Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

اللواء محسن طه - تاريخ المجموعه 39 قتال- الجزء الاول - الفصل الثالث - خلفيه حرب يونيو

 

        الفصل الثالث

الخلفيـــة التاريخيـــــة

لنكسة يونيو 1967

 

الباب الأول   

 البدايــــــة

كانت بداية هذه النكسة رواية روسية الصنع فقد أبلغت روسيا الجمهورية العربية المتحدة في بداية شهر مايو 1967 ان اليهود يحشدون جيوشهم على الحدود السورية.

وبعد أيام تلقت مصر معلومات تفيد أن الجيش الاسرائيلى قد حشد 11 فرقة على الحدود السورية.

ولكن في الحقيقة لم يكن هناك على الحدود السورية سوى وحده تتألف من 100 إلى 120 جندي وكانت مهمتهم مراقبة المتسللين من الحدود السورية.

وفى 19 مايو أفاد مراقبوا الأمم المتحدة الموجودين على طول الجبهة انه لا يوجد ما يؤكد وجود مثل هذه القوات التي أبلغت بها روسيا الجمهورية العربية المتحدة.

كانت روسيا تهدف الى توريط مصر وعبد الناصر بالذات الى طريق الحرب بعد أن أوهمته أن إسرائيل تحشد قواتها على الجبهة السورية وان سوريا باتت مهددة بين يوم والأخر بالاحتلال.

ولقد كان في خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى 9 يونيو عندما أقدم على التنحى ووجه خطابا الى الأمة العربية ما يؤكد هذه الرواية عندما قال "كان واضحا يوم 15 مايو أن تصريحات العدو على لسان القادة السياسيين والعسكريين ان إسرائيل تنوى اجتياح سوريا وقد أكد لنا ذلك إخواننا السوريين كما ان أصدقائنا السوفيت ابلغوا اللجنة البرلمانية التي زارت الاتحاد السوفيتي فى أوائل الشهر الماضي بان هناك نوايا عدوانية مسبقة لمهاجمة سوريا وكان من واجبنا إزاء ذلك الا نقف مكتوفى الايدى... ".

كانت ألازمة التى أدت الى نشوب الحرب قد بدأت منذ ستة أشهر ففى شهر ديسمبر 66 ويناير 67 تزايدت الأعمال الفدائية من جانب فدائي المنظمات الفلسطينية.

وفى تمام 4 يناير سنة 67 وقعت كل من مصر وسوريا معاهدة دفاع مشترك وقام الإسرائيليون فى هذه الفترة بعمليتين حربيتين.

الأولى: بواسطة وحدة إسرائيلية تساندها المدرعات والمصفحات بعبور الجبهة الأردنية وهاجمت بلده السموع وجاء فى تقرير ليوثانت ([1]) عن الهجوم ان إسرائيل دمرت 125 منزلا ومدرسة ومستشفى.

أرادت إسرائيل ان تبرهن بانها لن تسمح ان تكون الأردن منطلقا للعمليات الفدائية الموجهة ضدها.

الثانية: في بداية شهر ابريل 1967 قررت إسرائيل إسكات المدفعية السورية التي كانت تضرب المزارعين فى المنطقة منزوعة السلاح بالقرب من بحيرة طبريا فخسر السوريون 6 طائرات ميج 21.

ورغم ذلك تكررت هجمات السوريين كما كانت من قبل مما دفع القادة الاسرائليين الى القول بأنهم على استعداد للضرب من جديد ووقف الجنرال رابين قائد القوات الإسرائيلية يندد بالهجمات السورية ويلمح إلى أن قواته تستطيع مهاجمة دمشق والإطاحة بحكم نور الدين الاتاسى.

كما قام ليفى اشكول رئيس وزراء إسرائيل بإلقاء خطاب في تل أبيب وقال فيه   " نظراً للاعتداءات السورية المتكررة والتى بلغت 14 اعتداء في الشهر الماضي فإننا نرى أنفسنا مجبرين على اتخاذ إجراءات حاسمة تفوق تلك التي اتخذناها في 7 ابريل.

اتخذ أعداء جمال عبد الناصر من العرب وجود قوات الأمم المتحدة في الاراضى المصرية ذريعة لهم ليهاجموه وتساءلوا لماذا لا تسمح مصر للمنظمات الفلسطينية الفدائية من الانطلاق على نطاق واسع من أراضيها ضد إسرائيل.

وفى هذا الوقت كان جمال عبد الناصر واثقا من أن الصدام العربي الاسرائيلى بات وشيكا ورأى في ذلك انه بالإمكان إسكات خصومه واستعادة ما فقده من مكانة في العالم العربي وانه مجبر في نفس الوقت على إظهار ما للدفاع المشترك مع سوريا من قيمة.

15 مايو 1967

شاهدت القاهرة اكبر قول من القوات العسكرية تمر وهى فى طريقها إلى سيناء ولقد غطت الصحافة والإذاعة والتلفزيون هذه المظاهرة العسكرية الكبرى وأحاطت هذه التحركات الضخمة بضجة إعلامية كبرى وفى نفس اليوم كانت إسرائيل تقوم بإجراء عرض عسكري بمناسبة ما تسميه بعيد استقلالها وكان هذا الاستعراض فى القدس وجاء تصرفها ليزيد النار التهابا . حيث ان منطقة القدس الإسرائيلية كانت تعتبر منطقة منزوعة السلاح.

16 مايو 1967

الساعة العاشرة مساءاً بعث الفريق محمد فوزى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية ببرقية إلى الجنرال ريكى قائد قوات الأمم المتحدة المرابطة على القناة وهذه البرقية بيانها كالاتى:" لقد أصدرت الأوامر إلى قوات الجمهورية العربية المتحدة لتكون على أهبة الاستعداد ضد إسرائيل إذا حاولت الاعتداء على اى بلد من البلدان العربية ".

" إن قواتنا محشودة الآن فى سيناء على الجبهة الشرقية وللمحافظة على حياة جنود المراقبة التابعين للأمم المتحدة اطلب إليكم إخلاءهم فى الحال ولقد زودت قائد الجبهة الشرقية بجميع المعلومات عن هذه القضية".

" أرجو إعلامي بتمام ذلك ".

وفى اليوم التالي تحدث راديو القاهرة عن هذه البرقية في جميع نشراته الإخبارية ولم تنتظر الجمهورية العربية المتحدة رد يوثانت الرسمي ففى 17 مايو الساعة الثامنة مساءاً استولت القوات المصرية على مراكز المراقبة التى يقيم فيها قوات الأمم المتحدة على طول الجبهة.

وفى القاهرة كان السيد/ محمود رياض وزير الخارجية يستقبل أعضاء الدول السبع التى لها قوات مرابطة على القناة وطلب اليهم ان يسحبوا قواتهم فورا من المنطقة .

ملحوظة: قوات الأمم المتحدة الموجودة فى سيناء كانت تتكون من 978 هندي 795 كندى – 579 يوغسلافى – 530 سويدى – 430 برازيلى – 61 نرويجى وجنديان دانمركيان.

وقبل ظهر اليوم التالي طلبت مصر الى 32 جندي مقيمين فى مراكز المراقبة فى شرم الشيخ ان يغادروا مراكزهم.

ويبدوا ان يوثانت لم يجد ما يرد به على وزير الخارجية المصري سوى الموافقة على طلبه وإعطاء أوامر الى قواته بالانسحاب الكلى من المنطقة.

19 مايو 1967

ابلغ يوثانت طلب مصر إلى الجمعية العمومية وأعلن أن القوات ستنسحب في الحال وفعلا انزل العلم الأبيض والأزرق وانسحبت قوة الطوارئ الدولية بالكامل    من سيناء.

20 مايو 1967

انتهت إسرائيل من استدعاء عدد كبير من جنود الاحتياط وفى نفس الوقت كان المشير عبد الحكيم عامر يتفقد الجبهة المصرية وجيش التحرير الفلسطيني الذي حل محل قوات الطوارئ الدولية.

ثم أصدر أمرا باستدعاء قوات الاحتياط.

21 مايو 1967

رحبت الهند بالإجراءات التي اتخذها الرئيس جمال عبد الناصر وأعلنت السيدة انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند تأييدها الكامل للرئيس جمال عبد الناصر وأضافت بان الهند تساند جميع الدول العربية في حملتها لمساعدة سوريا.

22 مايو 1967

أعلنت مصر بأنها لن تسمح من الآن فصاعدا للسفن الإسرائيلية بعبور مضيق تيران. وأكد الرئيس جمال عبد الناصر ان الجمهورية العربية المتحدة قررت إغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية، وكذلك لكل سفينة تحمل أسلحة دفاعية متجهة الى إسرائيل وقال جمال عبد الناصر" لن يرفرف العلم الاسرائيلى أبدا فوق مياه خليج العقبة وان سيادتنا على هذا الخليج لا تناقش وإذا هددتنا إسرائيل بالحرب فسنقول لها حسناً فليكن إننا بانتظارك ".

23 مايو 1967

كان ليفى اشكول رئيس وزراء إسرائيل يصرخ فى الكنيست ويقول ان كل تدخل فى أمور الملاحة الإسرائيلية فى خليج العقبة ستعتبر عمل حربى.

وفى هذا التاريخ وضع الأسطول البريطاني فى البحر الأبيض المتوسط فى   حالة تاهب .

24 مايو 1967

اتفقت أمريكا وانجلترا على وجوب فتح خليج العقبة أمام الملاحة الدولية واتفقا على انه لا يمكن استبعاد احتمال تدخل عسكري.

لاسيما أن الأسطول السادس الامريكى قد وقف على أهبة الاستعداد فى البحر الأبيض المتوسط ليساعد المحاولات الدبلوماسية الجارية الى فك الحصار ولكن مصر أعلنت ان الحصار قد تم وان الألغام قد زرعت وان المدافع المضادة للطائرات وغيرها على استعداد لضرب جميع المحاولات وان قواتها البحرية في حالة تأهب.

وفى اجتماع عقد في مجلس الأمن بناء على طلب من كندا لدرس الأوضاع المتدهورة فى الشرق الأوسط والذي يشكل تهديدا للسلام والأمن الدولي.

وفى هذا الاجتماع طلبت روسيا من أمريكا وانجلترا انسحاب أساطيلها من البحر المتوسط.

فى عمان أعلنت الحكومة الأردنية بالسماح للجيوش العراقية والسعودية ان تدخل البلاد للدفاع عن الأردن.

صدرت الأوامر الى حاملة الطائرات البريطانية وكانت فى طريقها من الشرق الأقصى الى بريطانيا مرورا بالبحر الأبيض المتوسط فصدرت إليها الأوامر بالتوقف فى مالطة والبقاء هناك على أهبة الاستعداد وحتى أشعار آخر.

25 مايو 1967

وصل الى موسكو وزير الحربية المصري على رأس وفد رفيع المستوى مكون من 30 عضوا للحصول على التأييد الروسي والمزيد من الأسلحة وقد استقبل الوفد وزير الدفاع السوفيتى.

وفى مساء نفس اليوم غادر أبا ابيان وزير خارجية إسرائيل تل أبيب متجها الى واشنطن عن طريق باريس وانجلترا ليقابل الرئيس جونسون ويحضر  اجتماع    مجلس الأمن.

26 مايو 1967

كان الرئيس جمال عبد الناصر يعلن فى خطاب له أمام قادة اتحاد العمال العرب انه اذا نشبت الحرب فستكون شاملة وان هدفها الوحيد هو تدمير إسرائيل وأننا واثقون من النصر ومستعدون للحرب ولن تكون هذه المرة كما كانت من قبل عام 1956 لأننا آنذاك لم نكن نحارب ضد إسرائيل بل ضد فرنسا وانجلترا وتحدث الرئيس عبد الناصر عن الولايات المتحدة الأمريكية على انها العدو الهام وقال " لا يستطيع ويلسون ان يفعل شيئا ما لم يحصل على الأوامر من جونسون".

وفى هذه الفترة كان وزير الأوقاف المصري يزود خطباء المساجد بالمعلومات ويطلب إليهم ان يجعلوا موضوع خطبهم عن الجهاد وانه لشرف عظيم ان يستشهد  الإنسان فى ساحة المعركة المقدسة وحث بابا الأقباط الشعب على الاستعداد للمعركة من اجل استعادة فلسطين وتخليصها من الذين صلبوا المسيح ".

26 مايو 1967

قام يوثانت بزيارة سريعة للقاهرة تم عاد الى واشنطن من رحلته الى القاهرة مساء 27 مايو دون أن يفصح عن نتائج رحلته وقدم تقريره الى مجلس الأمن.

وأفاد يوثانت أن الرئيس جمال عبد الناصر والدكتور محمود رياض أكدا له أن مصر لا تنوى القيام بأي عمل عدواني.

27 مايو 1967

قام وزير الحربية شمس بدران بزيارة الى موسكو استمرت 4 أيام عقد خلالها محادثات مع الزعماء السوفييت ومع وزير الدفاع السوفيتي.

تحدثت الصحافة المصرية والعربية عن زيارة أبا أبيان رئيس وزراء إسرائيل الى العواصم الغربية وهاجمت هذه الزيارة بعنف وأضافت ان العدو الحقيقي هو أمريكا وحليفتها انجلترا وليست إسرائيل.

تركت ألازمة رد فعل عنيف وخاصة فى البلاد العربية وخاصة فيما يتعلق بشحن البترول الى الدول الغربية المساندة لإسرائيل.

وأذاع راديو بغداد أن العراق قررت فرض الحصار على اى شحنة بترول الى اى بلد يساند العدوان المدبر ضد اى دولة عربية وهددت الكويت بوقف شحن البترول فى حالة وقوف الدول الغربية الى جانب إسرائيل مع العلم بان اقتصاد انجلترا وكل أوروبا الغربية يتوقف على شحن البترول العربي.

ومما لا شك فيه ان استثمار البترول قد تزايد فى أفريقيا ولكن أهم مصدرين له هناك هما ليبيا والجزائر وهما بلدان عربيان وعلى استعداد مناصرة مصر ودعمها ضد الغرب.

ومنذ 11 عاما مر 80 % من بترول العرب الى أوروبا فى قناة السويس ولكنه تدنى أثناء ألازمة حتى بلغ الى 60 % فقط.

29 مايو 1967

فى اجتماع عاجل لمجلس الأمن اقترحت الولايات المتحدة ان تطلب الى مصر السماح باستعمال مضيق تيران مدة وجيزة كى يتسنى للأمم المتحدة ان تجد حلا للازمة.

ورد المندوب المصري قائلا أن سيادة مصر على المضيق تعود إلى العرب تاريخيا وهكذا فشل الاقتراح الأمريكي ولم تصوت الجمعية العمومية عليه وفى القدس كان ليفى أشكول رئيس وزراء إسرائيل ينتظر بحرارة أن يرى أمريكا وانجلترا وبقية الدول تسارع الى العمل وفك الحصار على المضيق وقال ان جميع هذه الدول تعهدت بتامين حرية المرور البحري المهدد اليوم وان واجبها هو تنفيذ هذه الوعود وسنرى بعد قليل إذا كانت ستفى بما وعدت به.

وبعد رحيل جنود الأمم المتحدة بحوالى 10 ايام بدأت إسرائيل تبعث بدورياتها الى غزة منذ عام 1956 وأعقب ذلك إعلان اشكول تبادل إطلاق النار في المنطقة وذلك للمرة الأولى منذ 10 سنوات تقريبا.

" أعلن الرئيس جمال عبد الناصر فى القاهرة انه سيعتبر أمريكا وبريطانيا أعداء له إذا هما انحازا الى جانب إسرائيل وبعد ان خوله مجلس الأمة الصلاحيات الكاملة وقف يخطب ويقول " اذا كانت الدول الغربية ستستهين بنا وتحاول ان تحرمنا من حقوقنا فسنعلمها كيف تحترمها إننا لا نجابه اليوم إسرائيل بل الذين يقفون وراء إسرائيل إننا نجابه الذين أوجدوا إسرائيل ".

وردا على السؤال الذى وجه له عن الوضع العسكري أجاب الرئيس جمال عبد الناصر" أن استعدادات الجمهورية العربية المتحدة وحلفائها من اجل تحرير فلسطين قد اكتملت ".

 

30 مايو 1967

أبلغت روسيا تركيا أنها تنوى إرسال 10 سفن حربية في الأسبوع القادم الى البحر الأبيض  المتوسط عبر خليج البوسفور.

وبموجب اتفاقية مونترو يحق للسفن الحربية ان تعبر المضيق شرط إعلام الحكومة التركية قبل 8 أيام.

وفى القدس عقد ليفى اشكول رئيس وزراء إسرائيل مؤتمرا صحفيا وأعلن أن إسرائيل لا ترفض اى حل يضمن حرية الملاحة فى مضيق تيران لجميع السفن وأضاف إننا سنتصرف بأنفسنا عندما تدعو الضرورة لذلك من اجل فك الحصار.

كان أهم حدث وهو وصول الملك حسين ملك الأردن إلى القاهرة حيث وقع معاهدة دفاع مشترك مع الرئيس جمال عبد الناصر بعد اجتماع دام بينهما 6 ساعات.

أدهش هذا الموضوع وهذا التحول العالم كله على الصعيدين الداخلي والخارجي اذ كان الرئيس جمال عبد الناصر على عداء مستمر منذ فترة طويلة وقد كان عبد الناصر قد اتهم الملك حسين بخيانة القضية العربية .

وفى اليوم التالي وقف الرئيس عبد السلام عارف يؤيد الأردن وهكذا وصلت القوات العراقية إلى الأردن.

سارعت المعاهدة المصرية – الأردنية بدفع عجلة الحرب وبددت كل احتمال للتسوية السلمية ومن الناحية الاستراتيجية لم يكن من الممكن أن تتغاضى إسرائيل عن مثل هذا التحالف.

وهكذا أحكمت الدول العربية الحصار على إسرائيل وباتت أزمة الشرق الأوسط تهدد بالانفجار بين لحظة وأخرى.

 

الباب الثاني   

إسرائيل تقرر الهجوم

بينما كانت الأحداث تتطور ببطء فى واشنطن وفى الأمم المتحدة كان الوضع في الشرق الأوسط يزداد تدهوراً حتى أن مؤيدي التسوية الدبلوماسية قد وجدوا الأحداث تسبقهم وفى الوقت نفسه كان الرئيس جونسون ورئيس وزراء بريطانيا يجوبان العالم بحثا عن تأييد بقية الدول البحرية وإجبارها على تبنى مشروعها القاضي بفتح المضيق بالقوة إذا دعت الحاجة ولكن المشروع الامريكى فشل.

وكانت أمام إسرائيل أربعة أوضاع حاسمة بالنسبة للدول العربية وقد تلخصت الأوضاع على الشكل التالي :

1-     حصار المضيق.

2-     حشد القوات المصرية فى صحراء سيناء.

3-     معاهدة الدفاع المشترك المصرية – الأردنية.

4-     دخول القوات العراقية الأردن.

كان الوضع صعب جداً على إسرائيل بعد أن رأت ملاحتها تتعرض للخطر وان الدول العربية تحيط بها من جميع الجهات.

ومنذ أخر مايو أقفلت محلات كثيرة أبوابها وانشلت حركة الزراعة وتحولت المعامل إلى مستودعات أسلحة وكان طبيعيا أيضا ان تستمر إسرائيل هكذا ما دامت مهددة من جيرانها العرب فى أية لحظة.

كان الشعب يلح ويطالب باتخاذ قرار ووضع البلاد تحت أمر رجل يتمتع بثقة الجميع.

وها هى إسرائيل الآن وبعد 10 سنوات من السلم تواجه اعنف أزمة منذ حرب عام 1948 حيث كان يموت واحد فى المائة دفاعا عن الدولة التى خلقها فى فلسطين بعد قرون من التشرد فى جميع أنحاء العالم.

وأمام  هذه الأزمة العاصفة كان الشعب الإسرائيلي يبحث عن رجل انه موشى دايان قائد معركة عام 1956 فقد وجدوا فيه الكفاءات المطلوبة للحكم على الوضع واتخاذ القرارات الحاسمة.

كان موشى ديان احد الرجال النادرين والذي قبلت به إسرائيل ليقرر الحرب وإذا كان ديان قد عين وزيرا للحربية فهو لان الحكومة وجدت نفسها مجبرة على السير فى طريقين :

الأول: انه لم يكن أمام إسرائيل من مخرج سوى الصراع المسلح .

الثاني: أن موشى ديان يجب ان يكون وزيرا للحربية لان الشعب الإسرائيلي كان يؤمن بقيادة هذا الرجل وكان يسمونه " الجنرال ذو العصبة السوداء".

ففى عام 1940 كان وجود هتلر ضروريا ليصبح تشرشل رئيسا لوزراء بريطانيا.

وقد عبر ديان عن نفسه بقوله قبل نشوب الحرب.

" كان يجب ان يكون هناك 80 ألف جندي مصري لتولى وزارة الحربية" كانت قيادة الجيش الإسرائيلي متفقة تماما بأن اكبر خطر يهددها هو مصر وان المعارك ستدور فى جنوب إسرائيل وفى شبه جزيرة سيناء بالذات ولذلك كان ضروريا أثناء الأزمة حشد اكبر قسم ممكن من القوات فى النقب وعلى الجبهة المصرية ونظرا لضيق الحدود الإسرائيلية وكثافة سكانها لم يكن الإسرائيليون يجهلون ضرورة نقل المعركة خارج أرضهم بحيث أن يخرجوا جميعا ويواجهوا العدو فى سيناء.

أن أول ما تخوفت منه إسرائيل هي الجبهة المصرية واحتلت التهديدات السورية والأردنية المرتبة الثانية وحتى قبل نشوب الحرب بأسبوع لم يكن احد يفكر بان الأردن ستتدخل منذ البداية وتهاجم إسرائيل.

وخططت المخابرات الإسرائيلية بعمل دفاعي فقط على الجبهتين السورية والأردنية وذلك حتى تتمكن من إرسال اكبر حشد ممكن من الجيش الى سيناء وكانت المستعمرات القريبة من الجبهة الشمالية الشرقية ( سوريا) معرضة أكثر من غيرها للخطر لانها تقع فى شبه وعاء عند أسفل الجبال المطلة على السهل الاسرائيلى وهذا ما يسمح للسوريين بقصفها بسهولة دون ان تتمكن من الرد ولو بطلقة واحدة ونذكر هنا ان الحالة كانت متوترة فى تلك المنطقة منذ زمن بعيد.

لم تكن المرأة الإسرائيلية واثقة على الإطلاق من ان زوجها سيعود اليها بعد ان يغادر منزله فى الصباح ليعمل فى الحقل فى تلك المنطقة او فى المنطقة المنزوعة السلاح. باتت الحياة فى تلك المناطق لا تحتمل وخاصة بعد ان تزايدت عمليات الفدائيين المرابطة فى سوريا ضد الكيبوتز وفى حالة الحرب تكون جميع المستعمرات الإسرائيلية تحت رحمة المدفعية السورية الممتدة على مسافة 15 كم من الجبهات الإسرائيلية.

كان هذا الوضع القوى المحصن يقوى دون انقطاع منذ 19 عام ويضم مجموعة كبيرة من قطع المدفعية الحديثة والمدافع المضادة للطائرات وبطاريات الدفاع الجوى التى امدت بها روسيا سوريا.

كان هناك حوالي 250 مدفع على الأقل تصب أكثر من 10 أطنان من القنابل فى الدقيقة أثناء الاشتباكات وباستطاعتها بلوغ الأهداف الواقعة على مسافة 25كم.

في بداية عام 1967 دعا الطيران الإسرائيلي الملحقين الجويين فى تل أبيب لحضور عرض جوى بدا العرض بتشكيلات من طائرات الفوتور التى تعمل على المدى الطويل واهم ما اشتهرت به هذه الطائرات هى سرعة تحركها وتزويدها بالوقود والعودة الى الجو فى ظرف 7.30 دقيقة وتحت أجنحتها أطنان من القنابل وبعد الحرب سأل احد الملحقين الجنرال هود قائد القوات الجوية عن معدل بقاء الطائرات على الارض بين المهمتين فرد عليه هود لقد شاهدت ذلك فى العرض الذى جرى فى مطلع العام.

واجاب الملحق ولكن هذا كان مجرد استعراض فرد عليه هود انما كانت عملية عادية يقوم بها الطيارون وقد جعلوا إقلاعهم وهبوطهم يتم فى اقصر وقت ممكن.

كان الاسرائليون يترقبون الحرب رغم قناعتهم بقلة عددهم وان ما يملكونه من أسلحة يقل عما يملكه العرب من حيث الكمية والنوع.

وكان العرب كذلك مصممين على مواجهة المعركة مهما اختلفت آراؤهم وتضاربت فقد اجمعوا على ان الحرب امر لا مفر منه.

فكرت إسرائيل ان بإمكانها مقاومة 800 مدرعة مصرية او أكثر محشودة فى سيناء ولكن الخطر الفادح كان يمكن فى وجود ما بين 300 الى 400 مصفحة بالقرب من أهم القواعد الجوية ومراكزها السكنية ويضاف الى ذلك ان الطيران المصري بدأ يظهر نشاطا ملحوظا فى الفترة الأخيرة.

فمنذ عام 1956 لم تخترق طائرة مصرية واحدة المجال الجوى الأسرائيلى ولكن إسرائيل سجلت فى الآونة الأخيرة 3 اختراقات جوية لطائرات ميج 21 حيث كانت ترسم قوسا من البحر الميت حتى العريش مرورا فوق القواعد الجوية الإسرائيلية الكبيرة والمنطقة التى يرابط فيها القسم الاكبر من الجيش.

كانت الطائرات المصرية تقطع الأجواء الإسرائيلية لمدة 4 دقائق مما يجعل اللحاق بها ومحاصرتها امرا مستحيلا وما كان يزعج الاسرائيلين هو سرعة وكفاءة وذكاء الطيار المصري.

كان هناك سبب آخر يدفع الإسرائيليين الى العمل المباشر الا وهو احتمال القيام بهجوم مفاجئ ولقد اجمع المراقبون العسكريون والسياسيون أن الوضع الإسرائيلي قد أصبح في غاية من الصعوبة بعد ان حشد المصريون ما بين 90 إلى 100 ألف جندي مصري و800 مدرعة فى صحراء سيناء.

وهنا قرر الإسرائيليون أن يضربوا وأثناء سلسلة من الاجتماعات السرية التي عقدت مساء السبت 3 يونيو وصباح الأحد ثم التغلب على جميع الصعاب وأزيلت أخر الشكوك وعرف الجنود والطيارون مساء الأحد أن غدا سيكون يوم الحرب.

أبدى مجلس الوزراء الإسرائيلي تخوفه أثناء اتخاذ قرار الحرب لان اغلب أعضاءه من المدنيين الذين لا يفقهون فى الأمور العسكرية إلا القليل ووجدوا صعوبة فى تصديق تصريحات قائد القوات الجوية الإسرائيلية هود الذي قال " ان طائراته مستعدة لتحطيم الطيران المصري وجميع حلفائه من العرب دون أن تتعرض إسرائيل للقصف".

لقد كثر الكلام عن تلك القوة الجوية المصرية المكونة من 400 طائرة مقاتلة وقاذفة قنابل أعدها الروس وسهروا على تدريب طياريها.

وهل يعقل تحطيمها بضربة واحدة ؟

ولكن ديان كان متفائلا وان دخوله الحكومة يعنى انه منذ الآن يوجد رجل يعلم جيدا وضع البلاد السياسي والعسكري.

كان واثقا من ان الجيش الإسرائيلي سيفي بوعده .

عندما تسلم موشى ديان وزارة الحربية كان على علم بكل شئ وقبل 15 يوم حصل على اذن خاص من رئيس الوزراء وقائد الأركان رابين بتفقد القوات.

درس مع قادته خطط المعركة وبين ليلة الخميس والأحد ادخل على هذه الخطط عدة تغيرات.

كان موشى دايان يتمتع بشهرة رجل عمل واجمع الإسرائيليون بعد أن علموا بدخوله الحكومة أن المعركة أصبحت على الأبواب.

عقد وزير الحربية الجديد موشى ديان مؤتمر صحفي يوم السبت 3 مايو وأعلن انه فات الأوان للقيام باى عملية حربية وان المحاولات الدبلوماسية قد باءت بالفشل ولقد اقترعت الحكومة إلى جانب الدبلوماسية ويجب ان نعطيها الفرصة حتى تحاول تحقيق ذلك .

مساء يوم 4 يونيو كانت الصحف الإسرائيلية وجميع صحف العالم ووسائل الإعلام تنشر صورا كثيرة للجنود الإسرائيليين وهم يمرحون فوق الرمال على     شاطئ البحر.

 

ملخص لتطورات الوضع العسكري

في منطقة الشرق الأوسط

 

15 مايو 1967 :

  • عرض عسكري في القدس بمناسبة ما يسمونه بعيد الاستقلال
  • القوات المصرية تعبر القاهرة وهى في طريقها الى سيناء
  • وضع الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب.

16 مايو 1967 :

  • إعلان حالة الطوارئ فى مصر.
  • ناطق باسم الجيش المصري يصرح " كل شئ معد للحرب"
  • الجيش فى حالة تأهب على الجبهة الإسرائيلية.

17 مايو 1967:

  • استنادا الى تصريحات من القاهرة ودمشق يستنتج منها ان مصر وسوريا مستعدتان للحرب.
  • تحرك للقوات المصرية فى الشرق داخل سيناء.
  • تفيد الأنباء الواردة من الأردن أن الجيش الأردني بدأ التعبئة العامة.

18 مايو 1967:

  • راديو القاهرة يؤكد ان الجيش المصري والسوري مستعدان لكل احتمال.
  • بدأ التعبئة العامة فى كل من العراق والكويت.
  • تل أبيب تعلن أن الإجراءات اللازمة قد اتخذت

19 مايو 1967 :

  • إعلان سحب جنود قوة الطوارئ الدولية رسميا.
  • إنزال علم الأمم المتحدة من فوق منطقة غزة وحل قوة الطوارئ الدولية

 

20 مايو 1967 :

  • إسرائيل تعلن الانتهاء من التعبئة الجزئية فى جيوشها .

21 مايو 1967 :

  • أعلن احمد الشقيرى رئيس منظمة التحرير الفلسطينيين ان ثمانية آلاف جندي من جيش التحرير الفلسطيني قد وضعوا تحت تصرف الجمهورية العربية المتحدة والعراق وسوريا.
  • مصر تستدعى جنود الاحتياط.

22 مايو 1967:

  • رئيس وزراء إسرائيل ليفى اشكول يعلن ان عدد جنود الجيش المصري فى سيناء قد يزيد عن 35 ألف جندى وقد يصل الى80 ألف جندى.
  • تفيد أنباء القاهرة أن العراق عرضت على مصر مساعدة القوات الجوية والأرضية فى حالة وقوع حرب وان الرئيس جمال عبد الناصر قد وافق على ذلك .

23 مايو 1967:

  • أعلن الملك فيصل أنه ابلغ جيشه بالبقاء فى حالة الاستعداد والتهيأ للمعركة ضد العدوان الإسرائيلي.

24 مايو 1967:

  • الأسطول السادس الامريكى يأخذ مكانه فى البحر الأبيض المتوسط
  • عمان تعلن رسميا أن التعبئة العامة قد انتهت وان الحكومة قد سمحت للعراق والمملكة العربية السعودية بإدخال جنودها الى أراضيها.
  • السعودية حشدت أكثر من 20 ألف جندي على حدود الأردن فى شمال خليج العقبة.

26 مايو 1967:

  • أعلن الرئيس جمال عبد الناصر انه إذا نشبت الحرب فان العرب على استعداد والنصر حليفهم.

28 مايو 1967:

  • إعلان التعبئة العامة فى السودان

29 مايو1967:

  • الجزائر تعلن عن إرسال قوات جزائرية الى الشرق الأوسط لمساعدة مصر.

30 مايو 1967:

  • توقيع معاهدة الدفاع المشترك بين مصر والأردن

31 مايو 1967:

  • المشاة والمدرعات العراقية تدخل الأردن.

1 يونيو 1967:

  • الطائرات العراقية تغادر القاعدة العسكرية فى الحبانية بالقرب من بغداد الى قاعدة (هـ 3) الواقعة فى غرب العراق وغير البعيدة عن الجبهة الإسرائيلية.

3 يونيو 1967:

  • اللواء/ عبد المحسن مرتجى قائد الجيش المصري يعلن الى القوات المرابطة فى سيناء " يتحتم فى هذه اللحظة نتائج تاريخية بالنسبة للأمم العربية والحرب المقدمة هي التي ستمكننا من استرجاع حقوق من شردوا من أراضيهم"
  • الجيش الاسرائيلى يمنح جنوده اكبر عدد ممكن من الإجازات والراحات ونرى كثير منهم في الصحف والتلفزيون يرتادون الشواطئ بحثا عن الراحة والترفيه والتسلية (نوع من أنواع الخداع السياسي)

 

الباب الثالث   

الضربة الجوية الإسرائيلية

عن ترجمة لأحد الكتب الإسرائيلية وعنوانه الميراج ضد الميج وقد قام بترجمتها الكاتب الكبير الأستاذ/ محمود عوض في كتابه ممنوع من التداول يقول : في حرب 1956 لم تبدأ إسرائيل في الهجوم ضد مصر إلا بعد أن ضمنت غطاءاً جوياً لها من بريطانيا وفي حرب 1967 لم تحارب إلا بعد أن تأكدت من وجود تعليمات لدى الطيران المصري بعدم الحرب ومع ذلك فالنتيجة هي النتيجة. لقد إحتسب التاريخ على الطيران المصري هزيمتين حتى قبل أول طلقة. وكان السبب هو نفسه في كل مرة أن الطيران المصري وضع في موقف صعب من البداية. موقف الشخص الذي أحاطت السلاسل بيديه وقدميه لكي يتمكن شخص آخر من ضربه على راحته ومن الهواء خلقت إسرائيل أسطورة روجتها في كل أنحاء العالم أسطورة تحاول دائماً أن تقنعنا أن الطيار الإسرائيلي أكبر كفاءة من الطيار المصري وأن التدريب الزائد من جانب الطيار الإسرائيلي كان يقابله تدريب ناقص في جانب الطيار المصري أن هذا المنطق ضروري بالنسبة لإسرائيل لكي نقتنع نحن بالتالي بأن هزيمة 1967 كانت أمر لا مفر منه وقدراً لا يمكن تفاديه ولكن الحقيقة التي ستظل إسرائيل تخفيها وهذا الكتاب الإسرائيلي يخفيها هي أن الطيران المصري هزم في الحرب قبل أن تبدأ الحرب.

نعود مرة أخرى إلى الهجوم الجوي الإسرائيلي على مصر يوم 5 يونيو.

- صباح 5 يونيو الموقف على الجبهة المصرية -

المدفعية المضادة للطائرات وجميع وسائل الدفاع الجوي مقيدة (ممنوعة من التعامل مع أي هدف جوي) لوجود المشير عبد الحكيم عامر في الجو في طريقه إلى سيناء لتفقد القوات في سيناء.

أشركت إسرائيل كل طائراتها المقاتلة القاذفة وهي حوالي 146 طائرة بالاشتراك في تدمير المطارات الحربية المصرية.

الساعة 8.45 بتوقيت القاهرة 7.45 بتوقيت إسرائيل غادرت أول موجة من الطائرات الإسرائيلية قواعدها يوم 5 يونيو كان هدفها 12 مطار وقد أصابت 11 منها في آن واحد.

أما المطار الأخير وهو مطار فايد فإنه ضرب بعد 10 دقائق فقط لأن الضباب فوق قناة السويس كان يحجبه.

أقلعت الطائرات في منتهى الدقة بحيث استطاعت الوصول فوق الهدف في نفس اللحظة المخطط لها وتخلق مفاجأة كبرى.

كان كل هجوم يتم بواسطة 4 طائرات تطير بشكل ثنائي وما أن تصل فوق أهدافها حتى ينهي الطيارون مهمتهم وتنفجر القنابل.

والمطارات التي قصفت ودمرت هي : مطار جبل لبني – العريش - بير جفجافة – بيرتمادا – أبو صوير – كبريت – أنشاص – غرب القاهرة – بني سويف – فايد – المليز – المنصورة.

وهكذا دمر أكبر قسم من القوات الجوية المصرية ولم تحلق أثناء الهجوم إلا أربع طائرات كانت تقوم بجولة تدريبية يقودها مدرب وثلاثة طلاب طيارين ولا سلاح عليها.

قامت إسرائيل بالهجوم الجوي مبكراً لأربعة أسباب هي: -

1-  كانت حركة الاستعداد لحشد القوات في سيناء قد بدأت تخف وكانت الطائرات فجر كل يوم جاهزة فوق الممرات في كل مطار وعلى استعداد للتحليق في حالة الإنذار بمدة لا تتجاوز 5 دقائق وفي الفجر أيضاً كانت مجموعات من الميج تجوب أجواء مصر تحسباً لهجوم جوي لأن الوضع كان يشير إلى ذلك.

ومع هذا كان الإسرائيليون يشكون بإمكانية بقاء العدو على هذا الوقع طيلة النهار وأنه إذا لم يتم الهجوم بعد الفجر بساعتين أو ثلاثة فإن المصريين سيخفون المراقبة ويتخلون نوعاً ما عن الرادارات وأعتقد الإسرائيليون أنه في مثل هذا الوقت أي الوقت الذي هاجموا فيه تكون الرقابة المصرية شبه معدومة.

2-  تتم الغارات الجوية عادة عند الفجر ولكن على الطيارين أن يكونوا مستعدين قبل الإقلاع بثلاث ساعات وهذا يجبرهم على النهوض عند منتصف الليل وبتحديد وقت الهجوم في تمام الساعة الثامنة إلا الربع يكون الطيارون قد ناموا أربع ساعات أي أنهم يستيقظون في الرابعة صباحاً بدلاً من منتصف الليل.

3-  يغطي الضباب في هذا الفصل أكبر قسم من مجرى النيل أي الدلتا وقناة السويس ولا يبدأ الضباب بالتبدد إلا في الساعة 7.45 بتوقيت إسرائيل وفي هذه اللحظة بالذات تكون الرؤية واضحة جداً نسبة لوضع الشمس وضعف الرياح ولا ننسى ما لهذا من أثر كبير عند رمي القنابل فوق الأهداف المحددة.

4-     عندما تكون الساعة 7.45 في إسرائيل تكون في مصر 8.45 إذا لماذا اختاروا هذا التوقيت.

تفتح المكاتب في مصر أبوابها عند الساعة التاسعة. وأن هجوما تشنه القوات الإسرائيلية قبل 15 دقيقة من شأنه أن يفاجئ ضباط السلاح الجوي وهم في طريقهم إلى مراكزهم ويقضي على الطيارين والموظفين الأرضيين قبل أن يتلقوا التعليمات وينصرفوا إلى القيام بأي نشاطات أخرى.

في الوقت الذي كانت آخر الدوريات المصرية تقوم باستطلاع الأجواء وتظهر على شاشات الرادار في إسرائيل كان هود قائد القوات الجوية الإسرائيلية في مقر قيادته يتابع الموقف وكان يعلم تماماً كم تستطيع طائرات الميج 21 أن تبقى في الجو وعند الثامنة إلا ربع يكون وقود الداورية قد أقترب من النهاية وتكون الطائرات في طريقها إلى قواعدها.

لقد كان الهدف الأول للهجوم المباغت هو تعطيل ممرات الإقلاع وتحطيم أكبر عدد ممكن من طائرات الميج 21 التي باستطاعتها منع الطيران الإسرائيلي من تحقيق هدفه العام كذا إبادة قاذفات القنابل ذات المدى البعيد والتي تهدد مباشرة سكان إسرائيل المدنيين وهكذا تم تدمير ثمانية تشكيلات من طائرات الميج في اللحظة التي كانت تحاول أن تأخذ مكانها عند آخر الممرات.

كانت الطائرات الإسرائيلية تتكون من مجموعات رباعية وتعمل على جميع الجهات فبعد أن يقوم بعضها بغارة قصيرة فوق البحر تعود إلى القواعد القريبة من القاهرة وقناة السويس وسيناء بينما تغير مجموعات أخرى باتجاه قواعد مصر العليا كانت هذه المجموعات تطير على مستوى منخفض جداً ولا تعلو سطح الأرض أو الأمواج أكثر من عشرات الأمتار وذلك للتخلص من مراقبة الرادارات المصرية وكان الإسرائيليون يتخوفون كثيراً من الرادارات السوفيتية والأمريكية أكثر من تخوفهم من الشبكة المصرية. وفي تلك الساعة بالفعل كانت أشعة النور على شاشات الرادار تبحث في جميع الجهات سماء الشرق الأوسط وعلاوة على مراكز الرصد المصرية وكان عددها 10 مراكز في سيناء فقط .

كانت هناك مراكز أخرى تبحث لترى ماذا يجري.

كانت سفن الأسطول السوفيتي المرابطة في البحر المتوسط تراقب الوضع عن كثب وكذلك الأسطول السادس الأمريكي الذي بعث بحاملات الطائرات المجهزة بأحدث المعدات الإلكترونية لتتقصى الحقائق وعلى رأسها السفينة "ليبرتي" ويجب ألا يغيب عن بالنا الدور المهم الذي لعبته هذه الحاملة وما قدمته لإسرائيل من خدمات جليلة في مجال الرصد مما كشف القناع عن وجه أمريكا المتميز وكذلك شاركت المراكز البريطانية في العملية وأوعزت إلى محطاتها في جبل رودس في قبرص أن تراقب الوضع بدقة متناهية.

نجح الطيران الإسرائيلي في تعطيل 23 محطة رادار مصرية منها 10 مراكز في سيناء وكانت عمليات التضليل قد تمت قبل الساعة 8.45 بتوقيت القاهرة من يوم الاثنين حتى لا تثير الشكوك ولا نستطيع أن نشك في أن الإسرائيليين بذلوا كل ما عندهم من دهاء لتعطيل شبكات الرادار المصرية وساعدهم على ذلك ما قدمه لهم الإنجليز والأمريكان من أجهزة في هذا المجال ونعود مرة أخرى إلى الضربات الجوية الإسرائيلية.

كما ذكرنا من قبل أن الطائرات الإسرائيلية كانت تتكون من 4 طائرات وما أن تبلغ المجموعة الأولى من طائرات إسرائيل هدفها حتى كانت المجموعة الثانية في طريقها إلى الهدف والمجموعة الثالثة تستعد للإقلاع.

توالت الأسراب كل عشر دقائق ويتكون كل سرب من أربع طائرات ويحلق فوق الهدف 7 دقائق وهذا ما يسمح له بالعودة إليه مرتين أو ثلاثة ترمى القنابل في المرة الأولى وتعود فيما بعد لتتأكد من الإصابة ومدى فعاليتها ويحق للطيارين أن يقاتلوا 3 دقائق فقط إما لتصحيح خطأ محتمل أو القيام بمرور إضافي فوق الهدف فلكل دقيقة حسابها ويجب إستعمالها كلياً والاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن.

وللسهر على البلاد والدفاع عن قواعده لم يترك الجيش الجوي الإسرائيلي إلا 12 طائرة تقوم ثمانية منها بدوريات متواصلة في سماء إسرائيل وأربعة على إستعداد لمجابهة أي خطر محتمل أو أي عطل قد يطرأ على أي طائرة من الطائرات المقاتلة.

كانت القضية بالنسبة لليهود قضية حياة أو موت، إنتصار أو دمار لكن الأخطار درست بدقة ولو أن إسرائيل كانت متخوفة من دمارها لما وجهت تلك الضربة للطيران المصري والعربي.

أن واقع تدمير الطيران المصري كله تقريباً قبل أن يحلق لا يعود فقط إلى الضربة الجوية المفاجأة التي وجهتها إسرائيل إليه بل إلى قنبلة صنعتها إسرائيل ومعدة خصيصاً لتعطيل ممرات الإقلاع. إذ أن هذه القنبلة ما أن تدخل في باطن أرض الإقلاع حتى تنفجر في داخلها قذيفة وتحطم كل ما حولها وللقنبلة جهاز خاص تعمل به ويستخدم لتوقيت معين بعدها تنفجر في داخل باطن الأرض.

وإذا كان من الصعب إصلاح ممرات الهبوط والإقلاع في أوقات الحرب العادية فما بالك عندما يكون هناك خوف من مزيد من الإنفجارات سوف تأتي بعد أن تخترق القنبلة باطن الأرض ثم تنفجر في باطن الأرض لتزيد من تدمير الممر من الداخل.

كان قصف المدافع المضادة للطائرات أقل بكثير مما توقعه الطيارون الإسرائيليون ولم يكن يعمل بدقة.

استمر قصف المطارات المصرية 80 دقيقة بدون توقف وبعد توقف دام 10 دقائق عاد القصف الفجائي واستمر 80 دقيقة أخرى.

وعلى مدى ساعتين ونصف الساعة كان الطيران الإسرائيلي يدمر قوة الطيران المصري الدفاعية وجعلها مبدئياً عاجزة عن العمل.

بلغ عدد المطارات المدمرة في اليوم الأول من الحرب 19 مطار وتقدر المصادر الإسرائيلية الرسمية أن مصر خسرت 300 طائرة في 170 دقيقة بينها 30 طائرة توبولوف – 16 وهي من أقوى القاذفات التي تملكها مصر.

دمرت الطائرات الإسرائيلية الطائرات المصرية ولكنها لم تمس على الإطلاق الطائرات الهيكلية وربما كان التمويه عاطلاً أو أن المخابرات الإسرائيلية كانت تعلم مسبقاً بها.

في نفس الليلة عاد الطيران الإسرائيلي يقصف المطارات المدمرة المصرية مستخدماً القنابل السريعة الانفجار وذلك كي لا يمكن القوات الجوية المصرية من إصلاح ما تهدم من مطاراتهم بسرعة واستمرت الهجمات دون توقف طول الليل.

ويقال أن أول يومين من أيام الحرب كلف الجيش المصري أكثر من 500 مليون دولار ثمن طائرات يضاف إليها ثمن المحطات الأرضية و 23 محطة رادار والعديد من الصواريخ.

رغم ذلك من المعقول أن يتم إصلاح ما دمر إذا ما رغبت روسيا في ذلك ويعود الجيش المصري إلى ما كان عليه في خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر. ولكن ليس المال هو كل شئ في الحرب لكن يلزم الطيارين المصريين عدة سنوات حتى يستعيدوا معنوياتهم وحيويتهم.  

تؤكد بعض المعلومات أن 100 طياراً مصرياً من أصل 350 طيار لاقوا حتفهم أثناء الغارات الخاطفة فقد مات الكثيرون في طائراتهم الميج 21 عندما دمرت وهي في طريقها إلى الإقلاع ومن المحتمل جداً أن يكون بينهم من ذوي الخبرة والكفاءة في شئون الطيران.

لم يكن الرئيس جمال عبد الناصر يجهل أن الطيران الإسرائيلي ضعيف إذا ما قيس بالطيران المصري ولقد كانت إسرائيل تمتلك في هذا الوقت حوالي 300 طائرة منها 60 طائرة فوجا مستير للتدريب ومجهزة بالرشاشات ومع هذا تغلبت القوة الجوية العسكرية الإسرائيلية على مصر.

ومما يدعو إلى الدهشة والحيرة وفي خطاب استقالة الرئيس جمال عبد الناصر مساء 9 يونيو أعلن :

 "كانت الضربة أقوى مما كنا ننتظر ويمكننا أن نؤكد بأنها جاءت أكبر مما كانت تسمح به قواته أمام العدو لقد دمرت مطارات الجمهورية العربية المتحدة في نفس الوقت وهذا يعني أنه كان لدى العدو قوة تسمح له بحماية أجوائه ضد الرد من جانبنا ويمكننا القول دون مبالغة أنه كانت تحت تصرف العدو قوات جوية تفوق قواته العادية ثلاث مرات".

وهنا بدأ سؤال يتردد كيف إستطاعت إسرائيل أن تحقق هذا النصر الكبير في مدة قصيرة؟

وكانت الإجابة على هذا السؤال من قائد القوات الجوية الإسرائيلية في إحدى التصريحات وقال:

1-  أمضينا 16 عام نعمل في صمت وجد وكانت النتيجة ما قمنا به في مدة 80 دقيقة لقد عشنا ونمنا وأكلنا مع الخطة وكنا نعمل على إكمالها دون انقطاع.

2-  قدمت لنا مخابراتنا معلومات كافية ومفصلة بالنسبة لقواعد القوات المصرية وعملها والعمليات الجوية ونقل صواريخه ومحطات راداره.

3-     تنفيذ الطيارين للخطة بدقة متناهية.

4-  برامج تدريب الطيارين التي كان يجري تنفيذها قبل ذلك بسنوات كانت تصر على إستخدام جميع الوسائل الفنية والتكنولوجية الحديثة في ميدان العلوم الخاصة بالطيران والعلوم المرتبطة بها وكان التدريب الفردي على المعارك الجوية هو الأمر الذي كان يصدره قادة السلاح الجوي الإسرائيلي منذ نشأة هذا السلاح.

5-  أن السلاح الرئيسي الذي اعتمد عليه الطيران الإسرائيلي في حرب يونيو كان طائرات (الميراج) الفرنسية الصنع وفي الواقع أن الأغلبية الكبرى للطائرات الإسرائيلية في تلك الحرب كانت فرنسية الصنع ولم تكن جنسية الطائرات هي العامل المهم ولكن التعديلات التي أدخلتها إسرائيل على تلك الطائرات لعبت هي الأخرى دورا مهما.

6-  أن الطيارين المصرين لم يستخدموا الطائرات الميج 21 التي كان في أيديهم استخداماً كاملاً لأن طريقة عمل وتنظيم سلاح الطيران المصري قبل 5 يونيو كانت توحي بأن هناك تأكيدات قاطعة لدى هذا السلاح بأنه لن يقاتل ولن يبدأ أي قتال وأن كل المطلوب هو إعطاء مظهر القتال وليس القتال.

7-  الصيانة : أن الاهتمام بالصيانة بشكل واضح في القواعد الجوية الإسرائيلية كان شيئاً أساسياً يركز عليه كل واحد من قواد سلاح الطيران قبل ذلك بسنوات طويلة وأن هذا الاهتمام أدى إلى نجاحنا كاسرائيلين في اختصار المدة التي تفصل بين كل طلعتين للطائرة "الميراج" إلى 7 دقائق بينما المدة التي حددها مصمموا تلك الطائرة أصلاً هي 20 دقيقة.

لهذا لم يكن من الصدفة أن الطائرات الميراج إستطاعت خلال الحرب أن تقوم باثنتي عشر طلعة يومياً ولم يتطلب تغيير محرك الطائرة سوى فترة زمنية تترواح بين ساعة ونصف أو ساعتين على الأكثر وذلك بدلاً من الفترة الزمنية المقررة لها من قبل وهي 12 ساعة.

8-  عنصر المفاجأة أن نجاح سلاح الطيران الإسرائيلي في مفاجأة طائرات القوات المصرية على الأرض لعبت دوراً حاسماً في إحراز النصر ولقد ساهم في ذلك دقة المعلومات التي تم الحصول عليها من استخباراتنا.

وكذلك بالنسبة للأخطاء القاتلة التي ارتكبها جهاز الرادار لدى المصريين وبمعنى أدق كان أحد الأخطاء القاتلة التي ارتكبها المصريون وهي وجود مناطق محايدة داخل الحدود المصرية لا توجد فيها أجهزة رادار مما أدى إلى وجود ثغرة إستطاعت منها قواتنا الجوية الدخول من خلالها.

9-  تسليح الطائرة الميراج لقد كانت سرعة الطائرة الميراج ضعف سرعة الصوت وأن هذه السرعة لا تسمح لأي طيار في العالم أن يحرك مدفعاً ويستخدمه ضد هذه الطائرة وهي تسير بسرعة تفوق سرعة الصوت ولذلك أصر الفرنسيون على تجهيز هذه الطائرة بالصواريخ الموجهة بالأشعة الضوئية تحت الحمراء. وأصبح على إسرائيل أن تجهز طائراتها الميراج بهذا السلاح ولكن تسليح الميراج بالصواريخ الموجهة كان بذخاً لا تتحمله إسرائيل نظراً لأن ثمن الصاروخ الواحد يصل إلى 50 ألف دولار وكان البديل هو تجهيز كل طائرة ميراج بمدفعين من طراز 30 مم وعدم استخدام الصواريخ الموجهة إلا في حالات الضرورة القصوى ومع تخفيض سرعة الطائرة إلى الدرجة التي تسمح باستخدام المدافع وقد أدى التدريب الجيد والمستمر إلى تكييف الطيارين الإسرائيليين مع التعديلات الجديدة وإلى حصولهم على خبرة نقلها عنهم الأمريكان بعد ذلك في طائراتهم الفانتوم في مواجهتها لطائرات الميج 21 في فيتنام.

10-السبب التاسع والأخير في نجاح مهمته في 5 يونيو فهو سر ظلت إسرائيل تحتفظ به مدة طويلة مع أنه كان أحد الأسباب الرئيسية في الانتصار الجوي الإسرائيلي في حروب 1967 وهذا السر العسكري له قصة بدأت قبل أن تبدأ الحرب بحوالي سنة أي عام 1966 وهي قصة لعبت فيها المخابرات الحربية الإسرائيلية الدور الرئيسي.

ففي شهر أغسطس عام 1966 أي قبل بداية حرب يونيو بعشرة أشهر كاملة نقلت وكالات الأنباء العالمية خبراً غريباً يفيد أن طائرة ميج 21 يقودها طيار عراقي قد هبطت ذات صباح على أرض قاعدة جوية إسرائيلية في مكان ما جنوبي إسرائيل وكان هذا الطيار العراقي الهارب قد غادر قاعدة جوية قريبة من بغداد ثم طار فوق المجال الجوي الأردني دون تدخل ونزل بطائرته في إسرائيل سالماً وهي عملية ظلت المخابرات الإسرائيلية تسعى إليها قبل ذلك بوقت طويل.

أن الطائرة السوفيتية (ميج 21) تعتبر من أفضل الطائرات في المطاردة وحتى ذلك الحين ولم يكن يعرف عنها سوى بعض الأوصاف السطحية التي سبق أن نشرتها المجلات المتخصصة في مجال الطيران.

لهذا فإنها كانت صيداً ثميناً تسعى إليه أجهزة مخابرات الدول الغربية بالإضافة إلى إسرائيل التي كانت تسعى في ذلك الوقت إلى معرفة الخصم الذي سوف تواجهه طائرات الميراج في القتال.

لقد هبطت الطائرة الميج 21 في إسرائيل وهي في حالة سليمة تماماً ويقدر بعض المراقبين المبلغ الذي دفعته إسرائيل للطيار العراقي بـ300 ألف دولار وبمجرد أن حدث ذلك طلبت أربع دول غربية من إسرائيل منها أمريكا وفرنسا أن تسمح لخبراء الطيران بتلك الدول باختبار هذه الطائرة وكان الأمريكيون خصوصاً يطلبون ذلك لأن الميج 21 هي خصمهم في فيتنام ولكن إسرائيل كانت تريد الاستفادة بهذه الطائرة لحسابها هي أولا.

أن العمل العاجل الذي قامت به إسرائيل هو تدريب الطيارين على الطائرة الميج 21 بعد أن أعطتها المخابرات اسم (ميج 7) وقد كتب أحد الطيارين الإسرائيليين تقريراً عنها يقول فيه :

لقد طرنا على متن هذه الطائرة قبل وقوع حرب يونيو 1967 لمدة تزيد على 100 ساعة طيران أنها طائرة قتال ممتازة في الارتفاعات الشاهقة ولكن من أهم الاكتشافات الفنية التي قمنا بها هو أن طريقة الإشعال في الطائرة الميج تقوم على أساس البنزين.

أن هذا التقرير يدعو إلى القول بأن طياري الميراج الإسرائيليين قد قضوا الساعات الطويلة في التدريب على توجيه مدافعهم الموجهة إلى مخزن وقود البنزين المزودة به الطائرة الميج وهذا يفسر لنا النسبة المرتفعة لطائرات الميج المصرية التي انفجرت وهي تطير في الجو فوق جزيرة سيناء قبل أن يستطيع قائدها استخدام تشغيل المقعد المتحرك القاذف.

ثم أضاف الجنرال هود قوله "لقد استغرق عملنا هذا سنوات عديدة من التدريب: الطيران والملاحة الجوية والدقة.

كنا قد توقعنا أن نحصل على نتائج في أيام الحرب تقل 25% عن النتائج في أيام السلم نظراً للعصبية التي خلقتها شروط المعركة ومدفعية المصريين المضادة للطائرات ولكن هذه النتائج جاءت أقوى مما كانت في أيام السلم وربما لأن الطيارين يعملون من كل قلبهم ويتوخون الدقة في إصابة الهدف وهذا ما جعلهم لا يأبهون بقواعد الأمن الجوي المعمول بها أيام السلم. كم كنا نود لو أن كل طائرة لنا تسقط طائرة للعدو.. ولقد تجاوز طيارونا هذا الرقم أكثر من مرة وبالفعل استطاعت طائرتان إسرائيليتان إسقاط 16 قاذفة في مدة 4 دقائق فقط.

كان الطيارون الإسرائيليون يتدربون منذ زمن طويل على مثل هذا النوع من الهجوم وأعدت لهم مطارات خاصة في جنوب النقب للمناورة بالذخيرة الحية ويقوم كل ستة بغارة من هذا النوع ومن أجل ذلك لم يخطأ أحدهم الهدف المحدد له في اللحظة المعينة.

ولكن نوعية الإنسان ودرجة الإعداد العالي ليست مهمة فقط في الأجواء بل مهمة أيضاً على الأرض وأن تجهيز الطائرة وتزويدها والقيام بمهمتها والعودة إلى قاعدتها فقط في 7 دقائق ونصف ثم الإشراف على سير الأسراب التي بلغت حوالي 500 يومياً، كل هذا يتطلب جهداً فائقاً ومتناسقاً في العمل ونذكر هنا بالعبارة التي قالها الجنرال هود بعد انتهاء الحرب "صباح يوم الاثنين في الثامنة إلا ربع كانت مقاتلاتنا جاهزة بنسبة 99% وقد حافظت على هذا المستوى طيلة أسبوع الحرب ورغم أنه كان يلزمنا بعض الوقت لإصلاح ما تصاب به طائراتنا من أضرار خفيفة إلا أن طيارينا لم يبقوا على الأرض بانتظار طائرة عندما تصاب طائراتهم بأذى فالطائرات الإضافية جاهزة دائماً لحين الطلب ويقول الجنرال وايزمان.

زار إسرائيل قبل الحرب بثلاثة أو أربعة أشهر عدد من طلبة كلية الطيران الأمريكية العليا وكانوا قد زاروا القاهرة قبلاً وكونوا فكرة مريعة عما سمعوه وكذلك عندما زاروا الملك حسين في الأردن وعندما اجتمعت إليهم رويت لهم أننا اعتدنا القول أثناء الحرب العالمية الثانية "الألمان يحيطون بنا ويا ويلهم" ثم أضاف ونفس الشئ يتكرر اليوم "العرب يحيطون بنا مرة ثانية ويا ويلهم".

الباب الرابع   

شاهد علي الضربة الجوية الإسرائيلية

ذكريات الرئيس محمد حسني مبارك في حديثه مع عماد أديب عن أحداث 5 يونيو 1967  فشرح سيادته عن أحداث الضربة الجوية الإسرائيلية بكل وضوح فذكر سيادته بأنه كان قائد لواء قاذفات  وقائد قاعدة بني سويف الجوية وفي ذلك  الوقت كنا في حالة طوارئ  مستمرة لمدة 15 يوم ولدينا طائرات محملة بالقنابل والذخائر وغيرها وفقا لتعليمات قائد القيادة الجوية والقيادة العامة ومن الطبيعي أن يستمر الطيار لمدة 15 يوم يطير ليلا ونهارا حتي تتعود يده علي الطيران لكن يوم 5 يونيو كان الطيارون منذ 15 أو 14 يوم لم يضعوا أرجلهم في أي طائرة  كانت هناك عملية تحديث مكثفة للطيران ليتحمل مزيدا من الأستعدادات لعمليات قادمة ولم نكن نعرف ما هي العمليات وفي 5 يونيو صباحا اتخذنا قراراً  بأعادة تدريب الطيارين لأن الطيار  عندما يبتعد فترة طويلة عن الطائرة  القاذفة الكبيرة والثقيلة قد يهاب الطائرة .

وفي التاسعة وعشرة دقائق صباحاً تحركت  خمس طائرات واحدة تلو الأخري في تشكيل  وكانت السحب  تغطي منطقة بني سويف ولكننا طرنا وأخترقنا السحب وأتجهنا  في الصحراء ناحية الفيوم قليلا وكنا  سنعود مرة أخري ،  ولكن بعد الأقلاع بخمس دقائق أبلغنا برج المراقبة أن هناك هجوما علي المطار فسألت "هجوم ايه"  فقال "المطار بيضرب" والطائرات المحملة بتضرب فكررت السؤال في دهشة "انت بتقول ايه"  قال الطيران المحمل بيضرب وهناك طائرات إنفجرت وأشتعلت  بها النيران وجاء ضرب الممر وذكر سيادته أصابني الذهول مما قاله وسألت  وأين سوف ننزل قال :  لا تنزل حتي في مطار غرب القاهرة .

أتصلت بالقيادة العامة للجيش وسألتهم مجدداً  هل هناك ضرب؟  ولكني وجدت أن الضرب مستمر منذ 10 دقائق.  وأن هناك طائرات كثيرة  تغطي القنال فسألت ثانية عن المكان الذي يمكن الهبوط فيه فالطائرة  كبيرة الحجم وتحتاج لممر طوله 3 كيلو مترات تقريبا ولكن لم يجبني أحد فكررت ثانية عن المكان الذي يمكن الهبوط فيه  لكن بدون جدوي لأن هناك دربكة وبدأت أفكر في مكان مناسب للهبوط  فلم أجد سوي مطارات  الوادي الجديد  والأقصر وأسوان ولكن مطار أسوان لم أستطع الدخول إليه لأنه ملئ بصواريخ الدفاع الجوي وطبعا عندما جاءهم أنذار بأن هناك ضربا فأن أي طائرة ستدخل إلي المطار سوف يتم ضربها دون تمييز بين صديق أو عدو.  فما دام هناك هجوم سيضطر للضرب ولن ينتظر  أما مطار الوادي الجديد فممره قصير جداً  ، واذا هبطنا إليه ستحدث  حوادث  وبالتالي لم يبق أمامي سوي مطار الأقصر فأتجهت إليه  لأنه المطار الوحيد الذي يمكن النزول  إليه وبالفعل هبطت في هذا المطار وكان به 5 طائرات أثنين  أو ثلاثة أنتينوف نقل كبيرة وطائرة لشركة مصر للطيران وطيارتان أخريان وكانت المشكلة أن مطار الأقصر ليست به أي تجهيزات للتموين  واللوازم فأضطرننا لجر تموين  لها "بطلنبة" تتسع لـ 35 طن وبمجرد بدء التموين فوجئنا بالهجوم علي المطار وأول ما تم ضربه كانت الطائرات الخمس.

المشهد كان سيئا . يكاد يجن له الفرد فالطيار عندما يكون علي الأرض من السهل ضربه ولكن اذا كان الصراع في الهواء فإما أن تقتله أو يقتلك وإذا قتلت فهذا أكرم لك ولكن لأن الهجوم  بدأ  ونحن علي الأرض  فقد أصاب جميع الطيارين  حزن رهيب  بالأضافة إلي أن سرب الطيران تم ضربه ولم تكن لدينا القدرة علي الاتصال بالقيادات التي لم تكن موجودة فأضطررنا للعودة بالقطار مساءاً .

كان هذا ملخص قصير عما حدث في أحدي المطارات التي تم تدميرها وكان شاهدا عليها قائد الضربة الجوية في حرب 1973 والتي كانت مفتاح النصر.

 

الباب الخامس   

مصــر لـــم تحـــارب

إجتاح كثير من الغزاة صحاري سيناء منذ الإسكندر الأكبر وهو في طريقه إلى مصر وحتى نابوليون الذي عاد بجيشه إلى عكا بعد انتصاره على المماليك وحيث قال لهم "أيها الجنود أن أربعين قرناً يتطلعون إليكم من فوق الأهرامات" وهناك تشرد أولاد إسرائيل أربعين سنة قبل أن يدخلوا إلى أرض الميعاد كما يسمونها وهناك تلقى موسى لوحة الوصايا والتي كانت أساس النظام المسيحي الإسرائيلي ومنطلقاً للحضارة الغربية.

تعتبر سيناء صحراء فاصلة مقفرة وفيها تفصل جبال الرمال والقمم العالية أفريقيا عن آسيا والبحر الأبيض المتوسط عن المحيط الهندي.

نادراً ما تهطل عليها الأمطار وأغلب سكانها من البدو والرحل الذين يبحثون عن العشب لإطعام أغنامهم.

ليس هناك ما يضاهي هذه الصحراء الكبرى كميدان معركة في الحرب العصرية فقد يلتقى فيها المتحاربون دون أن تتعرض حياة المدنيين للخطر وفيها تقوم آلاف الدبابات بالمناورات الحربية وتقضي عليها الرمال والعواصف.

وهناك نشبت أول معركة عام 1956 بين مصر وإسرائيل وفي عام 1967 عادت سيناء لتلعب دوراً أكبر على مسرح المواجهة العنيفة والتي لن ينساها التاريخ على الإطلاق بين الصهيونية والقومية العربية.

وفي عام 1973 شهدت سيناء أعظم ملاحم البطولة المصرية بين القوات المسلحة المصرية وجيش إسرائيل.

شهدت كيف استطاع الجيش المصري عبور مانع قناة السويس للوصول إلى أرض سيناء العزيزة لاستعادتها مرة أخرى من مغتصبيها، لقد استولت عليها إسرائيل دون أن يحارب الجيش المصري.

ولكنها في عام 1973 عادت بعد أن حررتها مصر بالحرب والدم وبالعرق وكانت بداية هذا النصر كما فعلت إسرائيل في 56، 67 بالطيران كانت قواتنا الجوية بقيادة الفريق/ محمد حسني مبارك مفتاح النصر الكبير نصر أكتوبر المجيد.

نعود مرة أخرى إلى 5 يونيو 1967

صباح الخامس من يونيو وعند الساعة الحادية عشرة تقريباً كانت القوات الجوية المصرية قد انتهت لم تعد بإمكانها حماية الجيش في سيناء أو أن تقدم له أية مساعدة فعلية وكانت إسرائيل في سباق مع الزمن إذ لا زالت أحداث عام 1956 تحز في نفوس كبار المسئولين الإسرائيليين ولازالوا يذكرون اليوم الذي إنسحبوا فيه خجلين تحت ضغط الولايات المتحدة وروسيا.

كان المخطط الإسرائيلي يرتكز كلياً على فكرة التصرف بسرعة والضرب بقوة وبعد 48 ساعة لم يكن الإسرائيليون يحتاجون إلى شئ فقد أخذوا على عاتقهم القضاء على الجيش المصري في سيناء بعد كسر العمود الفقري لمصر ألا وهو السلاح الجوي.

جيش قوامة مائة ألف جندي تم حشدهم في سيناء وقام الجيش الإسرائيلي بتدميره وكان ذلك أيضاً يكفي لوصولهم إلى ضفة قناة السويس واستيلائهم على شرم الشيخ وسيناء بالكامل.

وهكذا سقطت سيناء ووصلت القوات الإسرائيلية إلى شرق القناة وتركت القوات الإسرائيلية وراءها قسماً كبيراً من الجيش المصري.

وكان كل شئ في هذا الوقت جاهزاً لمحاصرة وتدمير الجيش المصري في سيناء وهكذا كانت النكسة أو هكذا تم تسميتها ولك أن تسميها ما شئت.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech