Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

المقدم طيار صلاح دانش - الاسير

 

طيار علي الارض

سقطت بالمظله علي الارض قريبا من حطام طائرتي و حطام طائرة سمير و الذي مازالت النيران تلتهم ما تبقى منهما ، و نفذت التعليمات المعطاه لنا بدقه في مثل هذه الاحوال ، فقمت بفرد المظله علي الارض وجلست فوقها لكي ُأسهل عمليه التعرف علي وانقاذي.

 

كانت المنطقه التي سقطت فيها في وسط سيناء بالقرب من جبل المغارة و هي تبعد حوالي ثمانين كيلو مترا عن القناه تقريبا ، و لم يكن معي اي شئ من وسائل الاعاشه سواء لاسلكي او مياه او طعام ، و ظللت منتظرا لمده ساعتين تقريبا بلا اي بوادر لمن يبحث عني بعدها قررت الاتجاه غربا تجاه القناه مستعينا باتجاه الشمس ، وبعد فترة وجدت جبلا متوسطا وفوقه بيتا ، فقررت ان اصعد الجبل و هو قرار خاطئ ، حيث ان تسلق الجبل يستهلك كل القوي التي انا في امس الحاجه لها ، لكن الامل بوجود حياه في هذا المنزل دفعني للتسلق ، و سريعا كنت فوق الجبل لافاجأ بأن ما كنت اعتقد انه منزل لم يكن غير ضريح لاحد الشيوخ و محاط بكم من الاضحيات او بالاصح ما تبقي منها من عظام حيوانات مذبوحه ، فسخرت من نفسي و توقعت ان يكون هذا مصيري بجوار الضريح.

 

ونزلت مرة اخري الجبل لاعنا القرار الذي اتخذته بالتسلق لانه اضاع مجهودي و قوتي هباء و بعد نزولي الجبل فوجئت  بإمرأه  اعرابيه علي مسافه مني ، و لا اعرف من اين ظهرت تلك السيده او متي ظهرت لانني فوجئت بها واقفه تنظر الي عبر الخمار البدوي.

 

و ضعت المرأه قربه من الماء بجوارها علي الارض و ركضت الي خلف الجبل سريعا ، و اقتربت من قربه الماء وانا انظر حولي محاولا ان اجد تلك المرأه لاشكرها لكني لم اجدها فتوجست خيفه من الماء الموجود بداخل القربه ، فقد تكون تلك المرأه مدسوسه من اسرائيل بغرض تسميمي ، و كان ذلك تفكيري و قتها فتركت الماء و استمررت في طريقي غربا خاصه و اني لم اكن اشعر بعطش وقتها و اثناء سيري وجدت طائرتين ميج 19 تطيران علي ارتفاع منخفض تجاه الشرق و طبعا بسرعه 800 او 900 كيلو متر في الساعه فأن الطيار بداخلها لا يمكن ان يميز انسان علي الارض بعد مرور الطائرات بدقائق وجدت سيارة جيب مصري تسير علي مسافه فأطلقت عده طلقات لكي انبهه من فيها لكي ينقذوني ، لكنها استمرت في السير حتي اختفت خلف تبه رميله و لحظي السعيد فقد عادت السيارة مرة اخري بعد ثوان من خلف التبه و اتجهت الي و انقذوني ، و اتضح انهم جنود من حرس الحدود يقومون بدوريه و اصطحبوني الي منجم فحم المغارة المقارب لمكان التقاطي ، و كان بالمنجم شركه تديرة و لديهم اماكن معيشه و وجبات و كان ذلك من حسن حظي ان دوريه حرس الحدود قد سمعت طلقاتي.

 

كان بموقع منجم فحم المغارة حوالي سبعمائه عامل و مهندس و فني ، و كانت اخبار الحرب و انتصارتنا من الاذاعه تلهب مشاعرهم ، و فوجئت بزميلي الطيار سعد زغلول في موقع المنجم ، و كنت قد رفضت ان يخرج مكاني في الطلعه التي سقطت فيها ، فخرج بعدي في طلعه اخري و أسقطت طائرته هو الاخر لكنه سقط بجوار المنجم و تم انقاذه سريعا ، و قصصت عليه ما حدث لي و استشهاد سمير و رغم ذلك كانت معنوياتنا عاليه و الثقه في النصر تملئ كل منا ، و نمنا ليله هادئه علي موسيقي النصر من الراديو وتهليلات المذيع احمد سعيد باننا اسقطنا تسعين طائرة للعدو

 

البول اثمن ما في الحياه:

اخذنا  قسطا وافرا من النوم و الراحه بعد ارهاق اليومين الماضيين و استيقظنا في اليوم التالي علي صوت العمال ، فوجدنا ضابط مدرعات مصري اسمه احمد وحش يتحدث مع العمال ، و كان وجهه و ملابسه غارقين في زيت الدبابات و ذقنه طويله دليل الاجهاد المستمر.

 

اخبرنا احمد وحش بأن القوات الاسرائيليه دمرت دبابات وحدته و انها تبعد نصف ساعه عن موقعنا و انها تتجه نحونا و يجب ان نخلي أماكننا في اسرع وقت كي لا نقع في الاسر ، فذهبنا الي مدير المنجم و شرحنا له الوضع فأخبرنا بان لديه فقط ثلاث اتوبيسات و كل اتوبيس لا يحمل اكثر من خمسين فرد في الوقت الذي لديه اكثر من سبعمائه عامل في المنجم ، و استقر الامر علي ترك الاتوبيسات و التحرك سيرا ، و اُعلن الخبر في المنجم فبدأ كل عامل يأخذ اي شئ قد يعينه علي مشقه الطريق ، فحمل عدد منهم سمنا طبيعيا و منهم حمل ما يستطيع من ماء و من لم يجد ماءا حمل زجاجات عطر لكي يشربها.

و بدأت السير تجاه القناه ، و كانت العقول تعمل و الاسئله لا تتوقف في عقلي عن كيفيه و صول القوات الاسرائيليه الي هذا المكان في وسط سيناء فالاذاعه لا تتوقف عن سرد انتصارات قواتنا و بطولتها لكن من الواضح ان الواقع كان شيئا اخرا.

 

و امتد طابور الرجال الي حوالي اربعه كيلومترات تقريبا و تعمدت ان اسير في المؤخرة لكي اساعد اي فرد قد يتعرض للتعب ، و بعد سيرنا بعده ساعات صادفنا ضابط من سلاح اشارة اسمه وجدي و معه جهاز لاسلكي يحمله داخل سيارة نقل ثقيل من نوع (زيل) فركبت معه و واصلنا السير في اخر المسيرة ، و كان الطيار سعد زغلول قد فضل ان يكون في المقدمه ، و بعد نصف ساعه بالضبط انتهي و قود السيارة فأضطررنا لتركها و دفن جهاز اللاسلكي في الرمال و استكملنا المسيرة سيرا ، و اثناء السير انضم لنا عدة جنود من احد الوحدات البريه ، و كان معهم جندي يحمل راديو صغير وعبر هذا الراديو سمعنا بيان الرئيس عبد الناصر و تنحيه عن الحكم وقتها و وقتها فقط قدرت ابعاد المأساه و الكارثه ، وقتها هان كل شئ و تساوت الامور و اصبح التشبث بالحياه هو الهدف الوحيد للكل ، في ذلك الوقت كان قد مر بنا يوم علي السير و لم نلتقي بجندي اسرائيلي واحد او طائرة اسرائيليه ، و خلال يومين اخريين من السير الشاق نهارا والراحه ليلا انفرط عقد المسير و تفرق الجميع الي جماعات اتخذت اتجاهات مختلفه و انتهي ما نملكه من سوائل لنشربها ، و ضعفت طاقتي جدا لدرجه انني بدأت في تخزين البول في كوب لكي اشربه لاحقا كذلك فعل الاخرين ، و من الصعب تذكر تلك الفترة و تذكر انه قد نشبت عده صراعات بسبب البول ، فقد اصبح من لديه بول خائفا عليه من الضياع و من لا يملك بولا  ينظر الي من يملك بعين الطمع، تلك كانت غريزه البقاء لدينا فالعطش قد تملك منا جميعا وتشقق وجهي بفعل الجفاف ،و استمررنا في المسير لمده خمس ايام و سقط منا العديد من الاجهاد و لم اكن وقتها لدي الطاقه لكي ازيح ذبابه وجدت في وجهي مكانا للراحه ، و ليلا في اليوم الخامس صادفنا في الطريق اعرابى معه جمل ويحمل ماء , و بدانا نشرب منه بالدور وكنا نقتصد بالشرب حتى نستطيع ان نكمل بالقليل من الماء حتى القناه ولكي يشرب الجميع ايضا , لكن أحد الافراد الذين كانوا معنا عندما سمع صوت الماء لم يتمالك اعصابه وهجم علي قربه المياه ليشرب قبل الاخرين فكسر القربه فضاع الماء هبائا علي الرمال, واخبرنا الاعرابى انه سيذهب ليحضر ماء اخر و سيعود و كنا لا نستطيع ان نسير بدونه ليلا لأننا لا نعلم طبيعة الارض اما الاعرابي فعينيه معتاده على الظلام , و هو يعلم معالم الطريق، فذهب ليحضر لنا الماء ولكنه لم يعد ، فقد كان البعض منا في حاله هستيريه فخاف الرجل علي نفسه و اثر السلامه لنفسه.

 

واثناء السير سمعنا ان سعد زغلول و الذي كان يسبقنا بمسافه قد القي القبض عليهم و قتلوه الاسرائيليين ، وزادت نفسيتي تعبا وارهاقا لكني و صلت لمرحله متأخرة جدا نفسيا و بدنيا و الموت اصبح محيط بنا من كل اتجاه. (علمت بعد فترة ان سعد زغلول فعلا كان قد ُأسر لكن الاسرائيليين لم يعرفوا انه طيار لانه كان يلبس مثل العمال و اختار الاسرائيليين عددا من العمال بالقرعه و قتلوهم بينما تركوا الباقيين ليعبروا القناه وكان بينهم سعد) كنا قد اصابنا اليأس في هذه المرحله و هناك من ضرب نفسه بالنار أمام عيني من شده اليأس و الاحباط ,فقد كان الامل ضعيفا في ان نعود أحياء ، و اثناء السير أنضم الينا جنود منسحبين و اختلطوا بنا و كانت حالتهم السيئه و التجارب التي مروا بها تزيدنا تعبا وارهاقا.

 

و كان النهار قد أنبلج و كنا نسير بالنهار لنعلم الاتجاه فوجدنا دبابه مصريه مهجورة و لم تكن مصابه فنزلنا تحتها لنستظل بها و كنا حوالى أربعين شخص, هناك من وضع بطانيه امام الدبابه لكى تظلهم .

و كنت انام على الجنزير ثم ذهبت لكى اقضى حاجه , و عندما عدت وجدت شخص اخر قد نام مكانى , و بالطبع لن اتشاجر معه , فنزلت اسفل الدبابه و كنا متزاحمين جدا.

 

الاسير:

بعد فتره من الراحه تحت الدبابه سمعنا صوت طائرة مروحيه تدور فوقنا ثم عادت من حيث اتت , و بعدها بربع ساعه سمعنا صوت طلقه تضرب الدبابه لدرجة ان الدبابه ارتفعت من على الارض و خبطت برؤسنا , فنظرت و انا مازلت اسفل الدبابه فوجدت سياره مدرعه اسرائيليه هبط منها جنود و يطلقوا نيرانهم علي من يهرب ممن كانوا تحت الدبابه , فظللت مكانى تحت الدبابه كأننى ميت و تلوت الشهادتين , و جاء الجنود الاسرائيليين و تأكدوا ان كل من كان تحت الدبابه ميت و انا منهم و لا احد يوجد معه سلاح , و اخذوا احد الموجودين الذي رفع منديل ابيض, و كان مازال معى ضابط الاشارة (وجدي) و كان لا يصدق نفسه انه مازال على قيد الحياه و طلب مني ان أقرص رجله لكي يتأكد انه مازال حيا ,

 

 

 من الأربعين شخص الموجودين من البدايه ظل منهم بعد ضرب اليهود لنا حوالى 8 اشخاص , و تلك البطانيه التى كانت على مقدمه الدبابه بدأت تحترق و الدبابه بها ذخيرة , فتحركنا بسرعه بعد انصراف العربه المدرعه و أطفئنا الحريق , و جدنا الاسرائيليين يعودون الينا مرة اخرى بعد قليل و يسألون عن الطيار الموجود و يتحدثون بعض اللغه العربيه و بعض الانجليزى ,فكان من الواضح ان الاستجواب السريع للاسري الذين سلموا انفسهم منذ دقائق قد اطلع الاسرائيليين علي وجود طيار مصري حي تحت الدبابه و هو صيد ثمين جدا لهم ،  فسلمت نفسى و كنت اريد ان اسلم نفسى من شدة العطش و اليأس ، و تلك اللحظه التى يكون فيها الفرد منا في هذه الحاله لا يشعر بها اى شخص سوى من شعر بالهزيمه فى اعماقه , فقد كنا منذ ايام بالجو و نملك السماء , و الان ذقن طويله وحفاه و عطشي و جياع , و امامك اليهود مسلحين و كنا لم نأكل او نشرب منذ 5 او 6 ايام.

واخذوا كل من كان حى و تظاهر بانه ميت , انا و ضابط المدرعات احمد وحش و وجدى ضابط الاشارة و من معى من عمال المنجم  و الجنود المنضمين الينا , ذهبنا الى قياده المنطقه التى ارسلت سابقا الطائرة و سيارة الجيب , و في الطريق و فوق احد المرتفعات ظهرت القناه علي الافق ، فقد كنا بالفعل بالقرب منها ، و في معسكر قياده المنطقه وجدنا الجنرال الاسرائيلى ومعه كلب صغير , و من خلفه جنود يلعبون كره طائرة كأنهم في مصيف و يتمشون في الموقع بدون اى مشكله و كأنها ارضهم و كأن الحرب قد انتهت , و كنا لم نشرب منذ اسبوع و اعطونا ماءا وعصير , وحققوا معنا بشكل سطحى  و وضعونا بالسيارة مرة اخرى , و ذهبنا الى مطار المليز , قطعنا المسافه فى اقل من ساعه , وكنت قد خدمت بهذا المطار , و كان شعور مؤسف ان ترى مطارك يحتله العدو , و ملعب الاسكواش قد وضعوا به الاسرى , و المدرجات وضعوا الضباط فيها . و بالملعب نفسه حوالى 400 اسير بين جريح و مصاب , و كانت تصدر عنهم اصوات أستغاثه طوال الليل و يأتى جندى يهودى كل فترة و يطلق النار في الهواء فيسكت الجميع , و بعد قليل يعاودوا الاستغاثه.

 

و جاءوا في اليل اخذونى و معي ثلاث اخرين منهم الضابط احمد وحش , و ربطو اعيننا و اجلسونا مثل الجنود الاسرى على الرمال , و بدأوا يطلقون النار على الارض لدرجة ان الرمال تطايرت علي ملابسي من اثار الطلقات, و كنت انتظر ان اصاب بطلقه في اي لحظه فتلوت الشهاده مرة اخري و سلمت امري لله , لكن المفاجأه بانهم اعادونا مرة اخرى الى اماكننا .

 

و في الصباح التالي اخذونا بسيارة من مطار المليز الى معسكر اكبر به مجموعه اكبر من الاسرى واعطونا  طعاما, و كنا نقتصر في تناول الطعام  لكى تكفينا فترة اطول فلا احد منا يعرف متي سيأكل مرة اخري و كان الطعام بسكوت و خلافه من المعلبات , و بعد قليل اخذوا منا الطعام مرة اخرى .

 

و بدأوا يعطونا الطعام المصرى الخاص بالجيش و الذى استولوا عليه من مخلفات الجيش المصري ,

و بعد بضعة ايام اخذوا الضباط فقط بأتوبيس الى مطار بير تمادا , و عند وصولنا اخذونى و غطوا عينى و وضعونى في طائرة و طرنا بها حوالى 40 دقيقه , و تقريبا تلك المسافه هى المسافه بين تمادا و بين تل ابيب العاصمه, و نزلت بمطار اخر و ركبت سيارة و معي اثنين من الحرس و مازالت عينى مغطاه , حتى و صولنا الى مبنى مثل المخابرات , و ازالوا الغطاء من على عينى و وجدت ضابط طيار ذو رتبه كبيرة امامى , اول سؤال سأله لى قال (انت دفعة الطيار سلامه فهمى عبد العزيز ؟)

جاوبته بنعم , و كان سلامه فهمى دفعتى بالفعل , و توفى في التدريب , و كُتب نعي له بالجريده , فطبيعى ان يعرفوه .

 

قال لى مستكملا (الان لا يعرف عنك احد شئ , بالنسبه للمصريين انت مفقود و لم يرك احد و نحن نأسرك و بناء على تعاونك معنا في الاستجوابات نقرر ما اذا نعلن عن اسمك ام لا) و وصل المقصود من كلامه الي ، فهم يمكن ان يقتلوني بكل سهوله لو لم اتعاون و لن يعرف احد ما حدث لي , و بعد ذلك اخذونى على سجن يسمى (سرفند) , هو سجن لليهود العسكريين الذين وقعت عليهم احكام جراء جرائم ارتكبوها اثناء الخدمه , دخلت الزنزانه و كنت بمفردى و كان بها سرير بجانب الحائط فى غرفه 2X3 متر , و دلو لقضاء الحاجه بغطاء و ظللت هكذا لمدة يومين او ثلاث , و فى تلك اللحظه كنت افكر اننى مفقود , و لا يعلم عنى احد شئ بمصر , و كنت متزوج و زوجتى على وشك الولاده .

 

و في الايام التاليه بدأوا يسألونى بعض الاسئله الساذجه و لكى يروا مدى تعاونى معهم , (مثل اى مطار اقلعت منه ؟), و يعرضوا علي خريطه المطار و يسألوني مرة اخري (اين غرفة الطوارئ ؟) و هكذا , و تشعر انهم يعرفون كل شئ و لكن يريدون ان يتأكدوا و كنت اجاوب على الاسئله و احاول ان اخدعهم بقدر الامكان , فكنت اجلس ليلا لأتذكر ماذا قلت حتى اذا سالونى مرة اخرى نفس الاسئله لا يكون كلامى متضارب , و لكنهم كانوا يسألونى بأسلوب مختلف حتى يعرفوا ان كنت صادق ام لا .

 

و كنت اجيب على اسئلتهم , لأن الوضع لا يدعو ان اظهر اى عمل بطولى، فقد كانوا بالفعل يعرفون الكثير و الكثير عن مطاراتنا.

 

و جاء الى شخص للسؤال عن الملاحه , واخر للسؤال عن المحركات , و كان عبارة عن استجواب صورى , و كنا كطيارين مثلا لا نعلم اين مخزن الذخيرة بالمطار مثلا , الشئ الذى اصروا عليه و ادى الي مشكله خلال الاستجواب هو كيف يتم التنسيق بين القوات الجوية و الدفاع الجوى و كنا كافراد طيارين لا نعلم ما اذا كان هناك تنسيق ام لا , و كانوا يظهرون الغضب من عدم اجابتى على ذلك السؤال , و كنت اجلس عاده على طاوله , ويجلس امامى المحقق على الطرف الاخر يرتدى ملابس عسكريه  من القوات الجوية , و ظل ذلك الوضع لمدة شهر .

 

و فى احد المرات دخل على شخص كبير السن يرتدى بالطو ابيض و لا يتكلم فقلت لنفسى (انهم سيبدأوا الجزارة) , و بدأ يفتح الحقيبه التى كانت معه و وضع فوطه على عنقى , و اتضح انه حلاق جاء ليقص شعري , لأن شعرى قد نما بشكل كبير و ذقنى كذلك ,  و كان لنا فترة استحمام مرة واحد بالاسبوع , و يقف معك شخص و انت تستحم , و يعطوك موس لحلاقه شعر الذقن و يأخذوه منك بعد استعماله ,

و كانت الزنزانه بها شباك مسدود بخشب بينها فواصل يدخل الضوء من خلالها اعرف من خلاله ان النهار قد حل , و بالنهار كانوا يغلقوا الكشاف و يكتفوا بأضاءه الشباك , و ليلا يضيئوا الكشاف , و هو عبارة عن كشاف خارج الغرفه و يضئ من خلال شباك اعلى الباب , و الباب حديد به فتحه صغيره ينظرون منها , استمر الوضع لمدة شهر تقريبا , و جاء في يوم و وضعوا طاوله و عليها ورد و نوته للكتابه , و قالوا لى اكتب جواب لكى يرسل الى اهلك في مصر من خلال الصليب الاحمر , و كان كل ما يشغلنى ان يصل ذلك الجواب الى مصر لكى يعلموا بوجودى , فكتبت الى والدى , و اخبرته  انى بسجن في أسرائيل و بالزنزانه طاوله عليها ورد و المعامله جيده , و قالوا لى ان معاملتي تتوقف على معاملة المصريين للأسرى اليهود .

 

بعد كتابه الجواب اخذوا الطاوله و الورد مرة اخري , و ظل هذا الوضع لمده شهر بدون ان يكلمنى شخص و لا اخرج من الزنزانه مطلقا , و طبقا للقانون الدولي يجب ان أمشى على الاقل مرة في الاسبوع خارج غرفتي لكن ذلك لم يحدث و هو كان نوعا من الضغط النفسي الرهيب علي في تلك الزنزانه الضيقه سيئه التهويه .

 

و فى احد الايام جاءوا الى و معهم ملابس و يقولون انهم سيجعلونى ازور البلد ,و كان ذلك خروجا عن المألوف و كان شيئا جيد ،  فذهبت الى منطقه تسمى نتانيا ثم عكا و رأس الناقورة كل ذلك بسيارة مدنيه , و كنت أسير في الشارع  أرى الناس , و المدهش انى شاهدت اشياء موجوده فى اسرائيل عام 1967 لا اراها فى مصر الان , مثلا كان كل منزل يوجد عليه سخان بالطاقة الشمسيه و الشوارع النظيفه و المرور و النظام ممتاز, و ادركت انهم يريدون ان يغسلوا عقلي و كانوا ناجحين في ذلك كثيرا، وكانوا قد اخرجونى مرتين خلال الاسر , في المرة الثانيه ذهبت الى سينما , و هي عبارة عن بانوراما دائريه , و كنت اعرف انهم يريدون ان اعلم ان هذه اسرائيل التى نحاربها , و كان غسيل مخ مستمر و كانوا يقولون لي ان العرب لا يتفقون على شئ سوى محاربة اسرائيل , و بعد تلك الزيارات بدأ الصليب الاحمر فى زيارتى , فوالدى بعد ان وصله جوابى ذهب الى قيادة القوات الجوية و معه تورته الى الاسرى الاسرائيليين , و هذا لكى اعامل كمثل ما يعامل الاسرى اليهود .

 

و جاء الى اول جواب من مصر , و كان به اول صور لأبنتى التى ولدت فى 25 يونيه و صور للعائله و الزوجه, و شعرت اننى أصبحت معروفا الان كاسير حرب و لى حقوق , و لا يستطيعوا ان يفعلوا شئ يودى بحياتى فتحسنت حالتي المعنويه كثيرا و عادت الي روح الصمود و بدأت تتوالى الجوابات من و الى عائلتي بأنتظام ، و كنت اتعمد الا اكتب اي شئ عن الاسر لاني اعلم ان هذه الخطابات تمر علي جهات مخابراتيه كثيرة قبل ان تصل الي مصر و العكس بالطبع ، و كانوا يعطونى مجلات اجنبيه مرة كل شهر مجله او مجلتين , و طوال المده كان هناك بعض التعامل مع المساجين اليهود و قد علمونى بعض العبرى , و كان يعطوني 10 سجائر زرقاء اللون في اليوم , و كانت مميزة عن سجائر الجنود اليهود ,لكي لا نرشوا الجنود و نحصل علي امتيازات ليست من حقنا ،  و كان هناك جندى أسرائيلي من اصل عراقى أسمه نيمرن كان متعاطف معى و يجلس معى بعض الوقت .

 

و كنت اخذ المجله الاجنبيه و اترجمها الى العربيه , ثم اعود و اترجمها الى انجليزيه , ثم اعيدها للعربيه , و علب السجائر كنت اقسمها الى قسمين و ارسم عليها مثل الكوتشينه و كان معى مصحف أقرأ فيه بانتظام.

 

و بعد مده جاء طيار زميل أسمه مرتضى الرفاعي كان قد تم أسقاطه فى 14 و 15 يوليه في الطلعات التي اطلقها الفريق مدكور ابو العز قائد القوات الجويه المصريه وقتها لاعادة الثقه الي الطيارين , و جاء الى الزنزانه المجاورة ,سمحوا لنا ان نجلس مع بعضنا مرتين او ثلاث مرات , و فى احد المرات قال الى مرتضى انه سيقول انه مصاب بالزائده الدوديه لكي يخرج من الزنزانه , و فعلا اخذوه على المستشفى و كشفوا عليه , و بالفعل تم عمل عمليه الزائده , و بعدها اخبروني ان مرتضى الرفاعي تم عمل عمليه له و يريد ان يراني , و عندما زرته في المستشفي كانت اول مرة ارى مستشفى بتلك الشكل , نظام و نظافه بشكل يفوق الوصف , و بعدها بفترة عاد مرتضي الرفاعي الى الزنزانه.

 

ثم نقلونا الى معسكر (عتليت) للأعتقال , و كان كبير و يوجد به حوالى 6000 اسير مصرى بمختلف الرتب , و بما اننا طيارين كانت اقامتنا مع الضباط و مع اللواءات , و كنت بغرفه بها عقيد صيدلى , و تعرفت علي اخرين منهم عميد يسمى عبد المنعم الوكيل , و اخر طبيب عميد , كنت معهم و كان وقتها رمضان , و كنا نقوم باعداد السلطه و يأتون الينا بالطعام و نفطر سويا , و كنا نلعب كوتشينه و العاب اخرى , و كان هناك بعض المصريين الحلاقين يأتون الينا , و فى احد المرات تم دعوة معسكر اللواءات كما كان يطلق علينا الى معسكر الجنود بأذن من اليهود , كان الجنود قد اعدوا شئ مثل المسرح بالبطاطين و السرائر , و مثلث مكتوب عليه الليله الكبيرة , و الجنود يغنون اوبريت الليله الكبيرة كاملا , و كان يوم جميل جدا و بالنسبه لأخر شهرين كانوا عبارة عن اجازة بالنسبه لي مقارنه بزنزانه الحبس الانفرادي في المعتقل الاول , و فى احد الايام جاء الى المعسكر اسحاق رابين رئيس الاركان الاسرائيلي , فقال له قائد السجن انه هنا يوجد طيار مصري , فنادى علي و سألنى من اى مطار اقلعت منه ؟ فقلت له فايد ، فقال لى انه عمل بذلك المطار منذ ايام الانجليز و سألنى عن اى طلبات أطلبها , فطلبت بعض منه بعض الالعاب مثل البينج بونج و خلافه , وجائنى بقصه عن الفضاء , وهذه بعض الاشياء التى مازلت اتذكرها.

 

و سبب طول مدة الاسر حوالى 8 شهور هو ان هناك اسير اسرائيلى تم القبض عليه واخذ سجن لمده طويله , و كان اليهود بالمفاوضات الخاصه بالاسرى يريدونه و هذا الاسير عرف بعد ذلك بجاسوس الشمبانيا و كان يعمل في مصر تحت غطاء انه تاجر الماني يعمل في الخيول ، و عن طريق المجتمع الراقي المصري استطاع ان يدخل في اروقه الطبقه المصريه الراقيه و ما فيها من كبار ضباط و طيارين ، و عن طريق ذلك الجاسوس الداهيه تم ارهاب العلماء الالمان العاملين في برنامج الصواريخ المصري حتي غادروا مصر هربا ، و تم له ايضا الدخول في اروقه الطيارين و تشكيل نمط لحياه الطيار في مصر و معرفه حياته داخل المطارات مما ساعد في توجيه ضربه 5 يونيو 1967 ، و بسقوط هذا الجاسوس في يد المخابرات المصريه ، انزعجت اسرائيل جدا و عملت جاهده للافراج عنه و جاء عبد الناصر في العيد فأفرج عن بعض المسجونين و من ضمنهم هذا الجاسوس و مجموعه من الضفادع البشريه الاسرائيليه و التي تم اسرهم في الاسكندريه ليله 5 يونيو 1967 بعد فشلهم في الوصول الي الميناء الحربي , و بدأت عمليه تبادل الاسرى تسير بشكل جيد على افواج , و انا تم نزولى اخر فوج , و الطيار مرتضى الرفاعي كان في بدايه الافواج , لأنهم تبادلوا اولا المصابين .

 

و تم تبادلنا عن طريق البر بالاتوبيسات و نحن نسير بالاراض الاسرائيليه حتى و صلنا الى القناه و تم تبادلنا عن طريق القوارب .

 

 

 

 

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech