنا احد فكنا هناك بصفة سرية ، وذهبنا بعد ذلك لقاعدة "هويلس" الامريكية سابقا في ليبيا ، وسميت بقاعدة "عقبة بن نافع" ، ووجدت هناك بعض الطيارين المصريين كان قد انقطعت اخبارهم عني ، وبعد وصولي الي هناك ظللنا لمدة 9 اشهر مقيمين بدون ان نطير او نفعل اي شيئ ، منتظرين قدوم الطائرات إلى ليبيا ، وكان قد سافر بعض الطيارين المصريين لفرنسا للتدريب هناك ولكن كان السفر يتم بالاقدمية ، ولم اسافر وظللت منتظرا دوري ، وفي تلك الفترة كي احافظ علي حساسية الطيران لدي كنت اقوم بطلعات علي طائرة امريكية T-Bird ، وطار البعض علي الـ F5 ، ظللنا كذلك حتي سبتمبر 71 ، وبسبب الانتظار طلبت اجازة ، وبالفعل تمت الموافقة علي اعطائي اجازة ، ونزلت لمصر وخطبت وتزوجت زوجتي الحالية ، وقدمت بها الي ليبيا واقمنا في قاعدة عقبة بن نافع "هويلس سابقا " .

وكان يتم تدريبنا بواسطة طيارين فرنسيين ، وباكستانيين ، وبعض المصريين الذين قد حصلوا علي فرقة القتال بطائرة الميراج في فرنسا ، اول ما وصلت الطائرات ، اعطونا كتب الطائرات ، واخبرونا ان نستذكر الكتب بمفردنا ، دون اي محاضرات ودون اي شيئ ، واعطونا امتحانا يتكون من 200 سؤال عن الطائرة وقالوا لنا ان نجيب الامتحان ونحله في اي مكان ، واستغربت من ذلك وقلت لهم ان بالامكان ان نفتح كتاب الطائرة وننقل الاجابات ، اخبرونا ان لنا مطلق الحرية في ذلك ولكن يجب حفظ الكتاب جيدا لان الطيران بالميراج سيعتمد علي المعلومات المذكورة في الكتاب ، وانه في حالة عدم الاستذكار جيدا فسيكون ذلك مؤثرا بشكل كبير علي حياة الطيار ، وبالفعل استذكرت الكتاب جيدا ونجحت في الامتحان ، وبدأنا نطير مع الطيارين الباكستانيين والفرنسيين ، وبدأنا نتعلم تشكيلات الطيران الغربية ، وكيفية الطيران علي سرعة منخفضة ، وكيفية الطيران علي المدرسة الغربية ، وكانت خبرة ممتازة للغاية ، وتعلمت كثيرا جدا منهم ،  وظللت اطير من سبتمبر 71 حتي ابريل 73 وطرت فيها  450 ساعة طيران .

وكنا نتدرب كذلك في ميدان رماية امريكي سابق ، كنا نحمل طائرات الميراج علي اخرها بخزانات وقود وقنابل جو ارض وصواريخ جو ارض وكنا نقوم بتجربة كل الاسلحة جو ارض الخاصة بالميراج في ذلك الميدان ونعود الي القاعدة ومازال معنا وقود ، فكانت الطائرة تحمل 2 خزان وقود كبيرة تكفي ساعتين علي الاقل كنا نعود بعد الطلعة نرتاح قليلا ثم نعاود الاقلاع ، وكنا نقوم بثلاثة او اربعة طلعات في اليوم .

وكان الطيارين الباكستانيين في الغالب يعلمون اننا مصريين ، بينما كان يشك الفرنسيين كثيرا في كوننا ليبيين ، كان يقول لي دائما المدرب الفرنسي وكان يسمي نيوكس شاتو ، عندما نطير في الاعلي ، انت مصري دون شك ، وفور ما نهبط اعلم انك تحولت الي شخص ليبي ، ادرك هذا تماما ، وكان الطيارين الفرنسيين يعلمون تمام العلم باننا مصريين بسبب خبرتنا القتالية في الجو عن الطيارين في ليبيا  ، وكانت تجربة طيران الميراج 5 افادتني كثيرا في الخبرات القتالية واضافت لي خبرات كثيرة حتي في طيران الميج 21 .

ورجعنا كلنا في ابريل 73 ، كل سرب الميراج قدم الي قاعدة طنطا ، السرب 69  ، وكانت معنا 24 طائرة ميراج 5 وطائرتي استطلاع ، وكان معنا في السرب كافة الرتب من نقباء ورواد وعقداء وعمداء وكلهم طيارين ذوي خبرات ومهارات عالية ، ومن ابريل حتي اكتوبر كنا نتمرن في طنطا بلا حدود ، تمرين شاق ومستمر ليلا نهارا بلا انقطاع ، حتي زادت مهاراتنا واتقنا الطيران علي الميراج ، وكان ذلك السرب يعتبر احتياطي قائد القوات الجوية بسبب امتيازة في المدي والحمولة الكبيرة ، وتدربنا في البداية علي خطط للطيران وقصف مطارات اسرائيل في العمق  حيث كان المسار ان نطير من طنطا حتي راس البر ، ثم الي نقطة في البحر ثم الي المطارات الثلاثة ، وبعد ذلك نهبط في مطارات سوريا ، وبعد ذلك تمرنا علي قصف مطار العريش ، وكنا نتمرن علي ذلك بقصف اهدافا في مرسي مطروح .

 الميراج 5 والميج 21 :

كانت تتميز طائرة الميراج بتقنيتها العالية مقارنة بالميج 21 ، فبها رادار متقدم ومدفع جيد ذو ذخيرة كبيرة ذوجهازجيد للتصويب ، وبها كمبيوتر متقدم وكذلك لها مدي اكبر بكثير من الميج 21 ومن الممكن ان تظل في الجو بالخزانات الاحتياطية الي قرابة الساعتين ، ولها كابينة طيران ذو مجال رؤية ممتاز للغاية ، حيث ان كرسي الطيار مرتفع عن بدن الطائرة فيمكن للطيار رؤية ما بجانبه او اسفله علي عكس الميج 21 ذو الكابينة المنخفضة الرؤية جدا ، والميراج لها حمولة من الاسلحة والقنابل اكبر بكثير من الميج 21 ، فيمكن القول ان الميراج تتفوق في كافة الاوجه علي الميج 21 من حيث التسليح والحمولة والمدي والتقنية ، الا ان الميج 21 اخف بطبيعة الحال ولها كابينة اوسع ، واعلي بقليل من الميراج من ناحية قابلية المناورة Maneuverability  .

حرب اكتوبر 73

بعد شهور من التدريب الطويل والشاق ، وبحلول اكتوبر 1973 كنا قد وصلنا الي اقصي درجات الاستعداد القتالي وأستعدادا للحرب اكثر من اي وقت مضي ، وكنا وصلنا الي حالة من حالات الثقة بقدراتنا مع معرفة قدرات العدو القتالية جيدا ، وكان معنا في السرب طيارين علي مستوي قتالي جيد ، ومعنا طائرة " غربية " قوية وهي الميراج ، وكانت تملأنا الحماسة لكي نقوم باي عملية سواء تدريب او عمليات حقيقة ضد العدو .

وفي يوم 4 اكتوبر ، تم تبليغنا باننا لدينا مناورة تدريبية لقصف مطار التحرير بالقنابل الثقيلة وقنابل الممرات زنة 250 كج و400 كج ذات المظلة المخصصة لضرب الممرات ، ولم اطر في تلك المناورة ولكني كنت ملاحظا ومسجلا لنتائج تلك المناورة في طائرة هيلوكبتر فوق المطار كي نعاين ونلاحظ نتائج القصف الجوي للمطار من الميراج وقنابلها الجديدة ، وعند القصف كانت النتائج فوق الممتازة ودمرت القنابل المطار بالكامل ، واذكر ان قنبلة من قنابل الممرات لم يفتح لها المظلة في الوقت المناسب وطارت ناحية طائرتنا الهيلوكبتر وانفجرت بالقرب منا !! ولكن كانت نتائج القصف ممتازة وقالوا لنا ان هناك مناورة اخري يوم  السبت 6 اكتوبر ولكن في قصف هدف قرب مرسي مطروح ، ووقع الاختيار علي ستة طيارين ، كنا تشكيل بقيادة المقدم طيار محمد عكاشة ، اربعة في الامام واثنين في الخلف انا رقم 6 مع العقيد طيار داوود مكارم

وفي يوم ، 6 اكتوبر في الصباح تم تلقيننا واعدادنا لطلعة القصف التدريبية في مطروح ، كنا قد اجرينا مثل تلك التدريبات من قبل ، واخذنا استعداداتنا كاملة لعملية التدريب ، وكان كل شيئ يسير بشكل عادي ، وبحلول الساعة الثانية عشرة جائني الرائد طيار احمد هاشم ومعه خريطة ، وعندما اراني اياها وجدتها خريطة لضرب مطار العريش !

وقال لي يا ابو المجد خلاص ، التدريبات انتهت ، وقت الجد قد حان ، معك خريطة ضرب مطار العريش ، قال لي مستعد ؟ فأجبت باننا لم نكن مستعدين كما هو الحال الان وكنت علي ثقة في خبرة طيارينا وجودة طائراتنا ، وتمم علي اعداداتي وسلاحي الشخصي وقال لي ان الطيران سيكون مع اطلاق خرطوشة حيث لن نستخدم الراديو ، وتوجهنا الي دشمنا والي طائراتنا المحملة بالقنابل الثقيلة وقنابل الممرات بانتظار الاشارة لكي نطير ونقصف مطار العريش .

ومرت الساعة الواحده ، الواحدة والنصف ، وتجاوزت الثانية  ، ووقتها كنا في الدشمة واتاني الفنيين وقالوا لي " الحق يافندم العدو ضرب الزعفرانة  !!  " ، وطبعا كانت تلك البيانات التمويهية الاولي للحرب ، وبعد ذلك بدأنا في سماع البيانات المتلاحقة بان قواتنا ردت علي العدوان للعدو وعبرت القناة .... وفتحت الراديو علي الترددات الاخري وسمعت زملائنا العديد من طياري الميج والسوخوي وهم يهبطون بعد الضربة الجوية الاولي الناجحة ، وكل ذلك ونحن في الدشمة نغلي من الغيظ منتظرين الخرطوشة كي نطير ونشارك في الضربة الجوية بطائراتنا الميراج الغربية الوحيدة في مصر كلها !!

وبعد فترة تم تبليغنا بالانصراف من الدشم ، وقيل لنا ان الغارة اؤجلت للمغرب ، وانتظرنا طويلا حتي المغرب ولكن لم يحدث شيئ ، وبحلول المغرب رجعنا لصالة الطعام " Mess Hall " كي نفطر حيث كنا في رمضان وصائمون ، عدنا ونحن غاضبون الي اقصي حد ، وطمأنونا ان هناك طلعة قادمة في الحرب !

ويوم 7 اكتوبر صباحا تم طيران سكشن ( طائرتين ) استطلاع ( شريف الشافعي – احمد رمزي ) ، وقاموا بتصوير المحور الشمالي ، وضربوا قنبلتين 250 كج علي بعض الاهداف المحددة وعادوا للقاعدة ، وفي نفس اليوم قامت طائرات العدو بشن هجوم جوي كبير علي المطار وقصفوا القاعدة واهم شيئ ممر الاقلاع واصابوه ولكن كان الضرر محدودا وتم اصلاحه فيما بعد ....

ومع قصف الطائرات الاسرائيلية للمطار قامت طائرات ميج 21 مصرية من قاعدة المنصورة كي تقوم بالاعتراض ، وبالفعل اشتبكت مع طائرات العدو واذكر ان اصطدمت بطائرة فانتوم بالارض وبها قنابلها الثقيلة بسبب كثافة نيران الدفاع الجوي ، مما تسبب في انفجارا ضخما بجوارنا ونثر الطين في كل مكان حولنا ، وقد اسقط الرائد الطيار رضا صقر طائرة ، وكذلك اسقط النقيب الطيار هاني عيسي طائرة للعدو ولكنه قفز من طائرته في اشتباك مع طائرة اخري ، وكنت وقتها مكلفها بمهام الامن ، واخذت سيارة جيب ومعي سلاح لاحضره ، وكان قد سقط فى منطقة شبرا النملة ، وكان الفلاحين للاسف الشديد كما هي العادة يضربون اي طيار يهبط من السماء سواء كان مصري او للعدو بدون اي تمييز او تفكير ، فخلعوا حذائه وعلقوه علي خشبة وبدأوا بالضرب الشديد في الطيار المصري الذي يدافع عنهم ، وساعد علي ذلك شكله حيث كان اشقرا له عينين زرقاوتين  ، فور ان لحقت به اطلقت انا والعساكر الذين كانوا برفقتي عدة اعيرة نارية في الهواء حتي تفرقوا من حوله ، وسمعت احد الفلاحين يقول بشراسة "" ياباشا هندبحه هندبحه "" ، بالكاد اخذناه منهم ، وفي طريق العودة وجدنا ان طيارا للعدو قد قفز كذلك ، فكرت ان اقوم باسرة ومعي جنود الشرطة العسكرية ، وعندما وصلت اليه ، ووجدت فلاحا وسألناه عن الطيار الذي قفز ، وقال  "" يافندم جبته من قفاه "" ، وعندما رأينا الطيار كان عبارة عن جثة ممزقة تماما ، الأسنان في ناحية والعينين في ناحية وياله من منظربشع ! وكان قد اطلق الطيار عليهم بعض الطلقات فور ان قفز فعاجلوه بالقتل ومزقوه تماما !

وبعد يوم 7 اكتوبر بدأنا نقوم بطلعات مختلفة ، حيث قامت اربعة طائرات من السرب بقصف اهدافا للعدو امام الجيش الثاني ، وطلع اخرين وقصفوا العدو امام الجيش الثالث ، طلعات متفرقة ولكن كان لها اثر واضح في معنويات جنودنا حيث تم ارسال جواب شكر من الجيش الثاني قامت اربعة طائرات محملة بالقنابل بضرب فرقة اسرائيلية كانت مشتبكة معهم ، وكانت القنابل ثقيلة وكانت تقلب دبابات العدو من قوتها ، فشكرونا لمساعدتنا لهم ، وكانت مهام القصف الارضي للعدو ناجحة بشكل كبير ، ولكن الخوف كان دائما مستمر من دفاعنا الجوي حيث لم تكن الوحدات معتادة علي رؤية طائرات ميراج مصرية ، ويوجد هناك احتمال وارد بان يقوموا بالضرب علينا ، فكان ذلك ما يؤرقنا دائما في العودة من الطلعات !!

وظللنا كذلك حتي يوم 16 اكتوبر وقدم الينا سرب طائرات ميج 21 من الاقصر ، وفي الصباح وجدنا هجوما اسرائيليا جويا كبيرا علي قاعدة طنطا الموجودين بها ، طائرات عديدة من طراز فانتوم وميراج قاموا بقصف المطار بـ 130 قنبلة ، وقام احد طيارينا ( شريف الشافعي ) بقيام بطلعة تصوير لمطار طنطا بعد قصفة ، وكانت الاضرار محدودة ولم يصب الممر ولا الطائرات ، وقام المهندسين الضباط بعمل بطولي في تجميع تلك القنابل وحصرها في حفرة بعيدة ، وكنا نسمع طوال الليل صوت القنابل الزمنية وهي تنفجر ، واستشهد العديد من المهندسين من تلك القنابل .

وجاء يوم 18 اكتوبر واخذنا الامر بالقيام بمهمة قصف مطار العريش بسبب الامدادات التي كانت تأتي اليه من الجسر الجوي الامريكي الكبير ، وبدأنا استعداداتنا للقيام بالطلعة المؤجلة من يوم 6 اكتوبر ، قمنا بالطيران وكانوا ستة طيارين في تلك الطلعة ( حيدر دبوس ، ومبارز ، احمد امين البسيوني ، رضا مشرف ، محب شهاب ومحمد فتحي فتح الله ) طلعوا قبل المغرب بقليل ، وعند الرجوح وجدنا ثلاثة طائرات فقط من ستة قد رجعوا (رضا مشرف  - محب – فتح الله ) ، وقد حدثت حادثة للطيار " محب " وهو عائد من تلك الطلعة ، حيث من شدة المناورات وقعت فيشة سماعة اللاسلكي الخاص به فلم يكن يسمع شيئا علي اللاسلكي ، ووجد فجأة طائرة ميراج تقترب منه وتضم عليه من الخلف ، وكان زميله الطيار فتح الله ، وكان معه في التشكيل وبالتالي كان يضم عليه ، ولكن فزع " محب " وظن انها طائرة اسرائيلية ، ومع ندائات زميله المتكررة ولكن لم يسمع منه شيئا بسبب السماعة  ، وظلا يناوران لفترة حتي انتبه لعلامات الطائرة وعادا كتشكيل من طائرتين ، عاد رضا مشعل ، الطيار الثالث متأخرا بسبب تشكيل من اربعة طائرات ميج 21 مصرية قام من المنصورة لاعتراضه ظنا ان الميراج اسرائيلية ، وكلما يسمع في الراديو الموجه وهو يوجههم عليه يقوم بالابتعاد ، وينتظر حتي يهبطوا ، وتكرر ذلك حتي نجح في العودة ليلا بأعجوبه بوقود شبه منتهي !!

 وكان العدو قد اقام مظلات دائمة حول مطار العريش واشتبكوا مع طيارينا شمال العريش ومنعوهم من الوصول للمطار ، واستشهد ثلاثة طيارين ،  فكان قرار قصف العريش متأخرا حيث تسبب الجسر الجوي الامريكي بتركيز اسرائيل الشديد علي ذلك المطار وحمايته جيدا بطائرات عديدة مما تسبب في الخسارة التي حدثت وكانت الاولي للسرب !

وبحلول يوم 22 اكتوبر ، بدأنا نسمع انه اقترب صدور قرار وقف اطلاق النار ، وكنا في الدشمة واخذنا امرا بالقيام بمهمة قصف لمطار فايد ، حيث كانت الثغرة قد اتسعت وتم احتلال المطار ! ، وتم تجهيز 4 طائرات ميراج  ( احمد هاشم – كمال عبد الرؤوف ، حسين عزت – وانا ) تلك المرة كل منها بعشرة قنابل نظرا لقرب المسافة وعدم الحاجة لوقود وكذلك لاحداث دمار شامل بالمطار حيث كانت هناك قوات برية اسرائيلية تختبئ في دشم المطار وكان من الضروري ضرب تلك القوات ، وجدير بالذكر ان الفرنسيين لم يجربوا ابدا تحميل طائرة الميراج بـ 10 قنابل ، ولكن كانت الضرورة تقضي ذلك ، ولكن كانت المشكلة ان تلك الحمولة لم تجرب من قبل حتي في فرنسا  ، وقمنا بتحميل الطائرات بالفعل واخذنا امر الاقلاع ووقفنا علي اول الممر تماما كي نأخذ كافة الطول في اكتساب سرعة لتلك القاذفة ، قمت بتشغيل الطائرة والانطلاق علي الممر ولكن كلما ادير العصا للخلف كي اصعد بها لا تستجيب من الثقل الشديد ، وفي اخر الممر تماما ارتفعت الطائرة وكانت ثقيلة للغاية في الجو ...

وطرنا اربعة اثنين في الامام ( احمد هاشم – وكمال عبد الرؤوف ) ، وكنت انا وحسين عزت في الخلف معنا قنابلنا ولكننا في الخلف في حالة وجود طائرات حماية للمطار فكنا مكلفين بالاشتباك وتأمين مقدمة التشكيل كي يقصف المطار ، ومن بعيد بينما نقترب من المطار وجدت طائرة " شحن " كبيرة قادمة من بعيد في طريق الهبوط النهائي للمطار ........ وبالطبع لم اصدق ما اشاهد وبطبيعتي كطيار مقاتلات اعتراضية في الاصل كنت اريد باي شكل رمي الحمولة واسقاط ذلك الهدف السهل الثمين ، فاسقاط طائرة شحن امر ليس بالسهل وفرصه لا تحن كثيرا ، ولكن خفت ان تكون طائرة مصرية ولكن استبعدت ذلك الامر ، وحل تلك المشكلة تشكيل ميراج للعدو من طائرتين يلتف وراء طياري المقدمة احمدهاشم وكمال عبد الرؤوف !!

قمت فورا بتحذير احمد هاشم من الطائرات وكانت في وضعية الساعة 4 له ، ولكن اجابني بـ " شش " فكان لا يريد التحدث في الراديو لانه قد يكون مخترقا ، وكان من طياري المقاتلات القاذفة فكان متعودا علي الصمت التام في الراديو ، استغربت ولكني اصررت علي مناداته في الراديو كي ينقذ نفسه ورد علي في الراديو بانه في الـ Release اي في المرحلة النهائية للقصف  وسيكمله ، اخذت الاذن برمي حمولتي والاشتباك مع الميراج ، رميت الحمولة وانطلقت الميراج للامام من السرعة ، وناورت خلف طائرتي ميراج العدو ، ورأيتهما بالحجم الطبيعي تقريبا ذهبت وراء الطائرة الاقرب ، وجهزت المدفع ، وكانت طلقات الميراج مضيئة كي تعلم اين اصابت طلقاتك ، واطلقت دفعة ولكنها اخطأت الهدف بسنتيمترات للخلف ، وناور طيار العدو للجانب بشدة ، وناورت ورائه مناورة تدعي High Speed YoYo ، وجئت في خلفه وكان وضعي جيدا للانقضاض ، ولكن فور ما بدأت الضرب سمعت صوت طلقات تصطدم بطائرتي من الخلف ، حيث كان هناك تشكيل اضافي من الميراج للعدو وقد ضرب علي طلقات مدفعه مستغلا تركيزي علي الطائرة الاولي ، وغضبت كثيرا لاني اعلم انه يجب قبل ان يضرب الطيار طائرة ان ينظر خلفه تأمينا لان تكون تلك الطائرة طعما واخرون في الخلف ، وكنت انبه زملائي لذلك ولكني قد نسيت تلك المرة ، وظللت اناور وحدي بين اربعة طائرات ميراج ، اثنين في الامام اطاردهما ، واثنين في الخلف يطاردونني ، وسمعت لثاني مرة طلقات تصيب طائرتي ...ولكن من طريقة طيران تلك الطائرات عرفت انهم ليسوا اسرائيليين ، ربما كانوا طيارين من دولة اخري ( جنوب افريقيا ربما ) او ربما كانوا طيارين جدد ، ولكن عندما خرجت من الاشتباك وجدت " حسين عزت " يبلغنى بان طائرتي تشتعل !

نظرت خلفي في المرأة ولكن وجدت لونا اسود فقط ، وبدأت لمبات تحذير الحريق تنير واحدة تلو الاخري ، ادركت اني مصاب ولكن الطائرة معي تطير جيدا ، اخبرته اني سأهبط في مطار ابو حماد ، وكنت لا انوي القفز ، اخذت ارتفاع منخفض وطرت باقصي سرعة لمطار ابو حماد ، ووجدت بجانبي حسين عزت ، واخبرني انه يري كابينة طائرتي ثم دخان اسود كثيف ورائها كصاروخ في الجو ، وظل يخبرني بان اقفز قبل ان تنفجر الطائرة ، وبالفعل بدأت اسمع اصواتا في الطائرة00  قفزت 00 ، شددت مقبض القفز وطارت الكابينة وبعدها بثانية طار الكرسي ، وكان وقتها كبيرا في الطيران ، كنت علي سرعة 660 عقدة ( 1200 كم ) ، وتعرضت لقوة مقدارها 18 G ، وطار القفاز والخوذة وظللت مختنقا في الهواء لفترة وظننت اني مت واسودت الرؤية بعض الشيئ ، ولكن عادت ووجدت نفسي ارتفعت لاعلي ، وسمعت صوت انفجار طائرتي ورايتها متحطمة ، وبدأت الارض تقترب رويدا رويدا ، ومع اقترابي وجدت مجموعة كبيرة من الفلاحين يجرون مسرعين في مكان هبوطي !!

هجوم الفلاحين

وعند الهبوط سمعت صوت طلقات تطلق علي من الارض من احد الفلاحين ، ووجدت ان الخوذة مازالت مربوطة بي بكابل ففككتها وسقطت الخوذة للارض ، وهي مكورة ظن الفلاحين انها قنبلة ارميها عليهم فهربوا مسرعين ، وهبطت اخيرا في حقل ارز علي رأسي وركبي ، وفور ان سقطت وجدت اربع فلاحين ينقضون علي ، ودفعتهم باعجوبه ، ووجدت احدهم يشير لي بمسدس صغير ويتحدث الي بالانجليزية ولم افهم منه شيئا ، وقلت لهم اني " مصري مصري مصري "، واخذوا سلاحي وكان معي مصحف وسلسلة دهب عليها اية الكرسي اشرت بها لهم ، واخذها مني فلاح وهرب مني للاسف وتركني بدون اي شيئ للبقية القادمة ، وجاء بقية الفلاحين وحاصروني ، وكان معهم فؤوس ومناجل ، " ياخوانا مصري مصري " والكل يزوم ووجدت احدهم يقول "" لما انت مصري ايه اللي جابك هنا "" بدأت التكرار ياجماعة انا مصري مصري ، ضربوني علي وجهي وجاء احدهم وضربني بالفأس ولكن اخطأني وجائت الضربة في حذائي وسقطت علي الارض وصرخ الفلاح يخشي علي فأسه ! ، امسكت بي فلاحة مصرية سمينة من الخلف وانا علي الارض وقالت "" حشه ابن الكلب ""  ، قلت انها النهاية وسوف اخذ ضربة قاضية ، واخذت اجري بسرعة علي يداي وقدماي وانا علي الارض ، وكانت هناك شنطة اعاشة صغيرة تكون مربوطة بي فشدني منها احد الفلاحين فانتفخت وهي مصممة لذلك ، فخاف منها الفلاحين وظنوا انها قنبلة ، وهربوا ، وقلت لهم يااخوان لا تهربوا انه قارب ، واخذت بهدوء افهمهم اني مصري وقلت لشخص بدا عليه الفهم قليلا اني لو كنت طيار للعدو قلت له سلمني ، وافق بصعوبة وسط مطالبات بقتلي ، اخني في غرفة خشبية  وحجزني فيها .

بعد ذلك سمعت طلقات في المكان ووجدت رقيبا في الجيش قادما ودخل وتعرف علي ، واخبرته ان سلامتي هي مسئوليته الان ويجب ان يبعد هؤلاء الفلاحين عني ، اعطاني بعض الماء ، ورأيت فلاحا طويلا جدا قادما من بعيد يشوح بفأس كبيرة للغاية ورأيته يهوي بها علي وجهي ، رجعت بسرعة للخلف ووجدت الدماء تملا وجهي ، اذ بالرقيب يضرب الفلاح المهاجم بدبشك بندقيته ، ومرة دقائق عصيبة وفجأة جاء عدة ضباط وجنود واخذوني علي سيارة جيب ونام فوقي عددا من العساكر كي يحموني وسط حشد كبير من الفلاحين محاصرين الغرفة مازالوا يريدون قتلي !

اخذوني لسرية تعيينات ناحية الجيش الثالث ، عالجني طبيب في السرية وكان فمي ينزف دما ، وشربت ماء بليمون ، ووجدت عدة ضباط يريدون كل منهم تسليمي ، وذهبت لوحدة مخابرات الزقازيق ، واحضروا لي ادواتي التي اخذها الفلاحين وعدت لمطار طنطا اخيرا ....!

رجعت للقاعدة ونمت واصابتني كوابيس طوال الليل ، وعدت في اليوم التالي لمنزل اسرتي واستعدت هيئتي وعدت للمستشفي ووجدت زميلي حسن عبد الباقي وسمير عزيز وتملأهم الكسور ، لم يكن بي كسور ولكن كان ظهري به فقرات مضغوطة بسبب قذف كرسي الطائرة وكانت هناك اثارا من هبوط الميج 21 العنيف ، مر علي اللواء الطيار حسني مبارك قائدالقوات الجويه في المستشفي واطمأن علينا وعدت للقاعدة بعد فترة ولكن كنت غير لائق لاكمال الطيران في الحرب .

 


 

 

 

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech