Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي
  • تعريف بالمجموعة و أعضاءها

     مؤسسة مؤرخي مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهرة برقم 10257 لسنه 2016  المجموعه 73 مؤرخين ، مؤسسه ثقافيه للتأريخ والابحاث التاريخيه نشأت عام 2008 - وهي عباره...

    إقرأ المزيد...

بطل الشهر

الــصـفـحـة الـرئيسيــة

عملية الصاعقة:من ملفات المخابرات العامة المصرية

 

بقلم - ابراهيم نافع

التاريخ: 17 أكتوبر 1998

كلمة لابد منها .. قبل أن تقرأ (الصاعقة).. كانت هذه هي كلمة السر التي انهت واحدة من اكبر وأخطر عمليات رجال المخابرات المصرية, عيون مصر الساهرة .

هي الكلمة التي شكلت السطر الأخير في قصة مذهلة, تتابعت فصولها على امتداد زمني طويل, وتضمنت مشاعر انسانية مركبة أو معقدة, أفشت في كل وقائعها وجوانبها, معاني متضاربة عن الخيانة.. والسقوط.. والوطنية.. والكفاءة المهنية العالية!!

وقبل ان تتعاقب فصول هذه القصة على الورق, والتي نحكيها ونحن نحتفل بالعيد الفضي لنصر اكتوبر العظيم, ربما يلزم ان نشير إلى بعض ملامحها, واطار العمليات التي تمت فيه, فنحن أمام عملية أمنية بالغة التشابك, لم يتم خلالها ـ فقط ـ مراقبة أو متابعة الهدف أو (الجاسوس) , وإنما ثم استخدامه أيضا كقناة يتم ــ عبرها ـ تسريب المعلومات والبيانات المضللة إلى العدو حتى يتوه عن ساعة الصفر في حرب أكتوبر المجيدة, التي كانت آخر ما يفكر فيه, أو تخطر له على بال.

ثم اننا أمام عملية دارت بعض وقائعها على أرض أجنبية, وبالذات في العاصمة البريطانية (لندن) , ومن ثم فإن حجم الانجاز المهني ـ إذا جاز التعبير ـ الذي حققه رجال المخابرات المصرية في المتابعة والمراقبة, ثم في انهاء العملية والقبض على الجاسوس ليلقى جزاءه الرادع العادل, يعد ـ من الناحية الفنية ـ اعجازا حقيقيا, واستخداما نموذجيا لكل الامكانيات والأدوات المتاحة, لتحقيق النتيجة القصوى, والانتصار على (الموساد) جهاز المخابرات الاسرائيلي في معركة أخرى, ضمن معارك حرب الجاسوسية والمعلومات. وأخيرا.. فإننا أمام عملية هي ـ في أبسط وصف لها ــ عمل من أعمال الحرب,

لأنها ليست عملية جمع معلومات أو تجسس عادي, ولكن عملية كان لها مردود مباشر على عمليات الحرب وعلى التشويش الكامل, على المعلومات التي يستند إليها فكر الجيش الاسرائيلي في تشكيل أو اتخاذ قراره العملياتي المباشر على الأرض.

هي واحدة من حكايات النصر.. نكشف عنها مع الاحتفالات بهذا النصر.. هي واحدة من أوراق كثيرة في ملفات المخابرات العامة, تشير ـ بكل الاعتزاز والفخر ــ إلى قدرات الرجال الذين راقبوا وتابعوا بعيون الذئاب وسمع الثعالب, حتى أوقعوا بواحد من أخطر الجواسيس قبيل حرب تحرير التراب الوطني من بين براثن العدو عنوة واقتدارا, وأبان معارك اكتوبر المجيدة التي صعدت بالكرامة العربية إلى أعنة الجبال الرواسي.

وعندما تأكد رجال المخابرات المصرية من أنهم قد استخدموا هذا الجاسوس في تحقيق كل أهدافهم من العملية, وسربوا عبر القناة التي يمثلها كل ما يريدون تسريبه إلى اسرائيل, كانت ثمة كلمة واحدة تحمل إليهم التوجيه بانهاء العملية والقبض على الهدف لكي ينال قصاصه. الكلمة كانت .. (الصاعقة)!

ولن نحكي ـ هنا ـ الفصل الأخير من هذه القصة, التي تعد واحدة من أكثر قصص الجاسوسية اثارة, ولكننا سنحكي فصولها من البداية, ونكاد نحبس أنفاسنا ونحن نتابع وثائقها بالغة التشويق فصلا بعد فصل, ومطاردة بعد مطاردة, ومراقبات, ومداورات, ومراوغات في الخفاء والعلن, داخل فنادق العاصمة البريطانية, وشوارعها وحدائقها, حيث شهدت ساعة بساعة, ويوما بيوم فصول هذه القصة, والتي نكشف عنها الستار لأول مرة, بعد خمسة وعشرين عاما من وقوعها, وفي اليوبيل الفضي لنصر أكتوبر العظيم. قصة بدأت بكلمة الخيانة.. وانهتها ـ كالصاعقة ـ كلمة الصاعقة..

تماما كما كانت ضربة الطيران الحاسمة بقيادة حسني مبارك, صاعقة حرب 73 التي عجلت بنهاية الأسطورة الاسرائيلية. بلاي بوي.. على الرغم من ان الجو كان ربيعا نموذجيا في لندن يوم 16 مايو 1972, وعلى الرغم من انه خلا من أية برودة, فإن رعدة سرت في جسد (هشام) , وهو يقف على عتبات كازينو (البلاي بوي) على ناصية كيرزون ستريت, وبارك لين, لم يكن يدري ـ كما قال بنفسه فيما بعد ما إذا كان هذا الاحساس وليد برودة (داخلية) أحس بها, أو شعور نشوة واثارة احتل عقله وسكن قلبه الممتلئ بخيالات وأطياف عن هذا المكان الذي كثيرا ما سمع عنه, وارتسمت في ذهنه صورة أسطورية له. ولكن ما الذي دفع هشام ـ الشاب المصري الأسمر ـ إلى عتبات هذا الكازينو الشهير التي كانت في الحقيقة عتبات طريق جديد وساحة مجهولة, يوشك ان يدلف إليها؟

كانت قصة طويلة عرف بدايتها ولكنه لم يعرف كيف ستكون النهاية! القصة تبدأ في يوم لم تطلع شمسه, ملبد السماء, قارس البرودة, من أيام شهر فبراير من العام نفسه, حين هبطت طائرة مصر للطيران في مطار هيثرو, ونزل على سلمها شاب مصري, متوسط الطول, وإلى جواره زوجته الشابة تحاول معاونته, ومعاونة طاقم المضيفين في انزال والده الجالس ـ بجسده النحيل المتهالك ـ على كرسي ذي عجلات. على سلم الطائرة كان رأس الشاب ــ كم قال هو أيضا بعد ذلك ـ مهموما بحالة أبيه المريض, ضابط القوات المسلحة على المعاش الذي انهكه السرطان فطار مع ابنه عله يجد شفاء ـ أو حتى تخفيفا لآلامه ـ في مستشفيات لندن تاركا زوجته أم هشام في القاهرة. بدأ هشام علي محجوب ـ وهذا هو اسمه كما هو مدون في جواز سفره ـ يرتدي معطفا أسودا طويلا, كان يضعه على يده, بمجرد خروجه من بوابة المطار الخارجية, بعد ان لفحه جو لندن القارس البرودة, بينما يديه اليسرى مشغولة بحقيقة يد. تاريخ ميلاده في جواز سفره يقول انه من مواليد 6 مارس عام 1941, يعني انه عندما هبط في مطار هيثرو لأول مرة كان عمره واحدا وثلاثين عاما, حيث استقل مع زوجته وأبيه تاكسيا من طابور التاكسيات الواقفة أمام بوابة الوصول, متوجها إلى الفندق الذي سينزل فيه مع أسرته في لندن.

طوال الطريق كان ذهنه يموج بأفكار صاخبة وقد ثبت نظره على زجاج نافذة سيارة الأجرة الانجليزية التقليدية السوداء, فقد كان يتصور حين جاء إلى لندن للمرة الأولى ـ قبل ذلك بشهور ـ ليعمل ضابطا أول للعمليات الجوية في شركة مصر للطيران, مهمته رسم مسارات وارتفاعات الرحلات الجوية, ومتابعة تجهيز جداول نوبتجيات الطيارين والمضيفين والموظفين, انه قد بدأت طريقه بالفعل لتحقيق طموحه الكبير في ان يصبح شيئا, ولكنه ما كاد يضع قدميه على جادة الطريق, حتى فوجئ بالمرض القاتل ينقض على أبيه, والذي لم تكن ظروفه المادية تسمح بالتصدي لمصاريف العلاج الباهظة. ولقد استعان هشام ببعض أصدقائه من الأطباء المصريين في لندن لكي يقدموا له النصيحة بخصوص موضوع العلاج, وكان قد نجح في الحصول على تذكرتين مخفضتين من مصر للطيران لوالده وزوجته, ولكن مسألة الاقامة وما تتكلفه من نقود كان هو الموضوع الذي يشغل باله, ويقض مضجعه, ويجثم على قلبه.

أفاق هشام من استرسالاته على هزة عنيفة سببها توقف التاكسي أمام بوابة الفندق (رويال لانكستر) بعدما عبر حديقة الهايدبارك إلى لانستر جيت في (بيز ووتر) , بعدها حاسب السائق وساعده بعض العاملين في الفندق في نقل أبيه وأمتعته إلى الداخل.

 *** فندق رويال لانكستر, كان هو الذي تنزل به مجموعات مصر للطيران, في العاصمة البريطانية ــ عادة ــ وكان هشام دائم التردد عليه للقاء زملائه طوال فترة وجوده وعمله ثم كان ينزل به أحيانا كلما كان يعود إلى لندن مرة أخرى قادما من القاهرة. وفي هذا الفندق تعرف هشام على مديره المصري رأفت الذي كان يعمل لمصلحة الموساد ومتابعا من المخابرات المصرية, ونشأت بينهما مبادئ صداقة, ولاحظ ان رأفت كان دائما ما يسعى إلى عقد صداقات مع أفراد طواقم مصر للطيران, تحت عنوان أنهم (أبناء بلدي) !! كان رأفت متزوجا من انجليزية يهودية الديانة, وحكى لهشام ــ مرة ــ عن ثقة مالك الفندق فيه, الأمر الذي جعله يضع معظم قرارات العمل ــ بالفعل ــ في يده, كما سمع هشام عن ان مالك الفندق الانجليزي من أصل يهودي. وضمن سلسلة اقترابات لهشام من رأفت, أخبره مرة بأنه يستطيع مساعدته عندما يكون لديه أي ضيوف يريد ان ينزلوا في الفندق, ويعطيهم أسعارا مخفضة, ويقدم لهم أي خدمات خاصة. وعندما نقل هشام والده وزوجته إلى غرفتيهما, عاد إلى صالة الاستقبال ليسأل عن رأفت, ولم يكن يدرك ان رأفت يجلس في ركن قصي من صالة الاستقبال, ويثبت عينيه عليه, منذ وصل إلى الفندق, هذه اللحظة, إذ كان على علم بكل تفاصيل مرض الأب, وضائقة هشام من خلال لقاءاتهما السابقة.

أشارت موظفة الاستقبال إلى مكان رأفت, اندفع هشام إليه ليأخذه بالأحضان, ويجلس الاثنان على مقعدين في بهو الاستقبال, وحكى هشام لرأفت عن كل شيء, وقال له انه يبحث عن مورد رزق يصرف منه على رحلته مع أسرته في انجلترا, وعلاج أبيه. وعلى الفور كان رأفت يتحدث إلى موظفي الاستقبال لاجراء تخفيض كبير من مصاريف الاقامة بالفندق.. ثم يتوجه إلى هشام الذي كان غارقا في شعوره بالامتنان والعرفان ليقول له: (موضوع عملك يا هشام يحتاج إلى بعض التفاصيل ما رأيك ان نخرج من هنا لنجلس في مكان ظريف بعيدا عن جو الفندق والنزلاء والعمل) ؟

ووافق هشام وبدا غير قادر على التعبير عن شكره لرأفت, الذي أصبح المنقذ وحلال كل العقد. أما رأفت.. فقد كان يعرف ما يفعل ــ بالضبط ــ بل وبدت كل الوقائع التي تتابعت منذ هذه اللحظة, وكأنها تنفيذ حرفي لتوقعاته وتنبؤاته. وظيفة حيوية ذهب الاثنان بعد ان انتهى رأفت من وردية عمله في الفندق إلى بار في فندق (كمبرلاند) على بعد حوالي خمسمائة متر من رويال لانكستر, وجلس الصديقان جلسة حرص ــ رأفت الذي أصبح الآن يمتلك كل مفاتيح الموقف النفسية والعاطفية ــ على ان يجعلها مزيجا من المواساة القلبية لهشام, والتحرك العملي لمؤازرته. وفي الجلسة حرص رأفت على ان يستمع ـ مرة أخرى ـ من هشام إلى تفاصيل طبيعة عمله ومؤهلاته, بحجة أن ذلك سيساعده في العثور على عمل اضافي مناسب له. وراح هشام يحكي لرأفت أنه حصل على شهادة الثانوية العام عام 1958, ثم شهادة اللاسلكي عام 1959, وانه يعمل ضابط أول عمليات جوية, وكان رأفت يقاطعه من آن لآخر, ذاكرا عبارات من طراز: (انها وظيفة حيوية جدا) .. (لابد انهم تأكدوا من كفاءتهم قبل اختيارك) .. (هل يعني رسم مسارات وارتفاعات الرحلات الجوية أنك تتحكم , كذلك في المساحة التي يمكن لك وللطيار مراقبتها على الأرض؟! ولابد ان عليكم قيودا شديدة هذه الأيام فالبلد في حالة حرب, ما هو الجزاء الذي يمكن ان يقع على الطاقم لو خرجت الطائرة عن مسارها واقتربت من منطقة عسكرية؟ )

كان رأفت يسأل, ويسأل, وكان هشام يسترسل, ويسترسل, بينما كانت كؤوس النبيذ الفرنسي الشهير (يوردو) تدور بينهما كأسا بعد الأخرى, فتفك عقدة الألسنة أكثر وأكثر. وبينما كان هشام يعبث بحبات اللوز المملح الموضوعة في طبق من زجاج أمامهما على البار بادره رأفت قائلا: اعتقد ان مؤهلاتك وشطارتك تؤهلك لعمل مع أحد أصدقائي من رجال الأعمال المقيمين هنا في البلد. وهنا كان هشام قد بدأ يقتنع ان رأفت هو هدية السماء له, وسأله بلهفة: (متى ألقاه) ؟ وابتسم رأفت, بعد ان أدرك أن فريسته قد أصبحت طوع بنانه تماما, وأراد ان يشعر هشام بأن لا شيء يأتي سهلا, كما أراد ان يتركه نهبا للاحساس بخطر الافلاس مدة مناسبة, حتى يصبح جاهزا تماما للتعامل معه. وأجاب: هو غير موجود في لندن الآن, وسيعود بعد حوالي عشرة أسابيع, هو رجل أعمال انجليزي من أصل لبناني مسيحي, وأعماله متناثرة في عدد كبير من البلاد, وتقتضي منه الغياب عن المركز الرئيسي لمدد طويلة على هذا النحو. ثم أضاف بنبرة قصد ان تكون طبيعية, وفيها عدم اهتمام تجاه عنصر الوقت, الذي يعرف جيدا انه ضاغط على خلايا أعصاب هشام وذرات تفكيره: ( على أية حالة يمكنك ان تستغل الفترة في متابعة علاج أبيك, ولا تحمل هما بشأن مصاريف الفندق, فسأحاول ان أجري لك تخفيضا اضافيا آخر.. وياسيدي.. إذا احتجت شيئا فأنا موجودا!!) وانهى رأفت لعثمة هشام وارتباكه أمام الفخ الذي ينصبه له بعناية, بأن دفع الحساب, مع بقشيش كبير, بعد ان حرص على ان يخرج حافظته, وبها قدر كبير من (النقود) أمام هشام الذي رآها وثيقة اعتماد مادية لقدرات رأفت الكبيرة, وان فعله سوف يكون على قدر كلامه!! ووضع رأفت يده على كتف هشام وخرجا يتمشيان حتى (رويال لانكستر) . *** تعدد لقاءات هشام مع رأفت, حتى أخذت ايقاعا منتظما ويوميا, مرة على افطار ومرة على كأس, ومرة على فنجان قهوة, وفي كل مرة يبدي رأفت اهتماما مبالغا فيه بحالة والد هشام الصحية, حتى لم يعد رأفت بالنسبة لهشام مجرد منقذ أرسلته عناية السماء, ولكنه أصبح الشقيق الذي يقاسمه آلامه وقلقه وظروفه القاسية! مرة على افطار, ومرة على كأس, ومرة على فنجان قهوة, تعدد اللقاءات بين الشابين.

رجل الأعمال اللبناني حين هل الربيع, كان هشام يدرك ان اللحظة التي طال انتظارها مع رجل الأعمال صديق رأفت وشيكة, وسأل رأفت عن موعد وصوله, وكان يطير فرحا حين أجابه, لقد وصل بالأمس, وانهما سيلتقيان في الثامنة مساء الغد. وفي الثامنة من يوم 16 مايو كان هشام يقف في بهو الفندق , حليق الوجه, مرتديا حلة زرقاء داكنة, ورباط عنق يتمازج فيه اللونان الرمادي والنبيتي, في انتظار صديقه رأفت لكي يذهبا معا للقاء رجل الأعمال.. ولما طال الوقت سأل موظفة الاستقبال, فأخبرته بأن رأفت ترك رسالة له, فتحها هشام ليقرأ السطر التالي: (آسف لعدم حضوري في الموعد, لدي عمل في بارك ستريت, وسوف أذهب بعده مباشرة لانتظارك في كازينو البلاي بوي حيث سنلتقي بصاحبنا.. معذرة رأفت) .

كان اسم (البلاي بوي) يعني عشرات الصور والأخيلة المثيرة بالنسبة لشاب مثل هشام (31 عاما) وقادم من مجتمع كان حتى هذا الوقت منغلقا إلى حد كبير.

كان في حد ذاته مجرد بداية سلسلة انبهارات قصدوا ان تسيطر على هشام وتفكيره. كانت البنات العاريات, وفيشات القمار, والمجلة التي تحمل نفس اسم الكازينو, هي المعاني التي استدعاها هشام إلى رأسه تلقائيا حين قرأ اسم البلاي بوي في الرسالة التي تركها له رأفت, والمؤكد ان اختيار ملهى البلاي بوي لأول لقاء بين هشام ورجل الأعمال, كان اختيارا مقصودا لابهاره والتأثير عليه. ركب هشام تاكسيا إلى بارك لين, ووصل إلى بوابة الكازينو, الذي يتكون من خمسة طوابق, الأرضي به بهو استقبال كبير, وبينهما الطوابق الأربعة المخصصة للعب القمار بأنواعه, وعندما لم يجد هشام صديقه, لم يستطع ان يمسك نفسه, ويواصل الانتظار, ودخل إلى ساحة الاستقبال, حيث أخبره العاملون بأن دخول هذا الكازينو لا يحتاج إلى بطاقة عضوية, ولكنه يحتاج ملء استمارة دخول في كل مرة يأتي فيها الشخص إليه, وبالطبع مرة أخرى فإن اختيار هذا الكازينو بالذات من قبل رأفت وصديقه رجل الأعمال لم يجيء من فراغ, بل كان مخططا له, لأن الكازينوهات الأخرى لها سجلات تقيد فيها عدد مرات المترددين عليها, وهذا مالا يريده رأفت! المهم ان هشام ملأ الاستمارة على عتبات باب نادي القمار الشهير, والتي كانت تبدو كعتبات طريق جديد وساحة مجهولة يوشك ان يدلف إليها. وفي الداخل, راح هشام يتجول بعينيه داخل صالات القمار والمطاعم المزدحمة التي تقدم أفخر أنواع الأطعمة والمشروبات والمناضد المتناثرة في الصلات ذات الأنوار الخافتة, وراح يتأمل ــ في نشوة فوارة ــ المضيفات اللاتي يرتدين ملابس الأرنب المشهورة ــ رمز البلاي بوي ــ , وأذان الأرانب تبدو من فوق رؤوسهن وقطعة الفراء المستديرة التي تمثل ذيل الأرنب تعلو الأرداف والسيقان العارية, إلا من جوارب على شكل شبكة موشاة من خيوط سوداء وذهبية. واتسعت حدقتا عينيه وهو يرى أثرياء المنطقة يخسرون أمامه في دور من أدوار الروليت ـ ووسط هذا العالم السحري الاسطوري ـ آلاف الجنيهات الاسترلينية, وهم يضحكون ويشربون, ولا تهتز رموشهم أو جفونهم.

وفي صالة البلاك جاك, حيث تطير مئات من الجنيهات الاسترلينية وتتبخر في الهواء, فوجئ هشام بيد تربت على كتفه برفق, وتوقظه من استرسالاته وخيالاته, والتفت خلفه, ليجد صديقه رأفت الذي همس في أذنه: (آسف تأخرت لدقائق.. الرجل ينتظرنا في المطعم) . *** وهبط الرفيقان على السلم إلى أحد مطاعم الكازينو, وفي ركن بعيد, على احدى المناضد كان شخص في العقد الخامس من عمره يجلس في ضوء خافت, لم يظهر ملامحه بشكل كامل.

تقدم رأفت إليه محييا, ومقدما هشام إليه, بعبارة دالة تقول كلماتها (تستطيع ان تعتمد عليه في كل شيء) , ثم وجه كلامه إلى هشام قائلا: (أقدم لك صديقا عزيزا.. ادوارد كوشير رجل أعمال انجليزي من أصل عربي لبناني) . ووسط التصافح والتمتمة بعبارات المجاملة التقليدية, كانت نظرات كوشير تكتسح هشام من قمة رأسه إلى أخمص قدمه.

 جلس الثلاثة على المائدة حيث وافق كوشير ورأفت على الشراب الذي طلبه هشام دون تردد, في مجاملة مقصودة, وبينما راح الثلاثة يحتسون كؤوس الويسكي بلاك ليبل, لم يتوقف رأفت عن الثرثرة في مرح مفتعل ومحاولة لتذكير هشام ببعض النكات السياسية التي كانت مصر تعج بها في هذا الوقت, وتسخر من الرئيس السادات وعدم قدرته على الحرب, كما تسخر من الجيش المصري وهزيمته المروعة في 1967م!! كان هشام يشترك في الضحك من كل ما يحكيه رأفت, فقد كان على استعداد للمجاملة إلى آخر مدى, ولو بوطنه, أو برموز هذا الوطن. وكان رأفت ينظر من آن لآخر إلى كوشير ليريه ان الضحية وصلت إلى أقصى درجات الاستعداد للارتماء في أي حضن, والاستسلام لأي ضغط. ابتسامة لزجة وبعد ان تجرع رأفت ما تبقى من خمر في كأسه دفعة واحدة, استأذن في القيام, متعللا بأنه يريد أن يصرف ما معه من جنيهات في صالة القمار, وغمز بطرف عينه إلى كوشير الذي ابتسم ابتسامة لزجة لا مشاعر فيها!! كان ادوارد كوشير لطيفا وناعما جدا في حديثه إلى هشام الذي راح يعلق على بعض مفردات اللهجة العربية الشامية التي يتحدث بها كوشير. قال ادوارد انه يعمل قومسيونجيا, ووكيلا لعدة شركات, وهو يريد التعامل مع السوق المصرية, ولكن تنقصه معلومات كثيرة عن أحوال التجارة في مصر, وما إذا كان من الممكن استثمار أموال في مصر أم لا. وكان هشام يحاول رغم عدم خبرته في مسائل الاستثمار والاقتصاد ان يشترك في الحديث بأية كلمات يحاول من خلالها ان يثبت لكوشير انه (متحرك وشاطر) .

 وبينما كان الرجلان يحتسيان القهوة بعد العشاء, راح هشام يحاول الاستزادة عن تفاصيل العمل, وادوارد يحاوره ولا يعطيه اجابة كاملة تريحه, وما ان فرغا من احتساء القهوة, حتى طلب ادوارد من هشام ان يلقاه في اليوم التالي في الموعد نفسه ولكن في فندق سيلفريدج. ودهش هشام جدا, حين طلب منه ادوارد ألا يخبر رأفت بأي شيء عن موعد لقائهما المقبل, لأنه ـ على حد تعبيره ـ (رجل طماع) وسيحاول ان يحشر نفسه في هذا البيزنيس الجديد دون داع.

وعلى الرغم من دهشة هشام إلا انه وافق, فقد بدأ ومنذ شهور رحلة الموافقة, يوافق على أي شيء, يوافق على كل شيء, وهو في هذه الليلة باع صديقه, أو ما يتصور انه صديقه, في طريقه لأن يبيع أشياء أخرى أعز وأثمن.

*** اليوم 17 مايو 1972 الساعة: السابعة وخمس وأربعون دقيقة. المكان: فندق سيلفريدج الملتصق بالمتجر الشهير الذي يذهب إليه المقتدرون ـ من وجهة نظر هشام ـ في مصر للشراء والتسوق وعمر هذا الفندق ــ وقتها ـ سبعون عاما. جاء هشام مبكرا ربع ساعة, حتى يتجول داخل الفندق الشهير, وتمشى من عند الساعة الشهيرة التي تعلو مدخل المتجر الرئيسي في شارع اكسفورد, ثم انعطف يمينا ليدخل إلى ديوك استريت, الشارع العريق الذي تأسس عام 1728 وأشهر مبانيه ــ تاريخيا ــ ووتر هاوس وهو الآن الكنيسة الكندية. دخل هشام من باب الفندق الدوار ذي اللون البني الغامق, حيث كان يقف أمامه حارس يرتدي حلة خضراء غامقة وقبعة عالية من نفس اللون, صديرية حمراء, أطرافها خيوط من القصب, وفي وسط المدخل منضدة مستديرة من الماهوجني الانتك, تعلوها آنية زهور شينواه كبيرة تزدحم بعيدان باقة ضخمة من زهور الداليا البيضاء. إلى اليسار حامل خشبي بني قديم, رصت عليه الصحف البريطانية الشهيرة ومنضدة خشبية غامقة يقف خلفها موظفا الاستقبال, وبنتان للاستعلامات والمحاسبة, تعلوها ساعة عتيقة على يمينها ويسارها لوحتان زيتيتان عريقتان, احداهما للورد أبرستون ترجع إلى عام 1715, والأخرى لليدي أبرستون في عام 1760, وليس للشخصين أي ارتباط بفندق سيلفريدج ولكن تم اقتناؤهما لقيمتهما الأثرية,

وكان تسكع هشام داخل الفندق قد أتاح له قدرا لا بأس به من الفرجة على مفرداته وأثاثه, وجوه المميز الفريد, حيث تتناثر على امتداد صالة الاستقبال بضعة مقاعد جلدية (زيتي غامق) وإلى جوارها مناضد انتيك وأباجورات شينواه, وإلى اليمين صعد هشام سلما كبيرا بدرابزين نحاسي, وجوانبه مشغولة بالفير فورجيه الأسود, وترصعه بادجات نحاسية كبيرة عليها حرف S الذي يرمز لاسم المحل. السلم أوصله إلى مدخل صغير تتوسطه نجفة أثرية عظيمة, وإلى اليمين مدخل (أوركاردتيراس) , وهو مطعم جريل يطل على أوركارد ستريت, فيه تناثرت مناضد مربعة ذات مفارش خضراء, تعطي احساسا كبيرا بالبهجة, وسط الجو المتزن الوقور الذي يوحي به اختيار الأثاث الستيل والانتيكة في بقية أرجاء الفندق.

وعلى احدى هذه المناضد كان اللقاء الثاني بين هشام وادوارد. عندما صافح ادوارد ضحيته ثبت نظراته إلى عيني هشام, الذي تعلق به في نظرة رجاء طويلة, وأبدى ترحيبا مبالغا فيه. وعلى عشاء فاخر من الأسماك والقشريات البحرية, مصحوبا بزجاجة نبيذ فرنسي (شابليه) أبيض فاخر دار الحديث حول تفاصيل العمل, الذي كان هشام يتوق إليه.

قال ادوارد لهشام: (أنا وكيل شركة بلجيكية للجرارات الزراعية, وهي تريد ان تقيم مصنعا في القاهرة, وقد تقدمت بطلب بهذا الخصوص بالفعل, ولم أحصل بعد على الرد وسوف تكون أنت وكيل هذه الشركة في القاهرة, وسوف نفتح لك مكتبا لادارة أعمالها ولكن في البداية نريد منك معلومات عن أسعار الأراضي في مصر, وكم سيتكلف شراء أرض لاقامة مصنع للجرارات. كان هشام يريد أي عمل والسلام, ومن ثم فقد أجاب على كل أسئلة ادوارد, بما يفيد انه يقدر على تلبية احتياجاته جميعا. أما ادوارد وطبقا لتحليلات الخبراء فقد كان يود اختيار قدرة هشام أولا على جمع معلومات عادية, وقدراته على تسهيل بعد الاجراءات في مصر, وذلك قبل ان يدخل معه في تفاصيل أكثر جدية, عن هذا العمل, الذي كان ما زال يبدو غامضا. انتهى اللقاء الثاني بعد ساعات ثلاث أمضياها في الأكل والأنخاب المرحة, والمحاولات المستعرة من هشام ان يثبت أنه على قدر الشغل , ويوفي بمتطلباته.

وجاء اللقاء الثالث بعد ذلك في ليلة الثامن والعشرين من مايو في الفندق نفسه, إذا كان ادوارد نفسه مستمرا في تشويق هشام للعمل, ومن ثم للمال, حتى يضمن انهياره الكامل, وفي الوقت نفسه استغل ادوارد الفترة الزمنية الفاصلة بين اللقاءين لاختبار قدرة هشام على الكتمان, حيث ظل رأفت يلاحق هشام ويسأله ما إذا كان يرى ادوارد أو يتصل به, بينما هشام ينكر تماما, مرة ومرتين, وهو فائق أو وهو سكران, حتى تأكد ادوارد تماما من أن هشام ينفذ تعليماته بحذافيرها, حتى وهو لا يعلم طبيعة الوعاء الذي تصب فيه هذه التعليمات.

*** الموعد التالي كان في مطعم فيلدجر في فندق سيلفريدج. وحين وصل هشام إلى الفندق كان متعجلا, عصبيا, يريد ان يحضر ادوارد, وأن يكلفه بعمل محدد, وان يعطيه, ولو مقدما من أجره عن هذا العمل. اخترق صالون الفندق , ولم ينتبه إلى كل التفاصيل من حوله, أو إلى الحركة التي كان الصالون يعج بها, ومنظر أكياس سيلفريدج التقليدية الصفراء وقد تركها رواد الفندق ونزلاؤه إلى جوار المقاعد, والفوتيهات المذهبة, ذات الألوان الزيتي الغامق النبيتي, والتي ألقيت عليها حشيات غامقة اللون برتقالية, وتيركواز, وكل منضدة تتوسط منظومة من المقاعد والأرائك, عليها فازة بيضاء صغيرة فيها زهرة قرنفل واحدة, وفي أركان الصالون نباتات ظل تتدلى من أوان حجرية غامقة. صعد هشام ـ في عجالة ـ عدة درجات سلم في نهاية هذا الصالون حتى كاد يسقط متعثرا من فرط اندفاعه, ودخل إلى مطعم فليدجر العتيق على اليسار, حيث تربض كراسيه الفخيمة التي يشبه كل منها عرشا ملكيا صغيرا, بينما غطى الجدران ورق حائط منقوش داكن, انجليزي تقليدي.

وطوال العشاء الذي كره هشام اجراءاته الطويلة المتمهلة كان ادوارد يسرب إليه كلمة, ثم يتركه يحترق في فضول ولهف, ثم كلمة أخرى, وهكذا حتى ما كاد العشاء ان يقترب من نهايته حتى كان هشام قد وصل إلي حالة من اليأس الشديد, فإذا بادوارد يبادره برغبته في أن يؤجر للشركة مقرا في القاهرة, وان يمده بخطوط تليفونية. ثم أومأ: ( نحن مستعدون لتقديم رشاوى لتركيب هذه الخطوط التليفونية) .

وبالطبع كان هشام يعرف صعوبة تركيب مثل هذه الخطوط ـ في ذلك الوقت ــ وسط الأزمة الخانقة التي شهدتها تليفونات مصر في السبعينات, ولكنه أبدى استعداده للانجاز ليظهر شطارته ,ويستعجل التوظيف.

ولكن هل صحيح ان شركة بلجيكية تقدمت لاقامة مصنع للجرارات الزراعية في مصر؟ الجواب: كانت الشركات الوحيدة التي أقامت مصنعا للجرارات الزراعية في مصر في ذلك الوقت, هي شركة (ماجيروس) المجرية, في اطار خطط التصنيع في مصنع شركة النصر لصناعة السيارات, ولا شيء أكثر من ذلك. بالون اختيار الأمر كله ــ إذن ــ كان مجرد بالونة اختيار لصديقنا هشام محجوب في جمع المعلومات, حتى لو كان بسيطا في البداية, مثل معلومات أسعار الأراضي, أو اختبار قدرته على الحركة مثل رشوة أشخاص حكوميين لتركيب خطوط التليفون وسط ذروة أزمتها.

ثم ان هشام بعد ان يمر في هذا الاختبار ويؤسس المكتب, وسوف يمتلك قاعدة للتحرك والاتصال في مصر تمكنه من جمع المعلومات حول أمور أخرى, غير تلك التي خطط ادوارد لها من خلال وظيفته في مصر للطيران!! وحين كان ادوارد ينهي هذا اللقاء ويعد هشام بموعد آخر, كان هشام يتوسل إليه في ضراعة حقيقية ان يكلفه بالعمل مباشرة وألا يجعله ينتظر أكثر من ذلك, وهنا ابتسم ادوارد, وأكد له أنه سيكلفه بالعمل في المرة القادمة, بعد ان يتأكد من كفاءته واخلاصه, وقد خطط لأن يجعل منه شيئا كبيرا بالفعل!! على أية حال فقد كان الموعد الرابع والأخير بعد يومين, بما لم يرهق هشام في الانتظار كثيرا, وعلى الرغم من ان الموضوع حتى هذه المرحلة لم يتجاوز الحدود التي تبدو طبيعية, فقد كان هشام يتلفت حوله أثناء حديث ادوارد الهامس إليه في صالون الفندق بشكل تلقائي, إذ كان يشعر ان العاملين بالفندق الذين يتحركون حوله يسترقون السمع, وكذلك النادلات اللاتي يرتدين جنولات سوداء وجاكيتات من اللون نفسه وبلوزات بيضاء وبابيون أسود, والبنات اللاتي يقمن بالتنظيف مرتديات أثوابا خضراء ومرايل بيضاء وهن منهمكات في ازالة كل ذرة تراب تكون قد علقت بأي شيء, والحمالون يرتدون حللا زيتية غامقة يزينها القصب, وتحتها قمصان بيضاء وروابط عنق سوداء. جميعا كان هشام ينظر إليهم باسترابة.

لقد كان هناك من يراقبه فعلا, ولكن ليس هؤلاء. ففي ركن قصي من الصالون كان أحد شهود المخابرات المصرية يربض مستوعبا كان حركة وسكنة, متظاهرا بتقليب الشاي في فنجان من الطاقم الصيني التقليدي للفندق من نوع (دادسون) . في هذه الليلة كشف ادوارد عن جانب من أنيابه, عندما طلب من هشام ان يطير إلى القاهرة لكي يجمع المعلومات المطلوبة, ويعود بها إليه في لندن خلال شهرين. قال ادوارد لهشام: لقد عيناك بمرتب شهري قدره 600 دولار وإذا قدمت لنا المعلومات المطلوبة سوف نرفع مرتبك, ثم سلمه 600 دولار بايصال بدون تاريخ محدد وقعه هشام وأعطاه رقم تليفون للاتصال به عند عودته من القاهرة خلال شهرين. أصاغ هشام السمع لصوت وقع حذائه على أرضية الرصيف, وهو يأخذ طريقه إلى فندق رويال لانكستر, زفر زفرة ارتياح بعد ان أحس انه على وشك انطلاقة كبيرة, ولكنه لم يكن يدري لماذا أحس بهاجس الملاحقة, فراح يتلفت من فوق كتفه بين الحين والآخر, بينما نسمة ربيعية لندنية تعبث بشعره!

الفصل الثاني: مطاردة السنجاب‏!‏

في إحدي حجرات مبني المخابرات العامة‏,‏ كان أفراد المجموعة التي تتابع الموضوع‏,‏ قد انهمكو في مناقشة تفاصيل هذه العملية‏,‏ التي اكتملت بداياتها‏,‏ وتنبيء بأن الموساد وجد منفذا إلي عميل جديد‏.

وكانت كل الاحتمالات موضوعة علي المائدة‏,‏ أحدها أن تتم متابعة تحركات هشام في القاهرة‏,‏ فإذا ما أخذت عملية جمعه للمعلومات بعدا معينا‏,‏ يتم القبض عليه متلبسا‏,‏ ويواجه باتصاله بعناصر الموساد في لندن‏,‏ أما الاحتمال الثاني فكان أن يترك لينفذ كل تكليفات الموساد‏,‏ ومن هذه العملية يتعرف أفراد الجهاز المصري‏,‏ علي نقاط اهتمام وتركيز العدو‏,‏ والمعلومات المطلوب وصولها إليه أما الاحتمال الثالث فأن يتقدم هشام للابلاغ عما حدث ويعتبر بذلك مواطنا مصريا يتمتع بالوطنية فيتم تكليفه بالعمل كعميل مزدوج‏.

ثم كان الاحتمال الرابع‏,‏ الأكثر تعقيد‏,‏ والذي يقوم علي فكرة الاستخدام العكسي للجاسوس‏,‏ أو معرفة طبيعة التكليفات الموكلة إليه‏,‏ دون أن يدري ثم إمداده بمعلومات مضللة‏,‏ بما يربك قيادة العدو‏,‏ ويشوش تفكيرها أي اعتبار الجاسوس كالقناة‏,‏ كما تنقل خلالها تكليفات من جانب العدو‏,‏ يتم تسريب معلومات كاذبة ـ خلالها ـ من جانبنا الي العدو‏.

وهشام حتي هذه المرحلة‏,‏ لم يتورط في شيء‏,‏ فقد كان ماحدث هو مجرد لقاءات ووعود‏,‏ وستمائة دولار دفعت بإيصال‏,‏ كما لم يتلق الجانب الإسرائيلي بعد أية معلومات‏,‏ بل ولم يشرع في إعطاء هشام التكليفات الحقيقية الكبيرة اذن‏..‏ الفأر مازال طليقا حرا لم يدخل بعد إلي المصيدة‏,‏ وإنما كان قد تلقي الطعم وابتلعه‏.‏

ولأن مثل هذه المساحات ليس فيها مجال للهزل‏,‏ أو التراخي‏,‏ فإن التحرك يحسب علي احتمال الواحد في الألف‏,‏ ومن ثم فقد بدأت المراقبة المستمرة للهدف‏,‏ بدءا من اتصاله بضابط الموساد الاسرائيلي‏,‏ الذي حمل اسم ادوارد كوشير‏,‏ وصفته رجل اعمال انجليزي مسيحي من أصل لبناني‏!

كان الاسم الكودي الذي أطلق علي هشام في جهاز المخابرات العامة المصري هو‏(‏ السنجاب‏),‏ تشبيها له بذلك الحيوان الذي يمضي وقته في جمع ثمار البندق والكستناء في حدائق لبنان‏,‏ ليخزنها ويخبئها ويستعملها فيما بعد‏,‏ بالضبط مثلما يفعل الجاسوس حين يجمع المعلومات‏,.‏
ومن ثم فقد وضع السنجاب تحت المراقبة الكاملة‏,‏ لمعرفة أي تطورات تطرأ علي علاقته بالاسرائيليين‏.‏

وفي الاسبوع الأول من يونيو عام‏1972‏ عاد هشام محجوب إلي القاهرة‏,‏ ومعه والده الذي كان مازال يتلقي علاجا بالمواد الكيمائية وذلك لاستكمال علاجه بالقاهرة.

كانت القاهرة تصطخب بمشاعر وأفكار عجيبة‏,‏ إذ كانت ـ علي الرغم من مرور شهور سته ـ مازالت تحت تأثير مظاهرات الطلبة والعمال الهائلة‏,‏ واعتصام ميدان التحرير الشهير‏,‏ وصيحات الاحتجاج‏,‏ والاتهامات بالتراخي‏,‏ بسبب عدم قدرة القيادة السياسية علي أن تبر بوعدها في أن يكون عام‏1971‏ هو عام الحسم‏!!‏

بلد بأكمله يقف علي أطراف أصابعه‏,‏ وتشكل مانشيتات الصحف منظر حياته اليومية‏,‏ وحالته العصبية والمزاجية الجماعية‏!!

الجرائد هذه الأيام كانت تعج بأخبار وأفكار ساخنة‏:‏

محمد حسنين هيكل يكتب في مقاله بصراحة متناولا كيف هزمنا في عام‏1967‏ ولماذا هزمنا‏,‏ وما الذي هزم فينا‏,‏ وأين الطريق لتصحيح الهزيمة؟ ويقول أن هذه الأسئلة راودته ولم يتوصل لإجابات كاملة عنها‏!!.

والأهرام يعلن عن أجرأ عملية فدائية في أرض العدو‏..‏ وأن ثلاثة يابانيين من صفوف المقاومة الفلسطينية حولوا مطار اللد إلي جحيم من النيران‏,27‏ قتيلا بينهم أكبر علماء الجيش الإسرائيلي‏..‏ الجرحي أكثر من‏80‏ نصفهم في حالة خطرة‏..‏ عاصفة من التفجيرات تستقبل نيكسون‏,12‏ تفجيرا أصاب أحدها مستشار الرئيس الأمريكي لشئون إيران‏..‏ العراق تؤمم شركة النفط العراقية‏..‏ وسوريا هي الأخري تؤمم شركة النفط السورية‏..‏ القذافي يعلن أن مفتاح حل مشكلة احتلال الأراضي العربية في يد السادات الذي تتوافر لديه استعدادات للمعركة أكثر من أي وقت مضي‏..‏ مسئول مصري يعلن أن المناورات العسكرية المصرية مستمرة منذ‏6‏ شهور‏..‏ زلزال في القاهرة شعر به كل السكان لقوته‏..‏ غرق معدية في النيل تحمل‏50‏ شخصا قرب بنها إسرائيل تهاجم لبنان بقوات برية وجوية وتأسر‏5‏ ضباط سوريين‏,‏ وآخر لبنانيا‏,‏ وتتسبب في مصرع‏18‏ شخصا‏..‏ مجهول يلقي قنبلة علي السفارة المصرية في روما‏..‏ رئيس الأركان الاسرائيلي يشير الي حشود مصرية علي الحدود‏,‏ ويطالب برفع درجة الاستعداد‏).

كان هذا هو شكل مصر المحروسة وقت أن عاد هشام علي محجوب إليها محملا بأول تكليف لجمع المعلومات حتي وإن كان بريئا‏,.‏ حتي وإن كان محدودا‏.,‏ إذ أن الموضوع كله كان بالون اختبار لقدرات هشام‏,‏ ولمدي التفات المخابرات المصرية إليه وإلي بدء إتصالاته بالموساد‏.


وفي الغرفة التي اجتمع فيها أفراد المجموعة المكلفة بالعملية‏,‏ كانت الخطط قد وضعت لمطاردة السنجاب في القاهرة‏,‏ والوقوف علي كل تفاصيل تحركاته‏.‏

في بداية وصول هشام للقاهرة‏,‏ نزل في فندق كليوباترا في ميدان التحرير لمدة ثلاثة أيام حتي ينتهي من مهمته‏,‏ لم يكن يدري أنه يقوم بمهمة ذات طابع سري‏,‏ ولكن فقط كان يود أن ينجز بسرعة‏,‏ وبكفاءة بعيدا عن ضجة البيت عند أمه وزيارات الأقارب والأصدقاء‏.

وفي الفندق كان أحد رجال المخابرات المصرية‏,‏ يجلس في صالة الاستقبال كواحد من موظفيه‏,‏ لاستلام هشام عندما يدخل‏,‏ وعندما يخرج يسلمه لزميل له علي مقعد سيارة أجرة في منطقة انتظار السيارات ليبدأ في ملاحقته من ساعة خروجه من الفندق‏,‏ وركوبه سيارته‏,‏ أو أول سيارة أجرة‏,‏ وكانت السياره الأجرة الواقفة في أول طابور انتظار التاكسي ـ نفسها ـ بقيادة أحد رجال جهاز الأمن المصري‏.

ولم يتركوه لحظة واحدة‏,‏ وهو يتجول علي مكاتب السماسرة‏,‏ للسؤال عن أسعار الأراضي‏.,‏ أو مكاتب موظفي التليفونات للبحث عن خط تليفوني بطرق ملتوية إبان ازمة التليفونات المستعصية بل أنهم لم يتوقفوا عن متابعته حتي إذا صعد أحد مكاتب السماسرة‏,‏ حيث كان لابد أن يصعد وراءه أحد رجالنا ليعرف بالضبط أين صعد‏,‏ ومع من تكلم أو تعاقد‏,‏ وحتي مكتب السمسرة نفسه سوف يكون موضع تحقيق دقيق بعد انصراف الشخص المراقب‏!‏

حتي احتمال أن يكون رجل الموساد قد درب هشام بعيدا عن أعين رجال المخابرات المصرية علي فنون الهروب من مطاردة السيارات‏,‏ لم يترك دون احتياط‏,‏ فإذا لجأ هشام إلي إجراءات تأمينية ليعرف ما إذا كان أحد يلاحقه أم لا‏,‏ كان يدخل ـ مثلا ـ في شارع سد بالسيارة‏,‏ ليعرف ما إذا كانت السيارة خلفه ستدخل هي الأخري أم لا‏,‏ أو أن يقوم باللف حول ميدان مرتين أثناء قيادته للسيارة‏,‏ أو حتي بالتاكسي الذي يركبه فإذا قامت السيارة خلفه باللف مرتين عرف أنها كانت تتابعه وتطارده‏,‏ وبالتالي يتجه وجهة اخري أو يعود أدراجه‏,‏ وهنا يجب أن ينسحب رجل الأمن ويتصل بسيارة أخري من أقرب نقطة لتتولي من جهتها المراقبة والمتابعة‏.‏

وعلي الرغم من أنه ثبت أن هشام لم يدرب علي تقنيات الهروب من المتابعة إلا أن المراقبة إستمرت لحظة بلحظة‏,‏ وكانت حصيلتها بالتحديد أن معظم الأماكن التي سأل هشام عن أسعار إيجارات المكاتب فيها والتي أخبره إدوارد أنها ستكون مناسبة لمقر الشركة‏,‏ كانت تقع علي طرق رئيسية التي درجت القوات المسلحة علي استخدامها ليلا لنقل العتاد والجند‏,‏ أثناء التحركات أو المناورات‏.‏

أما أماكن قطع الأراضي التي كلفوه بالسؤال عنها لبناء المصنع‏,‏ فكانت كلها تقريبا في دائرة واحدة‏,‏ تقع حول‏,‏ أو في منطقة كوم أوشيم بمحافظة الجيزة‏,‏ وهي تلك المنطقة التي توجد بها قاعدة‏,‏ تدخل ضمن نطاقات الدفاع الجوي عن القاهرة الكبري‏!!


وبعد أن أمضي هشام محجوب ثلاثة أيام في الفندق‏,‏ ذهب إلي شقة أسرته وأمضي هناك بقية أيام الشهرين اللذين أمضاهما في القاهرة‏.‏

في أواخر أيام الاجازة كان هشام تواقا للعودة الي لندن‏,‏ وتوصيل المعلومات المطلوبة إلي إدوارد كما يتحصل منه علي دفعة مالية جديدة وبخاصة أن زوجته كانت قد اتصلت به من لندن وطلبت منه مبلغا إضافيا لمصاريف العلاج‏.‏

لم يعد هشام ملتفتا في الكثير أو القليل‏,‏ إلي عمله في مصر للطيران‏,‏ كل ذرة من تركيزه كانت منصبة علي العمل مع إدوارد‏,‏ وذلك الجو الفخيم‏,‏ المليء بموائد العشاء الفاخر‏,‏ في أكبر الفنادق‏,‏ وأهم أنواع النبيذ‏,‏ ونوادي القمار‏,‏ وآفاق الأهمية التي تنبيء بها‏.

وطوال المسافة التي قطعتها الطائرة به في نهاية إجازته إلي لندن‏,‏ لم يكن في ذهنه شيء سوي مدي رضاء إدوارد عنه‏,‏ عندما يعود اليه بالمعلومات ولم يكن في ذهنه أن عيون رجال المخابرات المصرية تتابعه خارج وداخل البلاد‏.

هذه المرة حمله التاكسي من المطار إلي فندق شديد الفخامة إسمه السافوي كورت‏,‏ وكان إدوارد قد اتفق معه علي أن ينزل فيه لدي عودته من القاهرة‏,‏ وأن‏(‏ الشركة‏)‏ ستقوم بدفع الحساب‏!!‏

والحقيقة أن إدوارد كان يحرص من وراء اختياره لهذا الفندق بالذات‏,‏ إلي تحقيق عدة أهداف في وقت واحد‏:‏ أولها أنه بعيد عن فندق رويال لانكستر‏,‏ الذي اعتادت أفواج مصر للطيران النزول فيه في ذلك الوقت‏,‏ والذي كان هشام دائم التردد عليه للالتقاء مع أعضاء الأطقم أو إاصطحابهم إلي الخارج‏..‏ ثم أنه فندق مبهر بالفعل والاقامة الملوكي فيه تدخل خطة إبهار هشام التي بدأت بكازينو البلاي بوي‏,‏ وهو ـ كذلك ـ يقع أمام فندق ستراند مباشرة‏(‏ وهو فندق كما سنري له مداخل ومخارج مختلفة وعجيبة‏,‏ يمكن أن تستخدم بنجاح في عمليات تأمين اللقاءات وأخيرا فإن وجود المدخل الخاص‏(‏ حارة صغيرة‏)‏ في فندق سافوي كورت يجعل أية عملية مراقبة ـ إذا أراد صاحبها ألا تنكشف ـ أن تبدأ من شارع ستراند‏,‏ أي خارج الممر‏,‏ وبالتالي فإن هشام أو إدوارد‏,‏ يمكن أن يستقل تاكسيا من داخل هذا الممر ويمرق به إلي الشارع العمومي من دون أن يلاحظه أي مراقب‏!!


أنهت موظفة ااستقبال إجراءات تسجيل وصول هشام‏,‏ بينما‏,‏ هو يلقي بنفسه علي أحد المقاعد المتناثرة في الصالة علي أرضية مربعات من الرخام الأبيض والأسود‏,‏ تناثرت عليها سجاجيد قديمة‏,‏ ورفع ناظريه إلي السقف الذي ترصعه‏12‏ نجفة أثرية من الزجاج المصنفر والنحاس الأوكسيديه‏,‏ وأخذ يسلي نفسه بمراقبة الداخل والخارج من البابين الدوارين‏,‏ اللذين تعلو كل منهما من الداخل نصف دائرة من زجاج أخضر فاتح‏,‏ واللذين يفضيان إلي الممر الخارجي‏,‏ حيث يوجد سافوي تياترو‏,‏ أو مسرح سافوي ومجموعة من المتاجر الفخيمة‏,‏وموقف لسيارات الأجرة السوداء التقليدية‏,‏ يعلوه سقف شفاف من الزجاج المصنفر‏.

كانت التعليمات إلي هشام واضحة‏..‏ الا يتصل بإدوارد وأن ينتظر أن يتصل به إدوارد‏,‏ بحجة أن رأفت دائم التردد علي مكتب إدوارد ولا يجب أن يعرف شيئا عن اتصال هشام بالمكتب‏,‏ حتي لايقحم نفسه علي البيزنيس الجديد‏.‏
إذن فسوف يبقي هشام أسيرا داخل هذا الفندق الجميل‏,‏ إلي أن يحدث الإتصال الموعود‏.‏

ومر يوم بأكمله دون أن يحصل هشام علي الاتصال‏,‏ وبدأ هشام يمضي معظم الوقت في غرفته‏,‏ إذا هاجمته هواجس مبررها أنه إذا جلس في صالة الاستقبال‏,‏ فقد لايسمع النداء الصوتي إذا ما جاءته المكالمة‏.‏

وحين رن جرس التليفون في غرفته‏,‏ في اليوم التالي‏,‏ كان أجمل ماسمع هشام في حياته‏,‏ قفز من علي سريره‏,‏ والتقط السماعة بفرح فوار‏,‏ وعلي الجانب الآخر من الخط كان صوت إدوارد‏,‏ يسأله عن صحته‏,‏ وهل أنجز جمع المعلومات اللازمة‏..‏ ثم يضرب له موعدا في مطعم ريفر‏,‏ ولما سأله هشام عن مكان هذا المطعم‏,‏ ضحك بصوت عال‏,‏ قائلا إنه تحتك يا هشام‏,‏ في نفس الفندق‏.

وفي الثامنه مساء‏(‏ الموعد المضروب‏)‏ كان هشام قد ارتدي حلة رمادية غامقة ورابطة عنق فاخرة الألوان‏,‏ وهبط إلي مطعم ريفر‏,‏ حيث مدخله من ردهة الاستقبال‏,‏ حيث هبطت به عشر درجات سلم‏,‏ إلي باب خشبي بزجاج علي شكل مربعات‏..‏ وبينما علي جانبي السلم درابزين من الحديد الأسود المشغول‏,‏ والمجموعة كلها ـ أفضت به إلي بهو رحب جدا تتوسط سقفه نجفة اثرية ضخمة جدا‏,‏ وتتناثر فيه المقاعد‏,‏ والأرائك ذات الألوان الداكنة وفي الركن ساعة أثرية ايضا‏(‏ تيمفوس فوجيتسل‏),‏ ووراء هذا الباب بيانو أسود حوله جدران مغطاة بورق حائط مشغول منه فيه‏,‏ باللون السالمون الفاتح‏,‏ وحول هذه القاعة‏25‏ عمودا رخاميا من الجرانيت الوردي الفاتح المعروق بعروق غامقة‏.‏

وبعد هذه الردهة كان المطعم الكلاسيكي الجميل‏(‏ ريفر‏).

حياة هشام الآن ـ أصبحت الفرجة والإستمتاع‏,‏ بهذه المطاعم والفنادق‏,‏ ومحاولة إرضاء إدوارد والحصول علي ثقته‏.

علي مدخل المطعم كان إدوارد في انتظاره‏,‏ يرحب به علي الطريقة العربية‏,‏ مقبلا إياه علي خديه الأيمن والايسر‏,‏ بما لفت أنظار المحيطين‏,‏ إذ كانت تلك التقاليد العربية غير معروفة ـ بعد ـ في بريطانيا‏.‏

جلس الصديقان علي مائدة في مكان بارز‏,‏ واستمع إدوارد إلي الحصيلة التي رجع بها هشام‏,‏ ولفت نظره دقتها هذه المرة بسيل متتال من الاسئلة يغلفها بعبارات تقدير عن إنجاز هشام‏.

عمل عظيم ومجهود رائع‏..‏ سوف تقوم الشركة بدراسة جدوي المشروع‏,‏ علي ضوء المعلومات التي قدمتها‏..‏ ولكن الشركة تريد بعض المعلومات عنك‏,‏ وعن شهادتك وأسرتك‏.‏

وهنا أجابه هشام‏..‏ والدي ضابط في القوات المسلحة لواء علي المعاش الآن‏,‏ ولي ثلاثة أخوة من الذكور‏,‏ واحد ضابط في القوات المسلحة‏,‏ والثاني مهندس‏,‏ والثالث موظف وسبق له الخدمة كمجند بالقوات المسلحة‏.‏
وواصل إدوارد الضغط علي هشام بالأسئلة‏:‏ في أي سلاح كان والدك يخدم‏..‏ وماهو وقت خروجه إلي المعاش‏,‏ وهل مازال يلتقي زملائه القدامي وتلامذته‏..‏ وأين يخدم أخوك‏,‏ وفي أي سلاح‏,‏ وهل ينتظر أن يتم تجنيد أخوك المهندس كضابط احتياط‏.‏

وكان هشام يجيب‏,‏ والخاطر المسيطر عليه أن يرضي إدوارد‏,‏ وأن كل هذه الأسئلة للتعرف علي مستواه الاجتماعي‏,‏ إذ ربما يكون للوظيفة المنتظره جانب يحتاج الي مثل هذه المعلومات‏!!

وطلب إدوارد من هشام أن يشرع في تأجير شقة خالية في القاهرة‏,‏ وأن يزودها بجهاز تلكس‏,‏ وتليفون‏,‏ وأعاد عليه التأكيد استعداد الشركة لدفع الرشاوي المطلوبة‏,‏ كما طلب منه أن يحاول توطيد علاقته ببعض العاملين بمصر للطيران‏,‏ إذ ربما سنحتاج إلي مهندسين ميكانيكيين في الشركة‏,‏ وأخيرا فإن إدوارد لوح لهشام بأنه قد يلتقي خلال أيام بمدير الشركة البلجيكية‏.‏

وأخيرا‏,‏ بينما هشام يتابع في اهتمام لاهث‏,‏ قال له إدوارد ان كل مقابلاتنا‏,‏ بدءا من الآن‏,‏ ستتم في فندق ستراند المقابل لفندق سافوي‏,‏ وعلل إدوارد هذا بأنه رجل معروف في مجال البيزنيس ولا يريد أن يرصد أحد من منافسيه تحركاته‏,‏ إذ ربما يؤدي ذلك إلي استنتاجهم طبيعة نشاطه المقبل‏.

وكان هشام قد عطل عقله تماما‏,‏ وأصبح علي إستعداد لقبول أي اشياء تقال بسهولة حتي ولو كانت مجرد كلام فارغ‏.

ولكي يدعم إدوارد استقرار هشام الداخلي‏,‏ وارتباطه اعطاه مرتب شهرين مرة واحدة بايصال بدون تاريخ‏,‏ وابلغه أن التعيين سيتم فور مقابلته لرئيس الشركة البلجيكية‏.

وخرج هشام بعد ذلك العشاء وهو يشعر أنه علي أبواب أهم مراحل حياته‏..‏ علي ابواب النجاح الحقيقي‏.‏


وفي اليومين اللذين تليا ذلك اللقاء المفصل‏,‏ عاد هشام إلي انتظار مكالمة إدوارد التي سيخبره فيها بموعده مع رئيس الشركة البلجيكية‏.‏

وكالعادة مر هشام بفصول الملل كلها‏,‏ وهو ينتظر مكالمة إدوارد ثم جاءه أخيرا صوت إدوارد يقول عندي خبر سار لك لقد وصل الي لندن مدير الشركة البلجيكية‏,‏ وعليك بالحضور غدا صباحا لمقابلته في فندق ستراند بالاس‏,‏ حيث ينزل‏,‏ وأن تكون آخر شياكة‏,‏ وتلبس أفخر ما عند ملابس‏,‏ وسيكون الموعد في العاشرة‏,‏ حيث ستجدني في إنتظارك في بهو الفندق‏.


وفندق ستراند بالاس ـ هذا ـ هو فندق عجيب يشبه بيت جحا‏,‏ وقد أنشيء عام‏1909,‏ إذ أن جميع المحلات خارجه‏(‏ جولد سميث للساعات والكريستال ـ ولويد بيكر للجلود ـ وهاوس أوف جيونيسكي للهدايا الإنجليزية التقليدية‏,‏ لها مداخل بعتبات من الفسيفساء الأبيض والأسود‏,‏ ولها مخارج تقع في داخل الفندق نفسه‏,‏ أي أن الإنسان يمكن أن يستخدم أحدها لدخول الفندق من دون أن يتوقع ذلك أي أحد يراقبه‏,‏ إذ سيظل القائم بالمراقبة يتصور أن الهدف دخل إلي المحل ولم يدخل الفندق‏.‏

ومن ناحية أخري فإن قهوة وبار جونستون في شارع ليج ستريت الجانبي تفضي هي الأخري إلي داخل الفندق من الجانب المقابل‏,‏ أي إلي ردهة استقبال الفندق التي تقع في المنتصف ثم يوجد مخرج جانبي يفضي بك إلي خارج الفندق من الناحية اليسري‏.‏

أي أنك يمكن أن تدخل من جونستون كافيه‏,‏ وتخرج من إكسترا ستريت‏,‏ أو تدخل من الباب الرئيسي وتخرج إما من جونستون كافيه‏,‏ أو إكسترا ستريت‏,‏ أو تدخل من أي محل‏,‏ وتخرج من أي مخرج‏.

وكل هذا مناسب جدا للتمويه‏,‏ وإجراءات تأمين المقابلات فضلا عن أن الموقع قريب جدا من الفندق الذي خطط الموساد لاقامة هشام فيه وهو سافوي كورت‏.‏


وفي الموعد المضروب عبر هشام محجوب الشارع الذي يفصل بين الفندقين‏,‏ وابتاع علبه سجائر‏,‏ وجريدة صباحية إنجليزية ثم دلف إلي فندق استراند من أحد المداخل الفرعية عبر قهوة جونستون‏.

وانتظر هشام في بهو الاستقبال الكبير لمدة عشر دقائق‏,‏ انتابه فيها قلق كبير‏,‏ ولكن بظهور إدوارد انفرجت أساريره‏,‏ كأنه وجد معشوقته وحبيبة قلبه‏!!‏

وبادره إدوارد قائلا سوف نذهب الآن إلي الشقة التي ينزل بها مدير الشركة البلجيكية‏.‏

وسأل هشام باستغراب ألم تقل أنه ينزل في فندق إستراند بالاس؟‏!‏

فأجابه إدوارد لقد وجد بالأمس شقة مناسبة انتقل إليها لأن إقامته في لندن سوف تطول قليلا‏.

وعلي باب الفندق أوقف إدوارد تاكسيا‏,‏ وطلب منه الذهاب إلي هاي ستريت أوف كينزنجتون‏.

وما إن نزل الرجلان‏,‏ من سيارة الأجرة‏,‏ حتي راح إدوارد ينبه هشام الي ضرورة التحدث مع المدير بلغة إنجليزية راقية‏,‏ ومراعاة أصول الاحترام واللياقة‏.‏

وإنعطف إدوارد من الشارع الرئيسي ليدخل إلي حديقة كينزنجتون من بوابة بالاس جيت‏,‏ كان حيث شارع بالاس جرين‏..‏ وكأنه أثناء تلك التمشية يكتسح كل شيء حوله بنظره‏,‏ فيما كان هشام يستجمع نفسه قبل لقاء الرجل الذي سيمنحه الاستقرار المادي‏,‏ وآفاق نجاح بلا حدود‏.


توقف إدوارد فجاة ـ أمام مبني قديم عمره أكثر من مائة عام‏,‏ وصعد مع هشام درجتي سلم‏,‏ قبل أن يقرع الجرس‏,‏ فيفتح الباب‏.

وما إن دخل هشام نصف خطوة إلي الداخل‏,‏ حتي فوجئ بأربعة من الحراس المدججين بالسلاح يفتشونه ذاتيا‏,‏ ثم يقتادونه إلي مكتب أغلقوه عليه‏,‏ بينما اختفي إدوارد تماما‏.‏

وبعد ساعة كاملة حضر أدوارد ليخاطب هشام بعبارة حازمة ولهجة خشنة لم يعتدها منه‏,‏ من قبل‏:

أنت ـ الآن ـ يا عزيزي في السفارة الإسرائيلية‏.‏

المبني رقم‏(2)‏ في شارع بالاس جرين‏,‏ هو مقر السفارة الإسرائيلية في لندن منذ نشأة الدولة عام‏1948,‏ وقبل مائة عام‏,‏ كان يقطن هذا البيت ذا الواجهة المكونة من الطوب الأحمر‏,‏ وأطر النوافذ البيضاء مؤلف يهودي مشهور اسمه موزاريت مونتفريو‏.‏

المكان شكله موج غامض‏,‏ وباعث علي محاولة التقصي‏,‏ والاكتشاف‏!.‏
لايمكن لأحد أن يتصور طبيعة ما يجري داخل هذا المبني ـ الآن ـ من أحداث‏,‏ بطلها هشام محجوب‏..‏ الذي كان ـ دون أن يدري ـ قد بدأ انزلاقه في هذا الطريق منذ مدة طويلة‏..‏ ربما من اللحظة التي قابل فيها رأفت مدير الرويال لانكستر‏.‏

إن عشرات الصور تمر أمام عينيه ـ الآن ـ وعشرات الجمل يقوم باستدعائها إلي ذاكراته‏,‏ وجميعها جميعها تكتسب في هذه اللحظة معاني مغايرة‏,‏ لما حاول أن يخدع نفسه به من قبل‏,‏ أو ينفض تأثيره من دماغه ببساطة‏..‏ لقد حاول أن يتجاهل ويرفض‏,‏ الحقيقة‏,‏ التي تفرض نفسها ـ عليه ـ بقسوة في هذه اللحظات‏.

كان السنجاب حبيسا في دار السفارة الإسرائيلية في لندن‏!‏

وكان ذهاب هشام مع إدوارد إلي دار السفارة‏,‏ مثيرا للاهتمام والدهشة في آن واحد من رجال المتابعة‏.‏

إذ أنه من غير الطبيعي أو المنطقي‏,‏ أن تصطحب العميل‏,‏ إلي دار السفارة‏,‏ وإن حدث هذا فلابد أن يكون بسبب غير عادي‏,‏ أو استثنائي‏.‏

وفيما بعد ومن خلال أوراق التحقيقات انفكت طلاسم هذا العمل غير المفهوم‏,‏ عن حقيقة مذهلة‏,‏ حيث كان الصلف‏,‏ والغرور وتعالي الموساد‏,‏ هو السبب في تجاهل هذا الإجراء التأميني الأولي والبدائي‏..‏ إذ كان الجميع في الموساد يظنون أن جهاز المخابرات المصري لايمكن أن يكون متابعا للقصة منذ بدايتها علي هذا النحو‏,‏ كما تصور بعض أفراد الموساد‏,‏ أن اللجوء لتصرف غير طبيعي علي هذا النحو‏,‏ يحقق ـ في ذاته التأمين الكامل‏,‏ لأن أحدا لن يتصوره‏!!‏

أما في القاهرة فقد كان دخول هشام محجوب إلي دار السفارة الإسرائيلية في لندن‏,‏ يمثل لفريق إدارة العملية‏,‏ ضوءا أحمر‏,‏ يؤكد أن العملية دخلت بهذه الزيارة‏,‏ حيز التكليفات الحقيقية المباشرة لهشام‏..‏ وبدأت تحركات مضادة‏,‏ تقوم علي فتح قنوات اتصال‏,‏ بحذر‏,‏ مع بعض المحيطين بهشام في العمل‏,‏ وفي القاهرة‏,‏ وكذلك في لندن‏,‏ حتي تكون حركته وأهدافه مكشوفة من لحظة التكليف‏.

علي أية حال‏,‏ لقد أدخل الفأر نفسه في المصيدة‏,‏ وابتلع الطعم حتي آخره‏,‏ وجلس مذهولا في الغرفة الضيقة المغلقة بين أربعة جدران‏,‏ ووحيدا لمدة ساعة كاملة‏,‏ حتي فاجأه إدوارد بأنه داخل السفارة الإسرائيلية‏,‏ وأنه قد أصبح عميلا لهم سواء قبل أو لم يقبل‏!‏

ولما لم يجد إلا الصمت والذهول علي وجه هشام أكمل إدوارد‏,‏ ولكن بنبرة ناعمة وحنون أنت ـ الآن صديقنا ـ ونحن نمد يدنا إليك وعليك أن تقبل صداقتنا‏.‏

وفيما كان هشام يجلس علي مقعده بلاحراك‏,‏ كان إدوارد يدور حوله‏,‏ وهو يتلوي كحية ويضرب برفق علي راحة يده‏,‏ مستخدما فتاحة أظرف فضية‏.

كان ينتظر رد فعل من هشام يفيد الموافقة‏..‏ يسعي لمناقشة أي شيء‏.

ولكن هشام كان قد توقف عن التفكير‏,‏ وفقد ـ ولو مؤقتا ـ قدرته علي النطق‏!!‏

وعاد إدوارد يفصح عن شراسة متوحشة‏,‏ وهو يردد بنبرات هامسة‏,‏ ولكنها ضاغطة علي كل خلية من أعصاب هشام‏.‏

لدينا إيصالات بتوقيعك‏,‏ بلا تواريخ وصورة لك معنا والأوراق التي سبق وسلمتها لنا بخط يدك‏..‏ ونستطيع أن نضع عليها تواريخ قديمة‏,‏ تؤكد تعاملك معنا منذ سنوات طويلة‏,‏ بل إننا سوف نقوم بكتابة تقارير عسكرية وسياسية‏,‏ واقتصادية نقلد فيها خطك‏,‏ ونرسلها إلي المخابرات المصرية‏,‏ إذا لم تتعاون معنا وتصبح طوع إشارة من أصبع يدي الصغير‏..‏ وإذا حاولت ابلاغ السلطات المصرية‏,‏ فسنرسل كل هذا أيضا إلي المخابرات المصرية‏,‏ لكي يعرفوا أنك رجلنا منذ سنوات‏!!

أسقط في يد هشام‏,‏ وأدرك ساعتها أنه قد أصبح‏,‏ بالفعل‏,‏ سواء أراد أو لم يرد‏,‏ عميلا لإسرائيل‏.‏
كل ما فعله‏..‏ هو أن هز رأسه‏,‏ ثم أطرق غارقا في الصمت الرهيب‏.‏

وعندما أدرك إدوارد أن‏(‏ السيطرة‏)‏ علي العميل قد تمت علي أحسن وجه‏..‏ عاد مرة ثانية إلي الحديث إليه بلهجة ناعمة‏,‏ وحاول إخراجه من الإحساس القاتم الذي سقط فيه‏,‏ مطمئنا إياه‏,‏ أن أحدا لن يستطيع اكتشاف العلاقة أبدا‏,‏ وأنه يعمل مع أقوي جهاز مخابرات في العالم‏(‏ الموساد‏),‏ وأن هذه العلاقة ستمنحه مالا ووضعا لا يحلم بهما وبدأ إدوارد يحصل منه علي معلومات أكثر تفصيلا عن كل من يعرفهم في القوات المسلحة من أقارب وأصدقاء وفترة خدمته وتجنيده بالقوات المسلحة المصرية وقام بتلقينه بتعليمات الأمن اللازمة وحدد له موعدا في اليوم التالي‏.‏

وفي اليوم التالي‏,‏ كان لقاء آخر بين إدوارد وهشام في فندق ستراند‏,‏ مستغلين مداخله ومخارجه العجيبة في التمويه‏,‏ وتأمين اللقاء‏,‏ والعجيب أنهما لجآ للتمويه في مقابلات فندق ستراند‏,‏ بينما كان لقاء التجنيد الحقيقي قد تم في دار السفارة‏,‏ ودون أية سواتر‏.‏

جلس إدوارد إلي ضحيته الذي قد بدأ يفقد توتره وغضبه بخاصة أن إدوارد أعطاه مظروفا مليئا بأوراق مالية عند اللقاء في الفندق‏.‏

واتفق الطرفان‏,‏ علي أن يخرج كل منهما من أحد أبواب فندق ستراند‏,‏ ويستقل سيارة تاكسي‏,‏ تتجه إلي عنوان معين كتبه له إدوارد‏.‏

وحين وصلت السيارة الأجرة إلي هذا العنوان في ميدان سلون‏(‏ أحد أرقي أحياء العاصمة‏)‏ تبادل إدوارد وهشام النظرات‏,‏ ثم دلف كل منهما منفردا الي باب البناية‏,‏ التي تعلو محطة سلون سكوير لمترو الأنفاق‏!

وعندما وصلا إلي عتبة الشقة‏(83)‏ في الدور الثامن‏,‏ كان إدوارد يتلفت‏,‏ حتي يتأكد أن أحدا لم يتبعهما‏.‏

رن الجرس بسرعة‏,‏ ففتح شخص‏,‏ ليطل برأسه أولا‏,‏ ثم يدعوهما للدخول‏.

قام إدوارد بتعريف هشام‏,‏ بهذا الشخص‏,‏ وقال إن إسمه جورج‏,‏ وبدأت في هذه الشقة‏,‏ أولي وقائع تدريب الجاسوس هشام علي محجوب‏,‏ علي استخدام الحبر السري في الكتابة‏,‏ في مراسلته لهم وتحديد عنوان للتراسل‏.‏ وأسلوب استقباله للتعليمات الصادرة له منهم بواسطة الراديو‏.‏

وقد ساعدت دراسة هشام في معهد اللاسلكي علي هذا كثيرا‏,‏ ولم يكتف جورج وإدوارد بهذا‏,‏ بل أشارا إلي بعض ملاحظات‏,‏ يمكن إذا درسها هشام ومع بعض التدريب أن يجيد اسلوب اجادة العلاقات مع الآخرين وكيفية استخدام وسائل الاخفاء‏.

علي أية حال لقد بدأت تكليفات الموساد لهشام‏,‏ بالحصول علي معلومات متنوعة في المجال العسكري أو المدني وكان رجال المخابرات المصرية يتوقعون أن يتقدم هشام إليهم من تلقاء نفسه بعد هذه المرحلة للابلاغ عما حدث ولكنه فضل التعامل مع المخابرات الإسرائيلية‏.

وكانت فترات إقامة هشام في لندن‏,‏ أو في القاهرة تتجدد بنوع التكليفات‏,.

كانت كيمياء هشام تتغير من الداخل‏!.‏

نسي الصدمة والدهشة‏,‏ والغضب والخدعة‏!!.

وغرق إلي آخر مدي في تلبية إحتياجات جورج‏,‏ بل وأصبح ـ أحيانا ـ يبادر‏,‏ دون أن يطلب أحد منه بالإبلاغ عن أحوال بعينها‏!!‏ وإستمرت متابعة هشام مع إحكام السيطرة علي جميع تحركاته ومراسلاته السرية بالإضافة إلي دفع بعض الضباط من أصدقائه لمده بالمعلومات التي يرغب الحصول عليها لدسها عليه دون علمه بما يخدم المصلحة القومية للبلاد واستغلال ذلك في التحضير لخطة الخداع الاستراتيجي لحرب أكتوبر‏1973.‏

أثناء وجود هشام في لندن كان دائم التردد علي حانة في منطقة نوتينج هيل جيت‏,‏ بجوار بنك باركليز‏,‏ اسمها البجعة وكان يحاول اجتذاب بعض الأفراد المصريين العاملين في مؤسسات مختلفة لمعرفة أي أخبار منهم بدعوتهم إلي مشروب فيها‏,‏ والثرثرة معهم عن كل شيء‏.

وقد كان مكان هشام المفضل هو الجلوس علي البار في أخر مقعد علي الشمال‏,‏ حتي يستطيع أن يري في المرآة المواجهة له‏,‏ ما إذا كان هناك من يراقبه خلف ظهره‏..‏ وكان موقع هذه الحانة قريبا من رويال لانكستر‏,‏ أو الفندق الذي كانت بعض مجموعات مصر للطيران تنزل فيه‏,‏ وكان هشام بوصفه زميلا لهم‏,‏ يحاول أن يستدرج بعضهم إلي معرفة معلومات عن من الذي كان يجيء علي طائرات مصر للطيران‏,‏ وبالذات من المسئولين‏,‏ وكان ذلك في كثير من الأحيان ـ وقتها ـ سرا لايعلمه أحد‏,‏ كما كان موقع هذه الحانة قريبا من مدخل شارع بالاس جرين‏,‏ الذي يخترق حديقة كينزنجتون الملكية‏,‏ وهو الموقع الذي توجد فيه السفارة الإسرائيلية‏,‏ تلك التي ارتبطت في ذهن هشام بذكري لاتنسي‏!

نعم كانت كيمياء هشام تتغير‏!.

كان يسأل الطيارين بطرق غير مباشرة وأساليب لا تثير الشكوك عما اذا كانوا قد لاحظوا تغييرات معينة في القواعد العسكرية‏,‏ التي تمر طائراتهم إلي جوارها‏,‏ وكان يسألهم عما إذا كانوا مازالوا يلتقون بزملائهم الطيارين العسكريين‏,‏ الذين تزامل بعضهم معهم في الكلية الجوية وقت الدراسة‏,‏
ويسأل عن أنواع الأسلحة الجديدة‏,‏ والروح المعنوية داخل الجيش‏,‏ وقدرات سلاح الطيران‏.‏

ثم إنه كان يسأل ـ عن بعض قواعد القوات الجوية بالذات‏.

وكان رجال المخابرات المصرية الذين يتابعون العملية في القاهرة ولندن‏,‏ يلاحظون أن السنجاب نشيط جدا‏,‏ في جمع ثمار البندق والكستناء‏,‏ وأن الجاسوس قد نشط في جمع الأخبار والمعلومات‏.‏

وبدأت مرحلة معقدة جدا من متابعتهم للعملية‏,‏ إذ عمدوا الي تسريب البيانات والأخبار المضللة إلي هشام‏.‏

وإستمر استخدام عناصر من العاملين في مصر للطيران‏,‏ والمؤسسات المصرية في لندن وبعض أصدقاء شقيقه في القوات المسلحة لتسريب معلومات تسبب ـ دون أن يدري ـ في إرباك القرار العسكري الإسرائيلي‏.‏

كان العمود الفقري لهذه المعلومات هو الحديث عن أن جزءا كبيرا من طائرات سلاح الجو المصري السوفيتية الصنع‏,‏ سوف تصبح خردة في ظرف شهور‏,‏ إذا استمر تباطؤ موسكو في إمداد مصر بقطع الغيار وأن النسبة الغالبة من المعدات الخاصة الموجودة في قاعدة كوم أوشيم‏,‏ لاتستطيع الصمود في معركة يزيد طولها علي‏48‏ ساعة‏,‏ لعدم توافر خطوط ذخيرة‏,‏ أو قطع غيار‏.‏

وأن بعض القادة والضباط قد بدأوا بالفعل تنفيذ‏,‏ مانشرته بعض صحف القاهرة‏,‏ من الحصول علي إجازات لأداء العمرة‏!.‏

وفوق هذا مجموعة من التصريحات المكذوبة‏,‏ والمنسوبة إلي القادة تؤكد أن احتمال الحرب هو احتمال مستحيل‏,‏ وأن التصريحات السياسية التي تؤكد مثل هذه المسألة هي محض أقوال للاستهلاك المحلي‏.‏

وإمعانا في زيادة مصداقية هذه المعلومات الكاذبة‏,‏ لدي العدو‏,‏ فقد كان رجال المخابرات المصرية يزودونه هنا ــ عن طريق وسطاء طبعا ــ بتفاصيل فنية تزيد من أرجحية وثقل‏,‏ المعلومات التي سينقلها إلي إسرائيل‏,‏ وإلي الموساد‏.‏

من ضمنها مثلا أن خراطيم الوقود في الطائرات المصرية‏,‏ السوفيتية الصنع‏,‏ في شح شديد‏,‏ وأن هذا العيب في ذاته كفيل بتعطيل جزء غير بسيط من طاقة وقدرة سلاح الجو في مصر‏,‏ وأن أجهزة التنشين الليلي لم تصل إلي القاهرة‏,‏ ومن ثم لم يتم تركيبها علي بعض المعدات بما يضعف قدرة هذه المعدات علي القتال في جميع الأجواء‏.‏

وأخيرا فقد كان هشام ـ القناة التي عملها ـ ينقل معلومات خاطئة إضافية لإسرائيل‏,‏ عن نيات مصرية بتسريح دفعات كبيرة من قواتها المسلحة‏,‏ وأن المناورات التي تقوم بها هذه القوات‏,‏ هي مجرد محاولات فاشلة‏,‏ لرفع الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة حتي لايتمردوا ولخداع الشعب حتي لايثور‏!!.‏

لقد تم استخدام هشام في فصول خطة الخداع الاستراتيجي لحرب أكتوبر‏1973,‏ حتي ساهمت المعلومات التي نقلها في إقناع قادة إسرائيل بأن مصر لن تحارب ولو بعد مائة عام‏!.‏

أما هشام نفسه‏,‏ فقد بدأ يتصرف كجاسوس محترف‏!!.‏

وكان ينوع مداخله‏,‏ وطرق وصوله إلي كل من شقة جورج في سلون سكوير‏,‏ أو إلي دار السفارة الإسرائيلية في بالاس جرين‏.‏ فمرة يدخل إلي بالاس جرين من ناحية نوتينج هيل جيت‏,‏ بعد أن يكون قد احتسي مشروبا في حانة سوان‏,‏ أو جلس يعتصر بعض المعلومات من شخصية يختارها بدقة‏..‏ ومرة يدخل إلي نفس الشارع من بالاس جيت‏,‏ وشارع كينزنجتون جروف العريض الشهير‏,‏ الذي تربض فيه قاعة الموسيقي العظيمة رويال ألبرت هول‏,‏ كإحدي علاماته التي لاتغيب عن البال‏!.‏

أما شقة جورج فقد كان يصل إليها أحيانا بتاكسي‏,‏ أو يجلس علي مقهي بالم تحتها‏,‏ ثم يتمشي إلي بوابة بنايتها‏,‏ أو يركب مترو الإنفاق‏,‏ ويركب المصعد من النفق مباشرة‏,‏ دون حاجة إلي أن يظهر علي سطح الأرض‏.‏

وبدا هشام منهمكا في عمليات جمع المعلومات‏,‏ وتسليمها باليد‏,‏ أو إرسالها بالشفرة وبالحبر السري‏,‏ علي عناوين بعينها في أوروبا‏,‏ وفي إنجلترا نفسها تم تلقينها له‏,‏ كما بدا منهمكا في الحصول علي المال‏,‏ بل وبدأ يدخل في عمليات مساومة حول زيادة سعر المادة التي يأتي بها‏.‏

بعبارة أخري بدأ يعرف قيمة البضاعة التي يبيعها‏..‏ البضاعة التي لم تكن تعني ـ من زاوية أخري غير تلك التي ينظر منها ــ سوي الوطن وشعب هذا الوطن‏..‏ الأباء‏,‏ والأشقاء‏,‏ والأبناء‏,‏ والأصدقاء‏.

وكذلك بدا هشام أثناء وجوده في لندن منهمكا في أن يعيش فصول حياته الجديدة‏,‏ حيث يذهب إلي كازينو البلاي بوي وحده‏,‏ وإلي المطاعم الفاخرة‏,‏ وبدأ يتعلم مصادقة البنات‏,‏ والأنفاق عليهن‏..‏ بل وبدأ يحجم عن إمداد أبيه بكل المصروفات اللازمة لعلاجه‏,‏ مفضلا أن ينفق ماله علي هذا اللون من الإنفاق الجديد‏..‏ واللذيذ‏!!.‏

كما أصبح المكتب الذي استأجره في مصر‏,‏ يسبغ وجاهة شديدة علي شاغله‏!.

وبالطبع عرف هشام أنه لاتوجد شركة بلجيكية للجرارات ولايحزنون‏,‏ وأصبحت صفة هذا المكتب‏..‏ استيراد بعض الأجهزة الكهربائية الكمالية التي لاتصنعها مصر‏,‏ وطرحها في المعارض التي تزخر بها الأسواق‏!!.‏

وفي يوم السبت السادس من أكتوبر‏,‏ وفي الساعة الثانية والنصف‏,‏ كان هشام يتسكع في شوارع القاهرة‏,‏ باحثا عن قميص ظريف‏,‏ ورابطة عنق‏,‏ يرتديهما في سهرة صاخبة كان قد خطط لها‏.

وفجأة تسمر في مكانه‏,‏ إذ طرقت أذنه بعنف عبارة‏,‏ أطلقها رجل جواره‏,‏ وهو يخاطب آخر‏.‏
الحرب قامت‏..‏ ومصر وسوريا هاجمتا إسرائيل‏!‏

لم يكن هشام يدري ـ بالضبط ـ مانوع هذا الشعور العفوي التلقائي الذي بدر منه عندما سمع الجملة‏..‏ كان شعورا فاقد الهوية‏,‏ يتأرجح بين الفرح والغضب والخوف‏,‏ إلي أن إستقر‏,‏ بتأثير العوامل الواقعية‏,‏ التي تشكل حدود ملعبه الحالي‏,‏ إلي أن يصبح شعورا بالخوف‏,‏ والرغبة في أن تنهزم مصر وتنهزم سوريا‏!!.‏

عاد هشام بسرعة إلي منزله وبدأ في أرسال خطابات للموساد علي العناوين المحددة له ولكنها لاتصل حيث كانت المخابرات المصرية تحصل عليها قبل وصولها الي العدو‏.‏

وكانت الساعات التالية تحمل أنباء الاكتساح الهادر الذي حققته القوات المصرية لخطوط إسرائيل‏..‏ وبدأ هشام يشعر أنه أصبح مسكونا بالخوف‏,‏ واستمر يحاول الاتصال بإدوارد وجورج من خلال الخطابات‏.‏

نزل هشام إلي الشارع يحاول إلهاء نفسه بأي شئ‏!‏

لم يكن يفكر سوي في نفسه‏.

لم يتذكر حتي أمه‏,‏ أو أخاه الذي لابد أنه ــ في تلك اللحظات ــ كان يشارك في القتال المستمر الذي يدور خندقا بخندق‏,‏ وموقعا بموقع‏.‏

وانطلقت المسيرات في مصر تؤيد القوات المسلحة وتزغرد من أجل العبور‏.‏

هذا المشهد العظيم في أكتوبر‏1973,‏ جعل هشام علي يقين بأن طريقه‏,‏ هو في اتجاه واحد‏,‏ إلي إسرائيل‏!!.

وبعد أن انتهت الحرب التي أعادت الكرامة لكل العرب‏,‏ وحطمت غرور إسرائيل وأذاقتها الذل‏,‏ دخل هشام علي محجوب مرحلة جديدة في علاقته بإسرائيل‏,‏ إذ كان يود أن يؤكد للموساد إخلاصه‏,‏ وأن المعلومات التي ينقلها إليهم صحيحة‏,‏ وأنه لايعرف كيف إستطاعت مصر أن تحارب‏,‏ علي الرغم من كل المعلومات التي توافرت لديه قبل ذلك‏,‏ والتي نقلها جميعا إلي إسرائيل‏.‏

ومن جهة أخري فقد كان الموساد يشك ــ بقوة ــ في هشام بعدما اعتمدت قيادات لقطاعات كثيرة من الجيش الإسرائيلي‏,‏ علي المعلومات المضللة التي كان يمدها بها‏,‏ واتخذت من القرارات قبيل القتال‏,‏ وأثناءه‏,‏ مانجمت عنه هزيمة إسرائيل الكاسحة‏.‏

إنغمس هشام ــ أكثر ــ في وحل الهوان والخذلان ــ‏,‏ بذهابه إلي إسرائيل بجواز سفر باسم آخر‏,‏ من مطار أورلي في فرنسا‏.‏

وفي تل أبيب قام رجال الموساد ــ بحضور إدوارد الذي كان يقول دائما‏:‏ معي الكتالوج الخاص بهذا الولد ـ باستجواب هشام‏,‏ وذلك للتأكد من أنه ليس كاذبا‏.‏ ثم رأي الموساد أن يعاد تدريب هشام من جديد‏,‏ علي استخدام جهاز لاسلكي حديث‏,‏ ثم عاد إلي فرنسا ومعه جهاز لاسلكي عبارة عن بار خشبي للتمويه‏.‏

كل هذا وعيون مصر الساهرة تتابعه في كل خطوة‏,‏ حتي داخل إسرائيل نفسها‏.

وبعد عودة هشام للقاهرة‏,‏ دخل رجالنا إلي مقر إقامة هشام‏,‏ وعطلوا جهاز اللاسلكي‏..‏ وكانت هذه رسالة أزعجت الموساد جدا‏,‏ إذ أن تعطيل الجهاز بهذا الشكل كان يعني أن هشام تحت الرقابة‏,‏ إلا أن الكفاءة الفنية المذهلة لرجالنا‏,‏ جعلت عملية تعطيل الجهاز تبدو‏,‏ وكأنها عملية طبيعية وليست وليدة تخريب‏!!‏ حيث سبق التعرف علي إمكانيات هذا الجهاز من عمليات سابقة في المخابرات المصرية‏.‏

ومرة أخري سافر هشام إلي تل أبيب ــ عبر فرنسا ــ حيث تم تدريبه علي جهاز لاسلكي آخر جديد ووضع في وسيلة إخفاء مختلفة‏(‏ ثلاجة صغيرة‏).‏

وعند ذلك صدر قرار جهاز المخابرات العامة في مصر‏,‏ بإغلاق ملف عملية السنجاب‏,‏ بعد أن أدت دورها وحققت أغراضها لمصلحة الأمن القومي المصري‏.‏

وصدرت التعليمات إلي عناصر الأمن المصرية من كلمة واحدة المتفق عليها وهي الصاعقة ليتم القبض علي هشام بالتنسيق مع نيابة أمن الدولة‏.‏

هل تريدون أن تعرفوا آخر ورقة في ملف هذه القصة التي تمتزج فيها البطولة والنصر‏,‏ بالخزي والخذلان‏,‏ والصعود بالسقوط‏,‏ بطولة رجالنا الذين يسهرون علي سلامة الوطن وسلامة المواطن وخزي وخذلان من باعوا الأوطان بأرخص الأثمان؟‏.‏

في القاهرة جري التحقيق معه‏,‏ بمعرفة رجال نيابة أمن الدولة‏,‏ وقدم للمحاكمة‏,‏ وأمام المحكمة اعترف تفصيليا بخيانته وعاره‏.

وكان الحكم الرادع هو الإعدام‏.‏

ولكنه لم يصل إلي منصة الإعدام‏,‏ فقد مات في السجن قبل التنفيذ‏,‏ وهو ـ في الحقيقة ـ كان قد مات قبل ذلك بوقت طويل‏..‏ طويل‏..‏ منذ أول لقاءاته مع العدو بقلب ميت وضمير ميت‏.

النهاية

المصادر

http://www.albayan.ae/one-world/1998-10-17-1.1020548

http://vb.al-wed.com/showthread.php?s=811e6897a7a9071aa83193daf82b7ba1&t=12453&page=2

Share

مـعـرض الـوثـائـق

مـعـرض الـفـيـديـو


Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server

Cannot Connect to Youtube Server
Cannot Connect to Youtube Server
 

   

 

  

زوار اليوم
زوار امس
زوار الاسبوع
زوار الشهر
اجمالى الزوار
2415
12951
69116
157808
18644360

معرض الصور

المتواجدون حاليا

107 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اتصل بنا

الراسل 
الموضوع 
الرسالة 
    
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech