Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مستمرين معاكم بإذن الله 2008-2026 **** #لان_لجيشنا_تاريخ_يستحق_أن_يروي **** ***** إنشروا تاريخنا وشاركونا في معركة الوعي **** تابعونا علي قناة اليوتيوب 1100+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي** أشتركوا معنا في رحلاتنا لمناطق حرب أكتوبر **** يرجي استخدام خانة البحث **** *** تابعونا علي تليجرام - انستجرام - تويتر

لواء نصر سالم / مخابرات حربية / 180 يوم خلف خطوط العدو

180 يومًا خلف خطوط العدو

بقلم

اللواء دكتور/ نصر سالم

أستاذ العلوم الإستراتيجية والمستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق

 

 

المقدمـــة:

   بعد انتهاء مهمتى خلف خطوط العدو لمدة 180 يومًا وعودتى إلى وحدتى الأم، توقفت تمامًا عن ذكر الأحداث التى دارت فى هذه المدة خمسة وعشرين عامًا.. لسبب غريب؛ هو أننى كلما تذكرت إحداها تدافعت كل الأحداث معًا فى وقت واحد بكل تفاصيلها وبأحاسيسى ومشاعرى التى عشتها فى كل حدث، فيرتفع ضغط دمى وتزداد ضربات قلبي. رغم سعادتى الغامرة واعتزازى الكامل بها. ورغم إلحاح قادتى وزملائى المستمر على لكتابتها، إلا أننى كنت أفشل فى كل مرة أستجيب لهم فيها، حتى جاءت لحظة لم أستطع مقاومتها حين صرخ فى وجدانى واجب وطنى يقول اكتبها فإنها ملك للأجيال، ليس من حقك كتمانها أو تركها للنسيان.

   فكانت هذه السطور التى عانيت فى كتابتها ما عانيت من أجل أبنائى فى سلاح الاستطلاع خاصة وفى القوات المسلحة كلها ولكل المصريين ورفاق السلاح على امتداد وطننا العربى عامة.

 

 

م الموضوع    
    من إلى
1 ليلة أغرب من الخيال 7 12
2 الاستطلاع مستمرفى سيناء منذ يونية1967 14 19
3 بين أحشاء العدو 21 28
4 دمرنا لواء مدرع للعدو 30 35
5 الفزع يدمر للعدو ما لم تدمره طائراتنا 37 42
6 فرحة المصريين زادت من قدرتنا 44 49
7 ضياع الأمل 51 56
8 انتحار أم شهادة 58 63
9 العثور على المجموعة التائهة وعودة الأمل 65 69
10 الفراعنة 71 74
11 ترقينا إلى الرتبة التالية 76 77
12 مشينا فوق السحاب 79 84
13 أجمل ساعات النوم 86 90
14 مدفعية العدو فوق رؤوسنا يوم العيد 92 97
15 أهلى يتلقون عزائى فى قريتنا 99 101
16 الطوفان يجرفنا 103 106
17 وادى الفراشات 108 113
18 حور عين أم شياطين 115 121
19 العودة للديار 123 130

 

ليلة أغرب من الخيال

كانت ليلة تجمعنا فيها قبل أن نفترق، ورأينا فيها المستقبل جليًا دون أن ننتبه، ليلة كلما ذكرتها. لم أصدق أنها لم تكن خيالًا. إنها ليلة سبقت مائة وثمانين ليلة حدث فيها أحداث أغرب من الخيال توقفت بعدها ذاكرتى عن ذكرها لمدة قاربت خمسة وعشرين عامًاحتى أنعشها واجب وطنى يصرخ.. اكتبها فإنها ملك للأجيال.. ليس من حقككتمانها أو تركها للنسيان.

فى تلك الليلة كنت عائدًا لتوى من إجازة قصيرة منحتها عقب اشتراكى فى إحدى المناورات الكبرى لأحد تشكيلاتنا المدرعة فى المنطقة الخلفية لجبهة القتال الملاصقة لقناة السويس.. وقد انتهت هذه المناورة قبل انتهاء الأسبوع الأول من شهر رمضان الذى هل علينا ونحن فى المرحلة الأخيرة من المناورة.

(ملاحظة تبين لنا فيما بعد أنها كانت ضمن خطة الخداع التعبوى) لقد كانت عودتى إلى وحدتى ليلًا عندما عرفت بالصدفة أن هناك رفعًا لدرجات الاستعدادلم أبلغ به فى وقته لسبب ما، ولكننى بمجرد أن علمت من أحد الزملاء وكنت أهاتفه بالصدفة، أخذت حقيبتى وتوجهت فورًا إلى مكان وحدتى لأجده خاليًا إلا من الأفراد المسئولين عن تأمين المعسكر وكانت هناك سيارة لنقلى إلى منطقة الانتشار، أى المنطقة التبادلية التى تعملمنها الوحدة أثناء الحرب.. وعندما وصلت، كان الجميع منتشرين فى خيام متفرقة داخلحفر على أعماق توفر الوقاية السلبية من قنابل وصواريخ العدو فى حالة التعرض لها.

كان ضباط كل سرية مخصصًا لهم خيمة ميدانية للنوم فيها، والقيادة أيضًا تنتشر فى خيامهافى مناطق مجاورة، طبعا إلى جانب خيام الجنود.

فى داخل خيمتنا كنا مجموعة من صغار الضباط تجمعت فيها كل الصفات من الجدية إلى المرح إلى التهريج إلى العفوية فى ترتيب بعض المقالب الباعثة على المرح والسرور.. وفى خضم انشغال كل منا بإعداد قراره (الابتدائى) والإشراف على تجهيز مجموعته لتنفيذ مهمتها خلف خطوط العدو، لم تكن التعليقات اللاذعة أو النكات تتوقف، فهذا فيصل الضباط المرحعالى الكفاءة الذى يتحدث ثلاث لغات إلى جانب العربية.. كلما صافح زميلًا بادره بطريقة ساخرة (نلتقى فى عتليت) وكان صديقى ومقربًا منى، فنهرته (أحسن فألك) - لأن عتليت هذه كانت هى مكان تجميع الأسرى المصريين فى داخل إسرائيلإبان حرب يونية 1967- فكان يرد على بطريقته هذه (مالك أنت، وذلك إنك سوف تحصل على الترقية الاستثنائية وأيضًا نجمة الشرف) وكأنه كان يقرأ صفحة فى علم الغيب دون أن يدرى.

وبنفس طريقته الساخرة أمسك بجهاز التليفون الموجود فى الخيمة، وطلب رقمالمنزل الخاص بعم النقيب/ عبد الهادى. الموجود معنا فى نفس الخيمة.. والنقيب/ عبد الهادى هو أحد الأبطال السابق له العمل خلف خطوط العدو فى مهام ناجحة؛بل ممتازة وكان قد حصل على ترقية استثنائية تقديرًا لهذا العمل، له قصة طريفة كنا نعرفها جميعًا وهو أنه يخطب ابنة عمه، وعمه هذا دائم التضييق عليهما حتى أنه فى آخر لقاء لهما أثناء زيارته لبيت عمه فض عمه الخطبة بطريقة غير لائقة - رغم تمسك الخاطبين ببعضهما - ومنع أى اتصال بينهما. فوجئ عبد الهادى بفيصل يعطيه سماعة التليفون ويقولله "تكلم.. تكلم.. تكلم.. عمك!!".

وأمسك عبد الهادى سماعة التليفون فى دهشة وتمتم ببعض الكلمات ثم انفرجت أساريره.. وراح يبادل عمه الحديث فى سعادة، ويشير إلينا أن عمه لم يضع السماعة وينهى المكالمةكما كان يفعل من قبل- فشجع هذا فيصل على أن يهتف فى وجهه.. اطلب من عمك يخليها تكلمك.. ويكررها عدة مرات.. فما كان منه دون أن يدرى إلا أن قال لعمه ممكن أكلم (منى).. ثم رأيناه يقفز فوق السرير الذى يجلس عليه قائلا بينادى لها.. بينادى لها..ودار الحوار بينهما ونحن نحدق فى وجهه فرحين لفرحته، وهو يناجى خطيبته.. ولكنه ختم المكالمة بقوله (مع السلامة ربما لا نرى بعض مرة أخرى) ووضع السماعة.. وانهلنا عليه باللوم والتأنيب.. ما هذه النهاية المأساوية؟ فيرد فى حيرة.. (والله لم أدرِ كيف نطقت بذلك).

نعم كانت ليلة غريبة.. لقد تحقق كل قول قيل فيها.. فيصل الذى أسرف فى سخريته وهو يردد (نلتقى فى عتليت).. وقع فى الأسر بعد أن أدى دوره ببسالة واقتدار ولكنها نبوءته التى سنرويها فيما بعد. عبدالهادى، نال شرف الشهادة بمجرد عبوره لقناة السويس عندما دمرت الهليكوبتر التى كانت تقله هو ومجموعته إلى منطقة عمله خلف خطوط العدو.

وأنا كاتب هذه السطور قدر الله لى النجاح فى مهمتى التى طالت شهورًا ستة ونلت فيها وسام النجمة العسكرية والترقية الاستثنائية كما قال فيصل.

حقا لقد كانت ليلة غريبة.. كنا نحاول أن نُغلفها بالتهريج والمرح ما دمنا معًا، ولكن ما أن يخلو أحدنا لنفسه إلا وتتخطفه الخواطر والظنون، وتتسابق فى رأسه الأسئلة:

-         هل استعددت لما هو آت؟

-         هل كان الاستعداد كافيا؟

لقد مرت بنا ليالى وأيام خلال السنوات الماضية.. تدربنا فيها على كل فنون القتال وخاصة العمل خلف خطوط العدو - فنيًّا وبدنيًّا ونفسيًّا- فالإعداد الفنى أو الذهنى احتوى على الكثير من المجالات.. سواء فى دراسة ومعرفة كل المعلومات عن العدو "تكوينه" أماكن تواجده ونشاطه وتصرفاته وأسلحته... إلخ.

ثم المعلومات التفصيلية عن الأرض أى مسرح العمليات بكل تضاريسه وطبوغرافيته جبال، ووديان، وهضاب، ومرتفعات، ومنخفضات، ودروب، وطرق، ومصادر المياه فيها، والسكان المحليين، ومصادر الإعاشة... إلخ.

لقد درسنا كل شبر فى سيناء حتى حفظناها عن ظهر قلب، كم قضينا من ساعات وأيام ونحن نصنع نماذج مجسمة للجبال والسهول وطبيعة الأرض فى كل قطاع من قطاعات سيناء؟. أيضًا فنون الملاحة البرية فى الأنواع المختلفة من الأراضى باستخدام الطرق الفنية وبدونها،وكذلك المهارة فى الميدان، أثناء الحركة والاختفاء ومواجهة العدو والكثير والكثير من طرق الحصول على المعلومات، وكيفية إرسالها بالوسائل الفنية والأجهزة اللاسلكية مع الحرص الكامل على تجنب قدرات العدو فى اكتشاف الاتصالات اللاسلكية والتعرض لها بالتشويش أو التنصت.

وفى مجال الإعداد البدنى فيكفى معرفة أن المستوى الذى يجب ألا يقل عنه الفرد الذى يعمل خلف خطوط العدو، هو المسير لمسافة خمسين كيلومتر عبر الأراضى (الصحراوية – الجبلية - الزراعية) وهو يحمل فوق أكتافه شدة القتال التى لا تقل عن خمسين كيلوجرام من مهمات وأسلحة ومعدات وذخيرة وطعام ومياه. أما فى مجال الجلد وقوة التحمل والضغط النفسى فقد كان ما لقيناه من تدريبات يفوق طاقة البشر، من الاستمرار فى العمل بدون مياه أو طعام لعدة أيام وتحت ضغوط غير متوقعة.. منها على سبيل المثال وليس الحصر: الانتقال بالهليكوبتر لمكان ما فى الصحراء ونحن نحمل معنا من الطعام والماء ما يكفى ليومين فقط، ولا يصرح لنا إلا باستخدام الطعام (750 جرام) والمياه (1 لتر مياه) المخصص ليوم واحد فقط مهما كانت الظروف ولا يستخدم طعام ومياه اليوم الثانى إلا بتصريح من القيادة.. وتقوم الهليكوبتر بإبرارنا فى مكان ما نتحرك منه مسافة 40 إلى 50 كيلو متر؛ لنصل إلى منطقة العمل التى نختفى فيها ونقوم بمراقبة الهدف المخصص لنا طيلة نهار اليوم الثانى، ثم نتحرك فى الليل لنفس المسافة ونصل إلى منطقة أخرى فى اليوم الثانى، وفى الليلة الثالثة نتحرك نفس المسافة لنصل إلى المنطقة التى سوف تلتقطنامنها الهليكوبتر. وقبل ركوب الهليكوبتر للعودة يتم التفتيش على الطعام والمياه المخصصة كاحتياطى - فإذا كان فيه أى نقصان يتم ترك المجموعة على الأرض ويخصص لها مكان آخر تلتقط منها المجموعة بعد 24 ساعة على مسافة 50كم، وجدير بالذكر أن جميع التحركات التى تتحركها المجموعة تكون وسط عدائيات وكمائن مدبرة من جانب قيادتنا ومن يقع فى الأسر يرى ألوانًا من الضغوط لا يقوى على تحملها إنسان.

كل هذه الخواطر والأفكار كانت تتخطفنا طيلة تلك الليلة (ليلة الخامس من أكتوبر 1973 التاسع من رمضان) لم يقطعها إلا رنين التليفون فى خيمتنا، ليبلغنى أننى مطلوب فى خيمة القيادة، فأحمل خريطتى وأدواتى الكتابية وأتوجه فورًا إليها؛ حيث قائد الكتيبة، الذى تلقانى بالترحاب والبشاشة، وهو يقول لى: "إنه يومك يا بطل..هل أنت جاهز"، فأرد بإرادة صلبة: "تمام يا أفندم".. ويبدأ فى تلقينى بالمهمة.. إنها خلف خطوط العدو على مسافة أكثر من مائة كيلومتر شرق قناة السويس، لاكتشاف العدو الموجود فى هذه المنطقة وتحديد حجمه وأسلحته وأنواعها، ونشاطهثم متابعته والإبلاغ عن أى نشاط للعدو فى هذه المنطقة.. حيث سنستقل هليكوبتر لتنقلنا إلى منطقة العمل قبل آخر ضوء اليوم السادس من أكتوبر.

بعد تلقى المهمة عُدت إلى مكان انتشار سريتى وقمت بلقاء أفراد مجموعتى.. وبعد التتميم على درجة استعدادهم والتفتيش على أسلحتهم ومعداتهم وكل ما سبقأن لقنتهم به من قبل للاستعداد لتنفيذ المهمة، أخبرتهم بتوقيت التجمع للتحرك إلى المطار، وخلوت لنفسى فى أحد العربات داخل الحفرة لأوقع بالقلم الرصاص على خريطتى – التفاصيل الخاصة بتنفيذ المهمة.. وكانت الخطوط الرئيسة لها تتضمن الإقلاع بالهليكوبتر من المطار المحدد والطيران إلى عمق العدو ثم الإبرار (أى النزول من الهليكوبتر) فى مكان يبعد عن منطقة العمل مسافة 80كم، تقوم المجموعة بقطعها خلال ليلتين سيرًا على الأقدام للوصول إليها واستطلاع العدو فيها والإبلاغ عنه والاستمرار فى متابعته، وذلك لمدة ستة أيام ثم العودة بالطريقة نفسها أو تلقى مهمة أخرى إضافية.

فى التوقيت المحدد كنت أقف أنا ومجموعتى المكونة من ثلاثة أفراد، أنا أحدهم وقائدهم، ثم فرد الاستطلاع (محمد الجندى) وفرد اللاسلكى (عادل سمرة)، وبعد إعطاء التمام لقائد الكتيبة ركبنا السيارة المخصصة لنقلنا إلى المطار مع مجموعتين أخريين.. وتحركنا إلى مطار الإقلاع وكانت الساعة الثانية عشرة ظهرًا، قطعنا المسافة إلى مطار ألماظة فى أقل من ساعة وتوجهناإلى حيث قيادة السرب الذى سيقلنا، لإجراء التنسيق النهائى مع الطيارين قبل الإقلاع.. كان الجميع فى المطار أشبه بخلية النحل، كل يعمل فى صمت وبجدية تامة ويكاد لا ينظر إلا أمامه.. وفجأة رأينا طائرة من طراز تيو 16 القاذفة الثقيلة تمر من أمام أعيننا لتهبط على الممر الرئيس فاتحة للمظلة (الفرملية) التى تقلل من سرعتها وتساعدها على التوقف فى أقل مسافةمن الممر.. ما هذا؟ نظرنا بعضًا إلى بعض، ويهتف الطيارون الواقفون معنا.. لقد تم تنفيذ الضربة الجوية.. لقد بدأت الحرب.

الاستطلاع مستمر فى سيناء منذ يونية 1967

لقد بدأت الحرب.. كيف ونحن عناصر الاستطلاع المسئولة عن توفير المعلومات اللازمة للتخطيط وإدارة العملية، ما زلنا مكاننا لم نصل إلى حيث العدو ولم نستطلعه، ولم نحصلعلى أى معلومات عنه، فكيف تم التخطيط لهذه الحرب؟ وعلى أى أساس؟.

كل هذه الأسئلة قفزت إلى رأسى ورؤوس كل زملائى المستعدين لتنفيذ مهامنا خلف خطوط العدو.. لقد كنا ضباطًا صغارًا حديثى الرتب، حديثى العهد بالخدمة فى القوات المسلحة.. كنا أشبهبمن يجلس على قمة جبل الجليد، ولا يدرى ما خفى تحت السطح.. إن ما كان خافيًا عنا ولم نعلم منه إلا النذر القليل لأغراض السرية، كان ملحمة سوف ترويها الأجيال.. ترجع بدايتها إلى الخامس من يونية عام 1967.

إن عناصر الاستطلاع التابعة لقيادات القوات المتواجدة فى سيناء وقتها، انطلقت إلى حيث قطاعات عملها ومسؤليتها بمجرد أن أحست بهجوم العدو، وهذه العناصر استمرت فى مراقبة العدو ومتابعته، والإبلاغ عنه فى الوقت الذى انسحبت فيه جميع القوات تاركة سيناء خلفها - ولو أنها تركت دون أمر بالانسحاب وقامت بأدنى مقاومة مستغلة الطبيعة الجبلية للأرض ما تمكن العدو من اختراق أكثر من عشرين كيلومترًا من سيناء.

بعد انتهاء عملية الانسحاب لقواتنا من سيناء وبعد تدمير جميع المعابر على قناة السويس تحسبًالأى محاولة من جانب العدو للعبور غربًا، فوجئت القيادة باستمرار تدفق المعلومات عن العدو فى سيناء من عناصر الاستطلاع التى لم تغادر أماكنها واستمرت فى استطلاع العدو ومتابعته.. كان هذا هو شعاع الضوء الذى ظهر أمام القيادة وسط ظلام النكسة وعتمتها.

وكان القرار هو إبقاء هذه العناصر واستمرارها فى مراقبة العدو ومتابعته، وسرعة تجهيز مجموعات استطلاع أخرى بمواصفات مختلفة تلائم طبيعة المهمة الجديدة، نظرًالعدم قدرة العناصر العاملة فى سيناء على الاستمرار لمدة تزيد عن أسبوع أو أسبوعين فى ظل كميات الطعام والمياه المتوفرة معهم.

وعلى الفور تم تجهيز مجموعات استطلاع صغيرة الحجم (3:2 فرد) وخفيفة، لا تحمل إلا معدات خفيفة الوزن، ذات قدرات فنية عالية.. وبدأ تدريب هذه المجموعاتعلى أساليب وتكتيكات جديدة تساعدها على الاستمرار بين قوات العدو لمدة أطول، دونأن يستطيع اكتشافها.. وتوالى دفع المجموعات الجديدة إلى عمق سيناء وسحب المجموعات القديمة، ومع الوقت ازدادت قدرة هذه العناصر وكفائتها على البقاء والاستمرار فى العمل خلف خطوط العدو من شهر إلى شهرين إلى ثلاثة فستة شهور. حتى لم يعد هناك جبل فى سيناءإلا ولنا فوقه مجموعة استطلاع - وأصبحت سيناء بطولها وعرضها كتابًا مفتوحًا أمام القيادة العامة للقوات المسلحة. تخطط كيف تشاء وتبدأ الحرب بمعلومات غاية فى الدقة..

وهذا ما ظهرت نتائجه فى تنفيذ ضربتنا الجوية بأكثر من مائتى طائرة وتنفيذ التمهيد النيرانى بأكثر من ألفى مدفع على طول القناة.. وأفقد العدو توازنه بقوة الضربات التى تلقاها من قواتنا العابرة للقناة مقتحمة أعظم مانع طبيعى وصناعى فى التاريخ (خط بارليف).

لقد قامت العناصر القديمة بمهمتها فى التخطيط للحرب وإدارة المرحلة الافتتاحية منها..

أما نحن المجموعات الجديدة فإن مهمتها ودورها هو توفير المعلومات عن العدو ومسرح العمليات طوال فترة الحرب التى لا يعلم متى ستنتهى إلا الله.

وبدأت أراجع مهمتى مرة أخرى.. إن قرارى المصدق عليه هو التحرك لمدة ليلتين كاملتينبعد إبرارى من الهليكوبتر، للوصول إلى منطقة عملى حيث أقطع فى كل ليلة ما لا يقل عن أربعين كيلومتر.. إن هذا أمر غير مقبول، أن تبقى منطقة عملى مجهولة لمدة يومين فى ظل استمرار العمليات على أشدها.. وتنحيت جانبًا وفردت خريطتى ونظرت إليها، إن خط السير عبارةعن ضلعى مثلث كل منهما بطول أربعين كيلومتر، أقطع الليلة الأولى فى الوصول إلى الجبل الأكبر فى سيناء الوسطى ثم أتحرك على سفح الجبل فى الليلة الثانية للوصول إلى منطقة عملي، نظرًا لأن خط السير هذا هو الأكثر أمانًا فى تجنب الاصطدام بالعدو.

وأمسكت بقلمى وخططت خطًّا واحدًا من منطقة الإبرار إلى منطقة العمل مباشرة فى خط مستقيم، نعم إنه أقل أمانًا وأكثر تعرضًا للعدو ولكنها مسافة يمكن قطعها فى ليلة واحدة بمزيد من الصبر والإصرار، وطويت الخريطة وأعدتها إلى الحقيبة الخاصة بها فوق صدري.. وعدت حيث باقى المجموعات فى انتظار الهليكوبتر لتنقلنا إلى سيناء.

بين الفرح والدهشة صارت تعليقاتنا ونحن نستمع إلى أول بلاغ عسكرى ثم الذى يليه.. حتى جاءت لحظة الانطلاق، ركبنا هليكوبتر أقلتنا إلى منطقة أخرى فى صحراء ممتدة، انتشرت فيها إحدى كتائب الصاعقة وتوالى وصول الهليكوبترات إليها لتحميل قوات الصاعقة..حيث طُلب منا تبديل الهليكوبترات التى تقلنا بأخرى موجودة فى منطقة الانتشار، وعلى الفور تم التنفيذ لتصحيح أحد التعديلات التى تمت على عجل أثناء الانتقال من المطار إلى منطقة الانتشار.

وفى مظاهرة جوية أشبه بزفة الفرح انطلق ما يزيد عن ستين هليكوبتر تحمل كتيبة صاعقة وعدد من مجموعات الاستطلاع خلف الخطوط، متجهة صوب سيناء التى طال شوقناإليها، وما هى إلا دقائق معدودة حتى وجدنا أنفسنا نطير فوق خليج السويس نكاد نلامس مياهه ثم أخذت الهليكوبترات فى اتخاذ مساراتها بين جبال سيناء متفادية القمم بينما اقتربت أنا من كابينة القيادة لأتابع خط السير مع الملاح، عندما وقع بصرى على معركة جوية تدور بين مقاتلاتنا ومقاتلات العدو فى اتجاه طيراننا وتكاد تمرق بين هيلكوبتراتنا، التى أصيب البعضمنها ومنها ما انفجر فى الجو ومنها ما اصطدم بالجبل.. واستدرت خلفى أطمئنعلى رجالى فإذا هم يراقبون ما يحدث فى الجو من النوافذ الزجاجية الملاصقة لهم، والحقيقة أنهم جميعًا كانوا على درجة عالية من الثبات والشجاعة، بل إنهم أخذوا يشيرون، كل منهم للآخرعلى المشهد الذى يراه سواء فى الجو أو على الأرض.

وانسلخت طائراتنا عن هذا التشكيل متخذة خط سير بعيد عن خط سيره نظرًا لأن مهمتنافى مكان آخر أكثر عمقًا.. كان الغروب قد حل علينا فى نفس اللحظة التى كنا نعبر فيها خليج السويس.. وأخذ الظلام يزداد شيئًا فشيئًا.. ومع ازدياد الظلام كان اطمئنانى يزداد، ونحن نقترب من منطقة إبرار المجموعة الأولى من مجموعاتنا الثلاث الموجودة فى الهليكوبتر.. وأخذت المجموعة تستعد للنزول والهليكوبتر تقترب من الأرض لتلامسها وإذا بالطيار يضيء مصابيحه القوية فى اتجاه الأرض.. فأصرخ فيه ماذا تفعل؟ أطفئ هذا الضوء.. فيستجيب لى فورًا ويهبط فى سلام لينزل أفراد المجموعة.. ويقوموا باتخاذ إجراءاتهم المدربين عليها من قبل فى سرعة إخلاء المنطقة والتوجه إلى منطقة عملهم، وتقلع الهليكوبتر بنا ونواصل الطيران فى اتجاه منطقة الإبرار الخاصة بمجموعتى واقترب من الطيار فى كبينته معاتبًا عليه استخدامه كشافات الإضاءة أثناء الإبرار، الأمر الذى قد يؤدى إلى كشف المجموعة بواسطة العدو، فيطمئننى أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى.. ثم يعطينى إشارة الاستعداد حيث اقتربنا من منطقة (إبراري).. ونهبط على الأرض بعد أن ودعت قائد الطائرة والمجموعة الثالثة المتبقية فى الهليكوبتر وتمنى كلٌّ منا للآخر التوفيق والسلامة، فانبطحنا على الأرض كل منا يعانق كودية من العشب المنتشر حولنا كى لا يرانا أحد من العدو القريب من المنطقة.. وقبل أن أنهض أنا ورجالى بعد الاطمئنان من خلو المنطقة من العدو، لم أنسَ أن أفى بالوعدالذى قطعته على نفسى من قبل وهو تقبيل أرض سيناء بمجرد ملامستى لها.

كنت قد أعددت بوصلتى وجهزتها على زاوية اتجاه السير فراجعتها سريعًا وتأكدت من صحتها، ثم انطلقنا نعدو بالخطوة السريعة للخروج من منطقة الإبرار قبل وصول أى قوات من العدو إليها.. على خط السير الذى بدأناه من نقطة تبعد عن قناة السويس بأكثر من مائة كيلومتر شرقًا فى تمام الساعة السادسة مساء يوم السادس من أكتوبر 1973 لم يكن يشغلنا إلا سرعة الوصول إلى منطقة العمل وإبلاغ جميع المعلومات عنها وكان دعائى الذى لم ينقطع اللهم اطوى الأرض تحت أقدامنا.. لم نكن نعلم شيئًا عن قواتنا ولا ما هى نتائج القتال حتى هذا الوقت الذى نحن فيه..

وبينما نحن نصارع الوقت والجهد، محافظين على خط سيرنا من خلال البوصلة التى أحملها وتبادل عد الخطوات بواسطة كل من الجنديين (الجندى وعادل)، كل خمسة كيلومترات، لمعرفة أين نحن باستمرار، وإذا بصوت بعير (جمل) ينطلق صوبنا من الاتجاه الذى نتحرك نحوه ويزداد كلما اقتربنا. فانتبهت وأنا أعتصر ذاكرتى عن تلك المعلومات التى كنا نتعلمها عن عادات بدو سيناء وخصائص الدواب التى يستخدمونها وكيف أنهم يستخدمون الجمال فى الحراسة بدلًامن الكلاب وأن الجمل يمثل بالنسبة لهم جهاز رادار يكشف أى غريب يقترب منهم، ويصدر أصواتًا تختلف فى كل حالة عن حالة أخرى، أى أنه يصدر صوتًا عندما يشعر باقتراب أحد من نفس الحي، أو القبيلة يختلف عن الصوت الذى يصدره فى حالة اقتراب شخص غريب أو عدة أشخاص ويستطيع صاحبه من سماع صوته وتتبع حركة أذنيه أن يحدد مسافة وعدد الأشخاص المقتربين وهويتهم (أصدقاء – أعداء – عابرى سبيل)، وعلى الفور بدلت خط السير بعيدًا عن هذا الصوت، وهو يتتبعنا حتى سكت تمامًا واختفى، وهكذا واصلنا السير، كلما سمعنا صوت بعير ابتعدنا عنه، حتى كادت خيوط الفجر تظهر،ولكن لم يظهر الجبل الذى كنا نقصده.

وفجأة أحسست أن قدماى تتحرك فوق أرض ناعمة مستوية، فانحنيت أتحسسها بأصابع كفي.. وهمست لمن معى إنه الطريق الأسفلت الملاصق لسفح الجبل الذى نقصده؛ لقد وصلنا.. ونظرنا عبر الناحية الأخرى من الطريق نبحث عن الجبل.. فإذا هناك على خط السماء فى الأفق، يبدو منه جزء صغير كأنه شبح، فعبرنا الطريق سريعًا فى اتجاه الجبل.. فكانت المفاجأة.. على بعد أمتار من الطريق الأسفلت يوجد سور سلك بارتفاع أكثر من مترين هو عبارة عن مانع سلك مزدوج ذى ميلين، وفى الناحية الأخرى منه تظهر بعض المنشآت – أى أنه معسكر به قوات.. وكان الحل الذى خطر ببالى للوهلة الأولى هو التحرك سريعًا بحذاء السور السلك فوجدت السور ممتد بلا نهاية مرئية وكانت خيوط الليل تكاد تنقشع.. والطريق تتحرك عليه قوات العدو ودورياته، أى أننا سوف نُكتشف ونقع فى يد العدو.. وكان البديل الثانى هو الابتعاد عن الطريق والمعسكر أى التحرك فى الاتجاه الذى أتينا منه لمسافة 5:3 كم، والاختفاء فيها طوال نهار اليوم ثم مواصلة التحرك فى الليلة القادمة. وكان هذا الاحتمال أيضًا محفوفًا بالمخاطر حيث إن طبيعة الأرض فى هذه المنطقة مفتوحة ومستوية ولا تساعد على الاختفاء من العدو أما البديل الثالثفهو قص جزء من السلك فى المانع وفتح ثغرة فيه والتسلل منها إلى داخل المعسكر والوصول إلى الجبل والاختفاء فيه وهذا درب من الجنون أو مخاطرة غير محسوبة.

    

       

بين أحشاء العدو

لقد كان الاختيار الثالث وهو قص السلك وفتح ثغرة فى السور، ليتم اختراق المعسكر والتسلل داخله سريعًا والوصول إلى الجبل الواقع خلفه لاختيار المكان المناسب لمراقبة منطقة العمل واكتشاف وتحديد حجم ونوع العدو ومتابعة نشاطه، وقبل ذلك كله الاختفاء بسرعة قبل ظهور ضوء النهار الذى بدأ يتسرب وينبئ بشروق الشمس، إن هذا الاختيار هو الحل الأسرعولكنه الأخطر؛ حيث الاصطدام بالعدو والاشتباك معه بمجرد اكتشافه لنا هو الاحتمال الأقوى..

لقد كان عليَّ أن أفكر بسرعة البرق وأحسب كل الاحتمالات فى نفس اللحظات التى نقوم فيها بقص السلك.. إن أمر اكتشاف العدو لنا فى الاحتمالية الأولىوهى الالتفاف حول المعسكر والثانى وهو الرجوع لمسافة من 5:3 كم فى نفس الاتجاه الذى أتينامنه، ربما يتأخر قليلًا ولكنه مؤكد وساعتها سوف تكون قدرتنا على مواجهته أقلوأضعف، أما فى الحالة الثالثة وهى اختراق المعسكر فإننا نستطيع فى حالة اكتشافه لنا أن نفاجئه بكل ما لدينا من إمكانيات نيرانية رغم قلتها (75 طلقة بندقية + 6 قنبلة يدوية دفاعية)، ونحدث به خسائر أضعاف عددنا، قبل أن نستشهد، أى أننا لن نضيع هباءً.

وقتها خطر ببالى بيت الشعر القائل:

إذا لم يكن من الموت بدٌ   فمن العار أن تموت جبانا

ارتاحت نفسى لهذا الخاطر وأتممنا فتح الثغرة سريعًا، وعبرنا منها نحن الثلاثة وقمنا بإعادة السلك إلى ما كان عليه حتى لا يكتشفه العدو فى الصباح، وأخفينا كل أثر لنا فى منطقة الثغرة وتقدمنا بحذر كامل وبأقصى سرعة ممكنة فإذا بنا نمر بين حفر مغطاة بالشباك ونسمع بعض أصواتالجنود تحتها فنزداد حذرًا ونحن نتجاوزها. وكان تقديرى وقتها أن هذه هى منطقة الانتشار لإحدى الوحدات المدرعة للعدو الذى قام باحتلالها فور اندلاع الحرب تحسبًا من قيام قواتنا الجوية بتوجيه هجماتها ضدها.

وبعد صراع مع طبيعة الأرض، والوقت الذى كاد يفضحنا بشروق الشمس، رغم أن لحظاته مرت علينا كأنها الدهر من شدة التحسب من اكتشاف العدو لنا، وصلنا إلى سفح الجبل وبدأنا فى الصعود فوقه من خلال الميول السهلة نوعًا ما، والمحاط بالخيران والجروف الصعبة التى تشكل مانعًا يصعب اجتيازه – حتى وصلنا إلى ارتفاع أكثر أمانًا وقربًا من أحد القمم الصغيرة للجبلأما قمة الجبل ذاته فما زال يفصلنا عنها مسافة كبيرة – ووقفنا نلتقط أنفاسنا وشعاع الضوء يطاردنا قبل دقائق من شروق الشمس، لكن ما زال أمامنا الكثير والمهم الذى يجب أن نفعله قبل أن يملأ الضوء المكان وينكشف أمرنا، فأشرت إلى عادل والجندى أن يقعدا مكانهما حتى أبحث عن مكان نختفى فيه، وتحررت من شدة القتال التى كنت أحملها على كتفاى وهممت لأتحرك فى الاتجاهات المحيطة بنا، فإذا بى أشعر أن نصفى السفلى غير موجود، وأنظر إلى ساقى وأنا أتحسسها بيدى محاولًا تحريك أحدهما فلا يطيعني، وكأنى أخذت مخدرًا نصفيًا فصلهماعن الشعور وعن الجهاز العصبى كليًا، وقبل أن تتخطفنى المخاوف والظنون، وجدتنى أسقط على الأرض وأنا أحاول تفسير هذا الذى حدث لي، فاستخدمت ذراعى فى الزحف إلى حيث شدتى التى أحمل فيها كل متعلقاتى وحملتها فوق كتفاي، وحاولت النهوض فنهضت واقفًا دون عناء وتحركت فأطاعتنى ساقاي، ووجدتنى أشعر بهما مرة أخرى – فحاولت تفسير ذلك بأنه أثر ضغط الحمل الزائد للشدة (أكثر من 50 كجم) على العمود الفقرى لمسافة حوالى ستين كيلومترًالمدة أحد عشر ساعة كاملة - جعلت الجهازالعصبى يعتاد عليها فلما زال الحمل وتغير الضغط فجأة حدث هذا الفقدان بالشعور للنصف السفلى من الجسد.

وبكل المعاناة والصبر أخذت أبحث فى الميول الموجودة حولى حتى وجدت صخرة مائلة تحتها بعض الرمال الناعمة وهناك جزء منها معلق فى الاتجاه الخارجى للجبل، فعدت سريعًا حيث عادل والجندى فاصطحبتهما إليها وبدأنا فى استخراج الرمال من تحت الصخرة والاختفاء تحتها بعد أن حاولنا قدر الإمكان التغلب على كل الأسباب التى قد تؤدى إلى ظهورنا وانحشرنانحن الثلاثة تحت الصخرة، من شدة الإرهاق والتعب ورحنا فى ثبات عميق، أيقظنى منه شعاع الشمس الذى تسرب إلينا تحت الصخرة وينبئ بنهار يوم جديد هو اليوم السابع من أكتوبر، فركت عيناى سريعًا وأخذت أحدق فيما حولي، للحظات بدأت أعتصر ذهنى هل هذا حلم أم حقيقة؟.

لا بل حقيقة ولا وقت لدينا لنضيعه فما زال أمامنا الكثير والأهم.. وفى غمرة هذا التفكيروأنا أنظر إلى أسفل الصخرة، وقع بصرى على - شدة قتال - مثل ما نحمله من شدات فأيقظتكل من عادل والجندى وأنا أسألهما فى حدة من الذى ترك شدته خارج الصخرة فأشار كل منهم إلى ظهره فإذا شدته ما زالت عليه رغم نومه وتحسست ظهرى أيضًا فإذا شدتى مستقرة، عليها إذا ما هذه الشدة؟ وبدأت أتحرك فى حذر شديد وأنا أحمل سلاحى فى وضع الاستعداد وخرجت زاحفًا من تحت الصخرة وبدأت أتفحص هذه الشدة فإذا بها تخص العدو ولكنها تشبهتلك التى نستخدمها وهى فارغة وغير مستعملة، فأخذت أراقب المكان حولى فوجدت أن الاتجاه الذى وجدت فيه الشدة هو الأكثر أمانًا حيث الجسم الرئيسى للجبل بكل وعورته وصعوبة التحرك منه وإليه، ثم رجعت إلى أسفل الصخرة بعد أن أزلت أى أثر أو قرينة تساعد على كشفنا من جانب العدو، وراح كل من عادل والجندى يوسعان فى المكان بإزالة بعض الرمال بينما قمت أنا بتوسيع الفتحة المطلة فى اتجاه العدو حتى أصبح أمامنا مجالًا متسعًا للرؤية، وبدأت فى التعرف على المكان بعد التأكد من الاتجاهات الأصلية باستخدام البوصلة المغناطيسية، وإن كانت الشمس قد أغنتنا عن ذلك حيث كانت خلفنا ونحن فى تمام الساعة الثامنه صباحًا أى أننا ننظرفى اتجاه الغرب، وهذا هو الطريق الأسفلتى الذى عبرناه فى الفجر والممتد من العوجةعلى الحدود الدولية إلى الغرب فى اتجاه ممر متلا وصولًا إلى قناة السويس وهذا هو الطريق العرضى الذى يقطعه من الجنوب إلى الشمال فى اتجاه وادى المليز وأحسست بسعادة غامرة وأنا أتعرف على الأرض والمكان حولى بسهولة فأشرت إلى عادل والجندى فانضما إلى وأخذنا نتعرف معًا على المكان.. وبطريقة تبعث على الثقة قلت لهما، انظرا أنتما إلى الخريطة وأنا سوف أسمى لكم الجبال والطرق دون أن أنظر إليها.. فردا كليهما بعد أن أبصرا ميدان المراقبة أمامنا بل نحن الذين سوف نسميهم.. إننا نشعر أننا نجلس فى تختة رمال من التى كنا نصنعها معًا فى كتيبتنا وكنا نصر على أن نحفظ كل شبر فيها.. وأخذت أستمع إلى شرحهما لوصف الأرض وأنا فى غاية السعادة والرضا.. نعم إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

إننا فى هذا المكان نرصد أمامنا هذا المطار الشهير فى وسط سيناء، وهذا المحور الرئيس الممتد من الحدود إلى الحسنة إلى تمادا ثم ممر متلا إلى السويس.. ونرى من هذا المكان أيضًا طريق الجدى الطولى المتجه إلى البحيرات المرة والطريق العرضى الذى يمر من الجنوب إلى الشمال ليصل كل الطرق الطولية ببعضها – أما هذا الجبل الذى نحن فوقه، فهذه الدبابات المنشرة على سفحه والتى مررنا من خلالها فى الفجر.. يجب أن نسارع فى إعداد هذه المعلومات وإرسالها إلى القيادة.. وشرعت فى تلقين كل من عادل والجندى بمهمتنا جميعًا ثم مهمة كل واحدمنهما على الأرض ودوره فى العمل، إننى أنا الذى سأبدأ فى المراقبة للعدو وتجميع المعلومات وفى نفس التوقيت يقوم عادل باستمرار فى إدارة المولد اليدوى للاستمرار فى شحن بطاريات الجهاز اللاسلكى كى نحافظ على الاتصال بقيادتنا، أما الجندى فعليه أن يخلد إلى راحة لمدة ساعتين ثم نتبادل الأدوار كل ساعتين.. وكان على عادل بصفته مسئول عن الاتصال اللاسلكى أن يعد الجهاز لذلك، فإذا به يصدمنا بأننا لن نستطيع تحقيق الاتصال قبل حلول الليل كى نتمكن من نصب الهوائى الذى يجب أن يرتفع عن الأرض بما لا يقل عن مترين. وهذا ما يستحيل عمله الآن ونحن لا تفصلنا عن العدو المحيط بنا إلا بضع أمتار.. سوف تؤدى حتمًا إلى اكتشافنا بواسطة العدو..

ونظرت إلى دبابات العدو المنتشرة حولى إنها أكثر من مائة دبابة أى أنها لواء مدرع وهى تستعد للتحرك.. حتمًا إلى الجبهة لمواجهة قواتنا.. وهذا المطار الذى نراقبه إنه أشبه بخليه نحل، فهذه معدات كثيرة تقوم بإصلاح الممرات التى دمرتها طائرتنا بالأمس ضمن الضربة الجوية وأيضًا أعمال إصلاح واستعداد على قدم وساق لإعادة الحياة إليه للمشاركة فى الحرب..

كيف تنتظر هذه المعلومات حتى يحل الظلام؟! لا بد من إبلاغها فورًا.. وأمسكت بالسلك الهوائى وخرجت زاحفًا أما فتحة المراقبة التى نراقب منها، وتوجهت إلى أقصى اليمين لمسافة حوالى عشرين متر وفردت سلك الهوائى على الأرض، ثم فى الاتجاه العكسى وفردت بكرة السلك الأخرى لنفس المسافة؛ كى يكون الهوائى موجهًا فى اتجاه قواتنا لتحقيق الاتصال اللاسلكي..

وبينما أنا أقوم بذلك كان عادل وهو المسئول عن الاتصال يشير لى تحت الصخرة أن هذا مستحيل أن يتم معه الاتصال والهوائى ملامس للأرض. وقبل أن أعود إلى مكانى عبر فتحة المراقبةإلى أسفل الصخرة لاحظت أن لون السلك مخالف للون الأرض الموضوع عليها. فأخذت أغطيه بالرمال والزلط كى لا يلتفت إليه أحد أفراد العدو الذين لا يبعدون عنا غير أمتار، ووقعت عينى على عادل تحت الصخرة فإذا به يلطم خديه بطريقة تمثيلية تعبر عن استحالة تحقيق الاتصالبعد كل ما فعلته، فلم أعبأ بذلك واندفعت سريعًا إلى جواره وأخذت أساعده فى إعداد الجهاز اللاسلكى للاتصال وقلبى معلق بالسماء – وأدعو الله أن يوفقنا فى تحقيق الاتصال "يا مسبب الأسباب اخضع لنا الأسباب" وفتح عادل المحطة وبدأ ينادى على (المحطة الرئيسة) أى مركز تجميع المعلومات فى القيادة – وإذا بالرد يأتينا كأنه موجود إلى جوارنا- وكنا نستخدم البرق اللاسلكى - بدون كلام – فانتفض عادل مندهشًا وهو يقول – مستحيلأن تكون قيادتنا لا بد أنه تداخل مع العدو – فأمرته أن يستخدم الكود الخاص بالتحقق للتأكد من هوية المحطة المقابلة، فإذا بالرد يأتينا مؤكدًا أنها قيادتنا.. ونبدأ بإرسال أول رسالة معلومات وكانت تحمل صيدًا ثمينًا عبارة عن لواء مدرع للعدو بعدد 111 دبابة يستعد للتحرك بعد أن قام برفع شباك التمويه من فوق الدبابات ويقوم بأعمال التسخين والتفتيش على الدبابات داخل الحفر.

وتعانقنا نحن الثلاثة فرحين بهذا النجاح الكبير والتوفيق الإلهى بلا حدود.

وبدأنا نشعر بالجوع والعطش.. إننا لم نذق شيئًا من الماء أو الطعام منذا أن قمنا بجرح صيامنافى مطار ألماظة بعد الضربة الجوية ومعرفة أن الحرب قد بدأت وسمعنا فتوى الإفطار؛ لأننا قد دخلنا الحرب وقبل أن تمتد يد كل منا إلى شدته لإخراج الماء والطعام، أمسكت بأيديهماقائلًا: "كم من الماء والطعام مع كل منا؟"، فقالا: مع كل منا عدد ست وجبات من الطعام وعدد ست زمازم من الماء أى ستة لتر ماء، فقلت لهما: "إننا لا ندرى كم من الأيام سوف نقضيها هنا وهل سنجد طعامًا وماء أم لا".. ورغم أن مهمتنا هى ستة أيام فقط إلا أن خبرات القتال أن نستعد دائمًا للأسوأ.. وبناءً على ذلك أمرت بتجميع جميع كميات المياه والطعام ووضعها مع الجندى وهو يعتبر قائد ثان المجموعة – وأن يتم استهلاك لتر واحد من المياه وعلبة واحدة من الطعام لنا جميعًا كل 24 ساعة – أى يتم الشرب باستخدام غطاء الزمزمية واقتسام الطعام بالتساوى.

وسريعًا قمنا بتناول جزء من الطعام وشرب عدد من غطيان الزمازم لكل منا وحمدنا الله عليها وبدأنا نمارس أعمالنا طبقًا للمهام المخصصة بواسطتى.

كانت طرق التحرك سواء الطولية منها أو العرضية مزدحمة بقوات العدو المتجه إلى الجبهة أو العائدة منها، ورغم ثقل المهمة – حيث تحتاج هذه المحاور وهذه الأهداف إلى أكثر من مجموعة استطلاع لمراقبتها، إلا أننى كنت أشعر بالفرحة والثقة– مع كل هذا القدر من المعلومات أقوم بإبلاغه إلى القيادة وكنت أقول فى نفسى: "على قدر أهل العزم تأتى العزائم".

كان أكبر ما يشغلنا فى ذلك التوقيت من هذا اليوم السابع من أكتوبر هو ذلك اللواء المدرع الذى تقوم دباباته بالخروج من الحفر والاصطفاف فى رتل واحد فى اتجاه جبهة القتال استعدادًا للتحرك.. وكنا نبلغ هذه المعلومات أولًا بأول للقيادة فى القاهرة، بكل التفاصيل اللازمة لتوضيح الصورة وفى الوقت نفسه مستمرين فى مراقبة الحركة على الطرق.

وبينما أنا أقوم بالمراقبة وعادل يقوم بتجهيز المعلومات لإبلاغها للقيادة سمعنا صوت انفجارات متتالية وإذا بالدبابات المصطفة أمامنا تنفجر أعداد منها واحدة تلو الأخرى وشاهدنا أربع طائرات من طراز ميج 21 تقوم بقذف هذه الدبابات بصواريخها بكل دقة ومهارة ثم تعود فى اتجاه الجبهة، بينما انطلقت باقى الدبابات تحتمى داخل الحفر التى كانت تحتلها من قبل، بلا هدى أو نظام، فتصطدم دباباتان ببعضهما على مدخل إحدى الحفر وتنفجران مخلفتان كتلة من اللهب وسحابة من الدخان وأخرى تندفع إلى داخل حفرة بها دبابة سبقتها فتطيح ببرجها ومدفعها خارج الحفرة فى مشهد أقرب إلى أفلام الكرتون.

ويقطع هذه النشوة والفرحة، خروج عادل من تحت الصخرة وصياحه بطريقة هستيرية بأعلى صوته الله أكبر الله أكبر.. بينما كل هؤلاء الجنود من العدو حولنا وأبصارهم تمتد نحونا.

دمرنا لواء مدرع للعدو

لم أتمالك نفسى وأنا أجذب عادل بكل قوتى لأطرحه أرضًا وأجذبه داخل الحفرة أسفل الصخرةالتى نختبئ تحتها واضعًا كفى فوق فمه.. وأهمس فى وجهه بكل حدة ما هذا الجنون؟.

ألا ترى العدو من حولنا وقربه منا.. وأخذنا نركز أبصارنا فى كل مكان حولنا، منتظرين رد فعل العدو تجاهنا، بعد هذا الذى بدر من عادل، وتمر علينا لحظات كأنها الدهر، ونحن مستعدون بأسلحتنا، كلٌّ فى اتجاه قطاع النيران المخصص له للاشتباك فورًا مع العدو قبل أن يتمكنمنا وخاصة أننا فى وضح النهار، وأى حركة خارج الحفرة ستؤدى حتمًا إلى تأكد العدومن وجودنا وبالتالى حصارنا والقضاء علينا أو محاولة أسرنا، وبعد فترة ليست بالطويلة تأكدنا من أن العدو لم ينتبه إلينا، نظرًا لهول الضربة وكبر حجم الخسائر التى منى بها، وفى الوقت نفسه كانت عيونهم جميعًا معلقة بالسماء فى اتجاه طائراتنا التى أمطرتهم بوابل من صواريخها.

وبدأنا نحصى الخسائر فى دبابات العدو كى نبلغها لقيادتنا.. ونحن فى غاية النشوة والسعادة، ونحن نشعر أننا الذين دمرناها بأيدينا.. إننا نرصد من مكاننا وبالعين المجردة عدد عشرين دبابة مشتعلة ويتصاعد منها الدخان وهناك أدخنة أخرى نراها ولكن طبيعة الأرض تحجب الدبابات عن أعيننا، ويلزم تأكيد جميع هذه المعلومات بكل دقة ولا يكفى أن نبلغ معلومات تنقصها الدقة والتأكيد يلزمه الخروج من الحفرة التى نختفى داخلها والتحرك إلى أقرب مكان يمكنا من تأكيد ما لم يتأكد من معلومات.. ولكن الوقت ليس فى صالحنا وخاصة أن الشمس كانت تميل فى اتجاه الغرب أى أنها مسلطة على المكان الذى نحن فيه وليس من الصواب أن نخاطر بحركتنا فى هذا الظرف.. فكان قرارى هو إبلاغ ما تأكد لدينا من معلومات حتى تاريخه لحين تأكيد باقى المعلومات بعد حلول الظلام وتوفر الظروف الملائمة للحركة.

وكما توقعت.. فبعدما أبلغنا ما لدينا من معلومات.. جاءنا الرد بأن نقوم بتأكيد خسائر العدو بكل دقة ومتابعة اللواء المدرع بكل صرامة لاكتشاف مدى استعداده للتحرك فى هذه الليلة من عدمه، مع الاستمرار فى تنفيذ مهمتنا الأساسية فى متابعة باقى المحاور التى يتحرك عليها العدو. وكذا المطار الواقع داخل منطقة عملنا.

كانت المهمة التى أُبلغت لنا من القيادة سهلة وواضحة، ولكن القرار كان صعبًا ويدعو إلى القلق.. وسبب القلق هنا هو أنى سأضطر لتقسيم المجموعة إلى قسمين، قسم يستمر فى مراقبة محاور وطرق التحرك وقسم ينتقل إلى مكان أكثر قربًا من دبابات العدو التى انتشرت فى مساحة لا تقل عن (25) كيلو متر مربع، وبالأصح التحرك والانتقال لأكثر من مكان لتنفيذ عملية البحث عن دبابات العدو خارج وداخل الحفر ثم العودة مرة أخرى إلى داخل حفرتنا أو قاعدة انطلاقنا.. وهذه الحركة سوف تخلف آثارًا قد تؤدى إلى كشف العدو لنا.. والأصعب من هذا كله أننا لا تتوفر معنا أجهزة اتصال داخل المجموعة لكى يتم الاتصال بين القسمين المنفصلين أو المجموعتين الفرعيتين فى حالة الانقسام.. كما أنه لا يوجد معنا إلا جهاز اتصال واحد للاتصال بالقيادة.. أى أننا يجب أن نعود بأقصى سرعة إلى القاعدة كى يتم إبلاغ المعلومات المتحصل عليها.. بالإضافة إلى أن أى انحراف صغير فى زاوية السير قد تؤدى إلى عدم عودتنا إلى القاعدة والانضمام مرة أخرى خاصة أن قوات العدو تحيط بنا من كل مكان بل وتتداخل معنا.

بعد تقدير موقف سريع قررت أن يبقى عادل داخل القاعدة ويستمر هو فى مراقبة العدو على المحاور وتسجيل هذه المعلومات وإبلاغ ما يراه عاجلًا ومهمًّا وفورًا.. أما أنا ومعى الجندى فسوف نقوم بالخروج لتنفيذ عملية البحث خلف التبات والمرتفعات الصغيرة التى يحتجب العدو خلفها فى مناطق تعتبر غير مرئية لنا من مكان القاعدة وتعرف بمصطلح (المنطقة الميتة) ولقنت عادل أن ينتظر وصولنا قبل آخر ضوء باكر وإذا تأخرنا عن ذلك فيستمر هو فى مواصلة المراقبة والإبلاغ فى اليوم التالى.. وإذا تأخر وصولنا عن طوال ليلة باكر وحتى صباح اليوم التالى يبلغ القيادة بالموقف وينفذ ما يأمرونه به وأيضًا حددت إشارات التعارف بيننا أثناء العودة وكيفية التصرف فى المواقف الطارئة.

تركنا كل الطعام والماء ومحتويات شدتّى القتال الخاص بى وبالجندى داخل القاعدة مع عادل وحمل كل منا علبة تعيين (طعام) واحدة وزمزمية مياه فى الشدة الخفيفة المخصصة لذلك.. وطبعًا معنا التسليح الشخصى من بنادق آلية وقنابل يدوية وبوصلة ونظارة ميدان.. وتركنا لعادل مثلها داخل القاعدة.

طوال الفترة من هجوم طائراتنا وقصف دبابات العدو وحتى آخر ضوء لم تتوقف حركة عربات الإسعاف ووصول الهليكوبترات الخاصة بالعدو لإخلاء الجرحى.. وأيضًا تحرك دبابات نجدة لإخلاء الدبابات التى أصيبت أو إصلاح البعض منها فى أماكنها. وما أن حل الظلام إلا وتسللت أنا والجندى من تحت الصخرة (داخل القاعدة) بعد أن تمنى كل منا الاثنين وعادل التوفيق والسلامة داعيين الله أن يجمعنا بعد نجاح مهمتنا، وبدأنا الحركة فى اتجاه التبة (المرتفعة) رقم (1) فى قرارى على مسافة حوالى 2 كم فلم نجد خلفه إلا مجموعة من الحفر الخالية، ثم انطلقنا إلى التبة رقم (2) على مسافة حوالى 3 كم وأخذنا نتحرك بحذر ونحن نقترب من قمتها ثم ننظر فإذا بنا نكتشف مجموعة من الهناجر الكبيرة المختفى نصفها تحت الأرض، والأضواء بداخلها مضاءة فأخدنا نقترب أكثر فأكثر كى نتعرف على ما بداخلها، فكان ذلك فى غاية الصعوبة نظرًا للحراسات المشددة واليقظة بالقرب منها.. ولكن ساعدنا على التعرف عليها حركة عربات الإسعاف إليها ثم العودة وبعد قليل من المتابعة تأكدنا أنها مستشفى ميدانى.. وكانت الهناجر على الجانب الآخر هى ورشة لإصلاح الدبابات أمكن أيضًا تمييزها بعد وقت طويل نسبيًّا، خاصة وأنى كنت أحاول أن أحصى عدد الدبابات العاطلة بداخلها وكم منها سيتم خروجه وإنضامه للواء المضروب (المدمر) ليكون جاهزًا للتحرك.. والحقيقة أننا لم نرصد خروج أى دبابة من الورشة طوال الليل فى الوقت الذى كنا نسمع فيه أصوات حركة كثيفة فى اتجاه المكان الذى هاجمته طائراتنا قبل ذلك فتركنا.

هذا المكان الذى نراقب منه ورشة إصلاح الدبابات وتحركنا لنصعد تبة (مرتفع) أخرى لنقف على حقيقة الحركة الكثيفة خلفها وإن كنت أعلم أنها فى مجال رؤية القاعدة الرئيسية لنا والموجود فيها عادل أى أنه يراها ولكنى آثرت أن أتأكد بنفسى من هذه التحركات عن قرب وفعلا صعدنا التبة واقتربنا لنكتشف أن هناك حاملات (ناقلات) دبابات لا تقل عن ثلاثين ناقلة تتقدم من الخلف من داخل إسرائيل وتنضم إلى دبابات اللواء المدرع التى لم تدمر وتصطف فى طابورفى اتجاه الجبهة وهذا هو اللواء يصطف مرة أخرى بعد وصول الدبابات الجديدة إليه من الخلف كاستعواض لخسائره.

كان الوقت يقترب من الفجر ومنظر وشكل الدبابات المصطفة يشير إلى أنها ربما تتحركقبل أول ضوء أو بعده بقليل.. وهمست إلى الجندى الراقد إلى جوارى فوق التبة "لا بد من العودة فورًا لإبلاغ هذا الموقفقبل أن يتحرك اللواء" فحاول أن يطمئِنى أن عادل يمكنه رؤيتها وقد يكون أبلغ عن ذلك فقلتلا تنسَ أننا فى الظلام وهو من مكانه قد يرى الناقلات ولا يرى الدبابات فوقها لأن جهاز الرؤية الليلى ليس معه.

وشرعنا نحسب كم من الوقت يلزمنا للعودة إلى عادل أنه يحتاج لحوالى ساعتين لو عدنا من نفس الطريق وإذًا فلنختصر الطريق لنصل أسرع ولكن الاختصار غير مأمون!

*ليس هناك أخطر من تحرك اللواء قبل أن نبلغ عنه، كان هذا قرارى وانطلقنا فى اتجاه مكان القاعدة التى لم تغب عن عينى طوال حركتنا السابقة وأنا أسجل فى ذاكرتى نقاط المراجعة فى اتجاه العودة مع كل تحرك نتحركه من مكان لمكان.. والحقيقة إن اختصار المسافة وتغيير خط سير العودة كان مخاطرة كدنا ندفع ثمنها أكثر من مرة ونحن نصطدم بسيارة متحركة داخل معسكر العدو فنحاول الابتعاد فنجد أمامنا جرف (حفرة كبيرة) يصعب اجتيازه، فنلتف بعيدًا عنه ونحاول الصعود من مكان آخر حتى كدنا نفقد الاتجاه ونضل العودة إلى القاعدة وفى غمرة الإحساس باليأس من الوصول قبل طلوع الشمس يهمس الجندى إليَّ أن هناك عدوًا قريبًا منا فأسأله أين؟ فيشير إلى قدمه وهو يقول لقد علق سلك فى قدمى وأنا أجرها على الأرض يبدو أنه سلك تليفون ميدانى للعدو بالقرب منا وأنحنى على السلك العالق فى قدمه بحذر وأتفحصه قبل أن أهتف: الحمد لله لقد وصلنا فيسألنى محمد فى لهفة: كيف؟ فأقول له إنه الهوائى (الديبول) الخاص بنا وهذه فتحة المراقبة التى نراقب منها العدو من أسفل الصخرة، وأشير إليه أن يسبقنى إلى الدخول أسفل الصخرة حتى أعيد إخفاء السلك الهوائى كما كان.. وما هى إلا لحظات وأسمع بعدها صوت صرخة مكتومة يتبعها همهمات من تحت الصخرة، فاندفعت لأتبين الأمر فوجدت ساقىّ الجندى ممدة خارج فتحة المراقبة وباقى جسده داخل الحفرة أسفل الصخرة وهناك تلاحم بالأيدى بينه وبين عادل، فصحت فيهما أناديهما باسميهما وسط الظلام وأنا أحاولأن أتبين الأمر، فإذا بعادل يقبض على عنق الجندى ويرقد فوق رأسه والجندى يحاول الإمساك بيديه وشل حركتهما وبعد جهد انتبه عادل إليَّ وهو ينتفض.. ما الذى أتى بكما من هنا وأين إشارة التعارف التى اتفقنا عليها؟ وأبعدتهما عن بعضهما البعض وكل منهما لا يصدق ما حدثمن هول المفاجئة! وحكى عادل ما حدث له قائلًا إنه طوال الليل منذ تركنا وهو يقوم بتجميع المعلومات وتسجيلها انتظارًا لوصولنا وإبلاغها ولما تأخرنا قرر أن يعد هو هذه المعلوماتويقوم بإبلاغها نظرًا لأهميتها التى لا تحتمل التأخير؛ حيث شاهد من مكانه دبابات العدو وهى تصطف مرة أخرى استعدادًا للتحرك، وفى غمرة انشغاله واهتمامه بتجميع المعلومات التفت إلى الخلف لإعداد الجهاز اللاسلكى لتحقيق الاتصال، وفجأة أحس بمن يدخل رأسهمن فتحه المراقبة ويضع كفيه حول عنقه من الخلف فاستدار إليه بسرعة ولكمه فى وجهه وأمسك بعنقه ليقضى عليه قبل أن يتمكن الآخر منه.

أما الجندى الذى لا يكاد أن يبصر من شدة اللكمة التى سكنت فوق عينيه فقد اقترب من الفتحةوهو يحسب أن عادل يراه حيث إن هذا هو اتجاه وقطاع مراقبته، ولكنه عندما وصل إلى الفتحة وجد عادل يعطى ظهره لفتحة المراقبة وغير منتبه فأراد أن يداعبه بمحاولة خنقه من الخلف.. ولكن حدث ما حدث.

الفزع يدمر للعدو ما لم تدمره طائراتنا

بعد فض الاشتباك الخاطئ بين عادل والجندى والدخول فى وصلة عتاب بينهما فهذا عادل يقول للجندى "لقد قطعت خلفى، هل هذا يرضيك" فيرد الجندى: وأنا من التى ستتزوجنى بعد أن كدت تفقأ عينى.. يا ساتر على الصحة، أكيد إنك أكلت طعامنا الذى تركناه معك.. وننفجر ثلاثتنافى الضحك، حتى كدنا ننسى المهمة التى نصارع الوقت من أجلها وهى سرعة الإبلاغعن استعداد اللواء المدرع للتحرك.

فبدأت أراجع المعلومات التى سجلها عادل وأستوضح منه بعضها ثم أُعد البلاغ بجميع المعلومات التى تحصلنا عليها بالإضافة لما سجله عادل وكنت حريصًا على أن أصف شكل اللواء المدرع على الأرض وخاصة أنه يصطف فى ثلاث مجموعات منتشرة بعيدة عن بعضها البعض وغير محملة على ناقلات؛ حيث قامت الناقلات التى أحضرت الدبابات من داخل إسرائيل بإنزالها والعودة للخلف الأمر الذى جعلنى أفكر مرة أخرى فى احتمال أن يتأخر تحرك الدبابات بعض الوقت، فأشرت إلى ذلك فى بلاغى إلى القيادة بعد إعطاء صورة كاملة للموقف فى أنحاء المعسكر الذى قمنا بالبحث داخله بالإضافة إلى جميع التحركات التى رصدناها طوال الليل على الطرق والمحاور المختلفة.

وبعد أن أنهينا إبلاغ المعلومات وترتيب الأوضاع داخل القاعدة إلى سابق عهدها شعرنا بالحاجة إلى تناول وجبة ساخنة وختامها بكوب من الشاى المظبوط، وفعلا قام عادل بصفته مضيفنابعد عودتنا من دورية البحث – فأشعل أحد أقراص الوقود الجاف الموجودة معنا ضمن علبة التعيين أى الطعام، وفتح إحدى المعلبات والتى كانت تحتوى على مئتى جرام من المكرونة المخلوطة باللحم المفروم وقام بتسخينها ثم اقتسمناها نحن الثلاثة والتهمناها عن آخرها، ثم ملأ الجندى أحد العلب الفارغة من تلك التى كانت تحتوى على شوربة العدس الذى تناولناه من قبل بالماء وأفرغ فيها أحد أكياس الشاى المخلوط بالسكر وصنع لنا كوبًا من أفضل أكواب الشاى فاقتسمناه أيضًا بتناوب كل منا على رشفه الواحد بعد الآخر غير عابئين بدرجة حرارته التى تقارب الغليان وتكاد تشوى شفاهنا وألسنتنا – وحمدنا الله على كل هذه النعم – الأمان فى مكانناوالطعام بعد الجوع ثم أخذنا فى تنفيذ جدول أى نظام الخدمة؛ حيث خلد الجندى إلى النوم واستمر عادل فى إدارة المولد اليدوى لشحن بطارية الجهاز اللاسلكى وأخذت أنا مكانى أمام فتحة المراقبة، أرصد نشاط العدو وأسجله فى السجل الخاص بذلك وبعد ساعتين أيقظت الجندى ليأخذ مكان عادل فى إدارة مولد الشحن، وتولى عادل مكانى فى المراقبة ثم خلدت أنا إلى النوم، ولم أنسَقبل نومى وأنا أسلم عادل قطاع المراقبة أن أشدد التأكيد عليه بتركيز المراقبة على دبابات اللواء التى تستعد للتحرك، وأن يوقظنى فورًا إذا رأى ذلك أو حدث أى متغير بخلاف التحركات(اللوجيستية) المعتادة على الطرق.

كان الوقت يقترب من الظهيرة أو بعدها بقليل حينما أيقظنى عادل وهو يشير لى من فتحة المراقبة فى اتجاه الدبابات الموجودة داخل الموقع وهى تصطف فى طابور واحد خلف بعضها البعض متخذة اتجاه الجبهة، وحولها حركة دائبة من النشاط لعناصر التأمين الفنى وعناصر تأمين التحرك، أيضًا كانت هناك حركة فى غاية النشاط فى المطار الواقع داخل نطاق مسئوليتنا، فقد كانت هناك أعداد كبيرة من الهليكوبترات تصل إلى المطار، وهناك مجموعات أخرى تندفع فى اتجاه الغرب حيث جبهة القتال وأخرى تعود فى اتجاه الداخل الإسرائيلى.

وعلى الطريقين الرئيسيين المؤديين إلى الجبهة لم تهدأ حركة القوات طوال الليل وأيضًا فى الصباح. كل هذه المعلومات كنا نقوم برصدها وتسجيلها فى سجل المراقبة ثم نقوم بإبلاغها كل ساعة إلى القيادة، عدا المعلومات المهمة والعاجلة فكنا نبلغها فورًا.

لم يكن يشغلنى فى هذه اللحظات أكثر من اللواء المدرع الذى يصطف أمامنا استعدادًا للتحرك، فأخذت أحصى أعداد الدبابات والعربات المدرعة والمعدات المختلفة مرة أخرى رغم أن عادل قد قام بذلك من قبل وبكل دقة، ولكنها طبيعة عملنا التى تتطلب أعلى درجة من الدقة والتأكيد.. وأعددت بلاغًا عاجلًا ختمته بتوقعاتى لتحرك اللواء المدرع قبل آخر ضوء، نظرًا لوجود دباباته خارج الحفر واصطفافها على الطريق فى وضع أقل أمانًا من الحفر وأكثر تعرضًا لهجمات قواتنا الجوية.. وأخذت أفكر فى الأسباب التى تضطر العدو إلى تحريك هذا اللواء – فى وضح النهار على الجنازير وليس بالناقلات لمسافة تزيد على مائة كيلو متر.. إنه كان ينوى تحريكه بالأمس ولكن هجوم طائراتنا وإنزال هذا الحجم من الخسائر أكثر من ثلاثين دبابة، أجبرتهعلى التأخر لاستعادة كفاءة اللواء مرة أخرى – هذا يعنى أن قواتنا على الجبهة تحقق نجاحًا – إنه يوم الثامن من أكتوبر أى ثالث أيام القتال، وكل ما نستطيع رؤيته فى اتجاه الجبهة من مكاننا هو طلقات الإضاءة التى تطلقها مدفعيتنا الثقيلة والمتوسطة طوال الليل وعادة تظهر أمامنا أقرب من مسافتها الحقيقية، فكان ذلك يرفع من روحنا المعنوية، ويجعلنا أكثر اطمئنانًا.. ولم يكن معنا جهاز راديو، كى نتابع من خلاله ماذا يجرى فى هذه الحرب ولا ما هو موقف قواتناأو حتى موقف العدو على جبهة القتال – والحقيقة أنى أنا شخصيًّا كنت تواقًا إلى معرفة الموقف إلى أبعد الحدود، وأكبر ما كان يشغلنى وكنت أود أن أعرفه، هو الحالة المعنوية والنفسية للشعب فى المدن والقرى والنجوع والشوارع.. هل فارقتهم كآبة الهزيمة أو النكسة.. هل أحسوا بالنصر الذى حققناه وما نحققه.. لم تكن لى أمنية وقتها إلا أن أرى أثرًا للفرحة على وجوه الأهل والمصريين جميعًا أطفالهم قبل شيوخهم وشبابهم.

كانت أمامى دائما صورتنا – أنا ورفاقى – أبناء السادسة عشر من العمر ونحن نلتف حول جهاز التليفزيون فى منتدى قريتنا (دماص) يوم التاسع من يونية 1967 – ومعنا جمع غفير من شباب وشيوخ القرية ننتظر خطاب الزعيم/ جمال عبد الناصر– كنا ننتظره ليكذب لنا كل الشائعات والأخبار الكاذبة التى تبثها الإذاعات الأجنبية.. ويرددها بعض الخبثاء من أعداء مصر وأعداء الثورة بأسلوب يظهر بجلاء شماتتهم لا حزنهم ولا خوفهم على الوطن.. كانت قلوبنا جميعًا معلقة بكلمة أمل نسمعها منه، لندق أعناق هؤلاء الشامتين، ونضحى بكل غالى ورخيص لمواجهة عدونا فى سيناء.. كانت عقولنا على استعداد أن تسمع أى كلمة تبعث على الأمل حتى ولو كانت كذبًا.. لم تكن عقولنا لتقبل أن جيشنا بأبطاله وأسلحته وتاريخه الذى نردده من الانتصاراتقد أعطى ظهره للعدو وانسحب دون أى مواجهة أو ارتداد منظم – لقد كان الشحن الإعلامى قبل الحرب أشبه بمن ينفخ بالونة دون أى حساب لحجمها أو قدرتها على التمدد..

ويظهر عبد الناصر على شاشة التليفزيون الفضية، فإذا به أكبر من سنه بعشرين سنة لتتوقف حدقاتنا عن الحركة وتتجمد أمام صورته، وتصم آذاننا ونحن نسمع منه قراره بالتنحى.. لم نهتز لخبر النكسة أو الهزيمة ولكننا صعقنا وهو يعلن قرار التنحى.. كأن قلوبنا توقفت وأرواحنا سُرقت منا.. ونصرخ جميعًا.. لا.. لا.. ما ها هنا يترك الربان السفينة.. كانت ليلة ظلماء لم أر مثلها ولم أسمع بها من قبل.

لقد بدأ اصطفاف مصر كلها لاستعادة أرضها والثأر لهزيمتها.. عندما انطلقنا جميعًامن القرى والمدن نزحف نحو القاهرة ليلة التاسع من يونية 1967، نرفض الهزيمة، كان هتاف الملايين فى كل ربوع مصر من أقصاها إلى أقصاها - لا لا تتنحى.. لا تتنحى.. هو رفض صريح للهزيمة وإصرار على الثأر.. لقد مرت متغيرات كثيرة طيلة سنوات ست منذ ذلك اليوم ونحن ننتظر هذه اللحظة.. لم أكن أتمنى شيئًا فى حياتى بعد بداية الحرب إلا أن أرى وجوه المصريين فى الشوارع.. ونحاول أن نسترق لحظات نولف فيها – الجهاز اللاسلكى الموجود معنا على تردد أحد الإذاعاتالمصرية والإسرائيلية أو العالمية مثل لندن ومونت كارلو، كانت كلها تبعث على الطمأنينة – حتى الإذاعة الإسرائيلية – الكل يصف العبور الجسور لقواتنا والاستيلاءعلى قناة السويس وتدمير خط بارليف وتقدم قواتنا شرقًا.. ولكن هذا كلهلن يغنى عن رؤية الفرحة فى تلك العيون التى تركتها متحجرة فى انتظار تلك اللحظة.. ويقطع هذه الخواطر التى تتقاتل داخل رأسى.. مشهد جعلنى أكاد أكرر ما فعله عادل بالأمس.

بل والصعود لأعلى قمة الجبل والهتاف الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر إن طابور الدبابات المصطف أمامنا – أكثر من مائة دبابة تندفع دباباته مسرعة نحو الحفر، والرشاشات المضادة للطائرات فوقها تطلق ستارة من النيران فى اتجاه السماء.. ثم تتصادم بعض الدبابات بالبعض الآخر فمنها ما ينفجر ومنها ما تشتعل فيه النيران.. وأكثر مشاهد التصادم كانت أمام حفر الدبابات أو بداخلها.. وكأن الدبابات تلعب لعبة الكراسى الموسيقية فى تسابقها أيهم ينزل الحفرة أولًا وليس هناك حفرة مخصصة لكل دبابة إن هذا المنظر إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الفزع الذى منى به سائقو الدبابات.. وتعلقت عيوننا جميعًا أنا وعادل والجندى بالسماء بحثًا عن طائراتناالتى لم نرها حتى الآن ولم نرى صاروخًا ولا قنبلة تسقط على دبابة من دبابات اللواء.

وإذا بنا نبصر طائرتين من طراز سكاى هوك تحاول المناورة والابتعاد عن مرمى الرشاشات المضادة للطائرات المنطلقة نحوها من الدبابات.

لقد كانت مفاجأة جعلتنا نستلقى على ظهورنا من شدة الضحك.. إنها طائراتهم ومن شدة الفزع الذى أحدثته فيهم طائراتنا بالأمس – انطبق عليهم المثل المصرى القائل (من تلسعه الشوربة ينفخ فى الزبادى) الحمد لله. لعل هذا ينطبق عليه حديث الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وأخذنا نحصر خسائر العدو.. ولكنى فى تلك المرة طلبت من عامل اللاسلكى فى القيادة أن يوصلنى بقائد الكتيبة لأصف له المشهد بنفسى كى يفرح معنا ويفرح الجميع.

فرحة المصريين زادت من قدرتنا

كنا قد أبقينا جهاز اللاسلكى الموجود معنا على وضع الاستقبال فى انتظار نداء المحطة الرئيسية (محطة القيادة) علينا وما هى إلا دقائق معدودة حتى سمعنا النداء على الجهاز اللاسلكى بالمفتوح أى بدون استخدام أى كود أو الشفرة وقد تركنا استخدامها منذ اليوم الثانى لبدء الحرب.. بناء على أوامر من القيادة نظرًا لكثرة الاتصالات وضرورة إرسالها بأسرع ما يمكن وكذا صعوبة تتبع العدو لمحطتنا وسط هذا الزخم من الاتصالات اللاسلكية بمئات الآلاف من الأجهزة وبعد النداء من جانب المحطة الرئيسية والرد والتحقق من جانبنا – سمعنا صوت عامل اللاسلكى على الناحية المقابلة يقول لنا "محمود على الجمل" ومحمود هو العقيد محمود عبدالله قائد الكتيبة والجمل هو الاسم الكودى لجهاز اللاسلكى.

فطارت قلوبنا من الفرحة ونحن نسمع صوته عبر الجهاز "كيف حالكم يا أبطال" وأرد عليه معبرًا عن فرحتى ورجالى – نحن تمام ولدى أخبار مفرحة، أرجو قبل أن تسمعها أن تصف لى منظر الشعب فى الشوارع.. هل فرحوا بالعبور، هل يشعرون بالنصر الذى نحققه.. فيرد عليَّ بصوته الذى كنا نعشقه من فرط حبنا جميعًا له، فقد كان نموذجًا فذًّا فى القيادة لا تملك إلا أن تحبه وفى الوقت نفسه لا تستطيع أن تخالف له أمرًا أو تؤخره، كان أقصى عقاب منه لأحد منا أن يسأله "لماذا فعلت هذا الخطأ" وينظر إليه بعينيه الزرقاوين نظرة عتاب لا تستغرق لحظات ثم يغير الحديث فى موضوع آخر.. ولكن هذا السؤال وتلك النظرة كانت تؤلمنا أكثر من رصاصة مصوبة تجعل لسان حالنا يقول ليته يعاقبنا بأشد الجزاء.. أهون من هذا الإحساس.

"الفرحة تملأ مصر كلها" - هكذا كان رده - وألح فى السؤال – صف لى منظر الناس فى الشوارع – هل فرحوا هل هم فرحين؟

- الناس ترقص فى الشوارع وتوزع الشربات والشوكولاته.

- وما هو موقف قواتنا على الجبهة؟

- قواتنا أتمت الاستيلاء على القناة وتدمير خط برليف وتتقدم فى اتجاه الشرق وتطارد قوات العدو – ما هو الموقف لديك الآن – وما هو تقديرك؟

- اللواء المدرع الذى تم تدميره بالأمس استعاد كفاءته طوال الليل واصطف استعداد للتحرك منذ الظهيرة – وفى الساعة 1600 رأينا دبابات العدو تترك الاصطفاف وتندفع فى اتجاه الحفر وهى تطلق الرشاشات المضادة للطائرات فى اتجاه السماء.. وتم رصد خسائرهم حتى الآن عشر دبابات اصطدمت ببعضها أثناء الانتشار والنزول للحفر.

- وما هى خسائره الناتجة عن القصف الجوى؟

- لم يكن هناك قصف جوى.. إنهم سمعوا أصوات طائرات تمر من فوقهم فأصابهم الفزع وانطلقوا يحتلون الحفر..

- أليست هذه طائراتنا؟

- لا لقد اكتشفنا أنها طائرات سكاى هوك الإسرائيلية.

- هذه أخبار سعيدة.. والمعلومات التى ترسلونها ممتازة.. استمروا فى مهمتكم.. الله يرعاكم.. انتهى.

كان هذا الاتصال جرعة معنوية لا تقدر.. أعطتنا طاقة فوق طاقتنا، واستمرينا نواصل الليل بالنهار.. بعد أن أبلغنا عن آخر موقف للواء المدرع الذى خرج من الحفر مرة أخرى يجر أذيال الخزى بعد هذا الموقف المضحك.. وتحرك فى اتجاه الجبهة بعد حلول الظلام.

أما عن موقف الطعام والماء فقد رأينا بعد التشاور مع بعضنا البعض أننا نستطيع أن نواصل صيام ما تبقى من شهر رمضان.. وأن ذلك سيكون له فائدة أكبر رغم أننا نملك رخصة الإفطار.. حيث يعطينا صيام النهار كله الأمل فى تناول الطعام والشراب بعد مرور ساعات النهاروهذا الإحساس جميل وصفاء للنفس وأفضل بكثير من الإحساس أن سبب الجوع والعطش طوال النهار هو النقص فى الطعام والماء وطالما أنها وجبة واحدة هى التى سنتناولها طول الأربع والعشرين ساعة فلنجعلها بثوابها.

ومر اليوم التاسع والعاشرمن أكتوبر ونحن نتابع تحركات العدو على المحاور والطرق المختلفة وأنشطته فى المطار الواقع فى نطاق مهمتنا ومنطقة المعسكر، الذى كان يضم اللواء المدرعقبل تحركه إلا أن نهاية اليوم العاشر من أكتوبر شهدت منظرًا لم أرَ مثله من قبل، وإن كنت فى البداية أخطأت تفسيره فقد شاهدت من موقعنا فوق الجبل مروحيتين هليكوبتر تحومان فوق عددمن الأفراد المترجلين وتطلق نيرانها حولهم دون إصابتهم وفى الوقت نفسه يقوم هؤلاء الأفراد بإطلاق نيران بنادقهم الآلية فى اتجاه المروحيتين ويواصلون التحرك بجوار الطريق وأعددت بلاغًا يضم هذه المعلومات أعقبته بتقديرى أن هؤلاء الأفراد الذين تطاردهم المروحيات يحتمل أن يكونوا من أفراد الصاعقة المصرية الذين تم إبرارهم فى سيناء فى الساعات الأولىمن بدء الحرب، ولكن بعد فترة ليس بالطويلة.. استسلم هؤلاء الأفراد وتوقفوا فى مكانهم وحضرت إليهم مجموعة من العربات نقلتهم تحت الحراسة إلى داخل المعسكر الموجودبجوارنا وبعد فترة طويلة من المتابعة المستمرة والمركزة تبين لنا أنهم ليسوا مصريين.. ولكنهم جنود شاردين من الجيش الإسرائيلى.. بعدها تمنيت لو كانت معى كاميرا أسجل بها هذا المشهد.. لا أدرى لماذا هذا المشهد بالذاترغم أن مشهد الدبابات وهى تتصادم وتنفجر فى اليومين السابقين كان أكثر إثارة..

وحاولت أن أجد فى نفسى سببًا لذلك الإحساس فعزيته إلى أنه أبلغ رد على منظر أسرانا فى حرب يونية 1967 الذين لم تكف أجهزة الإعلام الإسرائيلية والغربية عن تكرار عرضة.

كان المطار قد دبت فيه الحياة مرة أخرى وبدء العدو يستخدمه بكثافة لصالح المروحيات وكانت بلاغاتى دائمًا كأنها استفزاز لقيادتنا لضربه وإخراجه من الخدمة ثم فى كل مرة أواصل الاستفزاز بإضافة بعض الألفاظ والعبارات إلى المعلومات التى أرسلها مثل ما زال العدو يستخدم مروحياته بكثافة من مطار (..) – ما زال المطار يعمل كخلية نحل.. إلى أن جاء اليوم الثانى عشر من أكتوبر.. وكأن قواتنا الجوية أرادت أن تشعرنى بالطمأنينة فى منطقتى النائية فقامت بتوجيه هجمة مركزة على هذا المطار قبل نهاية اليوم.. وأخرجته من الخدمة حتى نهاية الحرب..

لقد كانت قواتنا الجوية هى الصديق الوفى الذى يشعرنا من وقت لآخر أننا لسنا فى الغربة.. وأنهم قريبون منا باستمرار.. ففى أحد الأيام رصدنا طائرة للعدو من طراز ستراتو كروزر تطير على خط موازى للجبهة ذهابًا وإيابًا ولكنها فى العمق القريب منى أى على مسافة أكبرمن مائة كيلومتر من القناة، وكنت أعلم مسبقًا أن مثل هذه الطائرات تستخدم فى أعمال الحرب الإلكترونية أى الاستطلاع والإعاقة الإلكترونية واللاسلكية.. فأبلغت هذه المعلومات معقبًا عليها أنها تطيربلا حماية وأنها هدف سهل لطائراتنا المقاتلة.. وما هى إلا ساعة أو يزيد قليلًا إلا ورأيت هذه الطائرة تنحرف بدرجة حادة مبتعدة فى اتجاه الشرق إلى داخل إسرائيل وإلى الخلف منها فى اتجاه الغرب تدور معركة جوية بين مقاتلتين من طائراتنا وعدد من المقاتلات الإسرائيلية.

اعتبارًا من اليوم الرابع عشر من أكتوبر بدأت كثافة القوات المتحركة من اتجاه إسرائيل فى اتجاه جبهة القتال تزداد.. وعلى العكس كانت الكثافة فى الاتجاه الآخر أقل.. وبدأت تظهر على طرق التحرك معدات مغطاه بشباك التمويه محملة على ناقلات كبيرة (تليرات) ولم يكن يرضينى على الإطلاق أن أقوم بإبلاغ معلومة غير كاملة مثل التى ينقصها اسم ونوع المعدة التى تتحرك أمامى وكثيرًا ما كنت أتحرك مع حلول الظلام إلى أقرب مكان من الطريق كى أتبين أنواع المعدات والدبابات التى تتحرك.

وفى أحد هذه الأيام كان المجهود المتواصل وقلة ساعات النوم قد أوصلانى إلى درجة من الإرهاق والتعب بدأت تؤثر على درجة التركيز عندى وكانت هناك أعداد من المعدات المغطاه بالشباك تمر أمامى ولا أستطيع تمييز نوعها ولا حتى ما هى؟ جعلتنى أبكى من هذا العجز الذى أشعربه فى الوقت الذى لا تتحمل فيه قواتنا أى نقص فى المعلومات فطلبت من عامل اللاسلكىفى المحطة الرئيسية أن يحضر لى المقدم/ صلاح رئيس عمليات الكتيبة فقد كان الأقربلنا والمسئول عن تدريبنا ويتمتع بدرجة عالية من العلم والذكاء وعلى الفور جاء المقدم صلاح ينادينى على الجهاز اللاسلكى بصوته الجهورى المميز وبضحكته الرنانة..

- عفارم عليك يا أبو الأنصار.. مش قلت لك إن نصر بيجيب نصر.

- نصر مش قادر يجمع.. وأمامى معدات تتحرك لا أستطيع تمييز نوعها.

- اوصفها لى.

فأصفها له بكل دقة فيرد بضحكته المجلجلة

- يا راجل واضح إنك لا تنام كفاية هذة هى الطائرة الإسرائيلية بدون طيار دوديليانكى التى كنت تدرسها لجنودك.

- ياه كيف لم أعرفها؟

- لازم تنام ولو وقت قصير.

- كيف أنام وهذا العدو حولى لا يهدأ ولا يتوقف.

نعم لقد بدأت أشعر بتغير فى موقف العدو وزاد عدد طائراته من طراز فانتوم التى تمر من فوقنا متوجهة إلى جبهة القتال وبدأنا نشعر فى مكاننا أن أزيز هذه الطائرات يجعل الأرض تحتنا تهتز وهى تمر من فوقنا وهناك أعداد كثيرة منها لا يوجد عليها نجمة داود التى تميز الطائرات الإسرائيلية.

      

ضياع الأمل

كان نشاط العدو يزداد يومًا بعد يوم وتدفق الأسلحة والمعدات من داخل إسرائيل باتجاه الجبهة بنوعيات جديدة بدأ ملحوظًا بشكل كبير، وخاصة القوات الجوية المعادية التى كان نشاط طائراتها لا يتوقف ولا يهدأ وكان أزيزها مختلفًا عن كل الطائرات التى سبقتها وكأنها تحمل حمولة فوق طاقتها أو أنها خارجة لتوها من المصنع من شدة العزم الذى يظهر منها.. لم يكن لدينا ترف الراحة أو حتى التفكير فيها أو حتى فى كمية الطعام أو الماء الموجود معنا ولا متى ستنفذ رغم أن القيادة بدأت تسألنا بعد اليوم السادس عن موقفهما، كم استهلكنا وكم بقى معنا، فكانت إجابتى دائمًا.. الموقف مطمئن لا يوجد مشكلةفى الطعام ولا الماء، فقد قسمت الطعام والماء المخصص لستة أيام ليكفى ثمانية عشر يومًا وأمامنا الكثير من الوقت للتفكير فى ذلك.

وفى غمرة انشغالنا بمتابعة العدو والقلق على نتيجة الحرب ومن المتغيرات التى نراها من موقعنا، لم نشعر إلا فى اليوم الخامس عشر من العمل أى يوم 21 أكتوبر، أنه لم يتبقَ معنا إلا علبة تعيين واحدة ولتر ماء واحد أى ما يكفى لمدة ثلاثة أيام بالمعدل الذى فرضناه على أنفسنا فقمت على استحياء بإرسال بلاغ إلى القيادة أخبرها فيه أنه لم يتبقَ معنا إلا ما يكفى يوم واحد من الطعام والمياه وكأنى أخجل من الحديث عن ذلك الأمر فى هذا الظرف الصعب الذى تمر به قواتنا، خاصة وأننا كنا نسترق الوقت لسماع إحدى الإذاعات باستخدام الجهاز اللاسلكى وكانت بعض الأخبار غير سارة وخاصة التى تتحدث عن نجاح قوات العدو فى العبور غرب القناة.

وجاءنى الرد سيصلك الطعام والماء خلال 24 ساعة فطلبت من القيادة معرفة كيفية وصولها؟ ومع من؟ وكيف يتم التعرف عليه؟ وخاصة أننا تقريبا داخل أحد مواقع العدو فكان الرد:" سيصلك فى مكانك" ونظرت أنا وعادل والجندى إلى بعضنا البعض وعلق أحدهما "لا تنس أن لدينا أقوى جهاز مخابرات فى العالم" وضحكنا ولم نعقب فقد كان لدينا الكثير الذى نقوم به من متابعة مستمرة لقوات العدو فى البر والجو إلا أننى نبهت كلًّا من عادل والجندى أننا يجب أن نقلل معدل استهلاكنا للطعام والماء حتى يأتى الطعام والماء الجديدين أى أن ما تبقىيجب أن يكفى خمسة أيام وليس ثلاثة كما كنا نفعل منذ وصولنا.

ومرت الساعات الأربع وعشرون ولم يصلنا ماء ولا طعام وأيضًا على استحياء أبلغت القيادةأن شيئًا لم يصل فكان الرد: "توقعوا وصول المندوب فى أى وقت"، ومرت الأربع وعشرون ساعة الثانية ولم يصل المندوب.

وأبلغت القيادة مرة أخرى.. معقبًا بأنه ربما لا يستطيع المندوب أن يصل إلينا لأننا مختفيين داخل موقع العدو.. وأنى على استعداد للتحرك والوصول إليه فى المكان الذى يحددونه.

فى صباح اليوم الثالث أى يوم 24 أكتوبر جاءتنا إشارة مكودة ومشفرة على خلافالأيام السابقة فتلقيناها بكل سعادة وأسرعنا فى حلها لأنها تحتوى على المكان الذى سنجد فيه الماء والطعام.. وفتحت الخريطة لأبحث عن المكان من خلال قراءة الإحداثيات، فلم أجده على المنطقة التى نحن فيها فأخرجت الخريطة من حقيبتها وفردتها عن أخرها وأنا أتابع قراءة الإحداثياتفإذا بالمكان فى طرف الخريطة وعلى مسافة أفقية (أى خط مستقيم) من مكاننا يبعد مسافة خمسين كيلومتر.. وأخذت أحدد خط السير فوجدت أنه يلزم إضافة مسافة عشرين كيلو متر أخرى للالتفاف خارج المعسكر الذى نتواجد داخله.. حتى لا نتعرض للخطر.. وبدأنا نشعر بحالةمن الضيق والضجر.. هل بعد كل هذا الانتظار مطلوب أن نتحرك مسافة سبعين كيلو مترًا؟.

ونحن على هذه الحالة من الإرهاق والتعب، إن المسافة سوف تستغرق من يومينإلى ثلاثة أيام على أحسن تقرير بحالتنا هذه ولم يعد معنا إلا نصف لتر من الماءولا يزيد عن مئتى جرام من الطعام.

وبدأنا نجهز أنفسنا للتحرك إلى المكان المحدد رغم كل الإحباط الذى أصابنا، فأخفينا كل الفضلات التى تركناها وعددًا من زمازم المياه التى أصبح لا لزوم لها بعد أن فرغت، وإن أبقينا على بعضها لاستخدامه فى حالة العثور على الماء.. وجهزنا شدات القتال الخاصة بنا.. وما أن شرعت الشمس فى المغيب حتى أخذنا نتحرك خارج المعسكر متخذين من الظهير الجبلى ساترًا لنا حتى ابتعدنا عنه تمامًا بعد مسافة عشرة كيلو متر من التحرك فى الأراضى الجبلية الوعرة، ثم انحرفنا جنوبًا لنعبر الطريق الأسفلتى الواقع جنوب الجبل وانطلقنا نعدو فى الأرض المفتوحة لنبتعد عن الطريق بقدر الإمكان حتى نكون فى أمان أكثر بعيدًا عن التحركات الكثيفة للعدو.. محاولين استغلال بعض الشجيرات الصغيرة المنتشرة فى الوادى كساتر يخفينا عن نظر العدو. وبعد مسافة عشرة كيلو مترات أخرى، كان علينا أن نجهز حفرة نختفى داخلها قبل ظهور أول ضوء الذى يسبق شروق الشمس بساعة.. لم نستطع أن نحفر أكثر من نصف متر بطول أقل من مترين وغطيناه بالغطاء المخصص للإخفاء ونمنا بداخلها بعد أن قمت بإخفاء أى أثر لنا حول الحفرة قد يساعد العدوعلى اكتشافنا ومر علينا نهار طويل شديد الحرارة ونحن فى حفرة أقرب إلى القبر وأضيق منه..لا نستطيع أن نخرج خارجها أو حتى نصدر أى حركة خاصة ونحن نسمع ونرى قوات العدوالتى تتحرك بالقرب منا ولا أذكر أن أحدًا منا قد غفى أو نام أكثر من دقائق معدودة من شدةما نلاقيه من جوع وعطش وحرارة الشمس وفوق هذا كله توقع مرور إحدى عربات العدو فوقنا ونحن داخل الحفرة، وإن كنت قد حاولت قد جهدى أن أجعلها فى مكان لا يغرى أى سائق للمرور فوقه، فالأرض كلها حولنا مفتوحة وصالحة لسير جميع العربات.

ما أن غابت الشمس حتى نفضنا الغطاء الذى فوقنا وخرجنا من الحفرة وبدأنا نجمع أغراضنا داخل الشدد التى نحملها، ثم تناول كل منا قطعة من البسكويت المملح وشرب مكيالين من المياه فى غطاء الزمزامية، التى لم يتبقَ بها إلا أقل من النصف. بعدها أعددنا الجهاز اللاسلكى للاتصال وحققنا اتصالًا بالقيادة، أبلغناها فيه عن مكاننا وأننا سنواصل السير إلى البئر طوال الليل.. ولم يكن لدينا معلومات نبلغها إلا أننا نسمع أصوات تحركات حولنا ولم نميزها. وواصلنا السير طوال الليل وكنت أتولى مهمة الملاحة وعادل والجندى يتناوبان فى عد الخطوات وحساب المسافة أولًا بأول.. وبعد مسيرة حوالى ثلاثين كيلو مترًا قطعناها فى عشر ساعات.. قمنا باختيارالمكان الذى سنختفى فيه طوال النهار.. وأخرجنا أدوات الحفر التى معنا وبدأنا نحفر فإذا بالجندى يربت على كتفى فى الظلام مشيرًا إلى فمه فإذا لسانه ممدد خارج فمه لا يستطيع أن يحركه فأخرجت زمزمية مياه من شدتى وأخذت أقطر له بعض قطرات فوقه وهو يحاول أن يحركه ويدخله إلى فمه وسألته ما هذا الذى حدث لك فنطق فى صعوبة لا أدرى ربما من شدة العطش والجفاف.. فأشرت إليه أن يستريح هو واستمريت أنا وعادل فى تجهيز الحفرة، ونزلنافيها للاختفاء طوال النهار وبنفس الصعوبة قضينا ذلك اليوم مع قليل من الأمل.. حيث لم يتبق على الوصول للبئر إلا مسيرة ليلة واحدة وما أن حل الظلام حتى قمنا ونهضنا من رقدتنا وحزمنا الشدد.. وقمنا بتحقيق اتصال بالقيادة – حرصت خلالة أن أبلغ القيادة أننا سوف نقوم بالاتصالفى المرات القادمة باستخدام (المورس) البرق اللاسلكى – نظرًا لعدم قدرتنا على الكلام وتعرض ألسنتنا للجفاف. وبدأنا التحرك فى اتجاه البئر.. وقلبى معلق بالسماء أدعو الله ألا نضل الوصول إليه – فها نحن نقوم بعملية ملاحة برية من أصعب الملاحات التى واجهتها طوال خدمتي، رغم براعتى المعروفة فى ذلك – فنحن نسير فى أرض مفتوحة تمامًا.. عديمة المعالم ولا يوجد فيها أى هيئات أرضية تستخدم كنقاط مراجعة.. والمسافة حوالى سبعين كيلو متر وربما تزيد قليلًا.

إن أى انحراف فى زاوية السير ولو درجة واحدة سوف يبعدنا عن البئر مسافة لا تقل عن خمسة كيلو مترات والأصعب من ذلك أن البئر – هو نقطة على الأرض غير ظاهرة وقد نمر من جواره بمسافة لا تزيد عن عشرة أمتار ولا نراه نظرًا للظلام الذى نسير فيه.

لم أشعر عادل أو الجندى بإحساسى هذا لكى لا يصابا بالإحباط أو اليأس.. ويكفى أننا كلما تحركنا مسافة ما حتى 3:2 كم يتكرر جفاف ألسنتنا واحدًا تلو الآخر فنقوم بتنقيط بعض قطرات الماء عليه وإدخاله داخل الفم.

مع اقتراب الفجر ونسماته التى تلفحنا كلما اقتربت المسافة من نهايتها. أبصرت أمامى مباشرة وعلى بعد أمتار عمودًا أو أكثر بارتفاع حوالى مترين أو ثلاثة فأعطيت إشارة إلى عادل والجندى باتخاذ وضع الاستعداد والثبات فى مكانيهما وتقدمت بكل حذر إلى هذه الأعمدة فإذا هى (سبية) منصوبة فوق بئر محاطة فوهته بخرسانة مبنية وإذا بهذه السبية معلق فيها بكرة حديد يمر فيها سلك مجدول (واير) بقطر 5:3 سم وينزل إلى البئر والطرف الآخر مربوط فى أحد أعمدة السبية.

ياالله.. الله أكبر.. الحمد لله.. البئر.. البئر وصلنا.. هكذا صحت.. وتعلقت فى طرف السلك المجدول لإخراج الإناء المدلى فيه لكى ننعم بالماء.. فلم أستطع حتى فرد الانحناءات الموجودة فيه، وألقيت حجرًا صغيرًا كان بجوارى إلى البئر فإذا بى أسمع صوت ارتطامه بالماء بعد وقت طويل.. أى أن مسافة الماء بعيدة والواير طويل – فناديت على عادل والجندى بعد أن تأكدناأنه لا يوجد فى المكان سوانا.. وتعلقنا نحن الثلاثة فى الواير كى نخرج الماء ولكن دون جدوى.. فقد بدا من ثقل الوزن الذى نحاول جذبه من البئر أن الواير ربما يكون مربوطًا فى برميل كبير أثقل من ثلاثتنا مجتمعين.. يا ربي.. أهكذا يضيع الأمل؟

      

انتحار أم شهادة

بعد أن فقدنا الأمل فى استخراج الماء، أصابتنا حالة من اليأس جعلتنا نستلقى على الأرض فى حالة أقرب إلى الإغماء، ولكن قلوبنا المعلقة بالسماء، ما زالت ترى أن الذى أتى بنا إلى هذا المكان بهذه الدقة التى لا يصدقها عقل.. حتمًا لن يضيعنا.. وبدأت أردد هذه الكلمات على مسمع من عادل والجندى. وأروى لهما أنى لم أكن أصدق أن نصل إلى البئر مباشرة بهذا الشكل.. وأقصى ما كنت أحلم به أن أبدأ فى البحث عن البئر بعد الوصول إلى الطريق الموجود غرب البئر مباشرة وتلاقيه مع الطريق الواصل من الشرق إلى داخل المضيق، كنقطة مراجعه واتجاه طوارئ.

حتمًا إن الله لن يضيعنا وأخرجت الزمزامية التى ما زلنا نحتفظ فيها بقطرات من الماء وأخذت أعطى كلًّا منهما مكيالًا ثم مكيالًا بغطاء الزمزامية وأنا معهم حتى فرغت القطرات.. لم تكن حالتنا البدنية تسمح لنا بتجهيز أى حفر للاختفاء فيها، فأمرتهما بأن يأخذ كل منهما ساترًا تحت إحدى الشجيرات الصغيرة الموجودة حولنا، ونحاول الاختفاء قدر الإمكان؛ لأن الطريق الأسفلت لا يبعد عن مكاننا أكثر من عشرة أمتار. وتستطيع أى دورية متحركة عليه أن ترانا.. وهكذا ابتعدنا قليلًا عن البئر واختفينا بقدر استطاعتنا قبل أن تشرق الشمس، بعد أن أعددنا الجهاز اللاسلكى للاتصال بفرد الهوائى ودفنه تحت التراب لكى لا يكتشفه أحد من المارة. ومع شروق الشمس أبصرت شيئًا لامعًا بجوار البئر فأخرجت نظارة الميدان وبدأت أحدق فيه من مكانى توفيرًا للجهد الذى يتناقص مع كل حركة.. فإذا بهذا الشيء، عبارة عن نصف جركن بلاستيك أسود مقطوع شطرين وبه بعض الماء، فلم أصدق عينىّ.. وأيضًا لم أرد أن أنبه عادل أو الجندى كى لا يصابا بالإحباط مرة أخرى إذا اكتشفا أنه خيال، فتحركت بكل حذر حتى وصلت إليه.. وتأكدت أنه ماء ولكن بكمية صغيرة يملؤها العفن، فقمت على الفور بإفراغها فى الزمزامية التى معى فملأتها إلا قليلا.. وكدت أرقص فرحًا وأنا أعدو نحوهما مناديًا.. "وجدت الماء" فالتفا حولى غير مصدقين.. فأعطيت الزمزامية للجندى وقلت له اشرب واحمد الله.. فقبض عليها بكلتا يديه ووضعها على فمه.. وقبل أن أجذبها من يده خشية أن يجور علينا.. وجدته يبعدهاعن فمه فى حدة وجميع ملامح وجهه تنقبض فى قشعريرة غريبة.. يا ساتر.. ما هذا!! أخذت الزمزامية من يديه وقربتها من فمى بحرص وارتشفت بعض القطرات.

فما كان منى إلا أن فعلت مثل ما فعل الجندي، ثم كرر عادل نفس الفعل مثلنا.. ثم قال "عديم البخت يلاقى العظم فى الكرشه" هكذا كانت تقول جدتي، ورد عليه الجندى قائلا بل جدتى أجدع من جدتك. فقد كانت تضع الشيح فى الماء الذى تشرب منه الكتاكيت الصغيرة لكى لا تشرب كثيرًا من الماء فتصاب بالإسهال وتموت. وعلقت بدورى قائلا "ظمآن والكأس فى يديه"!!.

ولكنى حاولت أن أشرب أمامهم من باب (دواعى إنقاذ الحياه) وفى كل مرة كانت تنزل إلى فمى قطرة من الماء.. أكاد أقسم أنى لن أشكو من العطش مرة ثانية. وحاولنا إقناع أنفسنا أن هذه حكمة إلهية حتى نقاوم العطش.. أعددنا إشارة لاسلكية نوضح فيها الموقف الذى حدث لنا والمكان الذى نحن فيه. وأرسلناها (بالمورس) البرق اللاسلكى – فجاءنا الرد أن نحول الجهاز على وضعالكلام.. ووجدت المقدم/ صلاح ينادينى بكلماته المملوءة بالحماس والتشجيع.. ثم يقول لى "إن المجموعة التى كانت معك فى الهليوكبتر وتم إبرارها بعدك، قد ضلت طريقها ولا نعرف مكانها، ومطلوب منك البحث عنها وإنقاذها لأنها فى وضع سيئ جدًا. كيف أبحث عنها وأنا لا أعرف مكانها؟ تستطيع أن تبحث فى مربع 10×10كم، كما أنها قريبة من المنطقة التى أنت فيها.

-         حدد لى إحداثيتها وأنا أصل إليها.

-         المجموعة لا تعرف أين مكانها لأنها خرجت خارج الخريطة التى معها ونحن نتوقعمكانها بالتقريب.

-         لا يوجد طعام ولا ماء معنا فكيف نبحث ونحن فى هذه الحالة أرسل إليَّ طعامًا وماءً وأنا أبحث عنها.

-         لن أرسل لك شيئًا حتى تعثر على المجموعة التائهة.. انتهى.

بعد انتهاء المكالمة لم يكن أمامى سوى تقدير الموقف واتخاذ قرار البحث عن المجموعة المفقودة.. وأخذت أحفز كلًا من الجندى وعادل قائلا "إنهم زملاؤنا وإخوتنا ولا بد أن حالهم أسوأ بكثيرمن حالنا.. وعسى أن يكرمنا الله وإياهم.. علينا أن نحاول.. وسوف نحتفظ لهم بنصف كمية الماء التى معنا لعلنا نلقاهم ونلقى الله جميعًا ونحن على قلب رجل واحد".

كانت المنطقة حولنا خالية تقريبا من القوات، التحركات على الطريق القريب منا قليلة، فأخذت قرارى بالتحرك قبل آخر ضوء بساعتين على الأقل، مستغلا الشجيرات الصغيرة المنتشرة فى الوادى حولي، فى الإخفاء أثناء التحرك، وقطعنا حوالى خمسة كيلومترات فى كل اتجاهمن الاتجاهات الأربعة وجعلنا البئر هو مركز المربع الذى نبحث فيه على أمل أن يأتى أحد من البدو إلى البئر ليحصل على الماء فنشرب معه ونحصل على الماء.

مر هذا اليوم وبعده الليلة ولم نعثر على أى أثر للمجموعة الضالة وفى صباح اليوم التالى اتصالنا بالقيادة وأبلغناها بالموقف.. مكررًا طلبى بضرورة إرسال ماء وطعام بأى وسيلة، كما وعدونا من قبل.

وجاء المقدم/ صلاح للمرة الثانية ودار بيننا الحوار التالي:

-         لقد حاولت إرسال الطعام والماء لكم فى الليلة الماضية ولكن الهليكوبتر أصيبت ولم تصل وكان فيها قائد سريتك، وسوف أقوم بإرسال هليكوبتر أخرى لكم خلال ساعات.

-         ما هى إشارة التعارف معها وكيف تصل إلينا وهليكوبترات العدو تملأ المكان.

-         المهم أن تصل إلى المجموعة التائهة، بأسرع ما يمكن أن موقفها يزداد سوءًا.

-         إننا فى أرض العدو ولسنا فى شوارع القاهرة أعطنى أى علامة تساعدنى فى الوصولإليها.

-         أو أبلغنى تردد جهازها اللاسلكى وأنا أتصل بهم.

ورغم أن هذا خطأ كبير، أن تعرف إحدى المجموعات تردد المجموعة الأخرى إلا أن القيادةلم يكن أمامها حل آخر غير هذا، فأخبرونا أنهم سوف يفعلون ذلك بعد أن تتصل بهم المجموعة مرة أخرى لأنها تغير ترددها كل مرة. وكانت آخر كلمات المقدم/ صلاح لى "نصر لا تترك إخوتك.. إنهم يموتون.. أنا أثق أنك لن تتركهم مهما حدث".

لم تكن عيناى تملك دمعة أذرفها بعد هذه العبارة التى اعتصرت قلبي.. فقد جفت كل السوائلفى جسدى وأنا أرى صورتى فى وجهى عادل والجندى الذين تحولا إلى جماجم غائرة فيها العيون، والشفاه جافة متصلبة ونكاد نسمع بعضنا البعض بصعوبة. وقد استلقى كل منا تحت إحدى الشجيرات أو الكودى (جمع كوديه) ولف جسمه حولها إمعانًا فى إخفاء أنفسنا – فى انتظار – توقيت الاتصال آخر النهار حتى نعرف تردد المجموعة الأخرى ونحقق الاتصال بها ونحاول التعرف على مكانها والوصول إليه.

لم يكن مطلبنا فى هذه اللحظات إلا شربة ماء وأى قدر من الطعام ولا يهم نوعه حتى لو كان ميتة لحيوان أو إنسان.. أى شيء ينزل فى بطوننا التى لم يدخلها طعام منذ خمسة أيام.. وفى هذه الأثناء كنت أنبش بعود من العشب فى الرمال تحت الشجيرة التى ألف جسدى حولها.. فإذا بى أعثر على دودة ففرحت أيما فرح وأخذت أجد فى النبش لعلى أعثر على كمية من الدود أو حتى دودة أخرى وأنا أمنى نفسى بوجبة من البروتين الطازج.. ولكن خاب ظنى ولم أعثر على سواها. وهى لا يزيد وزنها على جرامين أو ثلاثة.. فأشفقت عليها ولسان حالى يقول إنها لا تشفى ولا تغني.. ولا حتى أستطيع ابتلاعها إذا أردت ذلك فأبعدتها بكل رفق وأنا أقول لها "اذهبى فلا أدرى أينا أطول عمرًا من الآخر".

من وقت لآخر كانت تمر على الطريق الموجودة بجوارنا إحدى السيارات أو الدوريات الراكبة التى كنا نتوقع اكتشافها لنا فى كل لحظةفاقتربت من عادل والجندى وقلت لهما "إن العدو قد يكتشفنا فى أى لحظة وإذا وقعنا فى الأسر فلن نرى منه إلا العذاب ثم القتل، فهل أنتما تقبلان هذا؟".

فرد كليهما:

-         طبعا لا.

-         إذًا ليس أمامنا إلا القتال حتى الشهادة.

-         نحن لا نستطيع أن نضغط على التتك ولا التعامل مع العدو وسوف نقع فى الأسر وعليك أن تقتلنا قبل أن يأسرنا العدو.

-         كيف تقولان هذا.. إننى حتى لا أستطيع ذلك.. إننى مثلكما لا أستطيع استعمال بندقيتى.

-         إذًا ما العمل؟

-         نقوم بتفجير القنابل التى معنا فى العدو.

-         ليس لدينا القوة على نزع تيلة الأمان من القنبلة حتى تنفجر وسوف نقع فى الأسر.

-         فى هذه الحالة نقوم نحن الثلاثة بجذب التيلة معا حتى تنفجر القنبلة فينا قبل أن نقع فى الأسر.

بعد أن اتفقنا على ذلك قمت بشبك تيلة الأمان لقنبلة يدوية فى أحد الخطاطيف الحديدية الموجودة فى شدتى التى ألبسها على كتفى وصدرى.. ولففنا أجسادنا حول بعضنا البعض على استعداد لجذب القنبلة بأيدينا نحن الثلاثة فى نفس اللحظة التى يكتشف فيها العدو وجودنا..

      

العثور على المجموعة التائهة وعودة الأمل

كانت الساعة الرابعة مساءً – أى قبل الغروب بساعتين – هى موعد تحقيق الاتصال مع القيادة، ففتحنا الجهاز اللاسلكى المعد لذلك من قبل ونادينا على المحطة الرئيسية (القيادة) وبعد إبلاغهم عن الموقف لدينا وطبيعة نشاط العدو فى المنطقة أرسلت إلينا القيادة إشارة مشفرة بتردد الجهاز اللاسلكى للمجموعة الضالة موضحين لنا أنه فى وضع الاستقبال الآن فى انتظار نداءنا عليهم وعلى الفور غيرنا تردد الجهاز إلى التردد الذى تنتظرنا عليه المجموعة الأخرى وناديت عليهم فجاء الرد على الفور، فسألت الملازم محمد قائد المجموعة أن يصف لى المكان الموجود فيه وهل يرى أى طرق قريبة منه: فأجاب بنعم وأن هناك طريقًا أسفلتيًّا يبعد عنه حوالى 2: 3 كم، وأن كثافة الحركة ضعيفة وأخذت أسئلة بعض الأسئلة حتى تبين لى من وصفه لبعض العربات التى يشاهدها على الطريق وأشاهدها أنا قبله بوقت قصير أو العكس إنه بنسبة كبيرة موجود فوق هذا الجبل الصغير والواقع غرب الطريق الأسفلتى وهذا الجبل موقع على الخريطة على مساحة من 10:15 كم2 وهكذا يصغرون اسمه إلى جبيل لأن جبال سيناء تصل مساحة بعضها إلى مئات الكيلو مترات المربعة ولتأكيد مكانه طلبت منه أن يأمر أحد رجاله بالصعود فوق قمة الجبيل والوقوف على خط السماء أى تلاقى الجبل مع السماء كى أتمكن من رؤيته وتأكيد وتحديد مكانه وفعلًا صعد أحد الأفراد فوق الجبيل وبدأت أطلب منه التحرك للأمام ثم الخلف ثم الجلوس والوقوف حتى تأكدت أنه هو المقصود فحددت مكانه على الخريطة ورصدت زاوية التحرك إليه وبعد أن حددت له زاوية اقترابى إليه وأن ينتظرنى فى مكان ظاهر ليكون نقطة التقابل اعتبارًا من آخر ضوء اليوم وقدرت المسافة بينه وبيننا بثلاثة كيلو مترات وأنهينا المكالمة على ذلك فى الوقت الذى كان المقدم صلاح شخصيًا على وضع الاستقبال معنا فى المحطة الرئيسية فبارك اتفاقنا وصدق لنا عليه.. حزمنا أمتعتنا ونحن جلوس على الأرض أو شبه رقود وأخذنا نخفى أى آثار لوجودنا فى المكان وشرعت فى النهوض.. فإذا بى أشعر كأن سكينًا حادًا يمر فوق جلد بطنى من اليمين إلى اليسار أو العكس بأقصى سرعة فأصرخ من شدة الألم وأسقط على الأرض وينتبه إليَّ عادل والجندى رغم محاولتى أن أكتم الصرخة ويحاولان النهوض لمساعدتى فيلاقيان نفس ما لقيت ويتمدد ثلاثتنا على الأرض نتساءل ما هذا الذى حدث لنا؟.

ولم أجد تفسيرًا لذلك إلا أن جلد البطن انكمش وانقبض من طول فترة خواء بطوننا من أى طعام وعندما حاولت الوقوف تم شده بطريقة مفاجئة وهو بحالة أقرب إلى الجفاف والانقباض فكان إحساسنا أنه يتمزق وغير قابل للتمدد مرة أخرى فأخذ كل منا يجرى عملية تدليك بكفه لعضلات بطنه وحاولنا فرد قامتنا فلم تكتمل لآخرها ولكننا بدأنا السير ونحن فى وضع الانحناء أقرب إلى المشى على الأربع فى اتجاه الجبيل وبعد انتهاء مسافة الثلاثة كيلو متر التى قدرتها والصعود على قمة الجبيل كما خيل لنا اكتشفنا أن هذه القمة هى لإحدى السلاسل الجبلية المكون منها الجبيل وأن هناك واديًا أمامنا يجب أن نهبط إليه ثم نصعد قمة السلسلة الثانية حيث تتواجد مجموعة محمد.. وبعد الجلوس والحصول على قدر من الراحة.. أخذت أحفز كلًّا من عادل والجندى بأنه لا يتبقى إلا القليل وعلينا التحلى بالصبر والجلد حتى نصل إلى المجموعة الأخرى وننقذها قبل فوات الأوان، فيردا عليَّ بشيء من الحسرة والألم.

-         ومن ينقذ من؟ إننا نحن الذين نحتاج إلى إنقاذ.

-         لا تنسيا أنهم بلا ماء ولا بد أن نسقيهم قبل أن يموتوا من العطش.

-         أى ماء هذا؟ إن الموت عطشًا أفضل منه.

-         لا داعى لليأس.. إن الله لن يضيعنا.

فنأخذ فى النزول إلى الوادى بجهد أقل، ثم نشحذ كل الهمم لصعود السلسلة الجبلية.. مقنعو أنفسنا أنهم خلفها مباشرة.. وبعد جهد جهيد صعدنا إلى القمة ومرة ثانية أصابنا الإحباط فلم يكن هناك أحد فوقها.. ولكننا بعد فترة استطعنا أن نميز ضوءًا فى الاتجاه الذى نقصده وهو يعطى إشارة لنا.. ولكنه على السلسلة الثالثة التى يفصلنا عنها وادى لا يقل عرضه عن كيلومتر ثم مسافة رأسية أخرى للصعود إلى قمتها وبعد فترة من الراحة لالتقاط الأنفاس، هبطنا من فوق السلسلة الثانية وبصعوبة بالغة تحركنا قليلًا إلى منتصف الوادى.. فاستلقى عادل والجندى تحت إحدى الشجيرات.. فاقدى أى شيء حتى الحياة.. ويقولان لي.. اتركنا ها هنا.. وقبل أن تتحرك أطلق علينا رصاصتين كى لا نتعذب كثيرًا ولا يستفيد العدو منا لو وقعنا فى الأسر.. فأربت على رأسيهما بكل حب وأنا أقول لهما.. هل يستطيع أحدكما أن يفعلها.. وهل نموت كفارًا بعد كل الذى فعلناه.. وأترك كل أمتعتى معهما، حتى بندقيتى.. فلم أعد أقوى على حملها، فضلًا عن استخدامها.. وأبقيت معى البوصلة كى أستدل بها على الاتجاه، وزمزمية المياه التى تحتوى على ما يتبقى من ربعها بعد أن أفرغت فى فم كل منهما بعض القطرات منها.. وأصبحت كل مهمتى فى الحياة هى اللحاق بمجموعة محمد كى أسقى كل منهما شربة ماء قبل أن يفارقا الحياة.. ووعدتهما.. قائلًا: "لو وهبنا الله الحياة حتما سنلتقى إن شاء الله" وأخذت فى تسلق الجزء المتبقى من الجبيل (جبيل حسن) حتى وصلت قرب منتهاه ولم يتبقَ بينى وبين الضوء إلا أمتارًا معدودة.. فسقطت فوق صخرة قريبة وتشبثت بها خوفًا من السقوط فى جرف سحيق كان بجوار النقب (الطريق) الذى أسير عليه.

رافعًا يدى بزمزامية الماء نحو الضوء وأنا أنادى من يعطى هذه الإشارة الضوئية أن تعالى خذ الماء فلم أعد أستطيع الصعود ويهبط إلى شخص لا أتبين ملامحه.. وينادينى "حضرة الضابط نصر" ويضع وجهى بين كفيه ويحركهما -لإفاقتي– فأحسهما تكادان تهشمان عظام وجهى من فرط وهنى –وقوته– فأشعر بحالة من الاستغراب من قوته البدنية مقارنة بحالنا –هل هؤلاء الذين لا يجدون شرابًا ولا ماء منذ أكثر من أسبوعين أو ثلاثة؟.

-         وأهتف فيه باستغراب:

-         من انت؟

-         أنا الرقيب حلمى قائد ثان مجموعة الضابط محمد.

-         وأين محمد وباقى المجموعة، خذ هذا الماء وأشرب وأعطهم ليشربوا.

-         نحن بخير والمجموعة أسفل الجبل فى مكان آمن ومعنا طعام وماء.. خد هذه بطيخة.. كلها لترد بها رمقك.

-         وأمسك ذلك الشيء الغريب الذى لا يزيد حجمه عن حجم البرتقاله وانا أقول له:هذه ثمرة حنظل.. لا تأكلوها وإلا قتلتكم.

-         يا افندم هذا بطيخ ونحن نأكل منه منذ عشرة أيام.

-         وأحاول كسر البطيخة فلم أقوى على ذلك فأعيدها له فيضربها فى الصخرة، ويعطينيها قطعتين وأضع أول قطعة بطيخ فى فمى فأشعر بها تجرى فى دماء وجهى.

وأحس عينيَّ تبصران بعد أن كانت عليها غشاوة – وأذنيَّ أسمع فيهما صوت فرقعة بعد تناول القطعة الثانية.. لأجدنى أسمع صوت الريح حولى وكأنى كنت قبلها أصم ويسألنى حلمى: أين باقى المجموعة؟ فأعطيه البوصلة التى فى يدى وأقول له اضبطها على الزاوية العكسية وتحرك فى اتجاه الوادى سوف تجدهم بعد أقل من كيلو متر وأنا سأنتظركم هنا فى نفس المكان ويتحرك حلمى بعيدًا عنى.. فأناديه:خذ نصف البطيخة هذه وأطعمها لهما كى يستطيعا أن يتحركا.

-         لقد أحضرت لكل واحد منهما بطيخة، أكمل أنت بطيختك بالهنا والشفا.

وأكمل تناول البطيخة فأجهز على الجزء الأحمر حتى آخره وقليلا ما كنت أفصلبعد حبات اللب وأضعها على الصخرة التى أجلس عليها.. ثم أخذت أنحت الجزءالأبيض من البطيخة تاركًا القشرة الخضراء الصلبة.. وبعد دقائق معدودة وجدتنى أجمع القشرة الخضراء التى تركتها، وآكلها عن آخرها.. ثم بعد دقائق أخرى أبحث عن كل حبة لب أخرجتها وألقيتها بكل سعادة وأضعها فى فمى.. لقد عادت لنا الحياة وبعد فترة قاربت الساعةأو يزيد – سمعت صوت اقتراب حلمى وعادل والجندى إنهم يتبادلون الحديث.. ووصلوا إليَّ لأعانقهم قائلًا "ألم أقل لكما إن الله لن يضيعنا" وصعدنا معًا ما تبقى من الجبيل.. لنبصر على الناحية الأخرى منه وفى وادى سحيق أسفله، نارًا مشتعلة وحولها عدد من الأفراد.. يخبرنى حلمى أنهم باقى المجموعة ومعهم أحد البدو الذى التقوه منذ عشرة أيام فى أحد حقول البطيخ الموجود فى الوادى، ويقوم بإحضار الطعام والماء لهم وطمأننى أن العدو لا تشغلهمثل هذه النار لأن جميع البدو يفعلون ذلك فى كل مكان.

وهبطنا جميعًا على الدرب المؤدى إلى حيث النار المشتعلة ونحن نسابق الريح من فرط الفرحة واستعادة الأمل.. وبالأحضان استقبلنا الضابط محمد ومعه فرد الإشارة بمجموعته – عبدالسلام، وذلك الأعرابى الكريم/ سليم، الذى أخذ يعد لنا الطعام – فيخرج بعضًا من الدقيق ويعجنه بالماء ويضعه فى النار ليصنع لنا ذلك الخبز المسمى (قرص الملا) ثم يشوى بعض ثمراتالبطيخ فى هذه النار وبعد إنضاجها يضعها فى حلة من الألومنيوم قد أنضج فيها بصلا وصلصة. ويقدم لنا طبقًا أشبه بالمسقعة ولكنه من البطيخ. ونلتهمه قبل أن يرفعه من فوق النار فما أحسب أنى تناولت فى حياتى طعامًا أشهى من ذلك، لا أنا ولا كل من معى.

الفراعنة

ما أن فرغنا من تناول الطعام حتى قدم لنا الشيخ/ سليم أكواب الشاى الذى كان يعده على النار التى أمامنا، وبدأت أشعر أن حواسى كلها عادت إلى الحياة، إننى أسمع صوتًا جميلًا من ذلك المذياع الصغير الموجود مع الضابط/ محمد.. إنه صوت المطربة "وردة" وهذه الكلمات الدافئة: "وأنا على الربابة بأغنى.. يا بلادى.. يا بلادى يا أحلى البلاد يا بلادى".

ما أجمل هذه المعاني.. ولكن أين أغانى الحرب التى تشعل الحماس.. هل تغيرت المعانى أم تغيرت الألفاظ.. ما أجمل كلمة بلادي.. وهل تغيرت أدوات الحرب أم تغيرت أدوات العزف.. لقد عدنا إلى الربابة.. لم يعد هناك الطبول الصاخبة إن كلمة بلادى وحدها يكفى أن تنطقبلا عزف وبلا طبول.. حقًا إننا نعزف سيمفونية حرب مشروعة لاستعادة الحق.. والحق يعلو ولا يعلو عليه.

وهذا الرجل البدوى الشيخ/ سليم ذو الساق الواحدة أو الساق ونصف التى يقفز بها من مكان لآخر مثل (الكنغر) بمنتهى النشاط والحيوية ولا يكاد يخفى فرحته وترحابه بنا، حتى أنه عندما استقبلنا بالعناق والقبلات أخذ يقبلنى على وجهى من الجهتين أكثر من خمس أو ست مرات حتى سقطت على الأرض من شدة التعب.

وما أن دار الحديث بيننا حتى عرفت قصة حياته كلها قبل أن أنتهى من كوب الشاى الثالث، فهو من قبيلة الإحيوات من أكبر قبائل سيناء وأكثرهم وطنية وإخلاصًا لمصر وحبًا لجيشها وتعاونًا معه، ولكنه فقير ليس له مورد رزق إلا قطعة أرض صغيرة يزرعها هو وأخوه مرة كل عام على ماء المطر، بالإضافة إلى عدد قليل من الأغنام التى يقومون بتربيتها على الرعى فى الصحراء أما ساقه فقد عضها جمل وهو طفل صغير فأصابها شلل ومنذ ذلك الحين وهو يعرف باسم (سليم الأعرج).

أما مجموعة محمد التى جاءت إلى هذه المنطقة ولم تكن تعرف أين هى فقد قص على قائدها كيف أن الهليكوبتر بعد إبرار مجموعتى فى مكانها تعرضت لنيران أرضية وهى فى الطريق إلى المكان المحدد لإبراره.. وأن الطيار تخلص منها بأعجوبة وكان يريد أن يعود بالمجموعة مرة أخرى إلى مطار ألماظة ولكن أبى الضابط/ محمد إلا أن يصل إلى مكانه وينفذ مهمته، فما كان من الطيار إلا أن عاد مرة أخرى وأبره على عجل فى منطقة يفترض أنها المكان المحدد لإبرار المجموعة، لتتحرك منها إلى منطقة عملها وقد قام هو بالتحرك فى اتجاه منطقة العمل بعد إبراره مباشرة، معتقدًا أنه فى المكان الصحيح، ولكنه فى الصباح عندما حاول تحديد مكانه على الخريطة إكتشف أنه خارج نطاق الخريطة فى المنطقة التى وصلوا إليها وعند إبلاغ القيادة بذلك فى الصباح كان قرار القيادة فى منتهى الحكمة فأمرته بالاختفاء فى مكانه طوال نهار ذلك اليوم ومراقبة أى أنشطة للعدو والإبلاغ عنها لعل ذلك يقربهم من موقع مكانه ولكن المنطقة كانت خالية تماما من أى مظاهر للحياة فأخذ المقدم/ صلاح يوجهه بالتحرك طوال الليل فى اتجاه الشمال وأن يقوم فى الصباح بوصف الهيئات الأرضية والمعالم الطبوغرافية الموجودة حوله.

ثم فى الليلة التى تليها يكرر نفس الشيء حتى استطاع المقدم/ صلاح بما لديه من خبرة سابقة ومعرفة كاملة لأرض سيناء أن يحدد بالتقريب المنطقة التى وصل إليها وأمره بالبقاء فيها.. واستغل احتياج مجموعتى للطعام والماء بعد نفاذهما ووجهنى إلى المنطقة التى توقع وجود مجموعة محمد فيها وفهمت وقتها فقط لماذا كان تحريكى كل هذه المسافة 70كم للحصول على الماء ونحن فى هذه الظروف الجسمانية الصعبة. بدلًا من اختيار بئر آخر قريب من مكاننا، وفى النهاية استطاع أن يجمعنا بالشكل الذى تلاقت به سفينتا الفضاء من قبل، أما عن البطيخ فقد وصف لى الضابط/ محمد كيف وجدوا أنفسهم فى حقل البطيخ وهم يتحركون ليلا بعد عشرة أياممن التحرك بلا هدى ونفاد الطعام والماء الذى معهم.. فأحسوا أنها هدية السماء لهم فاستقروا فيه حتى التقوا الشيخ/ سليم فى صباح اليوم التالى فاصطحبهم إلى الجبل لإخفائهم عن عيون العدو وأخذ يمدهم بالطعام والماء.. وهمس إلى محمد راجيًا ألا أبلغ القيادة شيئًا عن البطيخ وأن أكتفى فقط بذكر ذلك البدوى حيث إنه لم يبلغهم إلا عنه أى الرجل البدوى وبالأمس فقط – كى لا يتم تكليفهم بمهمة إضافية وهم على هذه الحالة من التعب والإعياء.  

كان همى الأكبر هو التعرف على الحرب الدائرة وما هو موقف قواتنا وموقف العدو فأمسكت بجهاز الراديو الموجود معهم وأخذت أقلب محطاته. فكانت الأخبار غير سارة وعلمت أن العدو نجح فى عبور القناه غربًاوتمكن من حصار مدينة السويس وقلل من الصدمة على نفسى أن جميع قواتنا التى عبرت القناة إلى الشرق ما زالت متمسكة بمواقعها فى سيناء وأن العدو استمر فى خرق قرار وقف إطلاق النار الذى صدر يوم 21 أكتوبر ولم يمتثل له إلا يوم 26 أكتوبر بعد أن منى بخسائر فادحةعندما حاول اقتحام مدينة السويس وتعرض لمقاومة شديدة أجبرته على الخروج منها والابتعاد عنها والاكتفاء بحصارها من مسافة بعيدة.

أحسست بعظم المسئولية الملقاة على عاتقي، بعد سماع هذه الأخبار، فالمحور الذى نحن بجواره الآن هو المحور الرئيس الذى تتحرك عليه قوات العدو لتصل إلى قوات الجيش الثالثالذى تمكن العدو من حصاره غرب القناه. وأى نقص فى المعلومات عن العدو المتحركعلى هذا المحور سيعرض الجيش لمواقف صعبة فأخذت أناقش الشيخ/ سليم وأستوضح منه بعض البيانات عن قدرته على إمدادنا بالطعام والماء (خاصة وقد أصبح عددنا ستة أفراد) ولأية مدة، وأى الأماكن الأكثر أمانًا له للوصول إلينا وفعلًا وقع اختيارنا بصفة مبدئية على جبل آخر فى مدخل المضيق أكثر أمانًا وأفضل فى تحقيق المراقبة المستمرة لتحركات العدوعلى جميع المحاور والطرق المؤدية إلى المضيق.

كنا قد أرسلنا إشارة لاسلكية خلال الليل إلى القيادة أبلغناها أن مجموعتى تم لقاءهامع مجموعة/ محمد، وأننا لدينا كمية من الطعام والماء أحضرها الشيخ/ سليم وطبعًا لم نذكر أى معلومات عن البطيخ كما طلب الضابط/ محمد.

وفى الصباح طلبت المقدم/ صلاح على الجهاز وأخبرته بتحسن موقفنا من الناحية المعيشية وأنى جاهز لتنفيذ أى مهام إضافية فورًا وبلا حدود (عندها سمعت عادل يهمس إلى الجندى وهو ينظر تجاهى – قائلًا ألم أقل لك إننا سلالة فراعنة)

-         هنأنا المقدم/ صلاح بسلامة موقفنا بعد التقاء المجموعة الأخرى – وأمر بانضمام المجموعتين معًا والعمل كمجموعة واحدة تحت قيادتى والتركيز على محاور التقدم فى المنطقة وتنظيم العمل لمدة قد تطول.

كان قرارى الذى اتخذته أنا والضابط/ محمد هو استمرار المراقبة من مكاننا طول اليوم على أن نتنقل بعد حلول الظلام إلى المكان الجديد فى الجبل المجاور لنا والواقع فى مدخل المضيق ونقوم بتنظيم العمل هناك وحددنا نظام الخدمة وكيفية تحقيق الاتصال وكذا باقى الأعمال، ثم طلب منى محمد أن أخلد إلى النوم أنا وكل من عادل والجندى طوال النهار بعد هذا الجهد المضنى وأن يقوم هو وحلمى وعبد السلام بمراقبة العدو خلال تلك الفترة التى سنتحرك بعدها إلى المكان الجديد الذى سيحتاج منا جميعا جهدًا كبيرًا لإعداده وإخفائه بالشكل الذى يمكننا من تنفيذ المهمة بطريقة صحيحة.

ترقينا إلى الرتبة التالية

إستغرقنا فى نوم عميق لم ندرِ كم من الوقت مر علينا حتى شعرت بيد تهزنى بقوة انهض. فأنهض قاعدًا وأنا أقبض على سلاحى فى وضع الاستعداد فإذا بمحمد واقفًا أمامى مهللًا والفرحة تملأ وجهه.

فأحدق فى وجهه مندهشًا.

-         ماذا حدث؟

-         ترقينا إلى الرتبة التالية

-         من أين عرفت؟

-         هذه هى الإشارة اللاسلكية التى استقبلناها منذ دقائق

-         ماذا تقول؟

-         بناء على أوامر القائد الأعلى ترقيتم إلى الرتبة التالية "الجنود والصف اعتبارًا من اليوم والضباط اعتبارًا من يوم عودتهم".

-         ما معنى هذا؟

أعتقد أن تأجيل ترقية الضباط إلى يوم العودة تم صياغتها خصيصًا من أجلك فأنت سوف تترقى إلى رتبة النقيب بعد شهرين اعتبارًا من أول يناير 1974 والترقية اليوم لن تفيدك أما إذا تأجلت الترقية حتى العودة فستنال رتبتين فى وقت واحد.

-         الحمد لله على كل حال.. المهم أن نعود وقد حققنا نصرًا يعيد لنا كامل أرضنا.

استيقظ عادل والجندى وفرحنا جميعًا ونحن نحزم أمتعتنا استعدادًا للتحرك إلى المكان الجديدوما أن حل الظلام حتى حضر إلينا الشيخ/ سليم الذى كان قد غادرنا من قبل شروق الشمسحتى لا يكتشف أحد من البدو أمره وتحركنا معًا إلى المكان الجديد إنه جبل لا تزيدمساحته عن 1 كم2 والأرض من حوله صالحة للتحرك من جميع الاتجاهات ولكنه يمتاز بكثرة خيرانه أى الفتحات الصالحة للاختفاء وأيضًا مراقبة العدو. وعند دخولنا إلى أحد هذه الخيران وجدنا إحدى عجلات الكاوتش الخاصة بالعربات موجودة على أحد الأجناب وهى بحالة جيدة وصالحة للاستخدام فى أى وقت فتحسبت من دخول الخور (الوادى الصغير) إلا أن الشيخ سليم أخبرنى أن العدو دائما ما يضع فى مثل هذه الأماكن القريبة من معسكراته ما يشعر من يقترب منها أن هذا المكان مطروق وأنهم سوف يحضرون إليه فى وقت قريب وهكذا يوجد فى مدخل الخور المجاور مجموعة من الصناديق الخشبية الفارغة مرصوصة على شكل غرفة لتوحى أن بها أحدًا منهم وهكذا يضمنون ابتعاد أى غريب عن هذه الأماكن.

أكملنا التحرك إلى داخل الجبل وتركنا فردة الكاوتش خلفنا بمسافة حوالى خمسمائة متر وبالشكل الذى لا يمكن من يقف عندها من رؤيتنا داخل الخور/ الجبل.

وحددنا على الأرض  مكانًا للنوم والراحة، ومكانًا لنقطة المراقبة وقمنا بتجهيزها طوال الليل بعد أن انصرف الشيخ/ سليم وتركنا ومعنا بعض الطعام والماء على وعد أن يحضر إلينا بعد أسبوع ومعه كمية أخرى من الطعام والماء.

مشينا فوق السحاب

بعد المحادثة الأخيرة مع المقدم/ صلاح، والإشارة الخاصة بالترقية وقراءة الأحداث مع تتبع الأخبار من المذياع الموجود معنا، قدرت أننا سوف نقضى فى هذا المكان مدة أطول قد تكون شهورًا وليست أيامًا وبناءً على ذلك قمنا بتنظيم وتجهيز المكان بالشكل الذى يسمح لنا بقضاء الوقت بأقل قدر من الملل وأكبر قدر من الأمان والراحة فقمت باختيار مكانين للنوم أى مكان لكل مجموعة بالشكل الذى يحقق التعاون النيرانى بينهما فى حالة مهاجمة العدو لنا وأيضًا يمكننا من الحركة داخل الخور من وإلى كل منهما بطريقة مؤمنة ومخفية وفى الوقت نفسه تسمح بالتحرك العادى من الوضع واقفًا دون الحاجة إلى الزحف أو الانحناء وتم اختيار مكان لنقطة الملاحظةفى أحد الميول المطلة على محاور التحرك حولنا وتم تجهيز هذه الأماكن لتحقيق كل المطالبالتى تحتاجها من راحة وإخفاء وستر وأمان كما قمت بتخصيص المهمة على الأرض لكلتا المجموعتين للعمل كمجموعة واحدة وتم تلقينهم بكيفية التصرف فى المواقف المختلفة وكيفية التخلص من العدو وإخلاء المنطقة والانسحاب فى اتجاهات محددة وأسلوب وكيفية التقابل وكذا نقاط المقابلة المنتظرة على الأرض.

كانت الأوامر قد صدرت لنا من القيادة أن نستخدم الاسم الكودى لمجموعة الضابط/ محمدفى تحقيق الاتصال أو إبلاغ أى معلومات وأن يتم العمل كمجموعة واحدة تحت قيادتى فنظمت العمل اليومى بالشكل الذى يعود علينا بالفائدة ولا يعرضنا للمل.

فجعلت خدمة المراقبة لفرد واحد فى نقطة المراقبة، أما فى منطقة الإيواء أسفل الخور يتم قيام فردين معًا بإدارة المولدات اليدوية لضمان استمرار شحن بطاريات الأجهزة اللاسلكية وإبلاغ المعلومات فى التوقيتات المحددة أى أننا نحن الستة ننقسم إلى مجموعتين كل ثلاثة أفراد معا فى وقت واحد لمدة ست ساعات متصلة يتناوبون فيها بينهم ثم يخلدون للراحة لمدة ست ساعات كاملة وتقوم المجموعة الأخرى بدور الخدمة.

واجهتنا مشكلة بدأت فى أول الأمر بسيطة ولكنها كانت تزداد بمرور الوقت وهى أن الجبل الذى نختبئ بداخله مكون من الحجر الجيرى ولا تنبت فيه أى أعشاب أو شجيرات لكى نستخدمها فى إنضاج الطعام المكون من (قرص الملا) أو (اللبة) هكذا يسميه البدو وهو عبارة عن رغيف من الخبز السميك يتم إعداده بعجن قدر من الدقيق بالماء مع إضافة قدر قليل جدًا من الملح إلى ماء العجين ثم نقوم بإشعال الأعشاب الخضراء التى نحصل عليها من تقطيع الشجيرات الموجودة فى الوادى وبعد أن تهدأ النيران المتأججة فى العشب يتم إزاحتها على أحد الأجناب ووضع (قرص الملا) فوق الرمال الساخنة وتغطية (القرص) مرة أخرى بالأعشاب المشتعلة حتى ينضج الخبز فيتم إخراجه من وسط النيران وتنظيفة من الرمال وتناوله طعامًا شهيًا، وأثناء تناول هذا الطعام الشهى الذى لا يزيد وزنهعن مائة جرام لكل فرد فى اليوم (نتناوله كوجبة إفطار بعد آذان المغرب)نضع إناء الشاى فى النار حتى ينضج فنتناول شربه بعد الإفطار ونحمد اللهعلى ذلك حتى نفس الموعد من اليوم التالى.

ولكى نحصل على الأعشاب اللازمة كان لزامًا علينا أن يخرج أحدنا كل يوم إلى الوادى أى يسير مسافة لا تقل عن كيلو متر ذهابًا وأخرى إيابًا كل يوم.. الأمر الذى يجعلنا معرضين لكشفأمرنا بواسطة العدو أو أحد البدو الذين يتحركون فى المنطقة إضافة إلى أن الحركة اليومية بدأت ترسم مدقًا على الإرض يسهل الوصول إلينا من أى متتبع لنا حتى وإن كنا فى كل مرةنحاول التغلب على ذلك.

وحاولت البحث عن بديل فوجدت تلك الصناديق الفارغة التى تم تجميعها بواسطة العدو فى الخور المجاور لكى يوحى لمن يحاول دخول المكان بأن هناك أحد موجود داخل المكان خاصة وأن صناديق الذخيرة الفارغة هذه تم رصها فوق بعضها البعض على هيئة غرفة لها باب وشباك.

قررت نقل هذه الصناديق إلى الخور الذى نتواجد فيه واستخدامها كوقود بدلًا من الأعشاب الجبلية.. وهكذا كنا نقوم بنقل عدد من الصناديق ليلا.. وكلما نفدت الكمية نقوم بإحضار كمية أخرى.

بقينا فى هذا الجبل لمدة شهرين على هذا الحال، مستمرين فى مراقبة العدو، ومن وقت لآخر تطلب القيادة معلومات عن منطقة أخرى تبعد عن المنطقة التى نتواجد فيها فنقوم بالتحرك إليها والحصول على المعلومات اللازمة ثم العودة مرة أخرى إلى نفس مكاننا وهكذا كنا نتناوب، مجموعتى مع مجموعة الضابط/ محمد ولم يكن من الممكن أن ننفصل مرة أخرى نظرًا لوجود خريطة واحدة (الموجودة معى)، فكان المتحرك يأخذها معه والثابت يبقى بدون خريطة نظرًا لمعرفة المكان وتحديده.

فى أحد الأيام من شهر ديسمبر 1973، طلبت منى القيادة الحصول على أحدث المعلومات عن العدو فى منطقة تبعد عن منطقتنا بأكثر من خمسين كيلو متر شرقًا.. وبعد دراسة الموقف على الخريطة وجدت أن هذه المنطقة المطلوب استطلاعها، يلزم الوصول إليها التحرك لمسافة أربعين كيلو مترا فى أرض مفتوحة تمامًا أى مكشوفة ويصعب الاختفاء فيها، ثم الدخول فى منطقة جبلية والتحرك لمسافة عشرة إلى خمسة عشر كيلومترا للوصول إلى الموقع المحدد.

وبعد دراسة الموقف مع الشيخ/ سليم وطلب مشورته، عرض على أن يأتى لى بأخيه الأصغر (سعد) ذى الثلاثين عامًا والأكثر دراية بالمنطقة.. ليصحبنى فى هذه الرحلة إلى المنطقة المطلوبة والعودة بعد تنفيذ المهمة.

وفى مساء اليوم التالى حضر إلينا سعد ومعه جمله وزوادته من طعام وماء يكفينا أنا وهو لمدة الرحلة. وتركت رجالى الخمسة تحت قيادة الضابط/ محمد للاستمرار فى تنفيذ المهمة فى مكانهم وتحركت أنا وسعد ومعى تسليحى وجهاز اللاسلكى والخريطة والبوصلة ونظارة الميدان.. وطوال الرحلة كنا نتناوب ركوب الجمل الذى كنت أشعر أن السير على الأقدام أكثر راحة من ركوبه الذى كاد يشعرنى بحالة من الارتجاج فى المخ.

وبعد ساعات مضنية من ركوب الجمل تارة والركد خلفه تارة قطعنا المسافة فى الوادى المفتوح ودخلنا إلى المنطقة الجبلية؛ حيث حددت لسعد المكان المطلوب الوصول إليه بالجمل، ثم تسلق سلسلة جبلية على الأقدام لكى نقترب من الموقع المراد استطلاعه.

ولقد كان سعد على درجة من المهارة والدقة التى أوصلتنا إلى داخل الجبل فى وادى تحوطه القمم العالية التى جعلتنا نشعر بالأمان الذى كنا مفتقدينه طوال مدة السير فى الوادى المفتوح على جانب الطريق الرئيس الذى يعج بالتحركات.

وشرعنا نجمع العشب ونشعل النار ونعد وجبة سريعة من قرص الملا، أخذنا فى تناولها ونعد الشاى ونحن نتجاذب أطراف الحديث فأسأل سعد عن آخر مرة جاء فيها إلى هذه المنطقة فيرد عليَّ ببساطة المتناهية:

-         منذ أكثر من عشرين سنة.

-         لقد كنت طفلا.

-         نعم كنت أرعى الغنمات فى هذا الوادى.

-         وهذه السلسلة الجبلية التى سنصعدها ماذا عنها؟

-         والله مأنى خابرها.. لكن ما فى مشكلة.

وأشعر أن هذه مسئوليتى وهذا دورى ويكفى أنه أوصلنى إلى هذا المكان وعليه أن يتبعني، لا أن أتبعه وخاصة أنى درست الأرض جيدًا على الخريطة وحددت طريق الاقتراب وهو السير فوق هذه السلسلة الصخرية من الشمال إلى الجنوب وبنهايتها يتواجد الموقع المقصود.

تركنا الجمل فى مكانه بعد تجريده من شدته لأسباب أمنية، حتى يبدو كأى جمل شاردفى الجبل – وتقدمت أنا وسعد وصعدنا السلسلة الصخرية وتحركنا فى اتجاه الموقع فى ظلام دامس طوال الوقت، نحاول أن نقطع تلك السلسلة قبل أول ضوء حتى لا ينكشف أمرنا وخاصة أننا نتحرك فوق القمة أى على (خط السماء) الذى يساعد على ظهورنا للعدو.. ولم أفكر فى النظر فى الساعة أو معرفة الوقت لأنى لا أكاد أبصر من شدة الظلام وهذا يعطى اطمئنانًا أكثر بأنه ما زال هناك وقت طويل حتى يظهر أول ضوء ثم تشرق الشمس بعده، وكثيرًا ما حدثتنى نفسى وأنا أسير فوق الجبل عن هذه الليلة المباركة الطويلة التى لا تريد أن تنتهى قبل أن نصل إلى هدفنا.. ولكن هذا الإحساس المتفائل والشعور الصوفى الروحانى بأننا أصبحنا من أهل الخطوة.. ضاع فجأة!.

وأنا أجدنى على حافة السلسلة الصخرية وأمامى جرف حاد وتحتى مباشرة معسكر للعدو تتحرك فيه جنوده ذهابًا وإيابًا، وفوقنا الشمس ساطعة كأنها فى كبد السماء وأتحسس الساعة فى معصمى وأنظر إليها فإذا هى الثامنة صباحًا (أى بعد الشروق بساعتين) وأتلفت حولى فإذا سحابة داكنة اللون خلفنا، تلك التى كنا نسير بداخلها طوال الفترة السابقة وكانت تحجب عنا تمامًا ضوء الشمس فلم نشعر بها حتى انقشعت فجأة وانتهت فى نفس التوقيت الذى وصلنا فيه إلى الحافة.. وأنظر إلى معسكر العدو الذى أتواجد بداخله حيث يحيط بالجزء الذى أقف فوقه من اللسان الصخري، والجنود حولى من كل مكان أنظر إليهم بالعين المجردة وهم ينظرون نحوي، غير آبهين.. وفكرت فى الرقود والاختفاء ولكن المكان كان عبارة عن صخرة من الجرانيت الأملس تظهرنا تمامًا فوقها حتى ونحن رقود وأخذت أقدر الموقف سريعا فوجدت أن أقل وقت يحتاجه العدو للصعود إلينا هو 20:15 دقيقة، رأيت أنها كافية لحصر جميع المعلومات عن الموقف وإبلاغها قبل وصول العدو إلينا.. وتذكرت قول الشاعر:

إذا لم يكن من الموت بد      فمن العار أن تموت جبانا

وأخذت أحصى أعداد الدبابات والمعدات والأفراد فى المعسكر.. من الوضع جالسًا فوق الصخرة.. ثم أعددت الجهاز اللاسلكى وقمت بإبلاغ المعلومات كاملة غير منقوصة ولم يخطر ببالى قط أن أذكر للقيادة شيئًا عن الظرف الذى أنا فيه.

أجمل ساعات النوم

فوق هذه السلسلة الصخرية الجرانيتية من أعلى جبل فى سيناء الوسطى.. جلست بكل الرضا بعد أن أبلغت جميع المعلومات الخاصة بالعدو الموجود فى المعسكر..

وكان عبارة عن لواء مدرع.. وبدأت الظنون تقفز إلى رأسى وأنا أتأمل وجوه جنود العدو الذين يتحركون فى المعسكر من خلال نظارة الميدان الموجودة معى – إنهم يستطيعون قطع طريق العودة الوحيد خلفى ويمنعونى من الانسحاب فأنا تقريبًا متوغل داخل المعسكر لمسافة لا تقلعن خمسمائة متر.. وقد يقومون بالنداء على وطلب الاستسلام لهم قبل أن يطلقوا على نيرانهموأنا حتما لن أستسلم لهم ولن أقبل الأسر.. إن معى ثلاثين طلقة من الذخيرة أستطيع الاشتباك بها حتى تنفذ.. ولكن ماذا أفعل لو نفدت ذخيرتى قبل أن يتمكن أحدهم من إصابتي؟، ونيلى شرف الشهادة.. إن استشهادى فى هذا المكان الرائع الجمال لأمر يبعث عليَّ البهجة.

اللهم اكتبها لى ولا تحرمنيها.. هل أتعرض له وأنا أقاومه وأمكنه من إصابتى، أم أقاومه حتى تنفد ذخيرتى وأسلم أمرى لله وأرضى بقضائه.. إن الأمر كله لله. وأخذت أدعو فى نفسى اللهم ارزقنى الشهادة ولا توقعنى فى الأسر.. دقائق مرت كأنها الدهر وأنا أرقبهم وأنتظر رد فعلهم.. إن أحدًا لم يركز نظره نحوى إلا نظرات عابرة كأنه لا يراني.. ولا أحد منهم يشير لأحد آخر فى اتجاهى.. وتذكرت قول المولى عزوجل "وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" ولما لا لقد أعماهم الله عنا من قبل وكانوا أقرب من ذلك يوم قصفت طائراتنا دباباتهم وخرج عادل من تحت الصخرة يهتف "الله أكبر" وتخيلنا أنهم قد أبصرونا.. ولكن الله أعماهم وأنجانا منهم إنهم حتما لم يرونا.. ومن الخطأ أن أبقى ظاهرًا أمامهمهكذا بعد أن أعماهم الله عنا.. وأخذت أتحرك بحرص شديد وأوجه سعد أن يفعل مثلى حتى ابتعدنا خارج نظام رؤيتهم، فانطلقنا نعدو إلى حيث تركنا متاعنا وجملنا.. وكان النهار قد إنتصففأخذ كل منا مكانًا تحت شجرة (رتم) يستظل بها ورحنا فى نوم عميق، استيقظنا منه وقد مالت الشمس للغروب فنهضنا نجمع العشب ونشعل النار لإعداد الطعام الذى تناولناه وشربنا الشاى بعده ونحن نشعر بسعادة غامرة، أن أدينا مهمتنا بنجاح.. ثم انطلقنا عائدين فى رحلةلم تخلوا من المواقف الصعبة والظريفة على حد سواء.

قبل أن تشرق شمس اليوم التالي، كنا قد وصلنا إلى مكاننا الذى فيه باقى المجموعة، فإستقبلونا بفرحة أنستنا عناء الرحلة.. وحاول سعد أن يبقى معنا داخل الخور لينام من شدة التعب، وكذا يبقى جمله معنا داخل الخور.. ولكنى لسبب لا أعلمه أصررت أن يأخذ جمله ويعود إلى بيته قبل شروق الشمس ولا يبقى معنا.. فلم يجد بدًا من طاعتى وخرج عائدًا إلى بيته وأهله.

قام الجندى على غير عادته بإشعالالنار وتجهيز (قرص الملا) ووضعه فى النار ثم فاحت من ناحيته رائحة كنا قد نسيناهامنذ وصلنا إلى هذا المكان إنها رائحة طبيخ.. تبين أنها علبة سردين وعلبة صلصةوبصلتان كان الشيخ سليم أحضرهم لهم الليلة السابقة، فأبوا ألا يأكلوها حتى أعود إليهم ونأكلهامعا ولهذا شرعوا فى إعدادها قبل أن أوى إلى النوم من شدة التعب.. وبينما عادل يساعده ومحمد وحلمى ملتفون حولى فى ود صادق فإذا بعبد السلام الذى يراقبمن داخل نقطة المراقبة. أعلى الخور.. ينادينى فى لهفة وفزع أن أصعد إليه.. فاندفعت نحوه، خوفًا أن يكون به مكروه وعندما قطعت نصف المسافة صعودًا إليه، صرخلا تتحرك حتى لا يروك فسألته كيف يرونى ومن هم – فكان رده أن العدو يتحرك نحونا فى اتجاه مدخل الخور.. فقفزت مندفعًا نحوه ولم أعبأ بتحذيره كى أرى بعينى ما يحدث.. فإذا بعدد من العربات المدرعة م 113 تتحرك تجاهنا ثم تتوقف أمام مدخل الخور فأشرت إلى باقى المجموعة أسفل الخور أن استعدوا بالسلاح ولا تشتبكوا إلا بأمر مني.. فاستعدوا فى الحال.. بينما اتخذتموضعى فى نقطة المراقبة إلى جوار عبد السلام أتابع ما يجرى فرأيت الجنود يترجلونمن داخل العربات المدرعة ويصطفون على أجنابها فى وضع القتال ثم يتحركوا جميعًا فى حذاء بعضهم البعض ثم يتوقفون مصوبين أسلحتهم فى اتجاهنا دون أن يستمروا فى التحرك داخل الخور (ولو أنهم اقتربوا مسافة مترين آخرين لاكتشفوا كل شيء يخصنا) انتظرت وأنا أرفع يدى مشيرًا بها نحو المجموعة ينتظرون منى إنزالها ليشتبكوا مع العدو.. ولكنى أمسكت عن تحريكها حتى أتأكد أن العدو يرانا أو يقصدنا وتمر اللحظات والثوانى وجنود العدو يصوبون أسلحتهم تجاهنا من الوضع مرتكزًا بينما المدفع الرشاش الموجود على العربة المدرعة مصوب نحو رأسي.. وفجأه أسمع أصواتا باللغة العبرية لم أستوضحها جيدًا بعدها يقفز الجنود داخل العربات التى تعود مرة أخرى فى الاتجاه الذى جاءت منه وتقوم بالتجمع ثم تعود وتكرر ما فعلته فى المرة الأولى ثم مرة ثالثة ورابعة.. بعدها قاموا بالتجمع فى الخور المجاور لنا.. فتحركت من مكانى بكل حذر بعد أن تقلدت سلاحى وألقيت نظرة على الخور المجاور فوجدت الجنوديقضون قسطا من الراحة ويتناولون طعامهم.

فعدت إلى حيث أفراد مجموعتى، وأخبرتهمبما رأيته وتقديرى له أن هذه القوات عبارة عن سرية مشاه ميكانيكية تقوم بالتدريب على الرماية التكتيكية (الجافة) أى بدون ذخيرة اليوم، وسوف تستكمل باقى اليومفى التدريب – وأنها فى الغد سوف تحضر إلى نفس المكان لتنفيذ الرماية بالذخيرة الحيةبعد أن تصنع أشكال الرماية فى المكان الذى نتواجد فيه الآن.

وبناء على ذلك سوف نقوم بالانتقال إلى مكان آخر الليلة يكون أكثر أمانًامن هذا المكان – والآن عليكم أن تستمروا فى أماكنكم على استعداد كامل للاشتباك مع العدو بمجرد دخوله داخل الخور.

-         أما أنا فاتخذت موقعًا جيدًا للاشتباكمع العدو حالة اكتشافه لنا.

-         وأخذت سلاحى وقنابلى اليدوية معى وأمرتهم ألا يوقظنى أحد إلا فى حالة واحدة.

-         هى دخول العدو إلى مدخل الخور أكثر من خمسة أمتار.

أى عبوره للفردة الكاوتش الموجودة فى المدخل.. ونمت ملء جفونى حتى أيقظنى أحدهم ليقول لي: "إن قوات العدو قد عادت من حيث أتت بعد أن كررت نفس التدريبات عدة مرات".. وأخذنا فى استكمال إعداد الطعام الذى لم يكتمل وقمنا بتناوله بسرعة بينما علق بعضهم متسائلا كيف لى أن أنام بهذا العمق فى هذا الظرف المرعب – فرد عليه آخر أن نومى جعله يشعر بالأمان ويعلق آخر ضاحكًا لم نكن نخشى إلا أن يسمع العدو صوت شخيرك.

لم تخلو هذه الفترة منذ وصولى من رحلة الأمس حتى نهاية اليوم من المواقف الغريبةوالطريفة – أولها هو أن سعدًا عندما تركنا فى فجر اليوم عائدًا إلى بيته لم يستطع أن يقاوم النوم فنزل عن جمله فى أول وادى قابله وتركه ونام هو تحت إحدى الشجيرات، وعندما رأى الجمل العربات المدرعة تتحرك حوله اندفع خائفًا منها نحو مكاننا الذى يعرفه فوجد العربة المدرعة التى قدر الله وقوفها أمام مدخل خورنا فيعود مرة أخرى خوفًا منها ولو أنه دخل الخور وفوقه سرجه لشك العدو فى وجود أحد فى الخور ولدخلوا خلفه.

أما الموقف الطريف فقد حدث لى شخصيًا عندما نزلت من نقطة المراقبة وتحركت فى حذر شديد وأنا أضعسلاحى فى وضع الاستعداد.. وبينما أنا أقترب من القمة لأطل برأسى على الناحية الأخرىمتوقعًا فى كل لحظة أن أجد وجهى فى وجه أحد جنود العدو. وإذا بى أفاجأ بضربة قويةفى وجهى كدت أطلق نيران بندقيتى نحو مصدرها – لولا تجلى حقيقتها بسرعة فإذا هى طائرمن طيور الجبل أقرب إلى الدجاجة فى شكلها وحجمها ولكنها قوية الأجنحة للدرجةالتى تجعل صوت حركتها أقرب إلى صوت الحركة الصادر من ألواح الصلب. فلم أتمالك نفسى من الضحك حتى كدت أن أسمع قوات العدو.

ما أن حل الظلام حتى وجدنا الشيخ سليم يدخل علينا وهو لا يصدق ما حدث ويعانقنا جميعاواحدًا واحدًا تعبيرًا عن فرحته بسلامتنا – فأخبره أنى قررت مغادرة هذا المكان فورًا إلى آخر أكثر أمانًا لأن العدو ينتظر أن يقوم بإجراء تمارين رماية فى هذه المنطقة – فيوافقنى على الفوربينما يحاول الضابط/ محمد إقناعنا بالبقاء نظرًا لعدم قدرته على السير فيعلق الشيخ سليم بعفويته قائلا يا إخوان "ما يتآخذ بعد الإنذار غير الحمار" ونتحرك إلى جبل آخر قريب بعض الشيءمن الجبل الأول ولكنه أكبر حجمًا ومساحة وأكثر ارتفاعًا – أى أنه أكثر ملاءمة لإخفائنا وتمكيننا من مراقبة العدو فى المنطقة وعلى محاور التحرك.

ويتركنا سليم نكمل مشوارنا إلى الجبل الجديد على أن يأتى إلينا فى الليلة القادمة. وعندما أسأله كيف ستصل إلينا ولم تعرف مكاننا، فيبتسم قائلا أنا باجيكم أى أجئ إليكم – وما أن طلعت علينا شمس اليوم التالى حتى كنا قد جهزنا أماكننا بكل همة وإتقان واخترنا مكانًا لنقطة المراقبةهو الأفضل والأصلح والأكثر أمنًا وأمانًا فى الوصول إليه والبقاء فيه وكذا الهروب منه.

وقبل أن ينتصف النهار كنت أجلس فى نقطة المراقبة وإلى جوارى الضابط محمد، وأقول له صف لى ما ترى، فيقول:

-         إن العربات المدرعة تطلق نيرانها على أشكال الرماية.

-         أين وضعوا أشكال الرماية؟

-         فى المكان الذى كنا فيه.

-         ونتعانق فى حب وود ملئهما العرفان والتقدير.

      

مدفعية العدو فوق رؤوسنا يوم العيد

كان موقعنا الجديد الذى انتقلنا إليه فى المدخل الشرقى لممر متلا على سفح جبل الحيطان الشامخ وهو أحد قمم جبل الراحة الأكبر، الذى يتكون من عدة قمم أهمها جبل الحيطان هذا.. الذى أعطانا إحساسًا أكبر بالأمان وكأنه يحمى ظهرنا فلا يستطيع العدو أن يصل إلينا من ناحيته وفى المقابل نستطيع نحن إذا هاجمنا العدو أن نتخذه ملاذًا آمنًا للتخلص من العدو أو قتاله من وضع أفضل يعطينا ميزة لا يمتلكها هو.

وكان سفح هذا الجبل مليء بالخيران التى يمكنها إخفاء فرقة كاملة، إضافة إلى الشجيرات الكثيرة التى تغطى أرضه فتعطينا الإحساس بأننا موجودون فى أحد الحقول.. كما أنها توفر لنا ما نحتاجه من وقود لإشعال النيران وخاصة فى الجو البارد الذى هجم علينا مع دخول فصل الشتاء وكنا نطيقه بصعوبة لقد امتلك هذا الموقع العديد من المزايا، منها مثلا أن له مدخلا واحدًا نستطيع رؤية أى شخص يحاول الوصول إلينا من خلاله طبعا من نقطة المراقبة التى اخترناها وجهزناها على الميل الأمامى لجبل الحيطان المرتفع، وميزة أخرى أننا نستطيع التحرك داخله بحرية أثناء النهار دون أن يرانا العدو.. وهذا ما أوحى إلى العديد من الأفكار التى تقلل الملل وتساعدنا على المحافظة على صحتنا ما أمكن ومنها على سبيل المثال أنى أخذت أمارس طابورًا يوميًا فى اقتلاع بعض الشجيرات الصغيرة وتجميعها لكى نستخدمها فى إشعال النيران لأغراض إعداد الطعام،والتدفئة طوال الليل لمقاومة البرد القارس.. كما أننى واجهت مشكلة عدم الاستحمام التى قاسينا منها مدة طويله، بأن أختلى بنفسى فى أحد الخيران وأخلع ملابسى كاملة وأنشرها تحت الشمس لكى تطهرها.. أما نظافة الجسد فكانت تتم عن طريق تمرير الكفين على جميع أجزاء الجسد تحت أشعه الشمس وإجراء عملية (فرك) لما يعلق بالجسد من أتربة وعرق.. وبعد الانتهاء من حمام الشمس يتم ارتداء الملابس.. وهكذا نقلت الفكرة إلى باقى الأفراد.. وكم جلست ليالى طويلة حول النارالتى نشعلها فى ذلك العشب والشجر الأخضر الذى أعطاه الله هذه الميزة وهى الاشتعال وهو أخضر مليء بالماء، واقتصرت على أعشاب الجبل والصحراء فقط دون الأراضى الزراعية التى تروى من الأنهار والآبار وصدق الله إذ يقول "الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ" (سورة يس) وكنت أفهم هذه الآية أو كما فسرها المفسرون أن الله جعل من الشجر الأخضر نارًا أى بعد أن تجف وتتحول إلى حطب، ثم يجتهد شيخ آخر، فيقول: جعل من الشجر أى الأكسجين الذى يخرج من الشجر وهو أخضر فيساعد على اشتعال النار فى أى شيء آخر ولو منعنا الأكسجين لما اشتعل.. وهكذا لم يكن أحد يعرف من خارج الصحراء، هذه المعلومة، أن هناك شجرًا أخضر يشتعل وهو بكامل إخضراره دون أن يجف، بل إنه كان هناك نوعان:من الشجر الأول وهو (الرتم) الذى يشبه شجر الجازورين وهذا ينتج عن اشتعاله كميات كبيرة من الدخان الداكن.. لذا كنا نستعمله فى الليل فقط حيث لا يمكن رؤية الدخان فى الليل. ونوع آخر كان ينبت فى الصخر وحجمه أقل من شجيرات الرتم ولونه أميل إلى اللون الرمادى الفاتح وكان لون اللهب الناتج عن اشتعاله يشبه نار البوتاجاز ولا يخرج منه آية أدخنة.. ولذلك كنا نستخدمه نهارًا.

وتمر الأيام تلو الأيام والأسابيع تلو الأسابيع.. ونحن منتظمون فى مراقبة العدو بكل دقةوإصرار.. لا تفوتنا همسة ولا حركة إلا رصدناها وأبلغناها للقيادة.. أما عن طعامنا وشرابنافإن الشيخ سليم كان يأتى إلينا مرة كل أسبوع ومعه مقدار من دقيق الشعير لا يكاد وزنه يجاوز الثلاثة كيلوجرامات وجركن لا يكاد يمتلئ بالماء وفى بعض الأحيان يكون نصف جركن فقط أى حوالى عشرة لترات من الماء كان تفسيره لذلك، سببين: أولهما أنه لا يستطيع أن يشترى من الدكان الذى يتعامل معه إلا الكمية التى تعود أن يشتريها كى لا يفتضح أمره وأمرنا، خاصة وأن العيون عليهم، من جانب عملاء العدو داخل القبيلة.. فهو يشترى نفس الكمية المعتاد عليهاأو أكثر قليلا ويقوم باقتسامها معنا.. أما السبب الثانى وهو الأهم أنه رجل فقير وليس ميسور الحال فهو ينفق علينا من لحم الحى ونظرًا لتعذر انتظامه معنا فى المواعيد التى يحددها، فقد كنت أحتفظ دائما بجزء من الدقيق والماء الذى يحضره –أحتفظ به كاحتياطي– لا يستخدم إلا بعد وصوله فى الوقت الذى يحضر إلينا فيه، خشية تكرار ما تعرضنا له من قبل عندما نفد ما كان معنا من طعام وماء.

أما عن نوعية الطعام الذى نعده فقد كان أحد صنفين الأول هو (قرص الملا) الذى نشرع فى تناوله فى بداية وصول الدقيق، وعندما يبدأ الدقيق فى النقصان – كنا نعد صنفًا آخروهو (العصيدة) وهى عبارة عن وضع كمية من الدقيق فى ماء مغلى بعد إضافة كمية من الملح إليه ثم نستمر فى تقليبه وهو فوق النار حتى يتحول قوامه إلى اللزوجة فنتناوله نحن الستة وهو يغلى فوق النار بأدوات الطعام التى صنعناها بأيدينا من البيئة وهى عبارة عن قطعة من الصخر يقوم كل واحد بشطفها لتكون أقرب إلى الملعقة ويتناول بها طعامه.. ولقد لجأت إلى جعل الجميع يتناولون الطعام وهو يغلى فوق النار كى نستغرق وقتًا أطول أثناء الطعام – من ذلك الذى لا نكاد ندركه عندما نرفع الإناء من فوق النار وتقل درجت حرارته.

ومن الطرائف التى لا تنسى.. ما حدث لنا يوم عيد الأضحى – أما عيد الفطر فلا أذكره البتة – وقد كان الشيخ سليم هو الذى ذكر لنا آخر مرة زارنا فيها أنه سوف يحضر لنا فى المرة القادمة لحمًا من الأضحية التى سوف يذبحونها وحدد لنا اليوم لأننا لم نعد نفرق بين الأيام.. وفى ذلك اليوم.. استفتحنا أوله بصلاة العيد فى مكاننا والتكبير – طبعا بصوت لا يسمع – ونحن نمنى النفس بما سيأتى به الشيخ/ سليم الذى لن يحضر إلا بعد حلول الظلام كما هى عادته.. وما أن غابت الشمس وبدأ لعابنا يسيل فى انتظار الوليمة.. إلا وتنهال حولنا دانات من المدفعية الثقيلة التى تتطاير شظاياها من فوق رؤوسنا.. فاتخذنا أوضاع الاستعداد لمواجهة ذلك العدو.

وأخذت طريقى مثل البرق إلى حيث نقطة المراقبة التى تشرف على المنطقة بالكامل ونستطيع منها تبين الموقف.. وكان الجندى وقتها هو الموجود فى النقطة طبقا لدور خدمته.. وأخذت أستوضح منه الموقف كيف حدث هذا وما هو الشيء الغريب الذى طرأ ولم يبلغنا عنه؟ فيخبرنى أن كل شيء طبيعى حتى آخر ضوء إلا من ملاحظة واحدةهى أنه لم يرصد أى تحركات على المدقات والطرق القريبة، منذ ساعة تقريباوكأن هناك إيقافًا للتحركات وأنه ظن ذلك الأمر طبيعيًا، وهو مستمر فى تسجيل جميع الأنشطة.

أخذت أحصى أعداد الطلقات والزمن الذى تطلق فيه.. فاكتشفت أنها للهاوتزراتعيار 155 مم وقد تأكد لى ذلك عندما أطلقوا دانة مضيئة جعلت المنطقة كلها وكأنها فى وضح النهار، وكأن الشمس فى كبد السماء وكنت أعلم أن هذا النور من المدفعية ذاتيةالحركة يستخدم ذخيرة مضيئة قوتها مليون شمعة.. وها هى كما لم أكن أتوقعها.. وبدأت أحلل المشهد أمامى فهذه الدانات التى تطلق على منطقتنا تطلق من الهاوتزر ذاتى الحركة عيار 155 مم الذى يبلغ مداه حتى 16,8 كيلومتر أى أننا فى ميدان رماية المدفعية الذى تسقط فيه الدانات أما المدافع نفسها فلا بد أنها فى مكان يبعد عنا بمسافة لا تقل عن عشرة كيلو مترات.. ولهذا لم يرها الجندى من نقطة المراقبة.

ولقد استبعدت احتمال استهداف العدو لنا بهذه المدفعية لأن هذا ليس أسلوبه ولو كان اكتشافنا لحاول الوصول إلينا بطريقة أخرى.

طمأنت رجالى واستمرينا فى متابعة الرماية حتى توقفت تمامًا بعد منتصف الليل وحمدنا الله الذى أنجانا ولم تسقط علينا إحدى هذه الدانات.. وفقدنا الأمل فى وليمة اللحم التى ضاعت علينا وإن كان الشك قد تسرب إلى نفوسناأن يكون الشيخ سليم قد أصابته إحدى هذه الدانات وهو آت إلينا وهذه وحدها مصيبة كبرى – حتى أننا لم يخطر ببال أحد منا أن نقوم بإعداد الطعام الذى لم نذقه طوال اليوم والليلة.. وانصرف كل منا إلى ما عليه عمله. فتم تغيير خدمة المراقبة وكنا قد أعددنا بلاغًا إلى القيادةبما حدث وتم إبلاغه، وأوى الباقون إلى مرقدهم.. وبقيت فى مكانى أفكر فيما علينا أن نفعله لو كان سليم قد أصابه مكروه.. وأخذت السيناريوهات تتدافع إلى رأسى منها المتشائم ومنها المتفائل.. ولكن قلبى أبدا لم يفقد الأمل وأنا أدعو الله أن يقدر لنا الخير.

وإذا بظلام الليل الذى بدأ يوارى القمر.. يشقه ذلك البعير الذى أصبح واحدًا منا نحبه ويحبنا.. وفوقه الشيخ سليم فى طلته التى تشرق بالأمل.. فأقوم إليه أكاد أتلقفه من فوق البعير قبل أن يخر باركًا على الأرض.. ويسمع الأفراد صوتى وأنا أهلل من فرحتى مرحبًا بسليم وهو يهتف بحمد الله على سلامتنا.

فقد كان هو الآخر متوقعًا أن نكون قد هلكنا من كثرة هذه الدانات التى أخذ يراقبهاوهى تسقط فى منطقتنا. فقد اكتشف إغلاق العدو للمنطقة وإيقاف التحركات على المدقاتوالطرق المجاورة عندما كان يتحرك فى اتجاهنا.. فقام بالاختفاء فى أحد الوديان خارج المنطقة وأخذ يراقب ما يحدث ويدعو الله ألا نصاب بسوء.

هجم عليه أفراد المجموعة يعانقونه ويعانقهم.. ولكن فرحتهم لم تنسهم أن يصرخوا فيه:-

-         أين اللحم؟

فيدس يده فى رحله ويخرج لفافة يتسابق الجميع فى فتحها.. إنها قطعة من لحم الماعز قد لا يتجاوز وزنها الكيلو جرام.. ولكنها اللحم الذى نسينا شكله واسمه وأقول له انتظر حتى نعد الخبز (قرص الملا) فيرد قائلا:" لا دعى فقد أحضرت لكم خبزًا آخر نصنعه وننضجه فوق الصاج".. إنه أشبه بذلك الخبز الذى نعرفه فى قرانا، وقبل أن تمتد يد إلى الطعام أحجز نصيب حلمى الموجود فى نقطة المراقبة طبقًا لدوره فى الخدمة وأرسله له مع عبد السلام ليتناولا معا طعامهما فى نقطة المراقبة.. ونتناول معًا طعامنا مع الشيخ سليم.

أهلى يتلقون عزائى فى قريتنا

كان الوقت يمر بطيئًا وبدأ الأفراد يبدون عدم رضاهم عن طول المدة فى ظل الظروف المعيشية الصعبة، بعد أن كانوا يحاولون إخفاء مشاعرهم هذه عنى، فأنظم الوقت لنا جميعا بطريقة تخفف هذا الإحساس وأطلب منهم أن نجعل صلاتنا كلها (جماعة) وليس فرادا حيث أن المكان يسمح بذلك.. وأجعل الإمامة فى كل مرة لأحد منا دون تثبيتها على شخص بعينه.. ثم نقوم بختام الصلاة أيضًا معا.. ونكثر من جلسات السمر.. فهذا يحكى قصة وذاك طرفة، نقرأ قسطًا من القرآن كل يوم.. ونحاول حفظ بعض السور ونقوم بتسميعها لبعضنا البعض.. وعندما أشعر أن أحدًا منهم بدأ يشعر بالاكتئاب لا أتركه بمفرده وإذا كان فى دور خدمته فى المراقبة إما أصعد معه إلى نقطة المراقبة، أو أعين أحد زملائه معه ليؤنسه.. ولا أنسى ذلك الجرز (الفأر) الجبلى الصغير الذى رأيته يحوم حولنا فى المكان وكان حجمه لا يتعدى حجم ليمونة صغيرة بينما يبلغ طول ذيله حوالى عشرين سنتيمترا فى آخره كتلة من الشعر مثل ذيل الأسد، كم أنه كان ذا لون برتقالى جميل فكنت أقتطع جزءًا من طعامى يوميًا أطعمه له حتى أنه أصبح يأنث الحركة بالقرب منا ولم يعد يخشى غدرنا، وبعد فترة صار حجمه مثل البرتقالة.. ولكن مرت بنا فترة قحط جعلتنى أحرمه من وجبته التى كنت أكثر احتياجًا لها – فتسلل إلى مخدعى ذات يوم وأنا خارجه وأكل جزءًا من الخريطة التى تمثل استمرار الحياة بالنسبة لنا فقررت اصطياده وأكله قبل أن يجهز على باقى الخريطة أو على متاعنا.. ولكنى عندما حاولت ضربه وهو يقفز قريبا مني، أصابت الضربة ذيله فقطعته وفر هو هاربًا، لم يقترب ناحيتنا بعدها.. حتى أنى حاولت تصحيح خطئى وتقديم الطعام له مرة ثانية بعد أن تحسنت أحوالنا ولكنه لم يعد يأمن لنا ولا يقترب منا على الإطلاق وعاد حجمه مرة ثانية مثل الليمونة فحزنت من أجله كثيرًا وتمنيت لو صدقنى وعاد مرة أخرى.

×أهلى يتلقون عزائى فى قريتنا

كنا نتابع الأخبار على جهاز الراديو الموجود مع مجموعة الضابط/ محمد، وعرفنا أن الجيش الثالث الذى كان العدو يحاصره قد تم فك حصاره وجميع أفراده تم حصولهم على إجازات ميدانية.. ومن كان غائبًا لم يعد إلى أهله بعد وقف إطلاق النار على جبهة القتال. كان الأهل يصبرون أنفسهم بأنه ربما يكون ضمن قوات الجيش الثالث.

أما وقد انتهى الحصار، وحصل الجميع على الإجازات، فإن من لم يعد أصبح أهله يعدونه من المفقودين.. ويسألون عنه فى وحدته.. كى يطمئنوا عليه ولما لم نكن نحن من هؤلاء ولا هؤلاء، فقد قامت القيادة بعمل إيجابى لطمأنة الأهل علينا.. وإعطائنا جرعة معنوية نحن الأحوج إليها فى ظروفنا.

ولقد كان لأهلى بصفة خاصة موقف حرج، صنعه أحد الجنود الذين يخدمون فى نفس وحدتى وبقى فيها ولم يشترك فى الحرب، هذا الجندى واسمه/ أبو رحاب كان من قرية مجاورة لقريتى وتصادف زيارته لأحد معارف عائلتى أثناء إجازته، وأثناء تجاذب الحديث عرف ذلك الرجل أن الجندى/ أبو رحاب فى نفس وحدتى فسأله عنى، فما كان من أبو رحاب إلا أن نسج له قصة من خياله، أنه كان معى فى مهمة قتالية خلف خطوط العدو وأنى قمت ببطولات كبيرة استشهدت على أثرها وأنه هو الذى دفننى بيده، وأخذ يعبر عن مدى حبه لى.. وهكذا.. وانتشر الخبر فى قريتنا وتلقى إخوتى العزاء سرًا فى بيوتهم بينما كتموا هذا الأمر عن أمى خوفًا عليها من الصدمة نظرا لمرضها.

أخبرتنا القيادة أن نجهز رسالة صوتية لكل فرد منا يتم إرسالها عبر جهاز اللاسلكىوتقوم القيادة فى المحطة الرئيسية بتسجيلها على جهاز تسجيل ثم توصيلها إلى الأهلفى بيوتنا لسماعها، وتسجيل رسالة مشابهة منهم إلينا لنسمعها وتم ذلك فعلا.

وكان له أعظم الأثر على أهلينا وعلينا جميعا.

الطوفان يجرفنا

استيقظنا فى أحد الأيام، فلم نرَ للشمس أثرًا.. وأخذت أنظر إلى السماء فأرى أجسامًا طائرة لونها أبيض وهى أشبه بالريش الصغير المتطاير ثم بعد ساعات رأيت هذا الريش يزداد حجمه وتزداد كثافته فأصبح مثل رُزم من ورق الفولوسكاب الأبيض المتطاير فى السماء ثم يهبطعلى قمة جبل الحيطان الكائن فوقنا والذى نتواجد على سفحه فإذا لون الجبل أبيض وقد غطته الثلوج ثم بدأنا نسمع أصواتًا حولنا آتية من فوق الجبل أقرب إلى صوت المروحيات ويزداد الصوت شيئا فشيئا كلما مر الوقت ونحن فى أماكننا المجهزة على الميول الأمامية لهذا الجبل ولكنها أقرب إلى السفح بخلاف نقطة المراقبة الموجودة فى الأعلى وكانت أماكنا المجهزة عبارة عن حفرة تسع 2: 3 فرد بعمق متر أو أكثر ومغطاة بغطاء مموه من قماش الووتربروف المغطى بطبقة من البلاستيك الشفاف.. نضع تحته متاعنا وأسلحتنا وذخائرنا.. وكلما مر الوقت وازداد الصوت أحاول التحرك فى اتجاهه ولكننى لم أستطع تبينه.. إنه أشبه بصوت الريح بينما الرياح ساكنة ثم فجأة.. أرى أشجارًا من فوق الجبل تتحرك نحونا وصخورًا تتدحرج معها مختلفةأحجامها، ثم شلالات من المياه من خلفها تدفعها أمامها كأن سدًا كان يحجب خلفهمئات الآلاف من الأمتار المكعبة من المياه قد انهار.

كان اندفاع المياه والحجارة والأشجار أسرع من حركتنا وردة فعلنا فلم نجد أنفسنا إلا والمياه تقذفنا أمامها بمتاعنا وأسلحتنا وذخائرنا وتدفعنا فى اتجاه جرف سحيق يصب فى وادٍ لا يقطعه إلا تقاطع الطريق المتجه من تمادا شرقًا إلى مدخل متلا غربًا مع الطريق القادم من نخل إلى صدر الحيطان (على ممر متلا) والموجود عليه نقطة شرطة عسكرية للعدو. أى أننا على بعد دقائق معدودة سوف نكون نحن وكل متاعنا أمام تلك النقطة.

بعناية من الله وحده استطاع كل منا أن يمسك بأحد الصخور قبل السقوط فى الجرف بينما سقط معظم متاعنا واندفع مع المياه وكانت عيوننا تتابعها فى لهفة ملؤها اليقظة والحذر خاصة الأسلحة وشنطة الخرائط..

وبقينا على هذا الحال حتى حل الظلام، واندفاع شلالات المياه من فوق الجبل لا يتوقف بينما امتلأ الجرف بالمياه وتحول إلى بحيرة..

وبصعوبة بالغة تمكنا من الابتعاد عن مجارى السيول والوقوف على صخرة كبيرة توفر لنا الأمان ولكن عيوننا لم تتوقف عن متابعة متاعنا الذى تجرفه السيول وخاصة السلاح والخرائط فرأيناهم وقد علقوا ببعض الشجيرات التى اعترضت طريقهم داخل الوادى.. وبجهد جهيد تمكنا من استعادة السلاح والخرائط أما الأجهزة اللاسلكيه فقد كانت فى نقطة المراقبة الأكثر أمانًا لكونها خارج مجارى السيول.. وحمدت الله كثيرًا على هذا الفضل أن استعدنا الأسلحة والخرائط وأن الأجهزة اللاسلكية بقيت بحالة جيدة لم يمسسها سوء أما الطعام فقد ضاع كل ما لدينا من دقيق وشاى وسكر ولم يعد الكبريت صالحًا بعد أن أتلفته المياه.

ونقضى ليلتنا فوق الصخرة مبللين عن آخرنا بالمياه يكاد البرد يجمد أطرافنا ولم نعد قادرينعلى إشعال النار بعد ذوبان الكبريت ونبقى على هذا الحال حتى تشرق شمس اليوم التالى، لنرى أجمل شمس طلعت على سيناء، وسماءها صافية أما جبالها فقد اغتسلت، واغتسلت أشجارها وشجيراتها وازدهرت خضرتها وأما عن المياه فقد أصبح لدينا عدد من البحيرات الطبيعيةمختلفة المساحات – الماء يملؤها بشفافيته التى تظهر تحتها وحولها ألوان الصخور المختلفة والرائعة الجمال.. إنا نستطيع أن نشرب فلا عطش بعد اليوم، ويكفى ما مر علينا من أيام وشهور لم نكن نشرب إلا بغطاء الزمزامية وكم مر علينا من أيام بلا ماء إننا نستطيع الاستحمامبل والسباحة.. إن لدينا مشكلة صغيرة هى أننا لم يعد لدينا أى قدر من الطعام، والشيخسليم لن يأتى قبل أربعة أو خمسة أيام.

ونقضى ثلاثة أيام بلياليها بلا طعام نهائيا وملابسنا مبللة بالمياه لم يكتمل جفافها قبل يومين.. لم نتوقف لحظة عن مراقبة العدو وإبلاغ جميع المعلومات عنه وفى مساء اليوم الثالث يأتى إلينا الشيخ سليم ونحن نرتجف من شدة البرد تكاد أطرافنا تتوقف عن الحركة.. لم نسأله عن طعام.. بل كان السؤال الذى نطقنا به جميعا فى صوت واحد.

-         أين الكبريت؟

ونشعل النيران فى الأعشاب التى كنا نجمعها كل يوم على أمل أن يأتى سليم بالكبريت، ويهب سليم بإعداد الخبز لنا من الدقيق الذى أتى به – بينما نحن جميعًا نلتف حول النار العاليه نكاد نلقى بأنفسنا داخلها طلبًا للدفئ ويفرغ سليم من إعداد الخبز ويطهو لنا بعض حبات البطاطس التى أحضرها معه، بينما أدفع أحد الأفراد بالطعام إلى زميله الموجود فى نقطة المراقبة. فيقول لي. سوف أبقى أنا مكانه وأرسله إليكم ليذوق طعم الدفء الأهم من الطعام.

وبينما الدفء يتسلل إلى أجسادنا وبدأنا نستفيق ونحن نتخلص من شبح الجوع القاتل.. بدأت أشم رائحة غريبة لم أعهدها فى سيناء قبل اليوم فأسأل الضابط محمد هل تشم شيئًا فيقول نعم إنها رائحة غاز سام وأقول له هل تذكر أى نوع من الغاز هذا الذى يشبه رائحة التفاح فيقول ربما غاز الزارين..

-         وكيف يستعمله العدو هنا؟

-         ربما يوجد مخزن للعدو قريب من هنا والريح هى التى تنقل رائحته.

ويرانا الشيخ سليم على هذا الحال من الهمس والتحسب فيسأل:

-         إيش بيكم (ماذا بكم)؟

فأخبره بما نتخوف منه

فيرد علينا فى دهشة!!.

-         إنه تفاح جمعه من مقلب القمامة الخاص بالعدو وهو يضعه أمام الجمل ليأكله.

ويسمع الأفراد الجالسون هذا الكلام فيهتفون فى صوت واحد تفاح.. الجمل.. ويندفعون نحو الجمل ويخطفون جوال التفاح المعطوب وينقضون عليه يأكلونه وهم يرددون الجمل يأكل تفاحًا ونحن نموت جوعًا.

ويستلقى سليم على ظهره من شدة الضحك وهو يقول:

-         احذروا أن يصيبكم ما يصيب الجمل من أكل التفاح.

ونسأل فى دهشة:

-         ماذا يصيبه؟

-         إنه يظل يومين يخرج ريحًا أشد من الغازات التى تخافونها.

      

وادى الفراشات

كم هو جميل ذلك الجبل (جبل الراحة) إن له نصيبًا من اسمه، وإلا لما أسموه بهذا الاسم إنه أكبر جبال الحائط الغربى لسيناء ومن حيث المساحة فهو أقرب إلى مربع أو مستطيل تصل أبعادهإلى 30×40كم عند قاعدته التى يعلوها عدد من القمم تمثل كل قمة منها جبلًا أقل حجمًا أى أنه يضم جبال الحيطان والزرافة والحمراء وعلقة ومتلا – وهو يشرف على أكبر مضيقين جبليين فى سيناء هما مضيق متلا ومضيق سدر..

وبدأنا نشعر بالحنين لهذا الجبل وخاصة بعد أن ظهرت فيه البحيرات الصغيرة الممتلئة بالماء الصافى وتلك الخضرة التى بدأت تغطى أجزاء كثيرة من المكان وتلك الطيور الرائعة الشكل والصوت وتشعرنا أننا فى حديقة غناء أما الأرانب الجبلية التى لا أدرى من أين أتت؟، تغرينى فى كل لحظة أن أصوب إليها بندقيتى لاصطياد عدد منها، إن أحجامها تزداد أمامنا يومًا بعد يوم، ليتنا كنا نعلم ذلك لكنا أحضرنا معنا أحد الفخاخ ولكنا فزنا باصطيادها وهنئنا بأكلها ولقد أصبحت السباحة رياضة يومية لى فى هذه البحيرات مع حرصى الصارم على تأمين استحمام الأفراد فيها وخاصة من لا يعرف السباحة منهم.

لقد تغيرت أشياء كثيرة ليس فى المكان فقط بل فى طعامنا ولبسنا، ففى إحدى الليالى حضر إلينا الشيخ سليم ومعه رجلان من قبيلته (الإحيوات) وهما أبناء عمومته، فهم فرع العكفان أحد فروع قبيلة الإحيوات الأكثر ثراء من سليم وأخيه، جاؤوا من وادى المساجد شمال جبل المغارة البعيد عن جبل الراحة بحوالى مائة كيلومتر فى الاتجاه الشمالى الشرقى ولهم تاريخ طويل فى التعاون مع الجيش المصرى ومعروفون بوطنيتهم الشديدة، لقد أرسلهم سليم بأمرنا بعدما ضاقت حالته المالية ولم يعد يجد ما يطعمنا به، فجاؤوا إلينا يحملون الخير من طعام فى صورة عدد من معلبات السردين والصلصة والسمن ثم الشاى والسكر والدقيق وعدد من الأثواب التى كنا فى أمس الحاجة إليها خاصة بعد أن أصبحت ثيابنا أقرب إلى الخرق البالية التى لا تستر الجسد ولا تحميه، وقضينا تلك الليلة مع هذين البدويين/ سلمى وسليمان أبناء عمومة الشيخ سليم فى أحاديث شتى عن الحرب وعن عمهم الشيخ سالم شيخ قبيلة الإحيوات الذى بقى طوال الحرب يراقب الأحداث من فوق جبل (برقة) أعلى جبل فى وادى المساجد، وكلما رأى طائرة من طائراتنا تقصف مواقع العدو يقوم ويصلى ركعتين لله كى تعود سالمة بعد ضرب العدو، وإذا رأى طائرة تصاب فى معركة جوية ورأى قائدها يقفز بمظلته يأمر شباب قبيلته بسرعة الوصول إليه والمحافظة عليه وإخفائه عن العدو إذا كان مصريًّا ولو وجدوه من الأعداء يقومون بالقضاء عليه، وحكاية أخرى عن ذلك الصبى البدوى الذى لم يتعدَ الثانية عشرة من عمره وكان يرعى الأغنام عندما مرت إحدى مجموعاتنا التى تدمر جهاز الاتصال الخاص بها ونفد ما معهم من طعام وشراب، كيف قام هذا الصبى بذبح إحدى الشياه وتقديمها لهم وإمدادهم بما يحتاجونه من الماء والطعام لاستكمال مهمتهم.. ولكنهم أخبروه أنهم عائدون للانضمام إلى قواتنا نظرًا لانتهاء مهمتهم من جهة وعدم وجود وسيلة اتصال معهم بعد سقوط الجهاز اللاسلكى من فوق الجبل وتدميره، فأخبرهم بكل ما لديه من معلومات عن العدو وخاصة فى طريق عودتهم وودعهم داعيًا الله أن يحفظهم ويعيدهم سالمين.

*ملحوظة: هذه المعلومة تأكدت من صحتها بعد عودتى ولقاء قائد المجموعة.

كان شهر فبراير يوشك على الانتهاء ومر علينا شهور عربية خمسة كنا كلما اكتمل هلالها وأصبح بدرًا ازداد معه أملنا فى وصول إحدى مروحياتنا لالتقاطنا وإعادتنا إلى ديارنا ولا أقول وطننا لأننا أصبحنا نشعر بسيناء تستوطن فى قلوبنا ونستوطن فيها – وكلما كان البدر يأخذ فى النقصان والتحول إلى محاق، كانت آمالنا تخبو وتتناقص مع كل نقصان يتناقصه إلى أن جاء يوم تلقينا فيه إشارة كودية فى أحد الاتصالات الروتينية.. وأحسست وأنا أقوم بفك رموزها أن هناك أمرًا ما غير عادى ربما يطلبون الحصول على معلومات من منطقة ما ولكن أين هذه المنطقة؟ وعلى أى مسافة؟ وفى أى اتجاه؟ ولقد جُبنا معظم سيناء شمالا وجنوبًا وشرقا ولم يتبقَ إلا غربها وهذا ما كنت أستبعده لسبب واحد هو أن الخريطة التى معى تمتد فى معظم سيناء، إلا الغرب فإنها تكاد تغطى منتصف ممر متلا وعند وادى الفراشات فقط.. والقيادة تعلم هذا جيدًا ويقطع على هذا التفكير الانتهاء من قراءة الإحداثى على الخريطة، أن المنطقة المطلوب التحرك إليها هى وادى الفراشات أى أننا نقترب من قواتنا شيئًا فشيئًا.

وانتظر الشيخ سليم بعد يومين وأخبره بقرار التحرك ونحدد معا توقيت التحركإلى وادى الفراشات وأسلوب ذلك، أنه أصعب طريق تحرك يمكن أن نسلكه أنه فوق الجبال وعبر دروبها وهذه الدروب وعرة ولا بد أنها تعرضت للقطع والتدمير فى أجزاء كثيرة منها نتيجة السيول والأهم من ذلك أن المكان الجديد يبعد عن الشيخ سليم ولو بقينا فيه مدة طويلةفسوف يصعب وصوله إلينا بانتظام بل ويعرضه للمخاطر، وفى الموعد المحدد والمتفق عليه بيننا حضر الشيخ سليم ومعه كمية أكبر نوعًا ما من الدقيق أما الماء فلم نعد فى حاجة إليه مع وجود هذه البحيرات حولنا وقمنا بحزم جميع أمتعتنا وتحميلها على الجمل ولم يتبقَ معنا إلا التسليحالشخصى وبعد أن أزلنا كل أثر لنا فى المكان بدأنا التحرك على أصعب طريق جبلى، وكان الأشد صعوبة اضطرارى إلى تقسيم المجموعة إلى قسمين – القسم الأول عبارة عن الشيخ سليمفوق جمله الذى يحمل كل متاعنا، وأرسلت معه عادل ومعه جهاز اتصال الخاص بمجموعتى وقد سلكا طريقًا أكثر طولا عبر وادى الراحة فى الجنوب من مجموعتنا أما أنا وباقى الأفراد معنا جهاز الاتصال الآخر فقد سلكنا دربًا أشد وعورة ولكنه أقصر مسافة.

كنا نتسلق الجبل بأيدينا وأرجلنا لمسافة قاربت العشرة كيلو مترات وقطع سليم وعادل ضعفها لنلتقى فى وادى الراحة الذى يشطر جبل الراحة إلى شطرينونظل فيه طوال نهار ذلك اليوم حتى غابت الشمس.. فشددنا الرحال وتقدمنا سليم بجمله صعودًا إلى جبل الحمرا المطل على وادى الفراشات وكم رأينا من معجزات الله التى خلق عليها الجملأنه (ليس سفينة الصحراء التى تتحمل العطش لمدة شهر، ولا جهاز الرادار الذى يكشفحوله لمسافة لا تقل عن 2 كم، ولا صاحب القدرة على قتل أى ذئب أو ضبع يحاول الاقتراب منه، ولا ذلك الحيوان الذى يتم ركوبه ويُشرب لبنه ويُؤكل لحمه ويلبس وبره.. فقط).

إنه له فى الجبال قدرات خارقة منها على سبيل المثال وليس الحصر:

أننا ونحن نسير على درب فوق الجبل لا يزيد عرضه عن شبر واحد على حافة جرف عمقه أكثر من (500) متر وفى بعض الأجزاء منه يوجد قطع بعرض لا يقل عن متروعلى حافتى هذا القطع صخور خلخلتها السيول وجعلتها غير ثابتة، كان الجمل يمد إحدى ساقيه ويتحسس بها الصخرة قبل أن يعبر فوقها فنجده فى بعض الأماكن يعبر فوق الصخرةويستمر فى السير، وفى بعض الأماكن يحجم عن العبور فوق الصخرة ويبتعد عنها ويعود مرة أخرى والسبب أنه حين وضع قدمه عليها قبل أن يعبر فوقها كان يختبر قدرتها على حمل وزنه وقد أعطاه الله القدرة على معرفة ذلك بكل دقة باستخدام إحدى ساقيه الأماميتين فقط.

أما الأخرى فقد كنت أتعجب وأنا أرى الجمل يخطو بأرجله الأربع عكس جميع الحيوانات ذوات الأربع فجميعها عندما تمشى تكون الرجل اليسار الأمامية مع اليمين الخلفية ثم اليمين الأمامية مع اليسار الخلفية فى وقت واحد.

أما حركة الجمل فإنها تكون بكلتا رجليه الأمامية والخلفية على الجهة اليمنى فى وقتواحد ثم كلتا الرجلين الأمامية والخلفية على الجهة اليسرى فى وقت واحد.. وربما استطعت أن أفهم شيئًا من خلق الله لها على هذا النحو عندما رأيت ذلك الجمل فى الظلام الدامس يمشى على ذلك الدرب الضيق فتنزلق رجليه ويكاد يهوى فى الجرف السحيقوساقاه التى ناحية الجرف معلقتان فى الهواء فإذا به يرتكز بالساقين الأخريين وقد لامستبطنه الأرض ثم يقفز بهما فى الهواء مثل لاعب السيرك الذى يمشى على الحبل ويستمر فى سيره بكل ثبات والأعجب من ذلك أن الشيخ سليم الراكب فوقه لم يهتز وهو يدخنسيجارته فوق الجمل كأن شيئًا لم يحدث.

وأخيرا وصلنا إلى جبل الحمراء المطل على وادى الفراشات المتسع فى منتصف ممرمتلا الجبلى وقبل أن تشرق الشمس كنت قد حددت مكان المراقبة ومكان الراحة وقمنا بتجهيزهما وقبل أن ينتصف النهار كانت جميع المعلومات المتوفرة عن الوادى قد تم إرسالها إلى القيادة، لقد كان حجم القوات الموجودة بالوادى عبارة عن لواء مشاه ميكانيكى وكان بالوادى أرض هبوط طائرات يتواجد بها عدد من المروحيات، كما كان هناك أيضًا بعض العناصر الإدارية التى أبلغنا عنها بكل تفاصيلها وأصبح هذا المكان هو القاعدة التى لا نعلم إلى متى سيستمر بقاؤنا فيها..

فقمت بتنظيم العمل بين جميع الأفراد وإعطائهم تلقينًا كافيًا على الأرض لمواجهة أى موقف طارئ وفى أحد الأيام وصلتنا برقية من القيادة تطلب منا تحديد مكان معلوم وظاهر ليكون نقطة مقابلة مع دليل سوف تقوم بإرساله إلينا خلال أيام لصطحابنا إلى موقع قواتنا(نظرًا لعدم وجود خرائط معنا لطريق العودة وأيضًا لعدم وجود معلومات لديناعن العدو على خط السير الذى سوف نسلكه).

تم تحديد المكان وإعطاء وصف كامل لأهم العلامات التى يمكن للدليل الاسترشادبها وحددت القيادة وقت وصول الدليل وأسلوب التعارف معه وكلمتى المرور والإجابة بيننا.

وتمر الأيام والساعات بطيئة.. بطيئة.. حتى جاء صباح ذلك اليوم الذى سيصل إلينا فيه الدليل مساء بعد الغروب، ونحن على أحر من الجمر، فإذا بالفرد الموجود فى نقطة المراقبة ينادينى فى لهفة لأرى ما لا رأت عينى ولا خطر على قلبى من قبل.

حور عين أم شياطين

عندما نادانى فرد المراقبة بهذه اللهفة أحسست أن هناك أمرًا جللًا وأنا أخطو إليه بمنتهى السرعة والحذر، بعد أن أمرت باقى الأفراد الموجودين فى الراحة بأن يستعدوا بأسلحتهم، ولكننى عندما وصلت إليه وجدته يعطى ظهره لميدان المراقبة حيث العدو الذى نراقبه – ويركز انتباهه فى الاتجاه المعاكس، وكأن على رأسه الطير – فاغرًا فاه – ولا ينبت ببنت شفه فأخذت أحدق فى وجهه وهو على هذا الحال وأسأله ماذا جرى؟ فيشير بيده فى اتجاه الجبل ولأسفل فإذا إحدى البحيرات الصغيرة، أقرب إلى حمام السباحة الصغير بمائها الصافى الذى تظهر تحته صخور ملونة غاية فى الإبداع – فأنقل بصرى إليه متسائلًا.. أى شيء فى هذا؟.

ولكن قبل أن أكمل سؤالى، تهز صمت أذنى ضحكة رنانة يتردد صداها بين جنبات الصخور – فأتحول ببصرى بسرعة نحو اتجاه الصوت.. فإذا فتاتان فى عُمر النضوج – عاريتان تماما تستحمان فى تلك البحيرة.. وتقومان بتبادل رش الماء على بعضهما البعض وهما تطلقان ضحكاتهما تجلجل فى الجبل بكل معانى السعادة والمرح..

ورغم قصر المسافة بيننا وبين الفتاتين إذ لا تتعدى العشرين مترًا، إلا أن الفرد المراقب (عبدالسلام) كان مثبتًا نظارة الميدان على عينيه وكأنه يراقب هدفًا على مسافة عدة كيلو مترات، أو يبحث عن نملة فوق صخرة.. وما هى إلا لحظات وأجد الضابط/ محمد واقفًا إلى جوارى بكامل قامته – دون اتخاذ أى وضع يخفيه عن النظر – فأجذبه إلى جوارى فى وضع الانبطاح وأنا أسأله:

-         ما الذى أتى بك؟

-         هذا الصوت الملائكى

-         أى ملائكة

-         اضربنى حتى أشعر أنى ما زلت على قيد الحياة – أليست هذه الجنة – التى يرى الشهيد مقعده فيها مع سقوط أول قطرة من دمه.. أليسا هما الحور العين؟

- أنا الذى سوف أسيل دمك إنها كارثة؟ انظر خلفك.. فيستدير ليرى معى امرأة بدوية فى خريف العمر تعدو نحو الفتاتين وهى تصرخ وتقذفهما بالحجارة – فتلفتا كلتا الفتاتين نحونا فى فزع وهما تحاولان ستر عورتيهما وتخطفان ثيابهما وتختفيان خلف صخرة.

وأتلفت حولى لأستكمل باقى المشهد فأجد عددًا من الأغنام والماعز تتوافد من خلف الجبل وتتجه نحو البحيرة الصغيرة وهى تجرى وتقفز ثم تشرب حتى تروى ظمأها..

بينما المرأة البدوية.. تهش من شرب منها فى الاتجاه المعاكس لنا ليبتعدوا عنا.. وهى تصوب بصرها نحونا من آن لآخر.

لم يكن الموقف بهذه البساطة التى رأيناها.. فعواقبه لا بد أن يتم حسابها بسرعة وبكل دقة.. فنحن فى منطقة محيطة بمعسكرات العدو.. أى أنها منطقة مغلقة لا يسمح للسكان المحليين من البدو أن يقتربوا منها.. وهؤلاء البدويات اللاتى يرعين أغنامهن جهارًا نهارًا بالقرب من العدو، بينما مرو حياته تجوب المنطقة لابد وأنهم من الفئة القليلة الموالية للعدو والتى يسمح لها بذلك مقابل الإبلاغ عن أى فرد يشتبه به خاصة من أفراد الجيش المصرى، صاعقة أو استطلاع، ولقد كان من المعلومات التى عرفناها أثناء التدريب فى الفترة التى سبقت الحرب أن العدو يعطى عملاءه هؤلاء، أجهزة (بيكون) صغيرة، وما على العميل إلا أن يقوم بشد (تيلة) هذا الجهاز ويخفيه داخل أى كودية من أعشاب الجبل أو بجوار أى صخرة، فيقوم هذا الجهاز بإعطاء إشارات لاسلكية لمروحيات العدو، فتتجه فورًا إلى المكان وتقوم بمراقبته ثم نقل قوات من (الكوماندوز) للتعامل مع عناصرنا التى يكتشفونها.

وما دام الأمر هكذا فلا بد من إخلاء المنطقة قبل أن تأتى إلينا مروحيات العدو وقواته.. ولكن الأمر أصعب من ذلك؛ لأن هذا المكان لا نستطيع أن نغادره قبل لقاء الدليل الذى سوفيصل هذه الليلة وإلا ضاع منا حلم العودة.. وأقوم بالاتصال بالقيادة وإبلاغها بالموقفكى تقوم بإبلاغ الدليل بتغيير مكان المقابلة.. أو ترشدنا بما يجب فعله.

فترد القيادة أنه لا يوجد اتصال مع الدليل بأى طريقة، وأن القرار هو قرارى طبقًا لرؤيتى للموقف على الطبيعة.

وأعود فأقدر الموقف مرة أخرى.. لو كان هؤلاء الرعاة رجالًا لأسرتهم ولعرفتمنهم مدى صلتهم بالعدو وأى معلومات قد أبلغوها له عنا، ولكن فى حالة هؤلاء النساء.. فإن الأمر يختلف ويصعب فعل ذلك بكل المقاييس فكان قرارى هو سرعة إخلاء المنطقة والانتقال إلى مكان أكثر إخفاءً واستحكامًا والبقاء فى وضع الاستعداد لمواجهة العدو تحت أى ظرف.. حتى ينقضى النهار بسلام فنعاود الانتقال مرة أخرى إلى نقطة المقابلة وننتظر وصول الدليل.

أما إذا وصل إلينا العدو قبل ذلك فلنسأل الله الشهادة. ويمر اليوم ونحن نحبس أنفاسنا مع كل مروحية تمر فوقنا أو قريبًا منا حتى تغيب الشمس فنزداد اطمئنانًا.. ونتجمع من مخابئنا المتفرقة ونتحرك إلى نقطة المقابلة ونتخذ أوضاع تأمين صارمة للمكان بعدد من الأفراد بينما يقوم الباقون بجمع العشب وإشعال النيران لتكون هاديًا للدليل إلى مكاننا وفى الوقت نفسه لإعداد الطعامعليها بعد يوم طويل من أيام الجوع التى اعتدناها.

وفى الموعد المحدد أسمع صوتًا يتردد من الاتجاه المتفق عليه فأرد عليه بدورى ويظهر رجلان (أحدهما فى الخمسين من عمره والآخر شاب صغير لا يكاد يكمل العشرين عامًا)وبعد التأكد منهما بكلمتى المرور والإجابة نتعانق جميعا ونلتف حول النار نتناول طعامنا وشرابنا ونتبادل التعارف.. فهذا الرجل الكبير هو الشيخ/ عيد من قبيلة المزاينة فى جنوب سيناء وذلك الشاب الذى معه هو (سيد) ابن أخيه. وقد تحركا منذ يومين من عيون موسى حيث مواقع قواتنا وعبرا مواقع العدو حتى وصلا إلينا الآن.

وأخبر الشيخ عيد بما حدث لنا خلال اليوم وموقف النساء رعاة الأغنام فيوافقنى الرأىأن هناك احتمالا كبيرًا أن يكن على صلة بالعدو عن طريق أحد رجالهن وسوف يخبرنهن عندما يعدن إلى ديارهن فى المساء ولن يطول الوقت عن غدٍ أو بعد غدٍ حتى يعرف العدو بالأمر.

ونتفق على ضرورة التحرك فورًا إلى مكان آخر بعيد حتى نكون فى مأمن ثم نواصل طريق عودتنا بعد ذلك.. فنقرر التحرك فى اتجاه لا يتوقعه العدو وهو الاتجاه مرة أخرى نحو الشرق لأن العدو سيتوقع تحركنا غربا فى اتجاه قواتنا طلبًا للعودة.

ونحزم أمتعتنا ونحمل شداتنا ثم ننطلق عبر الدروب الجبلية مبتعدين عن وادى الفرشات وجبل الحمراء فى اتجاه جبل الزرافه عبورًا لوادى الراحة.. وهناك بعد حط الرحال بدأنا نشعر بقدر من الاطمئنان المختلط بالأمل ونحن نخطو أولى الخطوات فى اتجاه العودة التى بدأت تحرك داخلنا إحساسًا باللهفة جعلتنا نأخذ فى عد الساعات والدقائق المتبقية.. وبينما نحن على هذه الحالة يفاجئنا الشيخ عيد بأنه سوف يتركنا مع سيد (ابن شقيقه) فى هذا المكان لمدة أسبوعويقوم هو خلال هذه الفترة بالذهاب إلى جنوب سيناء حيث أبناؤه وزوجاته الأربع يعيشونبين بيوت القبيلة ليطمئن عليهم ثم يعود إلينا ليصحبنا فى طريق العودة.

لم يكن أمامنا خيار غير ذلك إلا أنى اقترحت على الشيخ/ عيد أن نلتقى فى مكان قريب من خط سير العودة توفيرًا للوقت بعد أن أخبرنى أن النقب أو الدرب الذى سنسلكه فى عودتنا يحتاج إلى يومين من المشى حتى نصل إليه من مكاننا هذا.. فتم التنسيق بينه وبين سيد على وقت ومكان المقابلة الجديد وودعنا وانطلق يصعد الدرب فى اتجاه قبيلته كأنه شاب فى العشرين من عمره.

مر اليوم الأول بعد أن غادرنا الشيخ عيد.. بطيئا ثقيلا ونحن نحاول أن نتخلص من الوقتومن الملل – حيث لا عمل نقوم به تجاه العدو بعد أن ابتعدنا عنه ويأتى الليل فنقضيه حول النيران المشتعلة للتدفئة وإعداد الطعام من جهه ثم من جهه أخرى قضاء أطول فترة من السهر والسمر طوال الليل حتى نستطيع أن ننام أطول فترة من النهار استهلاكًا للوقت الذى لا يريد أن يمر.

فى صباح اليوم الثانى لاحظت نشاطًا زائدًا لمروحيات العدو فوق منطقتنا فأمرت الأفراد بعدم التحرك أو إظهار أى نشاط أو ترك أى قرائن تدل على وجودنا.. ولما لاحظت تكرار تحليق المروحيات حولنا أخذت سلاحى ونظارة الميدان ورحت أتسلق إحدى قمم الجبال القريبة منا فى حذر وتحسب إلى أن استويت فى مكان كاشف لكل المنطقة أو معظمها وبقيت أراقب حركة المروحيات فاكتشفت أمرًا زادنى قلقًا وتوجسًا.

وهو هبوط إحدى المروحيات فوق إحدى القمم المحيطة بنا على مسافة 4:3 كم تقريبًا ثم يترجل منها عدد من الجنود ومعهم أحد الكلاب وأحد البدو ويقومون بتمشيط هذا الجبل وتفتيشهمن أعلى لأسفل ثم تهبط إليهم المروحية عند السفح فى الوادى وتحملهم مرة أخرى وتنتقل إلى قمة أخرى فتكرر نفس العمل وعلى الناحية المقابلة فى عكس الاتجاه حولى كانت مروحية أخرى تقوم بنفس العمل على القمم المحيطة على نفس المسافة.. وقد لاحظت أنهم يقومون بترك علامةما فوق كل قمة يفتشونها.

لم أكن فى حاجة إلى كثير من الجهد والتفكير لتقدير وفهم ما تقومبه المروحيات.. إن أمرنا قد انكشف لدى العدو وها هو يقوم بالتفتيش والبحث عنا فى المنطقة طبقا لخطة محددة.. هى البحث فى دائرة كبيرة.. يتم تضييقها كل يوم إلى دائرة أصغر فأصغر حتى يتم الوصول إلينا.. وانتظرت حتى أنهت المروحيات عملها وعادت من حيث أتت ولم يعد يرى لها أثر.

فهبطت إلى حيث أفراد المجموعة وجمعتهم.. لأخبرهم بما شاهدته.. وتفسيرى له.. وأن قرارى التحرك الليلة إلى أحد الجبال التى قام العدو بتفتيشها اليوم (وحددته لهم) ونختفى فيه تماما ونراقب ما سوف يفعله غدًا ثم نقرر ماذا نفعل بعدها.

وأخفينا كل أثر لنا فى المكان وقمنا بالتحرك إلى الجبل الذى حددته بكل حرص وحذر – فكنا نسير جميعا فى قطار فردى كل منا يضع قدمه مكان قدم زميله الذى أمامه بعد أن ينقلها وأنا أتحرك خلفهم جميعا عندما يتبقى آخر كيلومتر قبل الوصول للمكان الجديد فنقطعه بعد ظهور أول ضوء كى أمحو أى أثر لأقدامنا أثناء التحرك ونقوم بالاختفاء طبقا لكل الأسس والخبرات العلمية والعملية التى تعلمناها.

وما أن انقشع ضباب الصباح من الجبل حتى ظهرت المروحيات وهى تجوب المنطقة وتكرر ما فعلته بالأمس فى نفس المنطقة التى تركناها.. وسجدنا لله شكرًا (كل فى مكانه) أن وهبنا هذه الرؤيا وحمانا من العدو.

وتكرر هذا الفعل لمدة أربعة أيام ونحن نلعب مع العدو لعبة القط والفأر حتى يأس العدو من العثور علينا ولم يعد إلى المنطقة مرة أخرى.. وبدأنا نشعر ببعض الطمأنينة فسمحت للأفراد ببعض الحرية فلم يتبقَ على وصول الشيخ/ عيد سوى يوم واحد نتوجه بعده إلى ذلك النقب الكائن على الحافة الغربية لجبل الراحة ومنه إلى مواقع قواتنا.. وقضينا تلك الليلة فى سهر وسمر حتى صلينا الفجر وخلدنا إلى النوم لنستيقظ بعد شروق الشمس وسطوعها على مشهد كاد يقضى على أحلامنا.

العودة للديار

كان نسيم الصبح منعشًا يحمل عبق الأمل؛ استيقظت من نومى وتوجهت إلى إحدى الحفر المليئة بالمياه والتى نطلق عليها مجازًا كلمة (بحيرة)، وكانت مساحتها حوالى 2×2 متر وعمقها حوالى متر واحد فأجد ماءها كله معكر بالصابونولونها ظاهر بين باقى الحفر المنتشرة فى قاع الوادى الصخرى ذى الألوان الوردية والبنية.

فأيقظت باقى الأفراد أسألهم من فعل هذا خشية أن يكون هناك أحد غيرنا موجود فى الوادى.

فرد أحدهم قائلا: لقد عثرت بالصدفة على قطعة من الصابون كانت فى شدتى منذ كنا فى وحدتنا فى القاهرة فشدنى الحنين إلى الاستحمام مثل باقى البشر.

وأسأل البدوى سيد الموجود معنا "هل يمكن لأحد البدو أن يفعل ذلك؟" فيرد بالنفى مؤكدًا: أن هذا سلوك غير إنسانى.. وأن البدو يحافظون على كل قطرة مياه وإن كانوا لا يستخدمونها.. فإنهم يتركونها صالحة لمن يأتى بعدهم.

وأى بدوى أو إسرائيلى حتى لو رأى هذا الماء المعكر بالصابون سوف يعرف أن أحدًا غيرهم قد فعل ذلك – لأن البدوى إذا أراد أن يستحم يأخذ القدر الكافى فقط ويستحم به دون الإضرار بباقى المياه.

ونحاول بشتى الطرق طمس هذه القرينة التى تدل على وجودنا ولكن دون جدوى. فنبتعد ما أمكن عن المكان الذى لا نستطيع أن نغادره نظرًا لكونه نقطة المقابلة التى سيأتى إلينا فيها الشيخعيد – ونستمر فى المراقبة الدائرية للمنطقة تحسبًا من اكتشاف العدو لنا من جهة ومن جهة أخرى لترصد مجيء الحاج/ عيد من كل اتجاه قبل أن يصل إلى نقطة المقابلة المتفق عليها، وكنت قد أوقفت قبل يومين أى اتصال لاسلكى بالقيادة حتى لا نساعد العدو على اكتشافنا بواسطة استطلاعه اللاسلكى فقررت الاستمرار فى ذلك بعد أن كنت أنوى الاستئناف مرة أخرى.

قبل نهاية اليوم كان الشيخ/ عيد قد أقبل ومعه شابان من قبيلته صحبهما معه فرارًا من العدو الذى يبحث عنهما فى كل مكان نظرًا لقيامهما بتخريب معسكراته وبعض مرافقه أثناء فترة القتال.

وعندما أخبرته بالموقف وافقنى على ضرورة التحرك فورًا بعيدًا عن المكان – رغم أنه لم يتوقف عن المشى فى الجبل منذ يومين ويحتاج للراحة – فقضينا الليل كله فى التحرك على مسالك ودروب وعرة بقصد تضليل العدو إذا حاول تتبعنا واقتفاء أثرنا.

وأخيرا وصلنا إلى قمة الحافة الغربية لجبل الراحة وهى حافة حاده ترتفع أكثر من 500 مترعن الأرض التى بعدها فى اتجاه الغرب ولا يمكن النزول من هذه الحافه إلى الأرض المفتوحة غربها إلا من خلال نقبين (والنقب هو مدق أو طريق يصل بين أرض مرتفعة وأخرى منخفضة) أحدهما هو الذى نقصده والآخر على مسافة ثلاثين كيلومتر منه فى اتجاه الجنوب.

دخلنا أحد الكهوف نستظل بها من الشمس حتى ينتهى النهار ونبدأ فى نزول الدربواستكمال رحلة العودة.

وكنت قد حسبت بكل دقة المسافة من أسفل الجبل مباشرة حيث الطريق العرضى رقم 3 وحتى شاطئ خليج السويس حيث مواقع قواتنا تصل إلى ثلاثين كيلومتر مرورًا بمواقع العدو ومواقع قواتنا التى لن يزيد معدل السير فيها 2:1 كم وباقى المسافة بمعدل 4:3 كم على أفضل تقدير أى أن هناك عشرين كيلومتر يتم قطعها فى 6:5 ساعة + عشرة كيلومترات يحتاج قطعها أيضًا 6:5 ساعة فيكون الوقت اللازم لعبور هذه المسافة هو 12:10 ساعة قبل أول ضوء.

وعليه يجب أن نبدأ تحركنا ونعبر الطريق العرضى رقم 3 ليس بعد آخر ضوء بأى شكل من الأشكال لأن أى تأخير يعنى عبور الموقع الأول للعدو بعد أول ضوء وكذلك قواتنا التى لا تعلم أى شيء عنا نظرًا لقطع الاتصال منذ ثلاثة أيام.

وبناءً على هذه الحسابات كان القرار هو ضرورة نزول الدرب والوصول إلى الطريق العرضى قبل آخر ضوء اليوم، فاصطحبت الحاج/ عيد وتحركنا معًا نلقى نظرة على خط السير بشكل عام والدرب (النقب) بصفة خاصة.

فكانت المفاجأة الكبرى من تلك المفاجآت التى لا تنتهى.. أن الدرب يسير فى اتجاه متعرج على حافة الجرف وعرضه لا يزيد عن 50:30 سم وطوله لا يقل عن أربعة كيلومترات.

أما الأهم والأخطر هو وجود معسكر للعدو عند نهاية الدرب مباشرة والدرب يتحرك بجواره حوالى كيلومتر عند نهايته. كما أن الشمس فى اتجاه الغرب ساطعة فوق الدرب وما حوله وأى تحرك فى هذا التوقيت سيكون واضحًا تماما لكل من فى المعسكر.

أما العدد الذى وصلنا إليه الآن هو عشرة أفراد (أربعة من البدو وستة منا نحن المجموعتين).

وجلست أعلى الدرب وإلى جوارى الحاج/ عيد – نكاد نندب حظنا – من كل هذه الظروف الصعبة التى نواجهها ويدور بيننا الحوار التالي:

-         إن أى تحرك قبل آخر ضوء يعرضنا للعدو مباشرة.

-         نعم سيعرضنا للعدو ويجب أن ننتظر حتى يحل الظلام.

-         إذا انتظرنا سيكون على حساب اختراق مواقع العدو على الجبهة وسنصلها مع شروق الشمس.

-         معنى ذلك أننا يجب أن نتحرك الآن وهذا مستحيل.

-         ألا يوجد درب آخر نسلكه بدلا من هذا.

-         الدرب الثانى على مسافة 30 كم جنوبا وهذا يحتاج إلى يومين بمعدل السير فى الجبال.

-         هل نسيت الماء المعكر بالصابون الذى قد يؤدى إلى مطاردة العدو لنا فور اكتشافه لذلك، إن الليلةهى ليلة السبت وهم يوقفون أى نشاط يوم السبت وهذه فرصتنا قبل أن يكتشفوا الصابون يوم الأحد.

-         والله ياأخى ما أنا بقادر على التفكير كل ما نحلها تتعقد!!.

وتراودنى كل الأفكار وكل الاحتمالات لقد جازفنا كثيرًا وسترنا الله والآن نحن فى آخر مرحلة يجب أن تكون كل المجازفات محسوبة وإلا ضاع كل ما فعلنا.. وأكاد أشعر برغبة فى ضرب أحد البروزات الحادة للصخور برأسى بأقصى قوة قبل أن تنفجر من هذا الضغط الذى يزداد بداخلها وإذا بالحاج عيد يثبت ناظريه فى عينى قائلا:

-         اسمع يازلمة.. (يعنى ياراجل).

-         إحنا بنسرق؟

-         لا.

-         إحنا بنزنى؟

-         لا.

-         إحنا بنسوى شيء يغضب ربنا؟

-         لا.

-         كيف يارجال (يارجل) يكون ربنا معاهم ولا يكون معنا.

وأشعر بكل الضغوط التى داخل رأسى تتسرب مثل بلونه شكت بدبوس وصدرى قد إمتلأ يقينا وقوة. فأنهض دون أن أنطق بكلمه.. وأعطى إشارة التحرك بيدى لكل الأفراد وكنت قد رتبتهم خلفى بحيث يتبعنى الحاج عيد ثم فرد من جندنا ثم فرد من البدو حتى آخر فرد فى الترتيب وهو الضابط محمد.

وبدأت أنزل الدرب وخلفى باقى المجموعة.. والشمس تسطع فينا كأننا نقدم أحد العروض.. فيقفز خلفى الضابط محمد وقد أصابه الفزع عندما رأى المنظر أمامه وأفراد العدو فى المعسكر يلعبون الكرة أمامنا وهو يقول لى "هل سنسلم أنفسنا؟" فأشير له أن تتبعنى ولا تتكلم.

فيعود إلى مكانه فى آخر القطار الفردى الذى نتحرك فيه نحن العشرة وقوفًا دون انحناء أو زحف لأن الدربلا يسمح بذلك وإلا تدحرجنا فى الجرف.

لم تكن المسافة المباشرة بيننا وبين العدو – أى خط البصر – تزيد عن خمسمائة متر ولكن الدرب يتعرج مثل الثعبان لمسافة حوالى أربعة كيلومترات قطعناها فى ساعتين حتى وصلناإلى آخر الدرب بجوار السور السلك المنصوب حول المعسكر ويوجد عليه برج مراقبة يقففيه أحد الجنود وكنت أراقبه من آن لآخر بنظارة الميدان ونحن ننزل الدرب فأجده منشغلافى متابعة الجنود الذين يلعبون الكرة فأردد فى نفسى قول المولى عز وجل "وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ" صدق الله العظيم.

ما أن اقتربنا من سور المعسكر حتى حل ظلام لم نكد نرى بعضنا البعض فأمسك كل واحدمنا بالذى أمامه واندفعنا بعيدًا عنه بكل حرص ويقظة حتى بعدنا وبدأنا نتنفس الصعداء ونقللمن سرعتنا التقاطًا للأنفاس، فنفاجأ بضوء مبهر موجه نحونا فلا يكاد يخفى منا أحدًا فننبطح جميعا على الأرض متخذين كودى العشب الموجودة حولنا سواتر لنا وقد حاول البدو فى أول الأمرأن ينطلقوا مسرعين بعيدًا عن الضوء فقفز كل فرد منا فوق من أمامه وانبطح به على الأرض بحركة لا إرادية وأخبره أن الحركة هى التى ستكشف وجودنا ولا ينفع إلا الثبات.

ونظرت أمامى فإذا الطريق العرضى (الأسفلتى) أمامنا مباشرة لا يبعد سوى مترين فأمرت الجميع بالانتظار حتى تمر هذه السيارة ثم نعبر بعدها.. ولكن السيارة أطفأت نورها ولم تتحرك..

فرفعت نظارة الميدان على عينى لأستوضح الأمر فرأيت عربتين مدرعتين تقفان على مسافة 30:20 متر وكانت أصوات الجنود بداخلها تصل إلينا. فأخذنا ننتظر والوقت يمر والعرباتلا تتحرك بينما تقوم كل دقيقتين أو ثلاثة بإضاءة أنوار كشافاتها.

فحاولت أن أحسب مدة الظلام كى نعبر خلالها ولكنى اكتشفت أن الإضاءة عشوائية بلا أى نظام كأن السائق يعبث بها وهو جالس من ملل الانتظار فأمرت الأفراد أن يقوموا بالزحف أثناء الظلام حتى تلامس أيديهم أسفلت الطريق وبعد أن فعلوا ذلك أمرتهم أن نهب جميعا ونعبر الطريق معا بأقصى سرعة بمجرد أن يتم إطفاء نور السيارة فى المرة القادمة، وكانت الناحية الأخرى من الطريق أكثر إخفاء وأمانًا نظرًا لانخفاض مستواها ووجود بعض الشجيرات الكثيفة فيها.

وانطفأ نور السيارة وانطلقنا نحن العشرة تلامس أكتافنا بعضها.. وما أن وصلت إلى نهاية الأسفلت إلا وجدتنى وحدى والبدو من حولى بينما أفراد المجموعتين الخمسة يكملون ما تبقى من عرض الطريق بالخطوة المعتادة غير عابئين بما حولنا.. فأصرخ فيهم من شدة غيظى ودهشتى مصوبًا سلاحى نحوهم فيقفزون فى الناحية الأخرى، قبل أن تضاء أنوار السيارتين وتستمر لفترة أطول من كل الفترات بينما نسارع نحن فى الابتعاد عن المكان مستغلين الشجيرات الموجودة فى الوادى..

ونواصل طريقنا مخترقين مواقع العدو على الحد الأمامى للجبهة وكذلك مواقع قواتنا التى تواجهها.. لم يوقف حركتنا إلا جمع من جنودنا عند عيون موسى يغتسلون ويملؤون أوانيهم بالماء.. نتبادل معهم الحديث.. فيكادوا ينكروننا من شكلنا الأقرب إلى إنسان الغابة فنتنحى جانبًا تحت ظل شجرة ونقوم بتشغيل الجهاز اللاسلكى والاتصال بالقيادة التى قطعنا الاتصال بها قبل أربعة أيام فظنوا أننا وقعنا فى الأسر وما أن نادينا على المحطة الرئيسة حتى هلل عامل اللاسلكى هناك معبرًا عن فرحته بعد أن تأكد من الكود المتفق عليه بيننا أننا لم نقع فى الأسر.. وطلبت منه أن أكلم قائد الكتيبة الذى سمعته على الفور وهو ينادينى.. فأخبره أنى قد عدت وأن مكانى هو عيون موسى.. فيرد عليَّ ونبرات صوته ترقص فرحًا.. هذا أجمل خبر سمعته..

تمت بحمد الله،،،

لواء دكتور نصرسالم

السيرة الذاتية

لواء دكتور/ نصر محمد نصر سالم

تخرج من الكلية الحربية 12 فبراير 1970الدفعة 57 حربية

التأهيل العلمى:

  • بكالوريوس علوم عسكرية.
  • ماجستير العلوم العسكرية.
  • زمالة كلية الحرب العليا.
  • دكتوراه الفلسفة فى الإستراتيجية القومية.

الوظائف التى شغلها:

تولى جميع وظائف الاستطلاع بدءًا من قائد مجموعة استطلاع خلف خطوط العدو حتى رئيس جهاز الاستطلاع.

أهم الوظائف التى شغلها:

  • رئيس استطلاع الجيش الثانى الميدانى.
  • رئيس فرع المعلومات بهيئة عمليات القوات المسلحة.
  • رئيس فرع التخطيط والعمليات بإدارة المخابرات
    الحربية والاستطلاع.
  • نائب رئيس هيئة البحوث العسكرية.
  • أستاذ العلوم الإستراتيجية ومستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا.

النشاط البحثى:

  • عمل فى العديد من الدراسات التخصصية وخاصة فى "إسرائيل، وسيناء" مسرح الحرب مسارح عمليات جمهورية مصر العربية، العمل خلف خطوط العدو.
  • أجاز وأشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير وزمالة كليتى الحرب العليا والدفاع الوطنى بأكاديمية ناصر العسكرية العليا.
  • له العديد من المؤلفات.

الحروب التى اشترك فيها:

  • حرب الاستنزاف.
  • حرب أكتوبر 1973 قائد مجموعة استطلاع خلف خطوط العدو لمدة (180) يومًا.
  • عمليات المنطقة الغربية (يوليو 1977).

الأوسمة والأنواط:

  • وسام النجمة العسكرية.
  • وسام الجمهورية.
  • نوط الشجاعة.
  • نوط التدريب.
  • نوط الامتياز.
  • نوط الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة.
  • العديد من الأوسمة والأنواط والميداليات.

ملحق الصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech