Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 * **** رحلة لمصنع الطائرات 18 مارس **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - يناير 2017 **** 12.5 مليون زيارة منذ 2013 - 23 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

اللواء معتز الشرقاوي - بطل الصاعقه

 

مقدمه من المجموعه 73 مؤرخين

بلا شك ان حوار المجموعه 73 مؤرخين مع اللواء معتز الشرقاوي احد ابطال الصاعقه في حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر ، كان مختلفا عن بقيه حوارتنا مع ضباط وجنود القوات المسلحه الذين نشرنا حوارتهم حتي الان .!!!!

فأغلب حوارتنا كانت مع طيارين او قاده قاتلوا العدو عن بعد او عن مسافه ، لكن مع اللواء معتز الشرقاوي كان الوضع مختلفا ، فمهمته ضمن وحدات الصاعقه او بالاخص ضمن الكتيبه 43 صاعقه كانت الاشتباك مع العدو وجها لوجه حيث تكون المسافه بينك وبين عدوك صفرا ، فتسمع اخر كلماته وتري بريق عينيه ينطفئ وهو يودع الدنيا بفعل طلقه او بفعل طعنه خنجر قاتله .

 

استمتعنا جدا بالحوار مع سياده اللواء معتز الشرقاوي ، وملئنا احساس كبير جدا بالفخر والسعاده ونحن نستمع الي كلماته التي تصف ما قام به .

لكني لا اخفي سرا عليكم بأننا احسسنا بالغيظ من سياده اللواء في بعض الاحيان لكنه غيظ تحول الي احترام بالغ .

 

فالرجل يرفض ان يسرد ما لم يراه بعينيه ، او ما لم يشارك فيه ، وكثيرا ما حاولنا ان نستدرجه الي سرد احداث كانت قريبه منه ، لكنه كان يرد علينا دائما بمقوله

 

(( أسألوا فلان فهو من شارك في تلك العمليه وهو من له حق سردها ، فهو الاجدر علي سرد ما قام به وبالتفاصيل الدقيقه ))

 

فزاد احترامنا له اكثر واكثر ، فالرجل كان موجودا في نكسه يونيو ، ومعركه رأس العش لكنه رفض سرد ما لم يراه ، قاتلا بذلك شعورنا بالفضول لمعرفه تفاصيل الاحداث .

 

لكن الحوار كله ومشواره العسكري في كفه ولقاءاته مع الرئيس عبد الناصر في كفه اخري ، فالرجل قابل الرئيس عبد الناصر ثلاث مرات ، مرتين في منزل الرئيس في مقابله رسميه ومرة في زياره وديه للرئيس في منزل اللواء معتز في بورسعيد وقت ان كان اللواء معتز طالب في الكليه الحربيه .

وهيهات تعبيرات اللواء معتز وهو يسرد لنا مشواره العسكري وبين حديثه عن الرئيس عبد الناصر ، فعينيه تبرق بلمعان غريب وتظهر البسمه علي وجهه وهو يسرد لنا اللقاءات وكيف انه جعل الرئيس يدمع عندما طلب منه صورة شخصيه معه مكافأه علي قتل الجنرال جافتيش .

فالرئيس دمع من هذا المطلب البسيط كمكافأه لقتل قائد المنطقه الجنوبيه العسكريه الاسرائيليه في حين ان الرئيس كان يعرض اي شئ علي الملازم أول  (وقتها ) معتز الشرقاوي ، وكان الرئيس يتخيل انه سيطلب شقه او سيارة الخ الخ ، وكان الرئيس يعرض اي شئ يريده معتز لتحقيقه له ، لكن معتز طلب صورة شخصيه فقط ، فهي عنده اغلي من اي طلب اخر .

 

ان الحوار مع اللواء معتز قد اضاف الكثير للمجموعه 73 مؤرخين من معرفتنا لبطولات رجال وحدات الصاعقه وكيف انهم واجهوا مصاعب عديده كانت بالنسبه لهم عاديه جدا ومتدربين عليها سواء في عمليات خلف خطوط العدو للتصنت او لقطع طرق الامداد او زرع الالغام او في عمليات الاغارة علي مواقع العدو.

 

ان هذا الحوار غني جدا بالعبر و القدوة التي يجب ان نتخدها في حياتنا مصباحا منيرا ، فالرجل مثله مثل الالاف من ضباط وجنود الجيش المصري قدموا ومازالوا يقدمون حياتهم علي طبق من ذهب لهذا الوطن غير مطالبين بثمن لتضحياتهم ، او بالمجد الاعلامي

 

لكن حقهم علينا كمصريين و عرب ان نعرف كيف حاربوا وقاتلوا ليجعلنوا نعيش اليوم في سلام القوه وامن الجيش المصري الذي قهر الجيش الاسرائيلي بكل معاني الكلمه .

 

ان من حقهم علينا ان ننشر دورهم في تلك الحروب وفي تلك الاشتباكات لكي نعرف ان الله يكون دائما مع المجتهد والصابر والمقاتل في سبيله .

 

في هذا الحوار ، سيجد القارئ عده مفاجأت لم يكن يعلمها عن حرب يونيو وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر ، وسيدهش القارئ من التدخل الالهي في عمل وحدات الصاعقه كما نقلها لنا سياده اللواء وأكدها المساعد حسني سلامه بطل عمليه رأس العش بلا منازع .

فمثلا ظهور سحابه سوداء في سماء الصيف في شهر يوليو امر نادر لكنه ليس مستحيلا ، لكن ان تظل تلك السحابه التي ظهرت من العدم متوقفه فوق رؤوس عربات وحده صاعقه لكي تجعل من المستحيل علي الطيران الاسرائيلي ضرب تلك العربات ، وما ان تمر العربات بسلام تتحرك السحابه السوداء تاركه الطيران الاسرائيلي يقصف اراضي خاليه من الجنود .

ان ذلك هو احد تدخلات الله في العنايه بجنوده ، وهي ليست معجزة انما هي اشارة من الله للجنود علي الارض لكي يرونها ولكي تبلغهم بأن الله معهم في عملهم وأن النصر قادم لا محاله

ويكفينا فخرا ان هذا الرجل مصري واننا استطعنا ان نقابله وننشر حواره معنا في موقعنا

 

ويمكن للقارئ ان يستزيد في التعرف علي سياده اللواء معتز الشرقاوي عبر تلك الافلام القصيرة في موقع يوتيوب او في قسم الفيديو بالموقع .

http://www.youtube.com/watch?v=4KqSH-e_18Y

او

http://www.youtube.com/watch?v=MsbpGrVIhPo

 

ولتكن كلامات اللواء معتز في عقل كل قارئ ومشاهد ، لتعرفوا كم ان مصر جميله برجالها وبتاريخها

والله الموفق

قام بأداره الحوار من  المجموعه 73

احمد عبد المنعم زايد

دكتور عبد الله عمران

احمد عادل

طارق عبد المنعم

محمد شبل

 

ارجو عندما يتم نقل الموضوع لاي موقع او منتدي ان يتم الاشاره لمصدر الحوار واسماء القائمين عليه ، لان ذلك نتاج عملنا ولا يحق ان يتم نقله بدون الاشاره للموقع او المجموعه 73


 


الحلقه الاولي

 

الكليه الحربيه

 

التحقت بالكليه الحربيه في منتصف السيتينات وكان عمري وقتها سته عشر عاما فقط ، وكنت من عائله عسكريه حيث كان والدي ضابط مدفعيه ( مضاده للطائرات)  وكانت وقتها في تنظيم سلاح المدفعيه ولم تكن قوات الدفاع الجوي قد شكلت  بعد وكان ملتزما لابعد الحدود معنا .

 

في نهائي الكليه الحربيه عام 1966 كان يقوم بتدريس ماده التكتيك العسكري اثنان من النقباء المشهود لهم بالكفاءه – النقيب عبد القادر مرعي والنقيب محمد حسين طنطاوي

 

( المشير طنطاوي وزير الدفاع بعد ذلك ) وكان النقيب عبد القادر له نظريه في انه من مظاهر الرجوله و الكفاءه للطالب ان يكون طويلا وعريضا ومفتول العضلات وضخما احيانا علي العكس مني تماما حيث لم اكن كذلك وان كانت لياقتي البدنيه عاليه جدا  .

 

وفي احد ايام السنه النهائيه دخل علي فرقتنا في العام النهائي  النقيب عبد القادر مرعي وكنا سنتوجه قريبا للحصول علي فرقه الصاعقه ، وسألني بسخريه اذا كنت سأتمكن من الحصول علي فرقه الصاعقه ؟، مما اثار ضحك زملائي من اسلوبه الساخر ، في نفس الوقت دخل بعده النقيب محمد حسين طنطاوي وكان يدرس التكتيك لنا ، وتساءل عن سبب ضحك الطلبه وعرف السبب ، فسألني بنبرات عسكريه واضحه (( هتاخذ  فرقه الصاعقه يا معتز ؟؟)) فرددت بتصميم  (( أيوة يا فندم ))

 

فأخرج  10 جنيهات من جيبه ، واعلن انه يراهن اني سأحقق المركز الاول في فرقه الصاعقه هذا العام واخرج النقيب عبد القادر مرعي عشرة جنيهات اخري ، واصبح الرهان علي نجاحي بملبغ عشرون جنيها .

 

وهنا وبعد هذه الاعوام العديده اتذكر تلك الايام واعرف يقينا ان هذا الموقف قد أثر علي مستقبلي بعدها وحتي الان بشكل مباشر ، فالحماس والتحدي الذي ملأني داخليا برهان النقيب طنطاوي علي انني سأكون اول فرقه الصاعقه بينما رهان النقيب عبد القادر مرعي انني لن انجح اصلا ، هذا التحدي أثر علي جدا وشحنني نفسيا وعصبيا بشكل يفوق الوصف .

 

واصطحبنا الضابط المشرف علي فرقه الصاعقه الملازم اول  بهجت أحمد خضير ، والذي انتقل فيما بعد إلى المجموعه 39 قتال وكان بطل مصر في الجودو وقتها .

 

واصطحبنا الملازم اول بهجت الي أنشاص وبها مدرسه الصاعقه ، وكانت فترة جميله وقاسية لان المدربين كانوا يراقبون كل منا رغم عددنا الكبير ، فأذا وجدوا فدائيا منا ( الاسم الذي يطلق علي الطالب في مدرسه الصاعقه) متميز في التدريبات فأنهم يمنحونه درجات اضافيه لتحفيزه ودليل علي متابعتهم الدقيقه لكل فدائي في كل تدريب .

 

وكان يرأس قوات الصاعقه ومدرسه الصاعقه في نفس الوقت المقدم جلال الهريدي ابو الصاعقه المصريه ومؤسس قوات الصاعقه في مصر ، وكان ومازال شخصيه مهيبه تشعرك بالرهبه والاحترام عند التحدث معه او بالوقوف بالقرب منه .

 

وفي نهايه الفرقه والتخرج ، وقف المقدم جلال الهريدي علي منصه مرتفعه وقام بالنداء علي اوائل الفرقه (( الفدائي معتز الشرقاوي )) مهما اصف لكم محاولاتي المستميته للسيطرة علي ملامح وجهي واخفاء السعاده الغامرة وسط زملائي لدرجه انني احسست بأن جلدي قد اقشعر من الداخل ، فسعادتي لا توصف بالنجاح في التحدي وبالفوز بالرهان ، وتقدمت الي المقدم جلال الهريدي لاسلم عليه طبقا للمراسم وانا كما قلت احاول جاهدا السيطرة علي ملامحي ، فمد الرجل يده وسلم علي ورفعني من يدي من علي الارض إلى جواره علي المنصه في حركه سريعه فقد كان وزني وقتها 56 كيلو فقط ، وكان بين الحضور في المنصه قاده الكليه الحربيه والمعلمين والضباط ، وعندما ضحك الجميع من حركه المقدم جلال ، قال لهم (( بتتضحكوا علي ايه ؟؟!! هو ده فرد الصاعقه اللي انا عايزة ، عنده لياقه بدنيه وخفه حركه وبيفكر ، انا مش عايز دولايب او خيل، فرد الصاعقه مش جته بس )) وأشرت الي النقيب طنطاوي اذكره بالرهان (العشرة جنيهات) وضحك الرجل وهو نادر الضحك وحتي الان مازلت احتفظ بتلك الجنيهات العشر في برواز في منزلي .

 

وبعد فرقه الصاعقه حصلت علي فرقه المظلات وحصلت علي تقدير امتياز فيها مع انني لم اكن الاول .

 

كان والدي رحمه الله من دفعه المشير عامر وكان صديقا مقربا للرئيس ولعبد الحكيم عامر قبل الثورة وبعدها ، وفي احد الايام في شهر ديسمبر 1965 وقبل تخرجي باشهر ، وكان يوم جمعه ومازلت اتذكره جيدا جدا ، كنا نتناول الغداء بمنزلنا ببورسعيد وكنت بملابس الكليه لانني سأعود للكليه بعد الغذاء مباشرة ، ودق جرس الباب وسمعنا صوت الحارس الشخصي للرئيس عبد الناصر وكان اسمه زينهم ، والذي ابلغ والدي بان الرئيس يصعد السلم الان ، فأصبنا كلنا بالدهشه ووقفنا في الصاله تاركين الطعام علي المائده ، منتظرين سياده الرئيس الذي حضر بدون سابق معلومة .

 

ووجدنا الرئيس يدخل المنزل كما نراه تماما في الصحف ، وكان معه السيد حسين الشافعي والسيد انور السادات

 

وما ان دخل الرئيس عبد الناصر فاجأنا الرئيس بسؤاله لوالدتي (( انا ميت من الجوع عندكم ايه يتاكل ؟؟)) وكان من عادتنا ان يكون يوم الجمعه هو يوم الاكل المتبقي من الاسبوع الماضي ، فلم يكن توقيت زياره الرئيس موفقا لوالدتي بالمرة ، واسقط في يد امي والتي لم تجد لديها غير طبق كشك اباظي قد اعدته وايضا فسيخ ، فضحك الرئيس واخبرها ان معه خبراء سوفيت في بورسعيد للاحتفال بيوم الجلاء ، وان رائحه الفسيخ قد تصيب الخبراء بالاعياء ، فضحكنا من عبارته البسيطه الغير متكلفه ، ووضعت له امي طبق الكشك علي المائده ، فشمر عن ساعديه وبدأ يقبل علي الطعام بنهم شديد ، وبينما هو يأكل كنا نقف امامه انا واخوتي لا نصدق اعيننا اننا نشاهد الرئيس يأكل زينا  وبدون تكلف وفي منزلنا .

 

ولاحظ الرئيس وقوفي انا واخوتي امامه فرحب بنا وبدأ يسأل عن اسمائنا ويرحب بنا بكل ابوة .

 

وعندما جاء الدور علي سألني عن اسمي واثني علي ملابسي وانني في الكليه الحربيه ثم نادي علي زينهم حارسه الخاص واخبره ان تقوم سيارة الرئيس المغطاة بتوصيلي الي الكليه الحربيه في القاهرة وتعود له مرة اخري الى بورسعيد .

 

وركبت سيارة الرئيس بجوار السائق ، وقبل وصولنا القاهرة توقف السائق وطلب مني ان اجلس في الخلف ، وعند باب الكليه الحربيه توقفت السيارة التي تحمل رقم رئاسه الجمهوريه 1 امام الطلبه والضباط عند باب الكليه ، ونزل السائق وفتح لي الباب وتوجهت الي باب الدخول وسط حاله من الدهشه من الطلبه والضباط والمدرسين

 

وسألني الضابط علي الفور عن اسمي ورددت عليه بكل عسكريه ، وسألني عن السيارة التي نزلت منها فرددت عليه بكل خبث (( دي عربيه اونكل جمال عبد الناصر)) ولا يمكن وصف ملامح الضابط وقتها ، والذي سألني عن سبب حضوري بسيارة الرئيس فرددت عليه بخبث زائد واستغلال للموقف (( اونكل جمال كان بيتغدي عندنا في البيت في بورسعيد وقال للسواق انه يوصلني مصر ، لو مش مصدقني ممكن حضرتك تتصل وتسأل )) فزادت احمرار وجه الضابط من ردي ، وبدون ان ادع له فرصه للسؤال مرة اخري سألته اذا كان يريد ان يفتش حقيبيتي كما يتم مع باقي الطلبه الا ان ذهوله من الموقف كان اكبر من ان يرد .

 

وهذا الموقف اسرده هنا لكي اوضح ما رأيته بالفعل من بساطه وتلقائيه الرئيس جمال عبد الناصر وعدم تكلفه .


 

 

النكسه واحداث عكس المتوقع :

 

وفور تخرجي في مايو 1967 انضممت الي قوات الصاعقه علي الفور، واستقبلني الرائد سيد الشرقاوي قائد الكتيبه 43 صاعقه ومعه  النقيب احمد شوقي رئيس عمليات الكتيبه وكان قائد سريتي النقيب سمير زيتون ( والذي بترت ذراعه خلال التدريب، ولكنه أصر علي البقاء في صفوف القوات علي الجبهه وشارك في عمليه استطلاع عام 1967 خلف خطوط العدو لفترة ثلاث اشهر متواصله ، وشارك في حرب اكتوبر من خلال قوات الصاعقه بيده المبتوره  كدليل لروح التحدي التي تميز فرد الصاعقه وابلي بلاءا حسنا وتوفي عام 2009)

 

وكانت الكتيبه 43 متواجده في سيناء وكانت حاله الاستعداد في اعلي درجاتها في ذلك الوقت ، وكانت كتيبتنا قد تمركزت منذ فترة  في منطقه بالشيخ زويد شرق العريش وفي منطقه  اخري  بوادي ماعين ووادي لصان  جنوب العريش بدون وجود اوامر واضحه بعمليات محدده ، فكتيبه الصاعقه لا تتخذ مواقع دفاعيه انما تكون متجمعه في مناطق تتحرك منها للقيام بعمليات محدده ثم العوده لمنطقه التمركز مرة اخري ، عكس القوات النظاميه في الجيش التي تتخذ اوضاع دفاعيه او هجوميه وتنشر مدفعيتها خلف الانساق الاولي ويكون لها خطط دفاعيه وهجوميه الخ.

 

يوم 5 يونيو 1967 سمعنا ان الحرب بدأت لكننا لم نري طائرات العدو او دباباته لكنا كنا نسمع الاشتباكات والقصف المدفعي ، ثم خف صوت الاشتباكات وعادت الامور لطبيعتها في المنطقه .

 

وفي احد الايام وتحديدا يوم 10 يونيو سمع قائد الكتيبه ان الجيش المصري قد وصل لخط الدفاع الثاني وانه انسحب بدون ان نتسلم اوامر بالتحرك او القتال !!!!!!.

 

خلال تلك الايام الخمسه لم نر اي جندي اسرائيلي او طائرة اسرائيليه ،فمن الواضح ان قائد تشكيل المجموعه القتاليه والتي كانت الكتيبة إحدى وحداته قد انسحب وتركنا في المنطقه بدون اوامر ،  فأمر قائد الكتيبه ورئيس العمليات بتحرك الكتيبه للانسحاب بالعربات وبكل معدات واسلحه الكتيبه وبدأ يسير في طرق بعيده عن المحاور الرئيسيه  لكنها غير موجوده علي الخرائط ، فهي طرق يعرفها من عاش ودرس سيناء شبر شبر وحجر حجر ، ولا يعرفها العدو ولا يتحرك فيها ، فالعدو انطلق للوصول الي القناه بدون ان يتمسك بالارض التي احتلها فترك بذلك مسافات ومساحات كبيرة في سيناء لم يتحرك عليها ، استغلها قائد الكتيبه ورئيس العلميات  في التحرك بالعربات بكل سهوله ويسر وخلال ساعات قصيرة حققنا اتصال لاسلكي مع قواتنا غرب القناه

 

وانتظرنا الرائد حسن المنشاوي غرب القناه يوم 12 يونيو 1967 ، وعبرنا القناه بالعربات علي معديات شمال القنطرة بطريقه (عربه- عربه) وتوجهنا الي بورسعيد طبقا للاوامر ، وكانت حالتنا المعنويه  عاديه جدا ولم يكن هناك انهيار معنوي او حزن لاننا لم نحارب ولم نعرف حقيقه ما يحدث ، فقط كنا ننفذ الاوامر

 

(( المحرر مجموعه 73 مؤرخين – إن هذه القصه تدل بما لا يدع مجالا للشك ان ترك القرار في يد القائد الصغير للتصرف كما ينبغي له ، يؤتي ثمارا افضل كثيرا من اعطاء الاوامر للوحدات بواسطه القياده العامه ، فقائد الكتيبه انسحب طبقا لخبرته في دروب وطرق يعرفها جيدا وبكامل سلاحه وعرباته وسط القوات الاسرائيليه واستطاع عبور القناه ولم يخسر اي معده او اي فرد ، عكس الفرق واللواءات الاخري التي تلقت الامر ليله 6 يونيو بالانسحاب السريع بالسلاح فحدث ما كلنا نعرفه من اهوال الانسحاب الغير منظم ))

 

تمركزنا في مدرسه بورسعيد الثانويه وسريه في مدرسه اشتوم الجميل  في بورسعيد وكانت اول مهام لنا هي دفع دوريات بالملابس المدنيه علي بلانصات الصيد في بورسعيد لجمع الشاردين المتجمعين شرق بحيرة البردويل عبر الطريق الساحلي .

 

معركه رأس العش

 

وبعد عده ايام تلقي قائد الكتيبه اتصالا تليفونيا من شخصيه ما ( شخصيه مهمه لم اعرفها ) وكانت التعليمات واضحه (( يا سيد يا شرقاوي بورفؤاد ما تقعش في يد اليهود )) وكان رده واضحا (( تأكد يا فندم ان لو بورفؤاد سقطت هيكون علي جثثنا كلنا ))

 

فبدانا دراسه الموقف والبحث عن خرائط لمعرفه طرق اقتراب العدو المحتمله لبورفؤاد

 

مهندس انقذ بورفؤاد

 

في ذلك الوقت حضر الينا مهندس من هيئه قناه السويس وللاسف نسينا اسمه ونتمني ان نستطيع ان نتعرف علي اسمه لنذكر دوره الهام في التصدي للعدو وعدم سقوط بورفؤاد  .

 

قابل المهندس قائد الكتيبه واخبرة بوجود طريق شرق القناة وموازي لها وممتد من القنطرة جنوبا  الي بورفؤاد شمالا ، وان هذا الطريق غير موجود علي الخرائط لكن مهندسي هيئه قناه السويس يستخدمون هذا الطريق في تحركاتهم العاديه ، فهرع سيد الشرقاوي قائد الكتيبه مصطحبا المهندس معه حتي وصلوا الي هذا الطريق وساروا عليه حتي بعد رأس العش .

 

وعلي ذلك وضحت خطتنا في مواجهه اي عدو يتقدم الي  بورفؤاد فوجود طريق جديد محتمل استوجب وضع فصيله لغلق هذا الطريق ، مع وجود باقي الكتيبه على أنساق حتي داخل بورفؤاد .

 

فعبرت السرايا القناه بالمعديات من بورسعيد الي بورفؤاد ، وتمركزت فصيله في نقطه رأس العش لان الطريق الضيق لا يحتمل اكثر من فصيله للدفاع عنه لان الطريق يقع بين القناه ومنطقه السبخات شرق القناه .

 

واتوقف هنا عن سرد معركه رأس العش لانني لم اكن بها ، لكنني كنت في سريتي داخل مدينه بورفؤاد مستعدا لتنفيذ اي مهام قتاليه  والبدء في قتال مدن معهم ولتعزيز اي قوة علي اطراف المدينه .

 

واجدر من يتحدث عن معركه رأس العش من كتيبتي هم ( حسني سلامه وفتحي عبد الله فهم من كانوا في تلك الفصيله التي وقفت وقاتلت وصمدت وانتصرت ) كذلك باقي ضباط الصاعقة الذين عاونوا وشاركوا في دعم الكتيبة

 

لكنني استطيع ان اصف تأثير تلك المعركه علي معنويات الجيش المصري كله ، فتخيل ان فصيله صاعقه تقوم بوقف تلك القوه الاسرائيليه المدرعه وتكبدها خسائر كبيرة وصلت الي 8 دبابات و 11 عربه مجنزرة .

 

وكان الجيش المصري الجريح هو اكثر من احس بنتائج تلك المعركه معنويا وكانوا في شوق لخبر يعيد لهؤلاء الجنود الامل والثقه والروح القتاليه في وقت كان ذلك مطلب بعيد المنال .

 

وبعد ذلك بأيام حضرت الي بورفؤاد الكتيبه 90 مظلات لتحل محلنا ، ونعود نحن الي منطقه شمال التفريعه وبورفؤاد.

 

*****************

 

الاب الوطني :

 

بمجرد عودتنا من سيناء الي بورسعيد نزلت مأموريه الي انشاص لاحضار مهمات ضروريه لنا وكان معي اثنان من دفعتي الملازم رؤوف ابو سعده والملازم حمدي الشوربجي ، واقترحت عليهم ان نمر علي منازلنا لاحضار اي حاجيات شخصيه نحتاجها، ونزلت الي القاهرة وقرب منزلي فوجئت بأبي عند الحلاق ، ولم يكن قد رأني منذ التخرج من عده اشهر ، وكان وقتها سكرتير عام محافظه بورسعيد ولم اكن اعلم انه موجود بالقاهرة .

 

بعلامات تعجب ودهشه وبوجه متجهم وبدون سلام سألني (( انت جاي ليه  ؟؟ ))   فأرتبكت من سؤاله ورددت بأنني حضرت في مأموريه الي انشاص واستغليت الفرصه لاحضر ملابس داخليه من المنزل ، فلم يعجبه ردي ، فأخبرني بان انتظر مكاني ، فتعجبت مما قال فأكد علي بأوامر حازمه ان انتظر مكاني، واحضر اخي الاكبر ومعه غيارات داخليه اضافيه لي ، وأمر اخي بالسلام علي باليد فقط ثم احضار السيارة .

 

كان موقفه مني حازما بشكل غريب ، وركبنا السيارة الي منازل زملائي وجعلني اصطحبهم معي في صمت ورهبه ، وعاد بي الي انشاص حيث تركني عند بوابه المعسكر مع قائد امن الصاعقة واخبره انه اصطحبنا لتوصيلنا في طريقه

 

فقد كان وطنيا وعسكريا مصريا حتي النخاع ، وكما علمت بعد ذلك فقد كانت وجهه نظرة ان مكاني علي الجبهه وليس في القاهرة .

 

وعدنا بعدها الي بورسعيد ، ورغم ان عمل والدي كان بنفس المحافظه الا انه لم يزرني او يقابلني او يوصي احدا علي .

 

وفي احد الايام نزلت في مأموريه اخري لمنزلنا في بورسعيد مع زميل لي الملازم ثروت خليل ، وفور دخولي المنزل وجدته يدخل خلفي المنزل ، فدبت الرهبه  مرة اخري في داخلي ، فسمح لنا بالاستحمام وتغيير ملابسنا وعودتنا مرة اخري الي وحداتنا .

 

*****************

 

في بورفؤاد كنا ندفع كمائن يوميه في اماكن يتوقع ان يحاول العدو التقدم منها ، وكان معنا سريه سودانيه وكانوا على مستوى عالي من الانضباط والجديه ، وتمركزت معنا في بورفؤاد ورحلت في نفس العام .

 

وكانت فترة تواجدنا في بورفؤاد فترة توتر ، حتي حدثت عمليه اغراق ايلات امام سواحل بورسعيد ، وبعدها صدرت لنا الاوامر بالعوده الي معسكراتنا في انشاص ، حيث وصلت قوة مشاه مصريه لتتسلم بورفؤاد منا .

 

وقامت القوات المسلحه باخلائنا مع الكتيبه 90 مظلات من بورسعيد علي متن سفينه تسمي السودان ، حيث ابحرت تلك السفينه بعيدة عن نظر العدو ، تجاه قبرص شمالا ، ثم غربا تجاه اليونان ، ومرة اخري جنوبا تجاه الاسكندريه لتفادي اي هجوم جوي معادي ، فقد كنا هدفا ثمينا لاي طائرة .

 

وعدنا الي معسكراتنا في انشاص في نوفمبر 1967 لنبدأ اعاده التنظيم والاستعداد للمرحله القادمه من الصراع .

 

كانت معونايتنا عاليه في وحدات الصاعقه دافعها رغبه عارمه في الثأر وفي اثبات الوجود لذلك كانت التدريبات اقسي والمجهود المبذول غير عادي وبشكل غير طبيعي

 

وقد اثر ذلك علي كافه وحدات الصاعقه لاحقا والتي اعلنها الجميع ان التدريبات اقسي من القتال بعشرات المرات ، فلم يكن في عقلنا سوي القتال والحرب فقط ، وعندما تأتينا الفرصه للقتال يجب ان نكون علي مستوي ثقه القياده بنا كوحدات صاعقه .

 

وبعد حوالي سبعه اشهر من التواجد في معسكرات انشاص تحركنا الي ميناء الاتكه وهي ميناء قديم تركي شمال الادبيه مباشرة .

 

وكانت مهمتنا هي التنسيق مع قياده الجيش الثالث ( المشكل حديثا ) لدفع دوريات استطلاع ودفع كمائن شرق القناه وعبر خليج السويس .

 

وقتها كانت حرب الاستنزاف عبارة عن تراشق بالمدفعيه فقط ضد اهداف ثابته ، وكنا نكلف بالعبور ليلا لعمل كمائن لعربات الذخيرة والامداد التي تتحرك لامداد كتائب المدفعيه الاسرائيليه بالذخائر لمواصله التراشقات النيرانيه المستمرة .

 

**************************


 

 

بدء عمليات العبور

 

عمليه اختيار الافراد لعمليات العبور كانت مهمه جدا طبقا لنوع المهمه ، و كنت اخشى ان احصل علي اجازة وخلالها يتم دفع احد الدوريات ، فأندم علي عدم وجودي معهم ، وكان ذلك هو روح فرد الصاعقه ورغبته القويه في العمل والاشتباك مع العدو والعبور ، فكنا نتسابق بيننا لكي نشارك في العمليات ، ومن يتم اختيارة منا ، كان يحس بالفخر والسعاده لكنه كان يخفي ذلك امام زملائه الذين يحسون بالغيره والحزن من عدم الاشتراك في العمليه  ، وكأننا نتسابق علي النصر والشهاده او بالاصح علي التضحيه والفداء والمجد .

 

وكان اسلوب تخطيط العمليات خلف الخطوط ، ان يقوم قائد الكتيبه بوضع المهمه المطلوبه منه ويشارك الضابط المنفذ برؤيته في كيفيه تنفيذ المهمه ، فكان الضابط الصغير يختار الاسلوب الامثل له حيث انه المنفذ وهو يعرف امكانياته وامكانيات رجاله وقدراتهم ، لذلك يناقش قائد الكتيبه ضباطه في رأيهم في طريقه التنفيذ بدون تدخل من اي فرد خارج الكتيبه ، فكانت كتيبه الصاعقه علي الجبهه مستقله في اتخاذ قراراتها في تنفيذ عمليات القياده ، وللتدليل علي استقلاليه الصاعقه فقد حدث يوما ان طلب الجيش تنفيذ عمليه كمين من قائد المجموعة في نفس اليوم ، فحضر الينا المقدم صالح فضل قائد المجموعه  فوجدنا نلعب الكرة في مسابقه بين السرايا ، فابلغ قياده الجيش انه ليس جاهزا لتنفيذ العمليه وانه سينفذ في اليوم التالي ، وعاد الينا وقام بتحكيم المباريات وفي النهايه وبعد تناول المشروبات الغازيه ، اختار منا عددا لتنفيذ العمليه ممن عليه الدور في التنفيذ, وكان معنا الكاتب الصحفي والمراسل الحربي جمال الغيطاني في ذلك اليوم .

 

وبذلك يكون الرجل قد حافظ علي معنوياتنا وفي نفس الوقت شاركنا في وقت الراحه واستغل ذلك في تنفيذ العمليه في اليوم التالي .

 

فكانت مسئوليه قائد الصاعقه تجاه رجاله قويه جدا ، ويحافظ عليهم كما يحافظ الاب علي ابناءه، ويتعامل معهم نفسيا ومعنويا بحرفيه شديده لاخراج كل طاقاتهم الكامنه .

 

 

 

وكان تسليح فرد الصاعقه عاده يكون خفيفا لضمان خفه الحركه ، ونحن اول من ابتكر ربط عدد من خزن الطلقات ببعضها البعض لكي تختصر في زمن اعاده تعمير السلاح وكذلك لزياده عدد الخزن التي يحملها الفرد ، فكان معنا ست خزن طلقات وثلاث قنابل يدويه ويزداد عدد افراد الـ ار بي جي عند تنفيذ كمائن لسيارات او عربات مدرعه ، وكذلك يكون معنا الغام وعبوات متفجرة طبقا لمتطلبات العمليه .

 

وقد استخدمنا كلاب الحرب في كثير من العلميات اللاحقه وايضا استخدمها الاسرائيلين ، فمن المعروف ان كلاب الحرب المدربه لا تنبح لكنها تقوم بحركات عند اكتشافها لكمين معادي ، فكنا نستخدمها لكشف الكمائن التي يقوم بها العدو عشوائيا في المحاور التي يتوقع العدو ان نتحرك عليها ، وفي نفس الوقت كان العدو يستخدم نفس الكلاب لكشف كمائنا

 

ومن المعروف ان الكلاب تري جيدا في الظلام ، وكان يكفي فور رصد اي كلب لكمين ان تترك الكلب ينطلق تجاه العدو ، فينقض الكلب علي الجنود الكامنين ليلا كاشفا موقعهم مما يفشل الكمين  وغالبا ما كان الكلب يقتل في تلك العمليات لكن القوه تنجح في افشال الكمين .

 

وهناك العديد من العلميات التي قامت بها قوات الصاعقه والتي لم تذكر في التاريخ، إنما ذكر فقط عدد قليل جدا من تلك العمليات ، ولا يمكنني ان اتحدث عن اعمال لم اقم بها او لم اكن موجودا لكنني اترك من قام بها في الحديث عنها فهو الاجدر مني في الحديث عنها .

 

من اصعب المواقف التي تواجهه دوريه الصاعقه اثناء تنفيذ عمليه هو وجود شهيد او جندي جريح منا ، والتصرف الواجب فعله والمتفق عليه  ، هو عدم ترك اي جريح ، و لم يحدث أن تركنا جنديا مصابا خلفنا .

 

بالاضافه الي التدريب السنوي المقرر من قبل قياده وحدات الصاعقه لكتيبتنا ، فأننا كنا نقوم بتدريبات اخري علي اعمال الكمائن وهو تدريب خاص وراق جدا ، وبالاضافه الي ذلك فقد تم تكليفنا بتدريب كتائب الاستطلاع الاخري واعطاء دورات صاعقه محليه لتلك الوحدات ذات المهام الخاصه .

 

 

 

عمليه لسان بورتوفيق :

 

تلقي المقدم صالح فضل قائد مجموعه الصاعقه والتي تشمل الكتائب 33 و 43 و 53 تعليمات بتنفيذ عمليه ضد موقع العدو في لسان بورتوفيق شرق القناه بهدف اسكات قوات العدو التي تقصف بورتوفيق والسويس بنيرانها ، وايضا ردا علي تدمير واغراق سفينه مدنيه اسمها ابراهيم كانت ترسو في ميناء السويس والتي قامت دبابات النقطه بقصفها بدون مبرر .

 

وكان العدو قد قام بعمليه اغارة علي منطقه رأس أدبيه حيث رابطت قوة من خفر السواحل بالقرب من رصيف بحري مخصص لقارب امداد الجزيرة الخضراء ، فقامت قوة العدو بالهجوم علي تلك القوة مستغلين توقع وصول القارب من الجزيرة الخضراء فدخلوا بقاربهم وقتلوا كل الجنود المصريين في تلك النقطه .

 

وكان الرائد احمد شوقي قد اصبح قائد للكتيبه 43 بينما يقود الكتيبه 33 يقودها الرائد خالد نديم بينما الكتيبه 53 يقودها الرائد اسامه ابراهيم

 

وبدأت اعمال التحضير لتلك العمليه علي مستوي قياده المجموعه من اعمال استطلاع ودراسات متعمقه ، (( المقدم صالح فضل هو اجدر من يقوم بشرح تلك التفاصيل)) .

 

وتم اقتراح ان تشارك احد كتائب المظلات في تلك العمليه وهي الكتيبه 79 مظلات  ، لكن وضح الفارق الكبير بين قوات الصاعقه وقوات المظلات ، حيث ان قوات المظلات هي قوات مشاه يتم ابرارها جوا للعمل كقوات مشاه خلف خطوط العدو او في اماكن محدده ، وليست مدربه علي اعمال الكمائن او الاغارات علي مواقع العدو  

 

وبعد فترة من الاختبارت تم اختيار الكتيبه 43 صاعقه للقيام بتلك العمليه نظرا لاعتبارات معينه ومعايير محدده وضعها قائد المجموعه المقدم صالح فضل

 

وبدأ التدريب في احضان جبل عتاقه وكان يوجد جسر لسكة حديدية قديم فتم اعتباره هو الساتر الترابي ، وكان يتم التدريب بالذخيرة الحيه بطريقه تجعل اي مسئول عسكري يرانا نتدرب يصاب بالهلع من خطورة وشده التدريب وكأننا في ارض قتال فعليه ، وقد نصح الخبراء السوفيت بإستخدام قوارب خشبيه المخصصه للاقتحام طبقا للمقاييس السوفيتيه لكننا اعترضنا علي تلك القوارب وطلبنا قوارب مطاطيه اخف وزنا واكثر مناورة ، وجدير بالذكر ان الخبراء السوفيت لم يكونوا علي علم بالعمليه لضمان السريه الشديده ، لانهم كانوا يصيبونا بإحباط ، ويدعون دائما عدم قدرتنا علي التخطيط والتحضير وتنفيذ اي عمليات .

 

والله اعلم ما هو مستوي ورتب هؤلاء الخبراء الحقيقيه ، فقد كان مستواهم اقل من مستوي ضباطنا .

 

وانتقلنا الي معسكر بالقرب من حلوان ، لضمان سريه اكثر في التدريب حيث كان الموقع الجديد مجهز بصورة مماثله لموقع لسان بور توفيق ، وحتي ذلك الوقت لم نكن نعرف نوع العمليه او الهدف.

 

وكنا معزولين تماما عن الدنيا ، وهناك عرفنا اننا سننفذ عمليه إغارة ، وان الهدف هو لسان بورتوفيق ، مما زادنا حماسا في تنفيذ التدريبات ، وكان الشاغل الاكبر لنا هو  من هى السريه التي سيتم اختيارها للتنفيذ .

 

وهناك انضم علينا سريه قاذفات لهب من سلاح الحرب الكيماويه وكانت اول مرة نتعامل مع هذا السلاح بالاضافه الي انضمام فئتين من المهندسين العسكريين ، فئه منهم متخصصه في محركات القوارب ، وفئه اخري لتعليمنا كيفيه إستخدام طوربيد البنجالور والمخصص لفتح الثغرات في الاسلاك الشائكه وحقول الالغام

 

ونظرا لطبيعه المهمه فقد كانت مهام التنفيذ مقسمه الي فصائل ، فتم التدريب علي مستوي الفصائل داخل الكتيبه 43 .

 

في نفس الوقت كان مسئولي المجموعه والكتيبه يدرسون حاله المد والجزر وتقارير الاستطلاع وما الي ذلك من دراسات خاصه بالعمليه

 

وفي النهايه  تم اختيار السريه الثانيه عدا فصيلة لتنفيذ العمليه مع اختيار فصيله من السريه الاولي وفصيله من السريه الثالثه للتنفيذ .

 

واستمر التدريب لمده تتعدي الشهر يوميا ، لدرجه اننا في اخر اسبوعين من التدريب كنا نقوم بثلاث او اربع تجارب تدريبية كاملة لاقتحام النقطه يوميا بالذخيرة الحيه ، مما يعني اننا قمنا بالتدريب النهائي اكثر من خمسون مرة تقريبا تحت شمس شهر يونيو ويوليو اللافحه .

 

وقبل التنفيذ بثلاث ايام عدنا الي موقعنا في ميناء الاتكه ، وقمنا بالتجهيز للتحرك الي بورتوفيق .

 

وقمت بزياره كتيبه المظلات في القطاع المواجهه لموقع لسان بورتوفيق عده مرات للوقوف علي اخر معلومات عما يحدث في الجانب الاخر، وكان قائد سريه الهاون120 ملم  في تلك الكتيبه ضابط صديق لي اسمه م أ سليمان الحضري ، وسألته عما يعرفه عن الموقع المقابل له .

 

فأخبرنا بوجود 4 دبابات متمركزين في الموقع بصورة دائمه فقام باطلاق طلقه هاون سقطت بجوار الدبابه ، فبدأت الدبابات الاربع بالتحرك فورا في مسارات مخلتفه لعدم تمكينا من ضربها ، فأستطعنا رؤيه الدبابات الاربع ومعرفه أماكن تمركزها .

 

وكان ياتي الي الموقع يوميا سيارة كانتين (تعيينات وترفيه ) تقودها فتاه فائقه الجمال.

 

وبدأنا التحرك الي بورتوفيق علي هيئه جماعات صغيره لعدم اكتشاف العدو لتحركنا ، وامعانا في التمويه فقد اعد قائد الكتيبه بالتعاون مع قوات المظلات أكثر من بدروم بالفيلات المواجهة للقناة لكي تكون مكان تمركز للقوات المنفذه وبعيدا عن اعين العدو .

 

في حين ان معداتنا كانت تصل الينا عبر سيارات نقل مموهه تصل ليلا بدون ان تلفت انتباه العدو ، ظللنا في بدروم العمارة يومين وليله واحده ، وكانت حياتنا في هذا البدروم لكي لا يتم رصدنا بواسطه العدو او بواسطه البوليس الدولي المنتشر علي ضفتي قناه السويس في ذلك الوقت .

 

وتم وصول سريه مدفعيه ذاتيه الحركه 152 ملم محمله علي دبابات جوزيف ستالين لكي تدعمنا قياده الرائد سامي المصري ، وانتشرت تلك المدافع بجوار المباني تحقيقا للاخفاء والتمويه .

 

وكانت خطه التمويه قد بدأت قبل وصولنا الي بورتوفيق بسبعة أيام ، حيث قامت مدفعيه الجيش الثالث بعمليات قصف مدفعي منتظم طوال هذه الايام وفي وقت محدد من الرابعه  بعد الظهر الي الخامسه ولمدة ساعة وعلي طول مواجهه الجيش ، فتعود العدو ان يلجأ الي الملاجئ في ذلك الوقت .

 

وتم اختيار موعد التنفيذ في الخامسه عصرا وفي وجود ضوء الشمس ساطعا نظرا لان سرعه التيار تكون صفر تقريبا والبحر في أعلى مد في ذلك التوقيت

 

فقد توصلت دراسات قياده المجموعة والكتيبه الي ان سرعه التيار في تلك المنطقه الحيويه تصل الي 5 متر في الثانيه معظم اوقات اليوم ، وهي سرعه كبيرة كفيله ببعثرة القوات المكلفه في العبور وعدم تمكينها من الوصول للنقاط المحدده لها علي الشاطئ الاخر .

 

وتم تحديد نقطه رجوع بديله مقابله للكرنتينه تحسبا لعدم قدرتنا علي العوده الي نفس النقطه ، وان يجرفنا التيار بعيدا ، كذلك كانت نطاقات الاسلاك الشائكه المحيطه بموقع العدو والمباني المهدمة والمواسير وكثير من الخردة والمهملات دافع لنا لكي ننفذ نهارا ايضا لكي نستطيع الرؤية والتعرف على الأهداف والإتجاهات والمرورمن خلال الأسلاك وحقل الألغام، لكن لو نفذنا ليلا كنا سنتعرض لاصلبات نتيجه السلك الشائك ونتيجه عدم قدرتنا علي رؤيه الممرات التي ستفتح في الاسلاك الشائكه .

 

يوم التنفيذ :10 يوليو1968

 

قبل بدء التنفيذ بساعه بدأنا في نفخ القوارب مما سبب صوتا مرتفعا لفت نظر مندوب البوليس الدولي المرابط في مبني خلفنا، وكان اكتشافنا كفيل بإجهاض العمليه ككل وعدم تنفيذها ، لان هذا الجندي سيبلغ قيادته التي ستبلغ القوات الدوليه علي الجانب الاخر مما سينذر القوات الاسرائيليه .

 

كذلك بدأ تجمع الاهالي بالقرب منا وبدأوا في الهتاف لنا والتكبير، فكان يجب تفريق تلك الاهالي من سكان بورتوفيق بسرعه وهو ما حدث .

 

واقترحت علي الرائد احمد شوقي ان اقتنص مندوب البوليس الدولي بما لي من قدرات قنص ، لكنه رفض لان ذلك سيسبب مشكله دوليه ويجهض العمليه .

 

في هذا الوقت كان علاء الحامولي ( مذيع الكره ) ضابط اتصال بين القوات المصريه وقوات البوليس الدولي ، فتحدث الرائد احمد شوقي معه واخبرة بعدم اطمئنانه لهذا الجندي ، وانه قد يكشف العمليه وإقترح عليه أن يأخذ زجاجه ويسكي ويصعد الي هذا المندوب ويدعوه الي النزول الي احد الشقق  لشرب تلك الزجاجه الغاليه ، وبالطبع لم نر هذا المندوب مرة اخري اثناء تنفيذ العمليه او بعدها .

 

وكانت منطقه النزول الي المياه محاطه باسوار من السلك الشبكي لمنع أي شخص من النزول إلى المياه ، وكان يجب ازاله قطاعات من السلك بدون لفت نظر الاسرائيليين ، وعلي مدار اسبوعين قبل التنفيذ قام احد الجنود باستخدام قاطعه ، بقطع نقطه في السلك وتركها بالكاد متماسكه ، وكرر هذا العمل لمده ايام وفي كل يوم يقطع جزء واحد ويتركه متماسك ، لكي لا يلاحظ الجانب الاسرائيلي ان السور قد تم عمل فتحات به مما قد ينبهه بأن هناك عمل هجومي قريب .

 

وكانت المدفعيه قد بدأت قصفها اليومي من الرابعه الي الخامسه عصرا وبدأنا في التحرك ، وبالفعل بعد نفخ القوارب وحملها توجهنا الي حيث السور وقدمنا بفتح الفتحات المجهزة وبدأنا في النزول في المياه في عدد أربعة عشر قارب بتريتب معين ، طبقا للهدف الابعد فالاقرب ، فالمجموعات التي ستقوم بالعمل علي اجناب الموقع عبرت في البدايه وتلاها المجموعات التي ستقتحم بالمواجهه .

 

وكنا نعبر تحت خط سير القذائف مباشرة ، وكان قادتنا في مواقعنا يتابعون عبورنا وتطور القتال .

 

واثناء عبورنا قامت دبابه باعتلاء احد المصاطب ورصدت قارب رؤوف ابو سعده واطلقت عليه قذيفة، ومن لطف الله ان القارب الذي به عشر افراد وبه طوربيد البنجالور والمعبئ بمائتين وخمسون كيلو من المتفجرات لم ينفجر ، فدانه الدبابه 105 ملم مرت من وسط القارب واخترقت قاعه ومرت به دون ان تنفجر محطمه المحرك ، فأصيب الملازم رؤوف ابو سعده بشظيه في وجه واصيب الرقيب عبد الحليم محمد بشظيه في معصم يده ، بينما لم يصب احد اخرا من القارب في حين ان تلك الدانه لو انحرفت مليمتر واحد لكان القارب انفجر بما فيه من متفجرات ورجال وحولهم الي اشلاء ، ولاستكمال التنفيذ اخرج الرجال المجاديف وواصلوا العبور تجديفا

 

وفور وصولنا بدأنا بالعمل بما تدربنا عليه فقمنا بالتحصن بالساتر للاحتماء من كشفنا بواسطه العدو ، وبدأنا في فتح الثغرات في الاسلاك الشائكه وحقول الالغام بطوربيد البانجلور فقمنا بفتح اثني عشر ممر في الاسلاك الشائكه تسمح بمرور الفرد في امان

 

وكانت اول المفاجأت التي واجهتنا بعد العبور مفاجأه سعيده ، فجميع حقول الالغام التي وضعها العدو في المواجهه كانت خداعيه وليس بها الغام .

 

وصعدنا احتللنا الساتر الترابي كما تدربنا تماما ، وفور صعودي الساتر في المكان الذي تدربت عليه ، وجدت امامي دبابه اسرائيليه علي مسافه ثلاثون مترا علي الاقل

 

فاخذت قاذف ار بي جي من الجندي الذي بجانبي وكان اسمه كرم الله جوده خليفه من كفر الشيخ وضربت الدبابه فأنفجرت علي الفور ، وبدأنا التحرك اسفل الساتر الترابي في نفس الوقت الذي وصلت فيه دبابه من اليسار

 

كان تشكيلنا

 

فصيله قطع في الشمال بقياده ملازم اول محمد عبد الحميد عبد ربه  س 3

 

فصيله معتز الشرقاوي س 1

 

فصيله حامد جلفون س 2

 

فصيله رؤف ابو سعده س 2

 

جماعه من ثمانيه افراد بقياده الرقيب أول حسني سلامه

 

الدبابه القادمه من اليسار من كمين محمد عبد ربه كانت قادمه مصابه لكنها مازالت تتحرك ومدفعها الي الخلف تجاه كمين عبد ربه ، وتوقفت الدبابه ووجهت مدفعها تجاهي للحظات تجمدت فيها اوصالي من المفاجأه فالدبابه لديها رشاش للتعامل مع الافراد ومن غير المنطقي ضرب الافراد بالمدفع الرئيسي بالدبابه ، ثم رفعت المدفع وضربت تجاه رجالي المتمركزين علي الساتر الترابي ، فأصيب منهم عده جنود اصابات بسيطه نتيجه الرمال الملتهبه في الوجه ولم يقتل منهم احد .

 

وفور اطلاق الدبابه لتلك الطلقه ، فتحت كل الاربيجيهات الموجوده في مداها تلك الدبابه النيران لتدمر الدبابه علي الفور ، ويخرج منها احد الجنود لتنهمر عليه طلقاتنا بقوة وتركيز دفعت جثته بعيدا عن الدبابه من كثرة الطلقات ، تلي ذلك خروج جندي اخر حاول النزول علي الارض ، فركضت تجاه الدبابه وشاهدني رجالي فتوقفوا عن الضرب ، وقبل ان يلمس الجندي الاسرائيلي الارض ، كنت محتضنا اياه ومسيطرا عليه وحملته علي كتفي وهو مستسلم تماما من الصدمه وصعدت الساتر الترابي ثم نزلت مرة اخري تجاه القارب والقيت بهذا الاسير في القارب لفرد المهندسين لكي يحرسه ، وانا اتعجب من القوة التي تملكتني لكي احمل هذا الجندي واصعد به الساتر ثم انزل به بكل خفه وبساطة  .

 

ثم عدت مرة اخري الي رجالي فوق الساتر وبدأنا في اقتحام الموقع ، ولم يكن الموقع قد تم تحصينه كنقطه حصينه بعد ولم يتطور ، في ذلك الوقت كان الجنود الاسرائيلين قد دفنوا احد عربات السكه الحديد وردموا فوقها برمال وقضبان سكه حديد لتكون ملجأ لهم ضد القصف المدفعي المصري ، وكنا نعلم ذلك واعددنا العده لذلك .

 

فقمنا بوضع عبوات ناسفه عند باب الملجأ ووضعنا فوقها شكائر رمال ودفنا العبوات الناسفه وعددها 5 عبوات زنه الواحده عشرة كيلو جرام ، وكان الهدف هو جعل التفجير يكون تحت الارض لتعظيم قوة الانفجار .

 

واتخذنا سواتر وقمنا بالتفجير ، مما ادي الي تفجير العربه بالكامل لدرجه اننا لم نستطع ان نستكشف من كان بداخل العربه من قوة التفجير ، لكن طبقا لمصادر الاستطلاع فكان يوجد بالموقع من 25 الي 30 جندي اسرائيلي في ذلك الوقت بخلاف أطقم الدبابات .

 

في هذا الوقت استطعنا تدمير دبابات العدو الخمس بعد ان ظهرت دبابه اضافيه لم تكن في حساباتنا .

 

فقام رؤوف ابو سعده بتدمير دبابه ، وحامد جلفون دمر دبابه وعبد ربه دمر دبابه وقمت بتدمير دبابتنين.

 

ولم يكن هنالك مقاومه بعد ذلك بعد ان سيطرنا تماما علي الموقع ، مما اعطانا حاله من الهدوء النفسي الغريب في ذلك الموقف .

 

فبدأنا في التمشيه داخل الموقع بينما الدخان الاسود يعلو الموقع جراء انفجار ملجأ الجنود والدبابات الخمس .

 

واسطعنا جمع ثلاث اعلام للموقع الاسرائيلي احدهم أخذه المساعد حسني سلامه وكان علي صهريج كبير ، ووضع مكانه العلم المصري واحكم ربطه بالاسلاك ، وظل العلم المصري فترة طويلة مكانه وكلما اقتربت قوة اسرائيليه من العلم المصري قامت قواتنا من الناحيه الاخري من القناه بالضرب عليهم مما جعلهم ينسفون الصهريج بالكامل للتخلص من العلم المصري .

 

وقد عدت ومعي علم الموقع الرئيسي ومازلت احتفظ به حتي الان ذكري الاستيلاء علي تلك النقطه

 

العوده بفرد زائد

 

بعد مرور ما يقرب من ساعه من احتلانا الموقع وتأمينه والسيطرة عليه وصلتنا اشاره الانسحاب من قائد السريه وهي (( ستك بتخاف من الجوافه )) وبدأنا العوده في القوارب ، تجاه النقاط المحدده لنا والتي نزلنا منها سابقا مع وجود نقطه احتياطيه بديله عند الكرنتينه .

 

ووصلت القوارب جميعها وكان اخرهم قارب الملازم رؤوف ابو سعده والذي كان محركه مصابا ، والذي استكمل عبورة ذهابا وعوده بالتجديف بالاضافه الي المجهود البدني في القتال ، وكان اخر من وصل هو الرقيب عبد الحليم والذي حمل القارب خارج الماء ووقع علي الارض مغشيا عليه ، فتم نقله الي البدروم حيث ينتظر الطبيب لاسعاف اي جندي وهرعنا خلفه لنجد الرقيب عبد الحليم وجهه ابيض كلون الشمع وعندما بدأ الطبيب في فتح جسده لم ينزف قطرة دم واحده ، فالرقيب عبد الحليم كان مصابا منذ بدء العبور واستمر في النزيف اثناء التنفيذ والعوده بالتجديف مما جعل كل جسده ينزف كل دمائه ليستشهد وسط رفاقه بعد تنفيذ المهمه بنجاح .

 

تلي ذلك استشهاد ثلاث جنود اخرين من اصابات اخري بعد ان عادوا بعد اداء المهمه

 

وفي تقرير العمليات تم ذكر ان القوة التي بدأت كانت من مائه واربعون جنديا عادت مائه وواحد واربعون بعد اسر جندي مدرعات اسرائيلي .

 

وبدأنا التحرك بالعربات فرادي الي الاتكه ، وتحركت بعدنا دبابات كتيبه المدفعيه ، في ذلك الوقت كان الليل قد حل ، وبدأنا التحرك شمالا تجاه السويس ، وبدأ الطيران الاسرائيلي بالتدخل ردا علي عمليتنا ، محاولا تدمير تلك القوة التي قامت بتلك الاغارة الجريئه في وضح النهار .

 

وخلال الطريق كان علي يميننا القناه ويسارنا سبخات والطيران الاسرائيلي من فوقنا يلقي المشاعل المضيئه لاضاءه الطريق لكي يتصيد الدبابات .

 

وسبحان الله علي قدرته ، فقد ظهرت من العدم سحابه سوداء في سماء الطريق ونحن في شهر يوليو منتصف الصيف نادر السحب ، ناهيك عن سحابه سوداء كبيرة قاتمه تستر الطريق فوق قول المدافع ، اصبنا كلنا بالدهشه مما نري امامنا ، فالطيران الاسرائيلي اصابه السعار وبدأت طلقاته وصواريخه وقنابله تطيش علي يمين ويسار الطريق بدون ان تصيب الدبابات المتحركه شمالا تجاه السويس بسبب تلك السحابه التي توقفت فوق الطريق وأبت ان تتحرك الا بعد ان تمر كل المركبات بسلام وتصل الي حي الاربعين داخل السويس ، ثم تحركت السحابه بعد ان وصلت اخر مركبة الي الامان .

 

ثم تحركنا من ميناء الاتكه الي منطقه بير عديب لكي نكون بعيدا عن رد فعل العدو المتوقع علي قواتنا .

 

كانت فرحتي الشخصيه مضاعفه بعد تنفيذ العمليه ، فقد نفذنا كل ما خططنا له تماما وبدون خسائر ، وحصلت علي اسير وسلمته لمندوبي مكتب مخابرات السويس .

 

فكم المجهود الذي قمنا به في التدريب كان اضعاف مضاعفه مما واجاهناه في الحقيقه

 

فقد كان التنفيذ بسيطا وسلسا جدا عن التدريبات وهو ما زادنا ثقه ، فقد واجهنا معوقات كثيرة لكننا تغلبنا عليها

 

فتلك المهمه كانت نهاريه اي ان العدو يستطيع بسهوله رصد تحركاتنا والتعامل معنا ، والعمليه تتم بالمواجهه وهي اصعب من عمليات الاقتحام ، كذلك العبور يتم في اعرض اماكن قناه السويس حيث يصل عرض القناه الي 400 متر مع سرعه تيار مياه عاليه جدا ، وعبور بمحركات 14 قارب مطاطي بما لهم من صوت عال جدا .

 

استقبلنا رجال الكتيبه بالزغاريد وبالبكاء والفرح والغيرة (غيرة وليس حقد) فكل رجل من الكتيبه كان يود ان يكون معنا او مكاننا

 

قابلني الرائد احمد شوقي بسعاده فوق الوصف واحتضنني بقوة وكانت السعاده تشع من كل كلمه من كلمات صالح فضل وهو يهنئنا ويشد علي يدنا .

 

لقد كان الله معنا منذ البدايه وكنا نري ذلك بوضوح في القارب الذي لم ينفجر من دانة الدبابه والسحابه التي ظللت تحركنا الي السويس رغم اننا في الصيف ولا وجود للسحاب في سماء السويس ، وكذلك الرجال الذي استشهدوا بعد عودتهم والذين لم يطلبوا العوده لاصاباتهم ، كل ذلك جعلنا ندرك قيمه العمل الذي قمنا به .

 

ومن اهم نتائج تلك العمليه والتي لمسناها بكل قوة هي ادارك حقيقه ان الجندي الاسرائيلي بدون ساتر او معده تحميه لا يساوي شيئا ويمكن هزيمته بسهوله.

 

تكريم الرئيس

 

بعد عودتنا ومن اليوم التالي بدأنا تدريباتنا العاديه كأن شيئا لم يكن ، ومنحنا الرئيس عبد الناصر فورا نوط الشجاعه من الطبقه الاولي للضباط وكل الصف والجنود نفس النوط من الطبقه الثانيه

 

وطلبنا الرئيس عبد الناصر في منزله ، وفور دخولنا المنزل وجدنا مدير مكتبه محمد احمد يرحب بنا ويشير الي غرف مكتب الرئيس ويخبرنا بأن الرئيس في انتظارنا ، فتحركنا الي تجاه غرف مكتب الرئيس ، فوجدنا سياده الرئيس يقابلنا علي باب مكتبه فاتحه ذراعيه مرحبا بنا قائلا

 

(( اهلا بالابطال – حمد الله علي السلامه )) واحتضن الرئيس كل منا ، وفور احتضانه كل منا كنا ننخرط في البكاء الشديد ، فكنا نحس بانه الاب الذي يهنئ ابناءه علي نجاحهم في الامتحان الصعب.

 

ودار بيينا حوار هادئ جميل جدا وكنت احس ان نظرات الرئيس تخترق كل منا لتنفذ من الناحيه الاخري ، فهذه هي كاريزما الرئيس عبد الناصر كما رأيتها بعيني .

 

وبعد عودتنا من بيت الرئيس توجهنا الي قياده الجيش الثالث حيث اسقبلنا اللواء عثمان قائد الجيش الثالث ، وكانت هناك ما كان يسمي كتائب الطلبه وهي كتائب من الطلبه تقوم بزيارة الجبهه                                                                    

 

وحضر اللواء احمد اسماعيل رئيس الاركان وسلمنا انواط الشجاعه التي منحها لنا الرئيس ، ودعي للحفل اللواء سعد الشاذلي قائد القوات الخاصه والتي تضم قوات الصاعقه والمظلات في ذلك الوقت وحضر معه المقدم نبيل شكري رئيس اركان القوات الخاصه .

 

ولم تكن قياده وحدات القوات الخاصه علي علم بتلك العمليه ، نظرا لظروف السريه التي فرضها الموقف حيث كنا نتبع الجيش الثالث في ذلك الوقت ولم يكن هناك داع لكي يتم تبليغ قياده القوات الخاصه بتلك العمليه

 

وبعد سنوات وبعد حرب اكتوبر المجيده اتضح لنا ان كافه العلميات والدوريات التي كانت تشارك فيها قياده وحدات القوات الخاصه تكون خسائرها كبيرة وفادحه ونادرا ما يعود منها الرجال نظرا لوجود المقدم فاروق الفقي كرئيس للفرع الهندسي بالقوات الخاصه وكان جاسوسا للموساد فيما عرف بعد ذلك في فيلم ( الصعود للهاويه ) والذي كان يقوم بتبليغ كافه تفاصيل تلك العلميات الي الموساد قبل تحرك الرجال ، وعندما يعبر الرجال يجدوا الاسرائيليين منتظرينهم في كمين قاتل .

 

وكرد فعل علي عملياتنا الناجحه ، حاول العدو القيام بعمليه ابرار بحري علي الجزيرة الخضراء ( تفاصيل تلك المعركه في قصه وحش الجزيرة المنشورة في ادب الحرب ) لكن العدو فشل في النزول علي الجزيرة الخضراء لكي يرد علي عمليتنا الجريئه .

 

 


 

 

عمليه قتل الجنرال جافتيش ( الاسم الكودي- عمليه هاله وساميه)

 

وردت معلومات من عناصر الاستطلاع بوجود تحركات اسرائيليه تُفسر بأنها مقدمه لزياره شخصيه مهمه للنقط الحصينه في مواجهه الجيش الثالث ، وعلي ذلك ذلك طلبت قياده الجيش من المقدم صالح فضل قائد الكتيبه تنفيذ عمليه معينه وذلك ليله 15-16 ديسمبر عام 1969 ، وكانت الهدف هو عمل كمين نهاري لضرب سيارة تحمل شخصيه مهمه كما تنبأت المخابرات الحربيه طبقا لمعلومات الاستطلاع ، ولو لم يتسن ضرب سيارة الشخصيه المهمه ، فيتم التعامل مع سيارتين مدرعتين للعدو تسلك مسار يومي لتفتيش الطريق شرق القناه في شمال مدينه السويس في منطقه تسمي الجباسات

 

لم نستغرق وقتا طويلا في التدريب لتلك المهمه حيث ان تدريبنا اليومي التخصصي هو اعمال الكمائن لسيارات العدو او الاغارة علي موقع معين ، فكانت تلك العمليه من صميم تدريباتنا ولم نستغرق وقتا للتجهير لها ايضا .

 

تم اختياري لتنفيذ العمليه بناء علي اختبارات العمليه ، وانضم معي ضابط جديد مازال في ايامه الاولي بعد تخرجه  من الكليه الحربيه من الدفعه 55 واسمه قدري شيرازي ، وكان الهدف من الحاق هذا الضابط المستجد معي هو دفعه الي القتال لاكتساب خبرة القتال مع العدو .

 

وكان النقيب حمدي الشوربجي وقتها هو قائد السريه مؤقتا والتي كانت الفصيله التي اقودها من ضمن تشكليها ، وكلف ايضا النقيب حمدي بالعمل معنا في تلك العمليه كقوة ساترة لنا .

 

قمت باختيار اربع افراد (ار بي جي ) وفردين رشاش خفيف وأربعة أفراد بنادق وفي نفس الوقت يحملون ذخيرة اضافيه لافراد الار بي جي ، بالاضافه لي وللضابط قدري شيرازي ليصبح المجموع عشر افراد لتنفيذ المهمه .

 

وقمنا بتدريباتنا في منطقه بير عديب وكان هناك طريق يشابه للطريق الذي سنعمل عليه لتنفيذ الكمين ، وللامانه التامه كان مستوانا قد وصل لدقه كبيرة جدا تخول لنا اصابه علبه عصير علي مسافه كبيرة بينما البندقية في جنبك في وضع الضرب ، وهذا تم بالتدريب المتواصل بالذخيرة الحيه ورغبتنا الكبيرة جدا في القتال والثأر .

 

وبعد فترة قصيره من التدريب طلب مني المقدم صالح فضل ان انسق مع كتيبه المهندسين لاختيار عبوات النسف المطلوبه ولكي يتم تجهيز ما نحتاجه .

 

وبعد نقاش مع المهندسين العسكريين استقر الرأي علي تجهيز خمس شكائر بالواحده عبوة متفجرة زنه 10 كيلو جرامات وبقيه الشكارة يتم وضع حصي لكي تولد شظايا تستطيع تدمير عربه مدرعه ، واستقر رأيي علي وضع العبوات الخمس علي جانبي الطريق ( عبوتين في جانب – وثلاث عبوات في الجانب الاخر)

 

وبعد انتهاءنا من تلك الجزئيه ناقشني المقدم صالح فضل في توقيت العمليه ، فلم نكن نعرف وقت مرور الهدف ، وتوقعنا ان وقت مروره سيكون في ضوء النهار ، فاخبرني المقدم صالح انه سيقوم بنفسه بتجربه الكمين ، حيث سيقوم هو بالمرور في منطقه مشابهه لمنطقه الكمين بعد ان نكون قد اتخذنا اوضاعنا ولو استطاع رصدنا من سيارته فذلك يعني فشلنا حيث سيمر مرتين في منطقه الكمين ، ولو لم يرصدنا فسنقوم بالتفجير في ثاني مرة يمر امامنا لكي يختبر توقيت تفجيرنا ، واخبرنا انه سيتحرك بعد تحركنا بساعه لكي يتيح لنا بعض الوقت لكي نتخذ اوضاعنا ، وقمنا بتحهيز عبوه ناسفه صغيرة في حجم قالب الصابون لتفجيرها .

 

حاولنا إثناؤه عن عمل هذا الاختبار خوفا عليه من الاصابه الا انه اصر بشده علي ان يختبرنا بنفسه ، وبالفعل مر بسيارته الجيب الصغيرة ومعه السائق الجندي/ ماهر وكنا علي مسافه 15 متر من الطريق وكان يعلم بوجودنا لكنه لم يرانا ، وعندما استدارت السيارة وعادت مرة اخري قمت بالتفجير في الوقت المحدد ، فطار غطاء السياره والمصنوع من المشمع ، واصيب المقدم صالح فوق حاجبه فخرجنا من مكمنا للاطمئنان عليه ، ووجدناه يخرج من سيارته ركضا تجاهي وكان ضخم الجثه ، فتوقعت انه يريد ان يفتك بي ، لكنه كان سعيدا واحتضنني وقبلني بكل سعاده لدقه اختفاءنا في وضح النهار ولدقه توقيت التفجير .

 

وفي نفس ليله هذا الاختبار تحركنا الي موقع التحرك في نقطه بين منطقه الشط ومنطقه الجباسات شمال السويس ، وكانت تحتل تلك المنطقه الكتيبه 39 مشاه من الفرقه السابعه وكان قائد الكتيبه وقتها هو المقدم فوزي خليل والذي اصبح فيما بعد قائد الجيش الثالث ومدير ادارة المشاه فيما بعد وهو رجل بكل معاني الكلمه ، ومن المفارقات الجميله ان معظم عمليات عبورنا للضفه الشرقيه كانت تتم في منطقه تواجد تلك الكتيبه ، وكان رجال الكتيبه يستقبلوننا بكل ود وترحاب ويغدقون علينا بالطعام ويشدون من ازرنا قبل تنفيذ المهمه ، اما اثناء تنفيذ المهمه فقد كان رجال تلك الكتيبه يقومون بحمايتنا في طريق العوده ، اما بعد عودتنا بنجاح من اي مهمه فكانت تلك الكتيبه تتلقي الرد الاسرائيلي العنيف سواء المدفعي او الجوي ، ورغم المداعبات من رجال الكتيبه فور رؤيتنا بأن ليلتهم ستكون مليئه بالقصف المعادي نتيجه اعمالنا ، الا ان نظراتهم كان تملئنا حماس وقوة قبل وبعد تنفيذ اي مهمه.

 

تنفيذ العمليه :

 

بدأنا التنفيذ منتصف ليله 15 ديسمبر بأن عبر جنديان سباحه للشاطئ الاخر ، ومدا حبالا للطرف الغربي من القناه ، وركبنا القوارب المزوده بمحركات لكننا عبرنا عن طريق الحبال ، نظرا لوجود نقطتين قويتين للعدو يمين ويسار منطقه العبور ، وصوت المحركات قد يلفت الانتباه ليلا ويفشل العمليه تماما.

 

فور عبورنا قام النقيب حمدي الشوربجي بتنظيم رجاله علي الساتر الترابي كمجموعه ساترة لنا ، وقاموا باخفاء القوارب داخل رمال الساتر ومن فوقها شباك تمويه وقام برش الشباك بالرمال لكي تكون من نفس لون التربه ، وكنا نرتدي افرولات كاكيه اللون وغطاء رأس قماشي من نفس لون الرمال وحتي الاحذيه تم تغطيتها بنفس القماش لكي لا تلفت النظر، فقد كنا مستعدين بكل شئ لكي نكون غير مرئيين تماما .

 

وبدأت بجنودي في التحرك تاركا حمدي الشوربجي ورجاله علي الساتر الترابي لستر انسحابنا ، ، ونظرا للظلام التام فقد تحركنا طبقا لحسابتنا علي الخريطه ، وبدلا من التحرك تجاه الطريق مباشرة فقد تحركنا باتجاه مائل حتي نقطع الطريق في نقطه بعيده عن الموقع الذي اخترته للكمين حتي لا يتم رصد اثار اقدامنا ، حيث تدل اثار الاقدام علي تحركنا الي داخل سيناء تجاه الجبل شرق الطريق والذي تواجدت عليه نقاط مراقبه للعدو ، ثم انحرفنا شمالا وبعد فترة غربا حيث الطريق ومنطقه الكمين

 

( خريطه العمليه بيد سياده اللواء معتز في الصور الملحقه وبها خط السير للكمين)

 

وفور وصولنا لمنطقه الكمين وبدون اي اوامر وكما تدربنا ، اتخذ الرجال مواقع دفاعيه للاشتباك مع اي هدف قد يظهر بينما تقوم بقيه القوة بوضع العبوات الناسفه ، وقمنا بفرد اسلاك التفجير والتي قمنا بشراءها من سوق الرويعي بالقاهرة لكي تكون من نفس لون اسفلت الطريق والذي لم يكن اسود انما كان رماديا لكي يكون مضئ نوعا ما للسيارات التي تتحرك ليلا وكان هذا الطريق من إنشاء هيئه قناه السويس ويستخدم لتحركات رجال الهيئه قبل النكسه ، فكانت الاسلاك رماديه اللون ايضا وغير ظاهرة للعين

 

وقمت بوضع فردين ار بي جي علي جانبي قوة الكمين لحمايتنا من اي اهداف قد تظهر علي يمينا او يسارنا ، واتخدنا اوضاع التمويه والاخفاء في حفر قمنا بعملها عبر ازاحه الرمال بهدوء وبدون حفر ، لاننا لو قمنا بالحفر ونزل ندي الصباح علي ناتج حفرنا لاصبح لون الرمال مختلف عن لون الرمال التي نختبئ بجانبها مما يجعلنا مكشوفين تماما للعدو وكأنها علامه للاعمي علي وجودنا في تلك المنطقه ، لذلك قمنا بإزاحه الرمال وتكوين فجوه نستطيع ان نتمدد فيها ووجوهنا تجاه الارض واعيننا مسلطه علي الطريق بعد ان وضعنا بعض كدي من الحشائش فوق اجسادنا ، ومن فضل الله ان الرياح كانت شبه ساكنه فلم تتحرك الحشائش فوق اجسادنا .

 

ومن علي مسافه خمس عشر متر من الطريق كمنا في اماكننا حوالي الساعه الرابعه صباحا بعد ان تأكدنا الي اننا نفذنا تجهيز الكمين بالكامل، واستمررنا في الانتظار وسط صقيع ليل ديسمبر وبدون اي صوت او حتي همس ، فكان التحرك والتنفيذ والاختباء في صمت كامل ، واستمررنا في الانتظار الي ان سمعنا صوت اذان الفجر يصل لنا من الضفه الغربيه للقناه حيث قواتنا ، ثم بدء ضوء الفجر في الظهور من خلفنا ببطء ونحن في الانتظار .

 

كان وضع احتماءنا نحن العشرة بفاصل مترين بين كل فرد والاخر اي اننا في مواجهه عشرون مترا مع الطريق لاننا نعلم تماما ان اسلوب عمل عربات العدو المدرعه التي تتحرك في دوريات يوميه علي الطريق انها تسير بفاصل 15: 20 متر بينها لذلك كنا نستعد للاشتباك مع تلك العربات لو تم كشفنا .

 

وللامانه والتاريخ فقد كان الرجال مدربين جيدا جدا ولديهم تركيز تام لتنفيذ المهمه بأقصي كفاءه ممكنه ، فقد كنت انظر للرجال كل فترة فأجد الاعين تمسح المنطقه في تركيز وانتباه شديدين، وكانت ثقتنا في انفسنا وفي تمكننا من التنفيذ كبيرة جدا ، لدرجه ان كل الرجال كانت تبتسم وهي تنفذ المهمه لثقتها الكامله في قدرتها وفي تمكنها من تنفيذ المهمه

 

وخلال فترة انتظارنا الطويل لم يحدث اي شئ يقلقنا ، فكان الهدوء شديد لدرجه تجعلنا نسمع ضربات قلوبنا .

 

وبعد فترة من الانتظار بدأت بوادر التحركات الاسرائيليه تظهر لنا فبدأنا نسمع صوت طائره سوبر بايبركب وهي طائرة بطيئه جدا وتطير علي ارتفاع منخفض بهدف البحث عن اثار اقدام لكنها لم تستطع رصدنا او رصد مجموعه حمدي الشوربجي علي الساتر الترابي ، تلي ذلك بنصف ساعه طائرة هليكوبتر من طراز بل 47 علي ارتفاع منخفض وفوق الطريق مباشرة .

 

ساميه يا معتز

 

وقرب حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا اتصل حمدي الشوربجي بي علي اللاسلكي من مكانه علي الساتر والذي يتيح له كشف الطريق لمسافه بعيده وقال لي ((يا معتز – ساميه ))وكانت تلك كلمه السر المتفق عليها حيث ان الطريق له اتجاهين ومن المتوقع مرور الهدف من اي اتجاه ، فقمنا باختيار اسماء ( ساميه وهاله ) للدلاله علي اتجاه الهدف المقبل علينا لكي نستعد له في هذا الاتجاه ( وكانت ساميه وهاله هي اسماء خطيبات حمدي الشوربجي وزميلنا رؤوف ابو سعده )، فأخترنا تلك الاسماء الكوديه علي هذا الاساس وفي حاله اذا كانت كلمه السر  بطه هاله او بطه ساميه فهذا معناه ان الهدف القادم هو مدرعات تاتي من اتجاه هاله او ساميه .

 

وفور سماعي لكلمه السر رددت عليه مازحا (( هطلع لك عينها )) ، وبدأنا نستعد للتنفيذ ، ومررنا كلمه ساميه لكل الافراد ، وشحنت دينامو المفجر وظهرت لي ضوء الاستعداد للتفجير ، وظهرت لنا سيارة جيب امريكي بداخلها اربع افراد ، وبدون الزجاج الامامي وبدون سقف ، واستطعنا متابعه تحركها بكل دقه حتي وصلت الي منطقه التفجير ، وعندما هدأت السيارة من سرعتها للدوران مع انحناء الطريق ، قمت بالتفجير مسببا تفجيرا قويا للغايه ، لكننا فوجئنا بالسيارة تخرج من داخل كتله النار وبعد كسر من الثانيه فتحنا النار علي السيارة بكل دقه وتركيز ، فالانفجار لم يؤثر علي السيارة الصغيرة التي ساعد صغر حجمها علي تفاديها الموجه التدميريه للعبوات التي أتضح لنا فيما بعد انها كانت مصممه لتدمير عربات مدرعه ذات ارتفاع اعلي ، لذلك مرت السيارة من تحت الموجه التفجيريه بدون اضرار تذكر ، لكن طلقاتنا كانت لها بالمرصاد لتحول السيارة وكل من فيها الي اجسام مثقوبه .

 

وإنقلبت السياره خارج الطريق ، وخرجنا من اماكننا وتوجهت للسيارة لاعاين ما الذي حدث لمن فيها ، فوجدت ان الرجل الذي يجلس بجوار السائق يحمل رتب جنرال ، وكان جانبه الايمن ممزق من طلقاتنا من رقبته وحتي وسطه ، وكذلك بقيه من كانوا معه ، فخلعت رتب الجنرال واخذت محفظته الشخصيه وحقيبة الوثائق ، وعدونا تجاه الساتر الترابي ركضا بأقصى سرعة ممكنة فمع لحظه التفجير وكما تم التخطيط له ، فان مدفعيه الجيش الثالث ستبدأ في الضرب ، للايحاء لنقاط المراقبه او لاي قوه اسرائيليه قريبة ، بأن انفجار العبوات التي فجرتها لم يكن بسبب قوات صاعقه متواجده ، انما كان بسبب قصف مدفعي مصري .

 

فكنا نركض وقنابل المدفعيه المصريه تلاحقنا ، فكنا نجري هربا من طلقات المدفعيه المصريه حيث كان التخطيط المصري ان تقوم المدفعيه بالضرب علي شكل غلاله مربع ناقص ضلع لكي تحمينا من الخلف ويكون الضلع الناقص من المربع هو الاتجاه الذي سنهرب اليه وفق الرسم المرفق ، ايضا كان الضرب المدفعي المصري يتحرك تجاه الغرب فكان تأخرنا او عدم سرعتنا في الركض خطرا علينا من تلك القذائف .

 

في نفس الوقت كان حمدي الشوربجي يوجهنا باللاسلكي الي نقطه العوده ، وايضا كانت القوارب قد نزلت الي الماء وتم البدء في عمل المحركات لعودتنا بالمحركات

 

وفور عودتنا قابلنا افراد الكتيبه 39 مشاه بالتهليل والتكبير وكان معهم ضباط كبار في الجيش الثالث وضباط مخابرات عسكريه .

 

وحتي اليوم التالي لم اكن اعلم شخصيه الشخص الذي قتلته ، حتي اعلنت اسرائيل رسميا عن مصرع الجنرال جافتيش قائد المنطقه الجنوبيه العسكريه اثر حادث تحطم سيارة .

 

وقتها فقط علمت شخصيته ، فلم اكن قد فتحت حافظه اوراقه لاعرف اسمه فقد سلمتها وهي مغلقه الي ضابط المخابرات الحربيه ، وكل ما كنت اعرفه انني قتلت جنرالا فقط

 

وكان صدي تلك العمليه علي الجيش المصري هائلا ، بسبب رتبه الجنرال القتيل وبسبب ان العمليه نهاريه وفي عز ضوء الشمس وداخل ارض العدو وبدون خسائر تماما.

 

وبعد يومين كنت اجازة في القاهرة وجاء للمنزل رجلا من رئاسه الجمهوريه يخبرني  بأن سياده الرئيس يريد مقابلتي ، وكانت تلك المقابله الثانيه لي معه بعد عمليه لسان بورتوفيق ، لكنها كانت المقابله الاولي لي معه منفردا.

 

وتوجهت الي منزل السيد الرئيس ، وقابلني مدير مكتبه السيد محمد احمد ، فوجدت الرئيس علي باب مكتبه فاتحا ذراعيه لي واحتضنني وبارك لي علي نجاح العمليه ودعاني للجلوس بجواره علي كنبه ، ووضع رجله تحته ونظر الي مبتسما قائلا

 

(( احكيلي يا معتز بالتفصيل الممل ، موت الراجل ده ازاي ؟؟؟))

 

وبدأت اقص عليه كل ما دار وهو في تركيز تام لكل كلمه اقولها وعينيه لا تفارق عيني لدرجه انني تعمدت الا انظر في عينيه من رهبتي من الموقف ومن الرجل الذي يجلس بجواري كوالد يستمع الي ما قام به ابنه من عمل كبير وعظيم ويريد الا يفوت اي تفصيله مهما كانت ، فكان يقاطعني ويسأل عن شئ معين ثم أستكمل وهو في تركيز كبير معي ، وطوال الجلسه لم يدخل علينا احد ولم يدق جرس التليفون او يعكر صفو الحوار اي شئ ، فكنت احس ان مصر كلها تستمع الي الان في صمت وفي تركيز ، فالرئيس لم يقابلني كبروتوكول او واجب مفروض عليه ، انما كان لقاء احسست معه بأنه اب يستمع الي ابنه بأنصات تام بالضبط (( تعليق من المجموعه 73 مؤرخين – لا يمكن بأي حال من الاحوال وصف لمعان عيني اللواء معتز والابتسامه التي تظهر علي شفتيه وهو يقص تفاصيل الحوار مع الرئيس عبد الناصر ))

 

وكانت اسئلته كلها في الصميم من رجل عسكري لرجل عسكري اخر ، وبعد انتهائي من السرد بارك لي علي نجاح العمليه وعودتنا سالمين ، ثم نظر الي وسألني

 

- معتز نفسك في ايه ؟؟؟؟

 

-  يعني ايه يا فندم ؟؟

 

- عايزك تطلب ، اطلب اي حاجه

 

- اي حاجه يا فندم ؟

 

- اي حاجه يا معتز ، اطلب

 

- نفسي وانا قاعد جنب حضرتك اتصور .

 

فنظر الي باستغراب وكأن طلبي غير متوقع ، ثم قام بالنداء علي محمد احمد مدير مكتبه وسأل عن المصور حسين بكر ، وجاء المصور سريعا ، فقام الرئيس ووضع يده علي كتفي واصر علي التقاط عدد من الصور (( للاسف تلك الصور غير موجوده حاليا )) ثم انصرف المصور ، وسألني الرئيس مرة اخري

 

- اطلب يا معتز ؟

 

- ما انا طلبت يا فندم

 

- لا انا عايزك تطلب اي حاجه

 

- اي حاجه يا فندم ؟

 

- بص يا معتز ، اي حاجه هتطلبها هتتحقق

 

- علي مكتب سيادتك يا فندم فيه ورق مكتوب عليه جمال عبد الناصر رئيس الجمهوريه ، انا عايز من سيادتك تكتب لي خطاب شكر عليها .

 

وما ان قلت ذلك وبيقين تام اكاد اجزم انني رأيت الدموع تترقق في عينيه من طلبي هذا لدرجه انه حاول الا يكشف لي دموعه ، فأحتضنني بشده قائلا

 

- اللي زيكم هما اللي هيحرروا البلد يا معتز

 

وجلس علي مكتبه يكتب لي خطاب الشكر ، وكل خلايا جسدي تنطلق من الفرحه مما يحدث، وكتب لي

 

(( ابني العزيز جدا جدا جدا معتز ، ......))  ثم قام بطي الورقه ووضعها في ظرف يحمل اسمه وسملني اياه ، واديت له التحيه العسكريه وانصرفت ، وعند باب مكتبه نادي علي الرئيس واخبرني بأن ارسل تحياته الي اهلي بالمنزل ، وهي جمله تعرفني انه يتذكرني ويتذكر عائلتي .

 

ولم انل عن تلك العمليه اي وسام او نوط او مكأفاه عينيه بسبب ان احد القاده كان يري انه كان يجب ان احضر جافتيش اسيرا ، وهذا القائد لم يكن معنا في الكمين ولم يكن يعرف اننا كنا ننفذ كمين لقتل جنود العدو وفي عمق قوات العدو ولم نكن نخطط لكي نحضر اسيرا ، وانه حتي لحظه وصولي لموقع السيارة المحطمه لم اكن اعلم من بداخلها انما توفيق الله فقط هو من وضع جافتيش في المكان والزمان المناسب لي كهديه من الله لي .

 

وبعد عده ايام تلقيت هديه ، فرفضت الهديه علي الفور لانني اعتبرتها اهانه لي ، وكانت الهديه مقدمه باسم رئيس الاركان اللواء احمد اسماعيل .

 

ووافقني المقدم صالح فضل علي موقفي ورفض الهديه ، ووصل الموقف الي رئيس الاركان ، ودافع عن موقفي المقدم صالح فضل بكل قوة .

 

وللاسف رغم بطولات الجيش المصري في حرب الاستنزاف والتي نعجز عن حصرها في كتاب او مرجع ، فأن بعض تصرفات صغار القاده تفسد صورة الانجاز امام كبار القاده ، فنحن لم نكن نبحث عن نوط او نيشان او مكافأه ويكيفني فخرا خطاب الرئيس عبد الناصر وصورتي معه .

 

وبعد تلك العمليه قمت بعمليات عبور متكررة لشرق القناه بهدف عمليات استطلاع او رص الغام علي الطرق او تصنت علي العدو ، لكننا لم نشترك في عمليات كبيرة مثل عمليه قتل الجنرال جافتيش أو عمليه لسان بورتوفيق .

 

وقد قامت الكتائب الاخري بعمليات بطوليه كبيرة خلال حرب الاستنزاف لكن اترك فرصه سرد احداثها لمن قام بتلك العمليات فهم احق بشرف سرد عملياتهم واكثر دقه مني .

 

طوال فترة حرب الاستنزاف كنا نشاهد معارك جويه مستمرة في السماء وكثيرا ما قمنا بدفع دوريات للبحث عن الطيارين الناجين ، وكنا ايضا نقوم بعمل دوريات علي طريق البحر الاحمر .

 

=============================================

 

ومن بين الاحداث التي كنت شاهدا عليها اثناء فترة تواجدي بالجبهه مع كتيبتي

 

* في السابع من سبتمبر 1969 ، كلفت سريه من كتيبتنا بتأمين كتيبه دفاع جوي سام 2 تحركت الي منطقه قرب جبل عتاقه ، وتم انتشار كتيبه الدفاع الجوي يوم الثامن من سبتمبر واصبحت جاهزة للاشتباك في يوم التاسع من سبتمبر ، وفي فجر ذلك اليوم دخلت طائرات سكاي هوك وضربت قاعده الدفاع الجوي مستغله وجود جبل عتاقه كمانع راداري لرادارات تلك الكتيبه ، ونجحت طائرات السكاي هوك في تدمير كتيبه الدفاع الجوي تماما ، بدون اصابات في رجال الصاعقه المنتشرين حول محيط القاعده

 

* قامت قوات ضفادع بشريه اسرائيليه بعمليه هجوم علي زورقين طوربيد متمركزين في منطقه بير عديب ، فغرق احدهم اما الثاني فقد تصرف قائده بسرعه ودفع بالزورق الي الشاطئ وهو مصاب فأنقذه من الغرق ( م.أ.ربان / حافظ إسماعيل )

 

 

 

* كانت القوات الاسرائيليه مسيطرة علي منطقه جنوب العين السخنه جوا وبحرا في تلك الفترة بعد تخلصها من كتيبه الدفاع الجوي في التاسع من سبتمبر وتخلصها من زورقي الطوربيد في منطقه بير عديب ، ولذلك قامت بعمليه ابرار بحري في منطقه ابو سياله جنوب العين السخنه بـ اربع عشر كيلو متر.

 

ومنطقه ابو سياله عبارة عن صحن منبسط يحيط به الجبل ولا تتواجد بها قوات مصريه .

 

فأرسل العدو تسع ناقلات خفيفه ، تحمل كل منها دبابه تي 54 روسيه الصنع من غنائم الجيش المصري في حرب 1967 ، وتم ابلاغنا في الكتيبه بإحتمال قيام العدو بعمليه ابرار بحري في منطقه عملنا ، وصدرت لي الاوامر بقياده فصيلتي والتوجه الي الجنوب لاستطلاع الموقف .

 

وتحركت فصليتي المكونه تقريبا من اثنان وعشرون جنديا بعربتي (وليد) المدرعه تجاه الجنوب ، وقرب ابو سياله هاجمنا الطيران الاسرائيلي في منطقه مكتظه بسيارات نقل وسيارات ثلاجة التي تنقل الطعام والفاكهه لمناطق البحر الاحمر ، فاصبحنا محصورين بين البحر والسيارات المهجورة من ركابها ،  فأمرت السائق بالخروج من الطريق والتوجه تجاه الجبل ، وبدأت الطائرات الاسرائيليه تقصفنا ، وكانت صواريخ وطلقات الطائرات علي يمين ويسار العربات ، فتركنا العربات وانتشر الجنود علي صخور الجبل للاحتماء من الطيران المعادي ، الا ان مجند مستجد من قوات حرس الحدود المرافقه لنا ، ظل في العربه مستخدما المدفع الرشاش الجرينوف المتوسط ضد طائرات العدو في شجاعه وبلا خوف من الشظايا المتطايرة حوله ، واصيب هذا المجند الشجاع بشظيه في فكه الاسفل ، فما كان منه الا ان امسك بفكه الدامي ، واستمر باليد الاخري يطلق النيران ضد طائرات العدو ، فركضت نحوة واخرجته من العربه المدرعه واخرجت مقعد السائق واشلعت فيه النيران بجوار العربه ، وقمت بنفس الشئ مع العربه الاخري ، ومع تعالي الدخان الاسود الناتج من احتراق تلك المقاعد، توهم الطيارين الاسرائيليين ان العربات قد اصيبت ، فأبتعدوا عنا وعادوا الي مطاراتهم ، فور انتهاء الغارة سمعنا صوت الدبابات الاسرائيليه المختفيه وسط سيارات النقل المهجورة تتحرك جنوبا بعد ان تأكدت ان القوه المصريه قد ابيدت فتحركوا جنوبا.

 

بعدها بدقائق وصلت فصيله صاعقه اخري تم ارسالها خلفنا ويقودها الضابط ...محمد عبد ربه

 

فقد كنا قد ابلغنا قياده الكتيبه لاسلكيا برصد دبابات للعدو واننا نتعرض لهجمات جويه ، فتم ارسال فصيله اخري لتقصي الوضع .

 

وبعد اطلاعه علي الامر ، تحرك عبد ربه بفصيلته جنوبا خلف دبابات العدو، واختفي عن انظارنا ، وبدأنا نحن في مهمه ثقيله وشاقه الا وهي تجميع جثث المدنيين الذين كانوا يستقلون السيارات المدنيه متوجهين الي الغردقه وفتحت الدبابات الاسرائيليه النار عليهم

 

وجمعنا عددا من الشاردين الاحياء ايضا والذين كانوا يخافون منا ظنا باننا اسرائيليين ، وتم ارسالهم الي معسكر الكتيبه ، في ذلك الوقت كان الطيران الاسرائيلي نشط جدا فوق رأسنا لحمايه دباباته من اي تدخل مصري سواء عن طريق الجو او البر .

 

وقد تعرضت فصيله زميلي عبد ربه لقصف مدفعي من زوارق البحريه الاسرائيليه التي تؤمن جانب دبابات العدو ، وحصرته بين الطريق وبين الجبل ، فأضطر الي الاحتماء بالجبل من مدفعيه زوارق العدو ، بينما استكملت دبابات العدو طريقها جنوبا متجهين تجاه الزعفرانه .

 

في هذا التوقيت كان محافظ البحر الاحمر / السيد علي كامل يتجه بسيارته الخاصه الي القاهرة ، وشاهد تلك الدبابات وميزها بنوعها وايقن انها دبابات مصريه فلم يستدير بسيارته انما استكمل طريقه حتي اعترضته دبابه ومرت علي السيارة لتساويها بالارض بمن فيها ، وعندما وجدوا ان هناك بقايا بيرق علي مقدمه السيارة ايقنوا انهم قتلوا شخصيه مهمه ، فأرسلوا طائره هليكوبتر حملت بقايا السياره بمن فيها وعادت الي اسرائيل ( وبعد فترة اعادت اسرائيل رفات المحافظ والسائق الي مصر عبر الصليب الاحمر )

 

وكان هدف القوات الاسرائيليه من تلك العمليه هو هدف دعائي ، فقد اصطحبوا مصورين وصحفيين ونقلوا علميتهم الجريئه لغزو مصر ، واذاعه التلفزيون الاسرائيلي لاحقا ، مصورين انفسهم بانهم الجيش الذي لا يقهر ومحاولين تحطيم معنويات جنودنا

 

لذلك فور انتهاء مهمتهم عادت الدبابات الي الناقلات البحريه وعادت فورا الي اسرائيل

 

(( ملاحظه من المجموعه 73 مؤرخين- بسبب تلك العمليه صدرت الاوامر للضفادع البشريه بتدمير سفينتي الانزال بيت شيفع وبات يم والتي شاركتا في تلك العمليه ))

 

وفي اليوم التالي كان اول من حضر الي موقعي قرب ابو سياله هو المقدم صالح فضل والذي حضر بمفرده لاستطلاع موقفي ، اعطاني اوامر بالبقاء في تلك المنطقه مؤقتا لمنع تكرار عمليه الابرار البحري المعادي .

 

فظللنا في تلك المنطقه فترة طويله امتدت الي خمس عشر يوما ، مستغلين العربات المهجورة والمملؤة بأصناف الطعام والفاكهه المتنوعه ، مما جعل وجودنا في تلك المنطقه مريح لنا من ناحيه الامدادات الغذائيه .

 

وبعدها عدنا الي مقر الكتيبه ، واثناء ذلك تم تعيين اللواء سعد الشاذلي قائد القوات الخاصه  قائدا لمنطقه البحر الاحمر المكونه حديثا ، مما ادي الي فصل قوات الصاعقه مره اخري عن قوات المظلات وكان قائد الصاعقه في هذا الوقت هو العميد / محمد نبيه السيد ولفترة وجيزه ومن بعده العميد / نبيل شكري

 

واود ان اشير الي ان فترة تولي اللواء سعد الشاذلي لقياده القوات الخاصه كانت فترة سيئه جدا علي قوات الصاعقه نتيجه تحيزة الدائم لقوات المظلات واهداره لدور قوات الصاعقه بشكل كبير .

 

تلي ذلك سحبنا الي منطقه مطار القطاميه ، وابتعدنا عن الجبهه مسافه كبيرة حيث احتلت قوات مشاه من الجيش الثالث موقعنا في بير عديب ، وبعد انتقالنا استطعنا متابعه نشاط القوات الجويه المصريه من مطار القطاميه وكان نشاط كثيف للطائرات المصريه ، وبعد عده ايام كلفنا بحمايه جهاز معين فوق الجبل بالقرب من مرصد القطاميه وكان جهاز الكتروني سري متقدم جدا ولم نعرف ما هو ، وكنا نتناوب الحراسه عليه علي مستوي الفصائل.

 

  تلي ذلك وقف اطلاق النار عام 1970 بمبادرة روجرز ، ودخلنا مرحله اخري من التدريب العنيف .

 

ونقلت الي مدرسه الصاعقه وتركت الكتيبه 43 ، كمعلم لتدريس خبراتنا في الاعمال التي قمنا بها والدروس المستفاده من تلك الاعمال وتكتيكات العدو المتبعه .

 

ثم أعرت إلى مدرسة الصاعقة في ليبيا وظللت بها احد عشر شهرا للمساعده في تشكيل قوات الصاعقه الليبيه وعدت بعدها الي مصر .

 

وعدت الي مدرسه الصاعقه لنواصل التدريب لحرب تحرير سيناء ، وقد لمست الفارق الكبير في تعيين المؤهلات المتوسطه والمؤهلات العليا في القوات المسلحه علي مستوي الجنود وصف الضباط ، فقد ادي ذلك الي رفع مستوي العلم والوعي لدي الجنود ، وسرعه استيعابهم للسلاح واستخدامه.

 

كانت وفاه الرئيس عبد الناصر وخاصه بعد معرفتي الشخصيه به كمن فقد والده وقد اثرت في كثيرا لكنها لم تؤثر علي شخصيتي او رغبتي في القتال ، سواء علي مستواي الشخصي او مستوي الضباط او الجنود حولي ، فقد كان الحزن هو القاسم المشترك لنا فور سماعنا لخبر الوفاه ، لكننا في وحدات الصاعقه تعلمنا الا ندع المشاعر الشخصيه تؤثر علي تدريباتنا وحماسنا الشديد للقتال .

 

 


 

حرب اكتوبر

 

 وكماعلمنا ببدء حرب يونيو 67 من الاذاعه علمنا ببدء حرب اكتوبر ايضا من الاذاعه ، فقد كنت في مدرسه الصاعقه كمعلم اقود دورات تدريبيه لفرق الصاعقه للضباط والصف وللجنود عندما سمعنا الخبر وكان احساسنا لا يوصف بالسعاده الغامرة وان ما نقوم به في مدرسه الصاعقه لا يقل بأي حال من الاحوال عما يقوم به الجندي بالجبهه .

 

مر اول اربعه ايام قتال وانا بمدرسه الصاعقه ، بعدها تم استدعائي الي الكتيبه 43 مرة اخري لتعويض الخسائر في الضباط بها نتيجه المقاومه العنيفه للجنود الاسرائيليين في نقطه لسان بورتوفيق مثل الشهيد النقيب جمال عزام وكان من الضباط المتميزين في الصاعقه ، وتم استدعائي ومعي رفيقي الشهيد رؤوف ابو سعده ، والذي كان معي منذ تخرجي في نفس الكتيبه ونقل معي مدرسه الصاعقه في توقيت متزامن .

 

ونقلنا نحن الاثنين الي نفس الكتيبه التي بدأنا بها القتال في حرب الاستنزاف تحت قياده الرائد زغلول فتحي ومعه الرائد شفيق او هيبه رئيس لعمليات الكتيبه ، ووصلنا الي مقر قياده الكتيبه يوم 13 اكتوبر في نفس يوم استسلام ضباط وجنود النقطه الحصينه الي الصليب الاحمر ( في قسم الفيديو – فيديو استسلام جنود وضباط النقطه الحصينه وتسليمهم لعلم النقطه،  بإسم – فيلم لا تريد اسرائيل ان تراه ) وكانت اخر نقطه حصينه تقع في يد جنودنا بعد قتال عنيف استمر ثمانيه ايام مستمرة

 

وعلمت من زملائي ان نقطه بورتوفيق قد قاومت مقاومه شديده وكبدت الكتيبه 43 صاعقه خسائر كبيرة في الضباط والجنود نتيجه حجم التحصينات الموجوده وموقع النقطه الحصين ، وكان يتواجد بالنقطه 150 فرد مظلات اسرائيلي علي اعلي مستوي وست دبابات بالاضافه الي مواد تموينيه تكفي سته اشهر متواصله ومحطات تحليه مياه البحر ، فلم يكن الجنود بالنقطه يحتاجون للخروج من مواقعهم والقتال ، بل كانوا يقاتلون من وراء الجدران ، حتي سقطت يوم 13 اكتوبر بعد ان يأست من المقاومه المستمرة ، وفي يوم التسليم رفض قائد النقطه التسليم لقوات الصاعقه خوفا من هؤلاء الرجال الاشداء الذين قاتلوا ثمانيه ايام متواصله ، وطلبوا التسليم في حمايه الصليب الاحمر .

 

ثم ُكلفت بقياده السريه الاولي و ُكلف رؤف ابو سعده  بقياده السريه الثانيه من الكتيبه 43 صاعقه

 

وعبرت القناه لاستلام النقطه حيث كلفت سريتي بالدفاع عن تلك النقطه بعد استسلامها

 

ولا يمكن بعد كل هذه السنوات التعبير عن شعوري وانا اعبر القناه واضع قدمي علي سيناء مرة اخري ، فهذه المره غير كل المرات السابقه ،هذه المره انا لا اغير علي العدو وعائد للضفه الاخري ، هذه المره انا اعبر لأظل هناك ، هذه المرة انا ادخل سيناء لأظل بها ، واتذكر جيدا انني بكيت فور دخولي لتلك النقطه المحصنه علي اعلي مستوي ، لانني تساءلت لماذا استسلموا ولديهم كل هذه التحصينات ؟

 

وقدرت الموقف انني لو كنت قائدا لفصيله فقط ولدي امكانيات تلك النقطه الحصينه من اسلحه وذخائر ودروع بمثل هذا الشكل ، فما كانت قوة في الدنيا تجعلني استسلم او افكر في الاستسلام .

 

وبدأنا سريعا في تطهير النقطه ، وجمع جثث الشهداء من حول النقطه او من الماء ، وعدنا بهم للغرب وقمنا بدفنهم في صحن لكنيسه مهدمه في بورتوفيق ، وكانوا كلهم من رجالي وزملائي ، كل الشهداء لهم معي ذكريات وحوارات ، لكنهم الان شهداء في الجنه .

 

وطبقا للاوامر باحتلال النقطه الحصينه والدفاع عنها ، فقد بدأت في وضع خطه للدفاع عن موقعي هذا في حال تعرضه لهجوم عسكري معادي وهو اجراء روتيني تحسبا لاي ظروف قد تطرأ ، وكانت الظروف كلها تحت السيطرة في هذا الوقت .

 

ومرت علينا عده ايام في راحه ، فالقتال بعيدا عنا وقوات الفرقه 19 مشاه تبعد عنا مسافه 7 كيلو مترات ، والقادم لمهاجمتنا يجب ان يمر عبر اللواء السابع مشاه قبل ان يصل لنا ، واحسسنا بالانعزال عن الجيش وعن القتال ، فبدأنا نسبح في القناه للاستحمام ، مع الاستجمام في شمس الشتاء الدافئه وكنا في راحه تامه .!!!

 

في يوم 22 اكتوبر تقريبا علم افراد الكتيبه 43 المتواجدين غرب القناه بأقتراب الدبابات الاسرائيليه من السويس ، وبدأوا يستعدون للدفاع عن بورتوفيق في قتال المدن ، وايضا لم يبلغنا احد بتلك التطورات وظللنا معزولين في لسان بورتوفيق في نقطه العدو الحصينه .

 

في بورتوفيق تحرك النقيب طلبه رحمه الله بمجموعة جنود لتأمين مداخل المدينه ،

 

اما السريه الثانيه التي كان يقودها رؤوف ابو سعده فقد صدرت لها الاوامر بإستطلاع وجود دبابات للعدو فوق جبل جنيفه ، حيث وردت انباء بوجود ثلاث دبابات فوق الجبل .

 

وعندما وصل رؤوف الي قرب الجبل وجد قائد احد اللواءات المقاتله في تلك المنطقه وعلم منه بوجود دبابات للعدو فوق الجبل ، وامرة الضابط بالطلوع الي الجبل وتدمير تلك الدبابات ، وعندما اندهش رؤوف من هذا الامر لان الشمس مازالت في كبد السماء واي تحرك لهم سيكون مكشوفا لمن هم فوق الجبل ، أصر الضابط علي تنفيذ الامر وبالفعل تحرك رجال الصاعقه تجاه الجبل لتدمير تلك الدبابات الثلاث المزعومه

 

وبينما الرجال تصعد الجبل ، فوجئوا بلواء كامل من دبابات العدو لا يقل عن ثمانون دبابه تنزل من الجبل تجاه السويس والادبيه ، حيث سمح ارتفاع الجبل المنخفض ووجود طرق صعود ونزول سهله ، في استخدام دبابات العدو لهذا الطريق لتجاوز دفاعات الجيش الثالث في تجاه السويس حيث لم يتوقع احد ان تقوم الدبابات الاسرائيليه بالاندفاع عبر الجبل للاندفاع تجاه السويس.

 

قامت الدبابات الاسرائيليه بالمرور علي جنود الصاعقه بدون أن تضرب عليهم ، ونظرا لنعومه رمال الجبل فأن الجنود الذين مرت عليهم الدبابات لم يستشهدوا ، انما تم دفنهم فقط في الرمال ، وكانت تلك احد عجائب الحرب التي عاصرتها نقلا عن زميلي رؤوف الذي مرت عليه دبابه وعاد الينا بعد مده وعلامات جنزير الدبابه واضحه علي  ظهر الافرول .

 

عاد رؤوف ابو سعده الي بورتوفيق بدون ان يشتبك مع العدو، وصدرت له الاوامر بالاحتماء في بدروم احد مباني بورتوفيق للراحه والاستعداد للمعركه المقبله ( عمارة الديدي ) ، في تلك اللحظه كانت الطائرات الاسرائيليه تقوم بتمهيد الطريق لاحتلال بورتوفيق ، فسقطت قنبله ثقيله فوق العمارة التي يحتمي بها رؤوف ابو سعده ورجاله ، وسقطت الادوار الثمانيه فوق رؤوس الرجال ، ودفنوا تحتها .

 

وعند اقتراب دبابات العدو وعند مدخل المدينه المحاذي للكورنيش قام رجال النقيب طلبه بالقاء الالغام المضاده للدبابات علي الطريق بدون تمويه او حفر ، فلم يكن هناك وقت للحفر ورص الالغام ، واستتروا خلف احد اسوار الكورنيش .

 

فبدأت الدبابات تضرب الالغام الملقاه بدون تمويه ، وبدأت تفتح لها طريقا وسط حقل الالغام واتخذت باقي الدبابات طابورا خلف الدبابه الاولي ، ومن الاحداث الغريبه ان انفجر احد الالغام بفعل طلقات الدبابه فأطاح بأحد البراميل المجاورة ، ليستقر البرميل بجوار لغم ، وتمر الدبابه عليه بدون ان تراه وتنفجر الدبابه وتتوقف الدبابات الاخري خلفها ، فخرج النقيب طلبه من مكمنه وضرب اول دبابه مره اخري لتأكيد تدميرها ، وجن جنون الدبابات الاسرائيليه وفتحت نيرانها عشوائيا في كل اتجاه وبغزارة شديده ، ليخرج رجاله مرة اخري ويقتنصوا الدبابه الثانيه ، ليغلقوا الطريق تماما ، ازدادت شراسه اطلاق النار الاسرائيلي علي جنود النقيب طلبه ودفعوا بدبابه فنيه لجر الدبابات المحطمه الي خارج بورتوفيق ، ولم يحاولوا دخول المدينه مره اخري .

 

بعد انفجار الدبابه الاولي تطاير منها اجزاء معدنيه واجزاء من داخل الدبابه ، كان منها خريطه احتلال بورتوفيق والتي وقعت في يد النقيب طلبه بالصدفه البحته ، حيث لم تحترق تلك الخريطه مثل باقي الدبابه انما ظلت سليمه لتقع في يده . كنا نشاهد هذا القتال عبر القناه من الجانب الاخر

 

بعد هذه المعركه السريعه بيومين فوجئت برؤوف ابو سعده علي الجانب الاخر للقناه ومعه رجاله الاحياء ، بعد ان ظلوا تحت انقاض العمارة لمده يومين ، وبدأ رؤوف ومن معه في عبور القناه سباحه للوصول الينا ، ولسوء حظه فقد هام احد قوارب العبور الخشبيه من مرساه في السويس ودفعه التيار الي مجري القناه ، في تلك الاثناء كان الطيران الاسرائيلي شبه مسيطر علي سماء المعركه ويقوم بمهاجمتنا طوال الوقت ، فظن الطيار ان هذا القارب الخشبي به جنود او معدات ، وكان القارب بالقرب من رؤوف الذي يعبر سباحه ، فهاجمت طائره سكاي هوك هذا القارب بقنبله بلي ، وهي قنبله تنفجر ، ويخرج منها عشرات القنيبلات في حجم كره التنس لتدمر كل ما في اتجاهها ، وشاهدت القارب الخشبي في ثواني يتحول الي اشلاء من جراء الانفجار امام عيني ، واحتسبت رؤوف ابو سعده عند الله شهيدا وعدت حزينا الي الدشمه وسط عبارات تشد من ازري من رجالي وضباطي ، فقد كان الكل يعلم منزله روؤف عندي وانه بمنزله الاخ بما تحمله الكلمه من معاني .

 

وبعدها بدقائق فوجئت برؤوف ابو سعده يدخل الملجأ وملابسه مبلله ، وسط تكبيرات الرجال وفرحتهم بنجاته ، لينجو من موت مؤكد للمرة الثالثه خلال يومين، واختلطت ضحكاتنا وفرحتنا بنجاته ورجاله مع دموعنا من الفرحه.

 

واتم للعدو حصار السويس يوم 24 اكتوبر وبدأت معركه اخري مع القوات الاسرائيليه فقد كان بالسويس عشره الاف جندي شارد تجمعوا في السويس وبدأوا يدافعون عنها ببساله ورجوله لابعد الحدود مع رجال المقاومه الشعبيه الباسله ، كنا فقط نسمع القصف المدفعي والجوي بدون ان نعرف اي شئ عما يجري حولنا .

 

وللحق والتاريخ فقد كانت ملحمه السويس ، ملحمه بكل معاني الكلمه من قتال واستبسال وفداء لكل سكان المدينه كما علمنا ورأينا بعد ذلك بأعيننا .

 

في هذه الاثناء كانت قياده الكتيبه 43 قد تم ضربها جوا ، وتعطلت الاتصالات مع قياده الكتيبه واصبحنا بلا اي اتصال مع اي وحده عسكريه ، فحاولنا تحقيق اتصال مع الفرقه 19 مشاه ، وذهبت ومعي رؤوف ابو سعده وبعض جنود سيرا علي الاقدام لتحقيق الاتصال مع الفرقه 19 كما تقضي الاصول العسكريه .

 

وبالفعل حققنا اتصال مع قائد الفرقه العميد يوسف عفيفي ، واعلمناه بوجود سريه صاعقه في النقطه بلسان بورتوفيق واننا نرغب في فتح اتصال والحصول علي بعض الامدادت من الفرقه 19 ، وهو ما تحقق بعد فترة .

 

عدنا من الفرقه 19 بعد ان حققنا اتصال معهم وعلمنا ببعض من اوضاع القوات واصدرت الامر لرجالي بالاستعداد لتنظيم عمليات اغارة علي قوات العدو الموجوده حول مدينه السويس ، ونتيجه علمنا التام بمدينه السويس فلم نكن نحتاج الي معرفه طبيعه الارض التي سنتحرك عليها ، فقد كنا نقوم بعمليات استطلاع لتحديد الاهداف التي نختارها لنتعامل معها .

 

وبالفعل بدأنا في تنظيم علميات اغارة محدوده ومتعدده ، ولم يكن هدفنا الضرب لازعاج العدو بل الضرب لتكبيد العدو اعلي خسائر ممكنه ومن بعدها الارتداد الي نقطه بورتوفيق مرة اخري .

 

في هذا الوقت كان هناك وقفا لاطلاق النار ، لكن علي الارض لم يكن هذا شيئا حقيقيا فالتراشقات بالمدفعيه مستمرة وعمليات الطرفين مستمرة لتحسين الاوضاع ولتكبيد الطرف الاخر خسائر اكبر ، ولم يصدر لي امر من قيادتي بوقف اطلاق النار وتصرفت بناء علي ذلك بمبادره شخصيه بحته .

 

فقمنا بعدد من العمليات الناجحه وهاجمنا افراد اسرائيلين متحصنين بمباني علي اطراف مدينه السويس ، وحققنا نتائج جيده في تلك العمليات ، وقمت بقياده عمليتين من تلك العمليات ، ومن خسائر العدو المؤكده اننا قتلنا سته جنود اسرائيلين فضلا عن عدد من الاصابات الغير معروفه .

 

الحياه تحت الحصار

 

عندما بدأ الحصار يطول بدأنا في التفكير في موارد للطعام والمياه ، ونحن كرجال صاعقه تعودنا علي نقص الطعام والمياه ، لكن مده الحصار لم تكن معلومه وكنا فعلا نقتصد في الطعام ، فطعام الفرد في يوم واحد كان يأكله خمسه جنود ، اما انا فكنت آكل ورق التواليت ، والذي يعطي الفرد الشعور بالامتلاء لكنه شعور مؤقت ، وكنت اضع جنودي في الاولويه .

 

ومع تحرج الموقف وفي احد الليالي ، ايقظني احد جنود الحراسه وابلغني بوجود ضفادع بشريه في المياه قرب شاطئ النقطه الحصينه .

 

فبدأت التحرك ، وايقظنا الرجال بهدوء واتخذ الجميع اماكنهم المحدده لهم ، واقتربت من المكان الذي اشار له الجندي وبدأت في سماع اصوات مياه بالفعل في مكان وجود تلك الضفادع ، وتساءلت عن تلك الضفادع البشريه التي تقوم بكل هذه الضوضاء ، فأمسكت بجهاز الرؤيه الليليه المخصص لبندقيه القنص ، وبدأت استطلع تجاه صوت المياه ، فوجدت جاموسه تصارع المياه وتحاول الوصول الي الشاطئ ، لم افكر من اين اتت تلك الجاموسه ، او ما الذي  القاها في مجري القناه ، كل ما فكرت فيه هو الجندي قطب والذي كان يعمل جزارا ، واخذنا قاربا واتجهنا تجاه تلك الجاموسه وكانت تحتضر وعلي شفا الموت ، فأصطحبناها الي الشاطئ وتعامل مع قطب بسرعه قبل ان تنفق .

 

كان العدو عندما قارب من مشارف السويس قد اقتحم سلخانه السويس المركزيه ، ففرت الماشيه هربا من السور خوفا من اصوات دبابات العدو ، والقت بنفسها في المياه لتأتي الي شاطئنا واحده منهم بفعل تيار القناه السريع ، ولتنقذنا من الجوع .

 

واقمنا وليمه كبيره علي شرف تلك الهديه السماويه لنا ، وكان عددنا يقرب من الستون فردا في الموقع ، وكل الستون فردا اصابهم اسهال شديد نتيجه خلو بطوننا من الطعام لعده ايام ماضيه ، لكنها كانت مفاجئه جميله ، وظللنا نتابع مجري القناه بحثا عن مفاجأت جديده تأتي مع التيار .

 

وللوقايه من الامراض الجلديه في اثناء الحصار ، فقد حرصت علي جعل جنودي يستحمون في مياه القناه يوميا وعدم تجفيف اجسادهم انما تركها للشمس لتجف حيث تقوم الشمس مع ملح المياه بقتل اي امراض جلديه ، والحمد لله انه لم يصاب اي جندي في موقعنا بأي مرض جلدي .

 

واثناء احد فترات الاستحمام وكنت علي اعلي الساتر وقتها ، لمحت جسما يعوم تحت المياه بالقرب من رجالي ، ونظرا لوجود شهداء في المياه ورائحه دم مستمرة منذ اول ايام القتال فكنا نتوقع قدوم اسماء قرش علي رائحه الدم ، فجهزت البندقيه وضربت تجاه هذا الظل الكبير ، واصابته اصابه مباشرة ويطفو بعدها علي السطح جسد فضي لامع اتضح انه سمكه قشر بياض كبيرة الحجم .

 

فكانت هديه اخري من القناه ، فبدأنا نصطاد السمك بواسطه البنادق والألغام الإسرائيلية بتقنين الضرب لعدم اهدار الطلقات ، وبهذه الطريقه استطعنا تأمين مورد هام ودائم للطعام مع عدم التفريط في الذخيرة.

 

بعد عده ايام رصدنا اقتراب سيارات من حدود النقطه ، فقمنا بضرب طلقات تحذيريه لان اوامري كانت تقضي بالضرب التحذيري اولا ، فنحن نقطه منعزله عن العالم تماما ولا ندري موقف الفرقه 19 لعدم وجود اتصال دائم بيننا ، ولا يوجد لدينا سيارات او تليفون للاتصال المستمر .

 

نزل من تلك السيارات بضع رجال يرفعون الاعلام البيضاء وبعدها اتضح ان اللواء يوسف عفيفي قائد الفرقه 19 يحضر لزيارة النقطه مصطحبا عددا من الصحفيين الذين رفضت دخولهم الموقع من البدايه ، وكان العميد يوسف عفيفي قد رقي الي رتبه اللواء اثناء الحصار ومعه اللواء احمد بدوي الذي عين كقائد لقوات بدر  والتي تتكون من وحدات الجيش الثالث شرق القناه .

 

وسألني اللواء يوسف عن كيفيه الحياه تحت الحصار ومن اين نأتي بطعام ، فاخبرناه بأننا رجال صاعقه مدربين علي التأقلم مع الحياه التي نوضع فيها ، وظهر عليه عدم الاقتناع عندما اخبرته اننا نقوم بصيد السمك بالبندقيه الاليه .

 

وكان زيارة اللواء يوسف عفيفي هدفها تصوير الصحفيين لموقع النقطه الحصينه وتصوير الدبابات المدمرة لرفع الروح المعنويه للجنود، وقد رفضت دخولهم لموقعي بدون اذن مني ، حيث انني لا اتبع الفرقه 19 مشاه .

 

وبعد مغادره اللواء عفيفي للموقع بعد ان تجول فيه وشاهد التحصينات المعاديه ، ظل معنا العميد علي سعد قائد ثان الفرقه 19 مشاه ، وامضي اليوم معنا واهديناه في نهايه اليوم وجبه سمك هديه منا الي اللواء يوسف عفيفي تقديرا لزيارته لنا في هذا اليوم ، وفي اليوم التالي رد لنا اللواء يوسف عفيفي الهديه المتواضعه منا بهديه عباره عن شاحنتين حموله الواحده خمسه اطنان من الطعام والحلويات (( المجموعه 73- نعتقد ان كلام اللواء معتز الشرقاوي هنا يقطع بما لا يدع مجالا للشك ان الجيش الثالث كان يعاني من نقص الطعام او كان علي شفا الجوع ، فقائد الفرقه 19 يهدي 10 اطنان من الطعام المعلب والحلويات الي سريه صاعقه قوامها ستون فردا ، هل لو كانت الفرقه 19 مشاه او الفرقه السابعه مشاه تعاني من اي نقص في الطعام كانت ستهدي سريه مشاه 10 اطنان من الطعام ؟؟؟؟))

 

واخبرنا احد الضباط المرافقين للسيارات ان تلك الهديه من اللواء يوسف عفيفي هي فاتحه لامدادكم المستمر بالطعام حيث تم وضعنا ضمن لائحه تعيينات اللواء السابع مشاه المجاور لنا واصبح لنا رصيد يومي من الطعام ، وفي اليوم التالي اهدانا سيارة جيب لتحركاتنا من والي الفرقه 19 مشاه ومن بعدها تم مد اسلاك تليفونات لنا للاتصال بذوينا بالقاهرة يوميا لمده ساعه مثلنا مثل اي وحده اخري بالجيش ، ولينتهي بذلك عزلتنا عن العالم الخارجي .

 

وبدأنا في مقايضه الفرقه 19 مشاه بالسمك ، فكنا نرسل هدايا السمك لقاده الوحدات وهم بدورهم يردون الهديه بهديه اخري ضمن تخصصهم ، فتم ارسال ستمائه بطانيه لرجالي ، وحضر اطباء اللواء السابع للكشف علينا ( الدكتور عبد المنعم الوكيل والدكتور محمد طه طلعت ومن الأطباء المدنيين الدكتور علي الرفاعي والدكتور عادل حسني ) ، وهكذا مرت علينا ايام الحصار مختلفه تماما عما صورته اسرائيل للعالم ، فقد ظللنا في مواقعنا ولم نتعرض لاي مشاكل تموينيه تذكر او معنويه تذكر .

 

وأستطعنا تحقيق اتصال مع سريه صاعقه فوق جبل عتاقه تقوم بأعمال شوشرة علي العدو وكان يقود تلك السريه النقيب مدحت عبد الوهاب ، واخبرناه بأننا نقوم باعمال اغارات مستمرة .

 

في تلك الاثناء يوم 5 ديسمبر 1973 خرجت مع  رؤوف ابو سعده في دوريه بهدف الاغارة علي قوة للعدو ، وشاءت الظروف ان ينبطح رؤوف علي لغم وينفجر فيه اللغم محولا صديقي وزميلي الي اشلاء علي الفور ، فقمت بتجميعه في بطانيه وقمنا بدفنه في مقابر الشيخ عبده العسكري

 

فقد شاء الله ان ينجو من تحت جنزير الدبابات ومن تهدم عماره ثمانيه ادوار ومن الغرق بفعل قنابل البلي ، ليستشهد بجواري في السويس .

 

وعند الإبلاغ عن هذا الحادث ، لم اكن قد عدت بعد ، وتم الابلاغ ان الدوريه التي بها معتز وروؤف قد هوجمت ، فقامت اداره شئون الضباط بابلاغ والدي بإستشهادي واستشهاد رؤوف ايضا .

 

وعدت الي الموقع حزينا واتصلت بزوجتي ليلا في نفس التوقيت وتحدثنا قليلا عن امور شخصيه وما الي ذلك وكانت مكالمه مطوله .

 

والذي علمته ان والدي لم يتصل بزوجتي او يبلغها لانه لم يكن يدري كيف يبلغها بالخبر ، وبعد اتصالي بها ، اتصلت هي بوالدي لتبليغه برساله مني لتطمئنه علي ، وكان والدي قد علم منذ ساعات بإستشهادي ، فسألها من اين اتصل معتز ؟؟ فأخبرته انني اتصلت من المكان الذي انا فيه ، فرد عليها والدي بأن المكان الذي انا فيه لا يوجد به تليفونات وسألها عن مضمون الحوار ، وكان حوارا شخصيا جدا وحاول والدي بشتي الطرق التأكد من انها قد تحدثت معي وليست مع شخص اخر ادعي انه انا، وعندما تأكد من انني اتصلت بها ، ودار بيننا حوار لا يعلمه الا انا وهي ، فأخبرها بأنه يحمل معاشي والذي صرفته له اداره شئون الضباط بسبب استشهادي ، لكنها اكدت له انه انا من اتصلت بها ، فأطمئان قلبه ، وفي اليوم التالي توفي والدي ، وعندما اتصلت تليفونيا اخبروني بوفاته ، وحزنت بشده تفوق الوصف ، واتصلت بعدها للاطمئنان علي اسرتي فأخبروني ان عمي قد توفي وفي اليوم التالي اخبروني بوفاه  عمتي وفي المكالمه الرابعه اخبروني بوفاه جدتي ، ففي اسبوع واحد توفي اربعه من عائلتي وهذا يبين كم المعاناه النفسيه التي كنا نعانيها في الحصار من عدم قدرتنا علي التواصل مع عائلتنا .

 

بعد فترة أعلن عن وقف اطلاق النار فعليا وفصل القوات لنفاجأ بكمية من الطلقات الكاشفة تطلقها القوات الاسرائيليه في الهواء ابتهاجا بخروجها من الثغرة صاحبها كم كبير من الطلقات الناريه فرحا ، واثناء فترة فك الاشتباك كان الجنود الاسرائيلين يتسللون الي مواقع قواتنا حول السويس وتتسول الحلوي ، وقد شاهدت ذلك بنفسي وهذا يؤكد انهم كانوا يعانون نفسيا وماديا من الحصار اكثر منا .

 

وتم فك الحصار وعدنا الي معسكراتنا مرفوعي الرأس بعد ان سلمنا موقعنا لقوات مشاه مصريه ، ولتنتهي بذلك حرب اكتوبر المجيده بإنسحاب القوات الاسرائيليه الي شرق المضايق بينما لم تنسحب قواتنا مترا واحدا الي الخلف

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech