Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الوثائق الإسرائيلية - الحلقة السادسة عشرة

الوثائق الإسرائيلية (الحلقة السادسة عشرة) الجنرال زعيرا في شهادته: لا أعرف حتى الآن لماذا ومتى غيَّر السادات رأيه؟

لجنة التحقيق الإسرائيلية: الجمود السياسي هو الذي جلب حرب أكتوبر

 

تل أبيب: نظير مجلي
في هذه الحلقة من تقرير لجنة أغرنات للتحقيق في إخفاقات الجيش الاسرائيلي في حرب أكتوبر 1973، تجري عملية تحقيق معمقة لمواقف شعبة الاستخبارات العسكرية وتبدأ في تلخيص هذه المواقف فتصل الى ادانتها بالإهمال الفظيع في تحليل المعلومات التي وصلت اليها حول الاستعدادات الحربية في مصر وسورية.

وخلال استعراض شهادات رجال الاستخبارات العسكرية والأوراق السرية العديدة التي وصلت الى أيديها منهم ومن مصادر أخرى، تتوصل إلى القناعة بأن الرئيس المصري انتقى خيار الحرب ضد اسرائيل لأنها لم تبقِ له خياراً آخر. فقد فشلت كل المحاولات الدولية للتوصل الى تسوية سياسية في المنطقة تعيد الأرض العربية المحتلة وتنهي الصراع. وتحصل اسرائيل على وثائق تقول ان هدف السادات من الحرب هو ليس ابادة اسرائيل كما كانت تدعي القيادات الاسرائيلية طيلة سنوات وعقود، بل مجرد كسر الجمود السياسي القائم وتحريك المسار السياسي.

تؤكد اللجنة على صحة ما قاله العديد من المسؤولين المصريين الذين عارضوا الرئيس أنور السادات، مثل الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس اركان الجيش المصري في فترة الحرب، والصحافي الباحث محمد حسنين هيكل، بأن السادات لم يقرر أن يكون هدف الحرب تحرير سيناء بالكامل، بل تحرير قسم من أراضيها في الجهة الشرقية من القناة، حتى مضائق تيران جنوبا أو المتلي والجدي في الشمال، بهدف كسر الجمود وفرض مسيرة سياسية. وتلمح اللجنة الى ان القيادة السياسية تجاهلت هذا الموقف المصري، ولكنها لا تحاسبها على هذا الموقف الاستراتيجي المسبب للحرب، وتركز انتقاداتها على الاستخبارات العسكرية. وتتوصل اللجنة الى الرأي بانه وبالرغم عن توفر العديد من الأدلة على ان مصر يئست من الجمود وقررت أن تحارب وبدأت الاستعدادات للحرب بصورة علنية تقريبا واتخذت اجراءات عديدة تظاهرية تدل على انها تتجه للحرب، إلا ان الاستخبارات ظلت متمسكة بما سمي في اسرائيل بـ«الفرضية»، والتي تقول ان سورية لن تحارب إسرائيل وحدها وبأن مصر لا تنوي الحرب قبل عام 1975 لأنها تخشى من هزيمة جديدة شبيهة بهزيمة حرب 1967 وأنها قررت ألا تحارب إلا إذا حصلت على طائرات قتالية ذات مدى بعيد تمكنها من تغيير توازن القوى لصالحها في سلاح الجو وأن الاستعدادات الحربية الظاهرة في كل من سورية ومصر ما هي إلا تعبيرا عن الخوف من هجوم حربي اسرائيلي.

وتقرر اللجنة ان هذا الخطأ في التقدير يشكل خللا رئيسيا في الاستعدادات وبالتالي في افخفاقات الاسرائيلية في تلك الحرب. ولذلك نرى تحليلاتها وتلخيصاتها للحرب هي بمثابة لائحة اتهام للاستخبارات العسكرية.

وفيما يلي ننشر حلقة أخرى من هذا التقرير، الذي كما هو معروف كان سريا طيلة 34 عاما، وسمح بإماطة اللثام عنه فقط قبل عدة شهور. وما زالت وثائقه سرية:

في الختام، يجب أن نشير الى وثيقتين أخريين في موضوع تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية من يوم 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1973؛ إحداهما هو نشرة أخبار أصدرتها دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الساعة 13:15 ووزعت على رئيسة الحكومة ووزير الدفاع ورئيس أركان الجيش. وكما تمت الاشارة في البند 25 من التقرير الجزئي للجنة، فإن هذه النشرة تضمنت سلسلة طويلة من الاشارات التي تدل على النوايا الهجومية لمصر، ولكن في نهاية الفصل المتعلق بمصر كتب في البند 40 ما يلي: «على الرغم من ان أسلوب وضع تشكيلات الطوارئ في جبهة القناة (السويس) يحمل في طياته اشارات ظاهرية تدل على مبادرة للهجوم، فإنه حسب تقديرنا، لم يحصل أي تغيير في تقديرات المصريين حول توازن القوى بينهم وبين قوات جيش الدفاع الاسرائيلي. لذا فان احتمال أن يكون المصريون ينوون استئناف القتال هو احتمال ضعيف».

وبالنسبة لسورية جاء في البند 41: «لا يوجد تغيير في تقديراتنا بأن الخطوات السورية نابعة من الخوف، الذي تضاعف في اليوم الأخير، من عملية (حربية) اسرائيلية. احتمال عملية سورية منفردة (من دون المصريين) يظل منخفضا».

وأما بالنسبة لإجلاء عائلات الخبراء السوفييت ومغادرة السفن السوفياتية الموانئ المصرية، فقد تم تقديم التقدير التالي:

42. التطور الاستثنائي في اليوم الأخير هو الاستعداد لاجلاء عائلات الخبراء السوفيات من سورية (وربما من مصر) ومغادرة الوحدات القتالية في الأسطول السوفياتي موانئ مصر. وتشتمل هذه الاستعدادات على وصول 11 طائرة ركاب سوفياتية بشكل مفاجئ الى الشرق الأوسط.. بعضها عاد الى الاتحاد السوفياتي.

43. ان وصول هذه الطائرات الى كل من سورية ومصر ومغادرة السفن موانئ مصر يطرحان امكانية ألا يكون اجلاء العائلات من سورية نابعا من توتر في العلاقات بين السوريين والسوفيات، بل من مخاوف سوفياتية من توقع مبادرة عسكرية مصرية ـ سورية ضد اسرائيل. وكما سبق أن قلنا، فإننا نقدر بأن احتمالات القيام بعملية كهذه، هي احتمالات ضعيفة».

والوثيقة الثانية تتضمن تقديرا استخباريا كان قد أرسل في يوم 5 أكتوبر 1973 الى ممثلنا في واشنطن لكي يسلمه الى السلطات الاميركية.

في البند الثامن من هذه الوثيقة (وثيقة البينات رقم 269)، كتب (الاقتباس باللغة الانجليزية): «في تقديرنا ان الاستعدادات الحربية المصرية والسورية وبضمنها المناورات الحربية (التي تقوم بها مصر) جاءت تعبيرا عن الخوف من هجوم حربي اسرائيلي».

نحن نعتقد ان المبادرة الى حرب من الجيشين (المصري والسوري) ضد اسرائيل هي ذات احتمالات منخفضة. امكانية اجلاء المدنيين السوفييت ومغادرة غالبية السفن السوفياتية ميناءي الاسكندرية وبور سعيد، ربما يكونان ناتجين عن أزمة في العلاقات بين السوفيات ومصر وسورية أو كنتيجة لتقديرات السوفيات بأن أعمالا عدائية ستنشب في الشرق الأوسط.

50 . تلخيص ما ورد في الاقتباسات المنشورة في البنود الآنف ذكرها هو:

(1) الفرضية التي ذكرت سابقا تحولت الى استنتاج ثابت ومسبق لدى شعبة الاستخبارات العسكرية في موضوع التقديرات حول خطر الحرب. (2) كما في الفترة ما بين أبريل (نيسان) ومايو (ايار) 1973، كذلك في شهر سبتمبر (أيلول) (على اثر اسقاط 13 طائرة سوريّة) وحتى في الأيام المصيرية ـ وهذا هو الأساس ـ في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر، وحتى الخامس منه وعموما، أصبح الاستنتاج المذكور أعلاه قاعدة أساسية في تقديراتها، وقد عبر عنها في مناسبات مختلفة أمام القيادات العسكرية والسياسية في الدولة، بقوله إن احتمال قيام مصر وسورية بهجوم حربي في نفس الوقت في الجبهتين على اسرائيل، هو أمر ذو احتمالات ضعيفة. وكان هذا كمن يقول إن هذا الخطر غير قائم تقريبا. (3) الشكوك التي ساورت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في يوم 5 أكتوبر، في أعقاب الأنباء القائلة إن الإجلاء المهرول لعائلات الخبراء السوفيات من سورية ومصر، لم تكن كافية لاجتثاث تأثيرات هذه الفرضية على تلك التقديرات من جذورها.

انتقاد الفرضية كعنصر حاسم في تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية 51. إذا أخذنا في الاعتبار الإشكالات التي تواجه رجال الاستخبارات في مجالي التقدير والتحذير، كما تم وصفها في البند 48 سابقا، و(أخذنا بالاعتبار) ان تقديرات الاستخبارات لا يمكن أن تكون شأنا علميا بمنتهى الدقة بحيث يمكن القول بشكل مؤكد إن الدولة الفلانية تخطط لشن حرب في المستقبل القريب (*)، فلا بأس بقيام رجال الاستخبارات باعتماد فرضية استراتيجية معينة تستند الى براهين راسخة من التجارب الماضية. فهذا الأمر لا يبدو لنا غير منطقي. ولكن، متى يكون هذا الطرح مناسبا؟ عندما تستخدم تلك الفرضية كتخمين خاضع للتجربة، يتم فحصها من آن لآخر وإخضاعها للمراقبة في ضوء الواقع المتغير والأنباء والحقائق الجديدة. فإذا لم يتم استيفاء هذا الشرط، من المُحتم أن يؤدي الالتصاق الزائد بهذه الفرضية، وجعلها مقياساً أساسياً في توجيه رجال الاستخبارات، الى اتجاه تفكير ضيق ومتعنت، بدلا من التزود بالتفكير المرن الضروري في مجال التقدير. في مثل هذه الوضعية، هناك خطر يواجه أصحاب تلك الطريقة المتقولبة في قالب واحد، بأن يعطوا للأنباء والوقائع الجديدة التي لا تتماشى مع نظرية الفرضية، تفسيرات متصنعة تفرغ الانذار من مضمونه من جهة وتبالغ في اعطاء وزن لتلك الأنباء التي لا تتناقض مع الفرضية والتي تبدو في الظاهر أنباء «مريحة». هذه هي العبرة، التي كما يبدو ان شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي، لم تستفد منها، مع العلم بأن تجارب الماضي تعلم الكثير عن فشل الاستخبارات في اعطاء تقدير لأسباب مشابهة. على سبيل المثال (هناك دروس يتعلمونها من) الهجوم الياباني المفاجئ على بيرل هاربر سنة 1941، والهجمات المفاجئة للكوريين الشماليين والشيوعيين الصينيين في الحرب الكورية سنة 1950، وأزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا سنة 1962.

في مقال في مجلة «foreigh affairs» نشر في شهر يوليو (تموز) 1965 تحت عنوان «كوبا وبيرل هاربر: الإدراك المتأخر والبصيرة» (hindsight and foresight)، كتبت روبرتا وولشتر: «التقرير الأحادي يضلل شريحة أصحاب الدراية ويدفعهم الى فلسفة القناعات الراسخة، وهذا ما قاد الى الخطأ الاستراتيجي في تقدير موضوع الصواريخ السوفياتية في كوبا..» (صفحة 701).

وفي هذا السياق، من المجدي أن نشير الى الظاهرة التي تحدثت عنها بداية المقال (المذكور أعلاه) (صفحة 691) وهي: «تعلم التجربة أن الأنباء التي تحذر من خطر داهم ويجب أن تؤخذ بالاعتبار (signals)، انما يجب أن تكون منافسة في بعض الأحيان للأنباء التي تدل على الاتجاه المعاكس، حتى لو كانت تلك أنباء كاذبة أو غير واقعية (noise). من هنا فإن من شأن هذه (الأنباء) الأخيرة أن تشوش معنى الانذار الكامن في أنباء النوع الأول وتلقي عليها ضبابية. وبنظرة الى الوراء، تقول الكاتبة، يمكن التفريق ما بين «التحذيرات» و«الصخب»، وهو الأمر الذي لا يحدث بشكل دائم قبل أن يقع الحدث الخطير.

وهكذا، يجب أن نلاحظ في هذه الظاهرة، بأنه إذا التصقنا بصورة متعنتة بفرضية معينة تتعلق بالتقدير الاستخباري، من دون مراقبة وفحص دائمين، فإن الأمر سيخلق «صخبا من شأنه أن يغطي على التحذيرات».

على أية حال، في نظرنا انه لم تكن مشكلة خاصة في أن نفهم منذ يوم الخامس من أكتوبر (وحتى في الأيام التي سبقته)، بأنه ازاء الأنباء التحذيرية والاشارات التي تدل على وجود استعدادات هجومية ميدانية لدى العدو (والتي سنفصلها لاحقا في البند «ب» و«د»)، يحوم خطر حقيقي مفاده ان مصر وسورية ستخرجان الى الحرب الشاملة وفي آن واحد ضد اسرائيل. وإذا كانت شعبة الاستخبارات العسكرية قد قدرت، رغم كل شيء، بأن هذا الخطر هو «ذو احتمالات ضعيفة»، فإن ذلك يعود فقط الى الفرضية التي أخلصوا لها والتي أبعدت جانبا كل تلك الأنباء والاشارات، لدرجة بدا انهم لا يريدون الدخول في مواجهة معها. من هنا، فإن المعلومات التضليلية وغير المجدية (مثل «التدريبات» في مصر والمخاوف السورية والمصرية من عمليات اسرائيلية هجومية) بالذات، والتي لاءمت أو لم تنقض الفرضية، هي التي احتلت موقع الصدارة في تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية، بالرغم من انه كان من المفروض ان يكون واضحا بأن الاعتماد عليها ليس مضمونا، كما سيتم التوضيح لاحقا.

صحيح ان الجنرال زعيرا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية قال في شهادته أمام اللجنة انه في الأسبوع الأخير قبل نشوب الحرب، بحث في الأساس فيما إذا كانت هناك «معلومات عن حرب»، ولكنه لم يجدها، وأن «الفرضية كانت فقط بمثابة نظرة خلفية» (صفحة 1059). بيد انه أراد بأقواله هذه أن يضعف الانطباع بأنه في تلك الأيام كان للفرضية أثر حاسم لتقديراته المذكورة. ونحن مقتنعون بأنه في هذا المجال يجدر الاعتماد أكثر على أقوال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية خلال جلسة المشاورات التي عقدت في ظهيرة يوم الخامس من أكتوبر بين رئيسة الحكومة والوزراء في تل أبيب. فكما نذكر، على الرغم من الشكوك التي ساورته ازاء الأنباء عن اخلاء عائلات الخبراء السوفيات من سورية ومصر، فقد أعرب عن رأيه بأن السوريين والمصريين «مدركون جدا لحقيقة تدني مستوى سلاح الجو لديهم وطالما انعدم الشعور بأنه بالامكان التوصل الى وضع مريح في الجو، لن يذهبوا الى الحرب وبالتأكيد ليس لحرب كبرى» (انظر خاتمة البند 49 (ط) سابقا).

على مثل هذه الحالات كتبت روبرتا وولشتتر (الكتاب المذكور أعلاه، صفحة 393): «واضح ان البشر يتسمون برابط عنيد مع قناعاتهم القديمة، وبمقدار العناد نفسه يقاومون المعلومات الجديدة التي تزعزع قناعاتهم». تفسير لنقض الفرضية المذكورة 52. حتى الآن وجهنا نقدنا باتجاه عملية التقولب (نسبة الى قالب) المتعنتة، التي تميزت بها تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية. وإذا انتبهنا الى نقاط ضعف هذا التوجه، تعالوا نفسر ما توصلنا اليه في البند 11 من التقرير الجزئي، وقلنا فيه: حتى لو كانت الفرضية الخاصة، التي احتاجتها شعبة الاستخبارات العسكرية، فرضية صحيحة في حينه، فإنها في كل الأحوال لم تفحص من جديد بالشكل الملائم، لا في جزئها الأول الحاسم ولا في أعقاب ضغط الظروف السياسية المتغيرة. وهذا يصح بشكل خاص اثر المعلومات الاضافية التي وصلت الى شعبة الاستخبارات العسكرية حول تعزيز قوات العدو بأسلحة اضافية. ولهذا فإنها مرفوضة عمليا.

أ. يجب الموافقة على ما جاء في وثيقة «الأساس المصري» للفرضية من مواد، كما وردت في المواد الاخبارية التي قدمها الجنرال زعيرا الى اللجنة (وثيقتا البينات رقم 3 و4). من هذه المواد، التي يمكن اعتبارها ذات طابع موثوق، تتضح الأمور التالية: (1) رغبة مصر القوية منذ حرب الأيام الستة (1967) لاستعادة الأراضي التي احتلتها منها اسرائيل وتمسكت بها حتى بعد حرب الاستنزاف. (2) مع الزمن، وبعد ان صعد الرئيس السادات الى الحكم توصل الى قناعة بأن على مصر ألا تكتفي بالوسائل السلمية فقط، وانه لكي يكسر الجمود في الوضع السياسي، تفتح أمامها (أمام مصر) الطريق للخيار العسكري ولو كان ذلك فقط على سبيل اعطاء دفعة للمسار السياسي بالاتجاه الذي تريد. (3) على الرغم من ذلك، اعترف حاكم مصر بعجزه عن شن حرب شاملة ضد اسرائيل طالما تتمتع بالتفوق الجوي، آخذا في الاعتبار تجربة الجيش المصري القاسية مع سلاح الجو الاسرائيلي في الحربين السابقتين وللأضرار الفادحة التي لحقت بمصر بسبب الضربات في العمق المصري خلال حرب الاستنزاف. (4) وعليه، فقد اشترط السادات ان لا تخرج مصر الى حرب شاملة ضد اسرائيل إلا إذا ضمنت لنفسها تفوقا جويا بواسطة امتلاك طائرات تفجيرية مقاتلة، تطير لمدى بعيد، بحيث تستطيع ضرب المطارات العسكرية في اسرائيل وشل حركة طائراتها عن ضرب العمق المصري أو التمكن من الرد على هذه الضربات في وسط التجمعات السكانية الاسرائيلية. لكن من يمعن النظر في هذه المواد يجد ان هذه الآراء تبناها السادات حتى ربيع 1973. فإذا كانت هذه المواد قادرة على البرهنة بأن المصريين فعلا تمسكوا بهذه الفرضية (أي الامتناع عن الحرب طالما لم يضمنوا التفوق الجوي)، فإنه لا يوجد اثبات على انها يمكن أن تشكل أساسا ثابتا للاعتقاد بأنهم استمروا في هذه القناعة لاحقا. ومن هذه الناحية فإن ما قاله رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بأن من جاء ليضعضع الفرضية عليه أن يقدم البرهان على انها غير صحيحة (انظر البند 46 سابقا)، هو قول في غير محله. بل بالعكس، فما كان يحتاج الى اثبات ايجابي، هو القول انه على الرغم من الأنباء الجديدة التي وصلت في حينه الى شعبة الاستخبارات العسكرية كان من المنطق أن يستنتجوا بأن الفرضية صحيحة بالنسبة لمصر أيضا عشية نشوب الحرب.

وليس هذا فحسب، ففي شهادته أمام اللجنة، قال الجنرال زعيرا، انه كـ«الحكيم بعد فوات الفرصة»، أدرك بأن «السادات غيّر من وجهة نظره في وقت ما في ربيع أو صيف 1973». واضاف: «متى غيّر؟ ولأي سبب؟ لا أعرف حتى اليوم» ( صفحة 79 من البروتوكول). ولكن، من نفس المادة الاخبارية المذكورة (وثيقة البينات رقم 3)، يمكن الاستنتاج بأنه منذ بداية 1973 بدأت تظهر علامات انعطاف في موقف السلطات المصرية، (وذلك) عندما توصلت الى القناعة بأن قواتها العسكرية ستحارب اسرائيل بنفس الوسائل القتالية المتاحة لها، حتى ولو لم يتوفر شرط الحصول على طائرات قتالية تفجيرية تضمن التفوق الجوي، وهو الأمر الذي يتناقض مع الفرضية (الاسرائيلية).

ب. ينبغي الاشارة الى نقطة ضعف أخرى، مهمة جدا، بنفس أهمية الفرضية. كما تمت الاشارة آنفا، فإن السادات رأى في الحرب ضد اسرائيل وسيلة لا مفر منها لكسر الجمود السياسي المتعاظم ولدفع المسارات السياسية بالاتجاه الذي تريده مصر (أنظر وثيقة البينات رقم 3). كان في صلب تفكيره ان وضعية وقف اطلاق النار هي أسوأ وضعية وانه لا يوجد أمام مصر أي خيار سوى القتال، حتى في شروط عدم التفوق العسكري. وها نحن نجد هنا ان معلومات كانت بأيدي شعبة الاستخبارات العسكرية يفهم منها انه في موضوع الخيار العسكري، كان حاكم مصر مستعدا للاكتفاء ـ في المرحلة الأولى ـ بخطة عبور القناة بهدف السيطرة على مقطع شرقي قناة السويس في منطقة المتلي والجدي، وهي الخطة المختلفة عن خطة احتلال سيناء واستعادة الأراضي التي فقدتها مصر في حرب الأيام الستة (أنظر الأنباء التي وصلت من مصدر جيد في أبريل وفي نهاية سبتمبر 1973 ـ وثيقة البينات رقم 98 الوثيقتان 11 و56). ويتبين ان شعبة الاستخبارات العسكرية كانت على علم بالخطة المحدودة المذكورة أعلاه. وها هو الجنرال زعيرا يقول خلال اعطائه تقريرا عاديا لهيئة رئاسة الأركان في يوم 14 مايو 1973: «السادات يريد الحرب. انه معني باحتلال كامل سيناء. وفي الحد الأدنى يريد الوصول الى المعابر (المتلي والجدي). لكنه لا يفعل لأنه يخشى من هزيمة» (أنظر التسجيلات في وثيقة البينات رقم 211 الصفحة الخامسة. والتأكيد جاء منا). بهذه الروح جاءت أيضا شهادته أمام اللجنة: «ما عرفناه عنهم هو ان خطة الحد الأدنى لديهم هي في الوصول الى المضائق (مضائق تيران)» (بروتوكولات اللجنة صفحة 1052).

ما كان بارزا لدرجة فقء العين، هو ان المصريين كانوا على مقدرة وادراك بأنه في سبيل تحقيق هذا الانجاز يمكنهم الاعتماد على «المظلة» الكثيفة لشبكة الصواريخ المضادة للطائرات (sa-2, sa-3,sa-6) التي أقاموها قرب القناة والتي هدفت الى التسبب (مع المدفعية المضادة للطائرات) في خسائر لسلاح الجو الاسرائيلي ولإضعاف قدراته في ضرب العمق المصري ولمساندة الدبابات المصرية، وهذا كله كان على الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ان تعرفه. نريد القول انه كان من المفروض ان يتم الانتباه الى الشعور (المصري) بأنهم قادرون على عبور القناة والإمساك بمناطق في الضفة الشرقية، طالما ان شبكة صواريخهم عاملة كليا أو جزئيا، وحقيقة ان صواريخ «sa-6» المتنقلة تتيح دفع شبكة الصواريخ هذه على الأقل لمرحلة السيطرة على معابر المتلى والجدي (مثل هذا التميز كان لدى السوريين، حيث ان شبكة الصواريخ لديهم كانت تغطي كل هضبة الجولان). وارتباطا بهذا، يجب التذكير بصواريخ أرض ـ أرض ذات مدى 300 كيلومتر (سكاد) وجو أرض (كيلت) التي كانت بحوزة مصر بهدف ضرب مراكز السكن المدنية، والتي ما من شك في انهم رأوا بها وسائل ردع في مواجهة ضرب العمق المصري يردون بها على مثل هذا القصف (ومثلها صواريخ «فروج» التي كانت بأيدي السوريين بهدف ضرب العمق في الدولة (الاسرائيلية).

ان هذه الأقوال قادرة على تفنيد الفرضية المذكورة أعلاه بشكل حاد، إذ لو نظرنا اليها حتى من منظار «الرؤية ما قبل الحدث»، فلا بد من الاستنتاج بأنه في الأيام التي سبقت الحرب لم يكن هناك مكان للاعتماد على التقدير بأن المصريين رأوا في امتلاك طائرات قتالية تفجيرية تضمن لهم التفوق الجوي وأن هذه الطائرات تشكل شرطا لا تنازل عنه في الحرب ضد اسرائيل. يشار هنا الى ان الجنرال زعيرا، عندما سئل في اللجنة، إذا لم تخطر بباله امكانية أن يكون المصريون يرون في شبكة الصواريخ ما يكفي لتحقيق هدفهم العسكري المحدود، الذي كان ذكره هو بنفسه، وبغض النظر عن قضية السيطرة الكاملة في الجو. وقد رد في البداية قائلا: «ما عرفناه عنهم أن خطة الحد الأدنى لديهم هي الوصول الى المعابر. والوصول الى المعابر غير ممكن من دون وضعية جيدة في الجو« (بروتوكول اللجنة، صفحة 1052).

ولكن، عندما أضاف أحد أعضاء اللجنة سؤالا قائلا: هذا هو الغرض من (الصاروخ) سام ـ 6» ـ أجاب: «نعم. وسؤالي هو: هل من أحد خطر بباله؟ والجواب هو: لا.. أنا لم التقِ أحدا لا في شعبة الاستخبارات العسكرية ولا في هيئة الأركان العامة، ولا في القيادة السياسية ولا في القيادة العسكرية، يتمتع بحكمة ما قبل العمل» (صفحة 1052 ـ 1053).

هذا الجواب غير مرضٍ بالتأكيد ولا يعزز الفرضية، بل العكس هو الصحيح. (*) نظرية الاستخبارات، هي مثل نظرية الأمن الشمولي، ليست نظرية ذات شبكة قوانين ثابتة يمكن اعتمادها في كل وضعية. انها تشكل نظام تفكير مساعدا لاستخلاص النتائج لدى كل من يحسن استخدامها.

 

http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=10261&article=424668#.UXMeT-3QXG0

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech