
لواء/ طلبة رضوان رحمة الله علية .
لابد أن يعلم الأعزاء أن كل ما كتبته كان مدفونًا بداخلي طوال 50 سنة ولم أفصح به لأحد طوال هذه المدة وبهذه التفاصيل الدقيقة والمخزنة في الذاكرة وكـأنها حدثت بالأمس... وسبب ذلك أنني وجدت الجو العام للمجتمع حينها لا يساعد على ذلك!!!... وأحمد الله أنني في النهاية وجدت المجموعة 73 مؤرخين ..
ووجدت فيكم ما يدعمني ويساندني لإظهار هذا والتي كان الغرض الأساسي من كتابتها أن يعلم الجميع أنه كان هناك جيل كامل من مجتمعنا الجميل آثر وطنه على نفسه وقدم أروع مثل للمقاتل المصري عندما يذود عن تراب وطنه.
عن جنود بسطاء أصررت على كتابة أسمائهم حتى يعلم الجميع ما قدمه هؤلاء البسطاء لوطنهم وذهبوا في صمت لا يريدون شيئًا من أحد أو من الدنيا كلها.... وإن كنت كتبت عن سريتي كمثال فإنه كان الكل مثلها وأكثر منها.. لقد كانت القوات المسلحة كلها على قلب رجل واحد....
عند هذا القدر سأتوقف عن يوميات القتال بعدما أوضحت مهمتي الأولى في حرب 73 المجيدة لأن ما بعد ذلك كنت منفذًا وتحت قيادة رجل عظيم هو قائدي الفذ المقدم أ.ح/ رجب عبد الرحيم عثمان ( رحمة الله علية) فهو المالك الأصلي للأحداث بعدها ولا يمكن على الإطلاق أن أتجاوز حدودي فهو من كان يدير الأحداث ويتخذ القرارات ونحن ننفذ..
هو أصلح إنسان للاستكمال.... هكذا تعلمنا داخل المؤسسة العسكرية...
وهل تستطيع العين أن تعلو على الحاجب.......؟؟؟ ولكي يفهم الجميع أنني كنت خلال تنفيذ مهمتي أقاتل العدو بمفردي وأتخذ القرارات لإدارة أعمال القتال وبطريقتي والتي دعمني فيها قائدي العظيم أما بعد ذلك فكنت منفذًا لأوامره وبالطريقة التي يريدها، وكم كانت طريقته فريدة وجديدة حتى أنه أربك العدو دائمًا...........
لكم الشكر العميق الوافي يا أعزائي..... دمتم لي سندًا وعونًا ونصيرًا.
لواء/ طلبة رضوان.
في أوائل عام 68 صدرت لنا الأوامر ونحن على الجبهة بعدم الاشتباك مع العدو مهما تعرضنا لمحاولات الاستفزاز التي يقوم بها قاصدًا ضرب المدنيين والذين لم يكتمل تهجيرهم بعد من مدن القناة، وكنت وقتها قائدًا لفصيلة مشاة وأحتل موقعًا دفاعيًا في نمرة 6 بالإسماعيلية.. والعدو الذي أمامي من قوات الناحال وهي قوات شبه نظامية في الجيش الإسرائيلي. وكان ما يميزهم طبقًا لما رأيت وعايشت عدم الانضباط والفوضى وعدم الحرفية، وكانت المسافة بين موقعي وهم حوالي 180 متر فقط (عرض القناة).
لا أعلم كيف عرف قائد هؤلاء السفلة... اسمي... فكان يوميًا من الساعة السابعة ولمدة نصف ساعة يمسك ميجافون ويبدأ بسبي وسب أهلي واللي جابوني..واستمر لمدة شهر كامل على هذا حتى لاحظت أن جنودي بدءُوا يتذمرون فقررت تأديبه.. واستدعيت الجندي/ جمعة العبد يوسف قناص الفصيلة وقلت له عاجبك اللي بيحصل لي ده يا جمعة!!.فرد طبعًا لا يافندم بس الأوامر، فقلت له: وإيه العمل؟ فرد: نموته يافندم.فقلت له: إزاي ده لو طلقة طلعت من عندنا هانتحاكم كلنا.. فرد وهو يزم شفتيه اديني يومين وهقول لسيادتك الحل.
بمجرد سقوط جثة هذا السافل على الأرض وصوت الطلقة يجلجل التفت جندي المراقبة لهم والموجود على برج إلى مصدر الصوت فقال لي جمعة أنا هجيب الواد ده لحسن يفتن علينا.. فرددت عليه هاته وقبل أن أكمل الكلمة كان المراقب هذا على الأرض جثة هامدة...قمنا بسرعة وعدنا إلى موقعنا وغسلنا البندقية بزيت السلاح جيدًا... وبعد حوالي ساعة، قامت الدنيا، وحضر رجال المخابرات والتحريات العسكرية وأمن الجيش الثاني وأمن الفرقة الثانية يفتشون وينقبون ويشمون الأسلحة ويسألون الجنود ولكن هيهات......... هيهات....... هيهات.
في صباح اليوم التالي فوجئت بقائد اللواء في موقعي يسأل عني فذهبت إليه فقال لي: إيه اللي أنت عملته ده؟ فرددت: عملت إيه يافندم.. واستهبلت على الأخر، وأنكرت تمامًا وأخذ الرجل يحاول معي ولكني منتهى الاستهبال حتى قال لي.... أنت عايز تفهمني إنك بتتشتم لمدة شهر وماتردش ؟
في النصف الثاني من عام 72 لاحظت حركة غير عادية على مستوى مواقع الكتيبة، أعمال هندسية كثيرة جدًا تجري حولنا وشركات مقاولات عدة بدأت في العمل وظهرت لنا طرق أسفلتية جديدة وجرى تحسين لمدقات كثيرة كنا نعاني من السير عليها... أما بالنسبة لموقعي فلقد انضم إليه تراكتور ضخم وعليه سائق يدعى عم بهجت يقوم بعمل تبة ضخمة وذلك برفع الرمال وصل ارتفاعها إلى 30 مترًا كما قام المهندسون بصب قاعدة خرسانية بطول حوالي 50 مترًا وعرض حوالي 12 مترًا أمام موقعي وعلى شاطئ القناة مباشرة، وبدأوا في تقوية الموقع الدفاعي من خنادق وملاجئ وأنشأوا ملاجئ جديدة ثقيلة أطلقنا عليها ملاجئ ذرية لأنها مجهزة بأجهزة تنقية الهواء ومحصنة جيدًا...
كنا.. كلنا نلاحظ ذلك وعند السؤال عما يجري لا يرد عليك بإجابة واضحة حتى القادة على مختلف المستويات لا يجيبونك الإجابة الواضحة الصريحة، أما بالنسبة لي فلقد فلتت أمامي كلمة من مقدم مهندس يتحدث مع أحد مرءُوسيه عن تمام تنفيذ ما يسمى ساحة إسقاط.....؟؟.. لم أفهمها ولكنه كان يتكلم بجدية شديدة استرعت انتباهي، وعندما سألته عن معناها تهرب مني بطريقة شيك جدًا!!.. لماذا كل هذا التكتم والغموض؟؟ وكيف أبلغ جنودي بما يحدث عندما يسألونني...؟؟ وظل هذا الحال حتى شهر أغسطس 73..
لا أحب هذا الغموض.
الأحد 30 سبتمبر 1973
أثناء تفقدي لطابور السرية الصباحي فاجأني الجندي/ أحمد ماهر علي جمعة بسؤال هو احنا هنحارب يافندم..؟؟ صمت برهة وأجبته أن كل الظواهر تشير إلى ذلك وأنا شامم ريحة حرب واحنا جاهزين لها لو قالوا لنا حاربوا هنحارب على طول...مش برضه احنا جاهزين...!!. أمنت السرية على كلامي بصوت مرتفع... جاهزين يافندم... انتهت الطوابير في الثالثة عصرًا وبمجرد دخولي ملجأ للراحة حتى رن التليفون الميداني وأخبرني عامل التحويلة العريف/ محمد عبد الجواد خطاب بأن هناك اجتماع مع القائد الساعة 9 مساءً.. عزمت على سؤال القائد عن هذا الغموض الذي نعيش فيه حتى أستطيع الرد على أسئلة جنودي......
في التاسعة تمامًا كنت واقفًا أمام مكتب القائد ومعي زملائي قادة سرايا الكتيبة ولكن لم نستطع الدخول لوجود ضيوف لديه... في التاسعة وخمس وأربعين دقيقة دخلنا على القائد والذي كانت علامات الإجهاد واضحة عليه وأمر بغلق نوافذ مكتبه الأمر الذي تعجبت منه لأنها أول مرة منذ توليه القيادة يصدر مثل هذا الأمر، ثم قام بنشر خريطة على حائط المكتب مرسوم عليها قرار القائد لاقتحام قناة السويس...!! صمتنا كلنا في انتظار كلمات القائد الذي قام بتخصيص مهام لكل سرية ماعدا سريتي..، وبعد انتهائه وتأكده من تفهم الضباط بمهامهم وفي تمام الحادية عشر خصص لي المهمة.
وكانت باختصار شديد ودون الدخول في تفاصيل هي أن سريتي ستعمل كمفرزة متقدمة ستعبر قبل القوات بالزمن اللازم لسبق احتياطي العدو القريب لمنعه من التدخل في عملية العبور للقوات وكان الهدف هو احتلال تبة تسمى تبة السبعات على مسافة 1600 متر من القناة وتعتبر نقطة استناد للعدو لتوجيه هجماته للقوات التي تنجح في العبور........
ممنوع وصول احتياطي العدو للضفة الشرقية هكذا أكد القائد في كلامه لي وأردف لأخر طلقة وأخر رجل.........
تأكد قائدي العظيم من تفهمي للمهمة وانصرف كل واحد إلى موقعه وعندما وصلت إليه كانت تدور في رأسي عدة سيناريوهات لتنفيذ هذه المهمة الثقيلة ويقفز إلى ذهني المهام التي سأكلف ضباطي بها................
حتى طلع الفجر....
الخميس 4 أكتوبر 1973
بدأت يومي في الخامسة صباحًا بتجميع أطقم اقتناص الدبابات التي شكلتها للمعركة وذهبت بهم إلى ميدان الرماية وكنت قد صدقت من قائدي العظيم على ذلك علاوة على كمية من الذخيرة الحية لإجراء رماية لهم وأشهد أنه لم يمانع لأي طلب طلبته طوال مدة خدمته معنا، بل كان يحفزنا دائمًا على مثل هذه الطلبات والتي في النهاية تصب في مصلحة زيادة الكفاءة القتالية، وذهبنا إلى ميدان الرماية وبدأنا في التدريب على كيفية استخدام الأرض الاستخدام الأمثل وأسلوب التعاون بين الأطقم وبعضها والإشارات فيما بينهم ثم أنهيناه بالرماية بالذخيرة الحية والحقيقة أنهم كانوا كلهم على درجة عالية من الكفاءة والحرفية الشديدة مما جعلني أطمئن على تنفيذهم للمهمة...
عدنا جميعًا في الثانية والنصف ودخلت ملجأ لأستريح بعض الوقت حتى الخامسة مساءً وبعدها قمت لاستكمال الأعمال الإدارية الخاصة بتنظيم الهجوم، والتي لا تنتهي...
في الثامنة مساءً حضر قائدي العظيم إلى الموقع وأمرني بعمل 2 حفرة ذخيرة لتشوين ذخيرة الكتيبة بهما حيث إن حفر الذخيرة السابقة الخاصة بالكتيبة طبقًا لما قيل لي تقرر فتح مستشفى ميداني بها، وأنه يجب الانتهاء من الحفر وأعمال التكسية لهما قبل أول ضوء باكرًا.. كانت مواصفات الحفرة الواحدة هي 5 أمتار طول و5 أمتار عرض و3 أمتار عمق أي الحفرة الواحدة تساوي 75 متر مكعب علاوة على تكسيتها بقضبان الحديد وشكاير الخيش المملوءة بالرمال.... عمل ضخم في توقيت قاتل....
جمعت السرية وأعطيتهم التلقين اللازم وبدأنا العمل وأنا واقف معهم أساعدهم والحمد لله انتهينا منها في الخامسة صباحًا وأعطيت التمام للقائد الذي لم يصدقني وحضر بنفسه للمعاينة وبعدها شكر السرية على المجهود الضخم وانصرف، وبعدها أعطيت السرية راحة حتى العاشرة صباحًا.
الجمعة 5 أكتوبر 1973
في تمام العاشرة صباحًا جمعت السرية للطابور وحولته إلى طابور نظافة شخصية واستحمام تحت إشراف رقباء الفصائل لإدراكي أن الأيام القادمة لن نتحصل على فرصة لهذه الأمور...! وبعد الانتهاء منه أمرت السرية بالتجمع مرة أخرى في الرابعة عصرًا باللبس الكامل للحرب للتفتيش عليها (تفتيش حرب)، وفعلًا حضرت السرية في التوقيت المحدد وقمت بالتفتيش عليها فردًا فردًا.... كان المنظر مهيبًا... القامات طالت... قسمات الوجوه تحولت إلى حجارة.. كان الكل ضباط وجنود مستعدين... شكرتهم وأمرتهم بالانصراف استعدادًا لإعادة التجمع واتخاذ مواجهة الهجوم... وصدرت الأوامر بإعادة التجمع في التاسعة مساءً..
مع فرض السرية الكاملة وتقييد التحركات بعد التنفيذ.. وكانت الأوامر بالنسبة لسريتي أن عملية إعادة التجمع لها بعد وصول السرية التي ستحل محلي في الموقع الدفاعي.. وأتحرك أنا إلى موقع الهجوم..........
كان اختيار موقع الهجوم لسريتي في منحنى للقناة لا تستطيع النقط القوية سواء التي في اليمين أو اليسار رؤيته ولا ما يدور فيه ولا تؤثر عليه بالنيران هذا الموقع عند علامه كم 73 \100 ترقيم القناة وحتى علامة كم 73/800 وذلك بمواجهة 700 متر وهي مواجهة قطاع هجومي، ولابد أن أعلق على هذا الاختيار فلقد كان قائدي العظيم عبقريًا في اختياره فلم يشعر بي العدو وأنا أخترق صفوفه عند العبور ولا شعر بي عندما تقدمت بداخل قواته لمسافة 1600متر وفوجئ بسريتي في وسط قواته...
في التوقيت المحدد وصلت السرية التي ستحل محلي وقمت بإعادة التجميع واتخاذ مواجهة الهجوم في تمام العاشرة والنصف مساءً.. وبمجرد وصولي إلى الموقع الجديد فرضت السرية الكاملة وقيدت التحركات على الجميع.
في تمام الحادية عشرة وصلت الدفعة الأولى من قوارب العبور الزودياك وكان عددها 6 قوارب شرعنا على الفور في نفخها ووضعها في الأماكن المخصصة لها وإن كنا اكتشفنا أنها لا تسعها وهي منفوخة بالكامل فقمنا بتهويتها قليلًا من الهواء الذي بداخلها وانتهينا من ذلك في الثانية عشرة ونصف وانتظرنا الدفعة الثانية... وما كان أسرع من وصولها.....

السبت 6 أكتوبر 1973
تمهيد واجب:
مما لاشك فيه أن الإحساس العميق الذي ترسب بداخلي هو القلق الشديد!! ولقد ساهم قادتي الأعزاء، كلهم.. في تنمية وتعظيم هذا الإحساس وذلك للأسباب الآتية:
أولًا:ثقل وعظم مسئولية تنفيذ المهمة.. كان الكل يحذر من وصول أية دبابة للعدو للضفة الشرقية للقناة... وفعلًا لو نجحت دبابة واحدة في الوصول سيترتب على ذلك خسائر جسيمة في الأفراد مما قد يؤثر على القوة الدافعة للهجوم للقوات لأن أضعف توقيت هو والقوات في الإبحار.
ثانيًا:كانت المرة الأولى في تاريخ الحروب بيننا وبين اليهود أن تعتمد القيادات على فرد المشاة في مواجهة المدرعات وسلاح المدرعات الإسرائيلي هو أفضل ما لديهم حيث إنهم دائمًا يعتمدون عليه اعتمادًا كليًا في حسم المواقف لصالحهم وفي نفس الوقت لديهم أحدث طراز من الدبابات الأمريكية وقتها وهي الدبابة الباتون م48 و م 60 ، فالتدريع لها يصل إلى 40 سم صلب...... أي نعم أننا تدربنا جيدًا على مواجهة الدبابات وكيفية اقتناصها ولكن أجواء القتال تختلف..!! هل لك أن تتصور هول مرور دبابة فوقك قاصدة قتلك!!...
أي نعم قام قائدي العظيم باستعارة دبابة من كتيبة دبابات اللواء قمنا بالتدريب عليها.. ولكن أكرر أجواء القتال تختلف....!!
ثالثًا:القاذفr p g لم يجرب في قتال من قبل حتى من الذين صنعوه أي نعم أحرز نتائج ممتازة في الرماية على أهداف صناعية ولكن تأثيره على المدرعات الإسرائيلية لم نكن نعرفه...
رابعًا: القتال منفردًا لمدة تصل إلى 40 دقيقة حتى وصول باقي القوات كانت مسئولية ضخمة على أكتافي وكيفية الحفاظ قدر الإمكان على أرواح ضباطي وجنودي.. فيجب ألا يترك أي تصرف للصدفة ويجب أن يكون الانضباط الشديد هو أساس تنفيذ المهمة... وأقر وأعترف أنني كنت قاسيًا وبشدة على كل تصرف أو عمل يقوم به أي فرد من السرية سواء ضباط أو جنود خارج حدود الانضباط..! وإن كان البعض كما ستعلمون وبدافع الإخلاص للوطن وغل الثأر الكامن في الصدور قاموا بأفعال جسورة تصل إلى حد الرغبة في الانتحار بالمقياس البشري ولكن الله عز وجل سترها معانا..
خامسًا:الذخيرة ومشاكلها! وهل ستكفيني 40 دقيقة قتال متواصل مع العدو..!! أي نعم قمنا بحسابات دقيقة لها وكانت كمياتها كبيرة حتى أنني خصصت أفراد لحمل الزائد منها.... ولكن هاجس عدم كفايتها كان يلعب في رأسي.....
ولهذه الأسباب كلها كان الإحساس بالقلق ولقد حاولت بقدر ما أستطيع وبقدرتي على التحمل أن أدفن هذا الإحساس حتى لا ينطبع ذلك على ضباطي وجنودي.... وإن كان في بعض الأحيان تفلت مني كلمات تدل عليه فأنا أولًا وأخيرًا بشر.....!! وأحمد الله تعالى أن ضباطي وجنودي كانوا على قدر كبير من الوعي والمسئولية والشجاعة مما مكنا من القنص الحلال...
ملاحظات:
1- كان حجم الاحتياطي المدرع الذي سأقاتله هو سرية دبابات بنسبة استكمال 70 في المائة أي حوالي من 7 إلى 8 دبابات علاوة على فصيلة مشاة ميكانيكي بداخل 4 عربات مدرعة قوتها 44 فردًا إسرائيليًا...
2- كانت سريتي مستكملة من الأفراد والأسلحة بنسبة استكمال 125 % علاوة على أسلحة دعم من الصواريخ المضادة للدبابات والمدافع المضادة للدبابات والقواذف r p g شكلت منهم 12 طاقم اقتناص وزعت منهم 6 أمام مواجهة السرية وعلى مسافات تتراوح ما بين 300 إلى 600 متر طبقًا لمرمى كل سلاح والباقي لتأمين الأجناب وخلف السرية وكذا الطريق الأوسط لسيناء حيث كان يمر على الجانب الأيمن للسرية ومسئوليتي تأمينه.
3- نظرًا لكثرة أحداث اليوم سأقوم بكتابتها على أقسام ومشاهد متتالية حتى يمكن الإلمام بكل ما حدث في هذا اليوم العظيم والذي حفر في القلب والعقل.... دمتم لي سندًا....................
السبت 6 أكتوبر 1973............1
بدأت يومي هذا من ساعته الأولى ففي الواحدة صباحًا وصلت الدفعة الثانية من قوارب العبور الزودياك وعددها 5 قوارب شرعنا في نفخها على الفور ووضعها في الأماكن المخصصة لها وانتهينا منها في الثالثة صباحًا، ثم قمت بالمرور على موقع هجوم السرية وأثناء ذلك كنت أناقش من أقابله من جنودي في المهمة المكلف بها، وأحمد الله عز وجل أنني وجدت من الإجابات ما يرضيني، وذهبت إلى مكان رئاسة السرية وبمجرد وصولي اتصل بي قائدي العظيم وطلب مني تمام القوارب فأخبرته بوصول 11 قارب فقط من المخصص لي وهو 14 قارب.. فأبلغني بأنه سيرسل الباقي على أن أقوم بعمل تمويه جيد لهم نظرًا لأن النهار قد بدأ في الظهور، وفعلًا تم ذلك ثم اتصلت أنا بالقائد لأخبره بعدم وصول مواتير القوارب...كان النهار قد ظهر ولم تعد هناك فرصة لدخول أو خروج أي شيء من الموقع،فسألني وماذا ستفعل فأخبرته بأنني قررت العبور بالمجاديف ولن أعتمد على المواتير فوافق على ذلك.....
في الحادية عشرة استدعاني القائد إلى مركز قيادة الكتيبة وأبلغني بساعة الصفر (سعت س) وكانت لي 1400 وباقي الكتيبة 1420 وتمنى لي التوفيق والإصرار على تنفيذ المهمة... لأخر طلقة وأخر رجل... هكذا قال لي ورجعت إلى موقعي وأخبرت قادة الفصائل بالتوقيت، وذهب كل واحد في مكانه مع جنوده.
في الثانية إلا ربع اتصلت بالقائد ورد عليَّ رئيس العمليات الرائد/ حمدي البنداري وسألته عما هناك أي تغير أو جديد فأخبرني بأنه لا يوجد أي تغيير أو جديد وجميع التوقيتات سارية استغرقت المكالمة 5 دقائق (سأفرد لها مقالة منفصلة بعدما أنتهي)..
أمرت السرية بالجمع لإعطائهم الكلمة المعنوية التي تسبق القتال وحضروا في لمح الريح.. ووقفوا أمامي بكامل شدة القتال، وكانت طريقة وقوفي ظهري للقناة وهم في مواجهتها، كان منظرهم مرعبًا فيه كل الشموخ والكرامة والإصرار.. الجسم مشدود.. العضلات نافرة.. قسمات الوجوه جامدة.. حتى أنني قلت لهم أخفتموني فضحكوا.
السبت 6 أكتوبر 1973...............2
اختصرت كلمتي المعنوية لجنودي في 4 نقاط (الكلام بالبلدي):
1- أنا اديت لكم كل ما أملك من جهد وعرق ومعلومات الباقي عليكم وخلي بالكم كل زمايلكم في الضفة الغربية هيتفرجوا علينا عايزين نوريهم القتال الصح .
2- أنا متأكد من شجاعتكم واحترافكم ووطنيتكم وعارف إن كل واحد فيكم عايز ياخد بتار إخوانكم اللي ماتوا في حرب 67وعلشان كده ارمِي كلمة الرحمة في الزبالة وحطوا حجرًا كبيرًا بدل قلوبكم لما تقاتلوا الكلاب دول.
3- أنا مش عايز أسرى أي واحد فيكم يطول أي يهودي ينحره على طول وبدون أوامر، كل واحد يتصرف حسب الموقف اللي قدامه، أي هدف يدخل في مرمى سلاحك اضربه على طول.
4- الضفة الشرقية مليانة بريحة الجنة تعالوا معايا نشمها كلنا.
وأقسم بالله بمجرد انتهائي من الكلمة وجدت كل فرد في السرية ضابط كان أو جندي يشب على أطراف أصابعه...... أمرت بتركيب السناكي وكان صوت تركيبها أحلى في أذني من أي موسيقى سمعتها في حياتي...
السبت 6 أكتوبر 1973........3
أمرت بنزول القوارب في المياه... نزل الجنود بالقوارب كالطوفان ولا أعلم حتى هذه اللحظة ما جرى إلا وأنا في منتصف القناة والقوارب تشق طريقها للضفة الشرقية (لحظة خارج الزمن) كان الكل يجدف حتى من ليس معه مجداف.. يجدف بيديه أو بدبشك البندقية... ورأيت الملازم أول/ مفتي عبد العزيز إمام يفرد العلم الذي سيرفع على الضفة الشرقية وهو واقف في منتصف القارب
(قمنا بتصنيع علمين بمعرفة الملازم أول/ مفتي تكلفوا 6 جنيهات اشتركت أنا وهو والملازم/ شوقي بدير في ثمنهم بالتساوي كان واحد منهم سيرفع على الضفة الشرقية للقناة والأخر سيرفع على تبة السبعات هدف الهجوم)...
دققت جيدًا في هذا المنظر لاختزانه في الذاكرة لأني أحسست لحظتها أننا نكتب تاريخًا للقوات المسلحة وتاريخًا لوحدتي وتاريخًا لجنودي البواسل، اختزنته جيدًا....... كان قاربي هو الثاني في الوصول والأول كان قارب الملازم/ شوقي بدير الذي رأيته يفاضل بين مجريين للسيول كان بينهما فصحت فيه اللي في اليمين يا شوقي فنفذ في الحال وصعد منه هو وجنوده وصعدت أنا من مجرى سيل أمامي مباشرة وفي ثوانٍ معدودة كنا أعلى الساتر الرملي، نظرت لليسار فوجدت الملازم أول/ مفتي يثبت العلم أعلى الساتر ومعه الجندي/ فرج محمود فرغل والجندي/ عبد الرحمن طلبة جمعة..
تركتهم وبدأت في الجري مع فصيلة شوقي وكانت جميع القوارب قد وصلت وجميع جنود السرية أعلى الساتر فأشرت لهم بالتقدم وتقدمنا كلنا في تشكيل واحد.....

أثناء التقدم انفصل عن تشكيل التحرك العريف/ رجب محمد مصطفى واتجه إلى اليمين فصحت فيه أنت رايح فين يا رجب فأشار إليَّ بيديه فيما يعني انتظر فتركته وتقدمت وأنا أتابعه بنظري فوجدته مرتكزًا على ركبته ويخرج حزمة من أسلاك التليفون ويقوم بقطعها بالسونكي (اتضح فيما بعد أنها الموصلة بين النقط القوية والاحتياطي) ووصلنا إلى تبة السبعات وكان أول شيء نفعله أن يرفع العلم الثاني عليها ونفذنا ذلك.
السبت 6 أكتوبر 1973.........4
كان رفع العلم المصري على تبه السبعات له الأهمية الكبرى لسببين: الأول ارتفاع الروح المعنوية لجنودي والتي وصلت إلى عنان السماء وفي نفس الوقت وجود الحافز للدفاع عنه والسبب الثاني الأهم هو استدراج دبابات العدو في اتجاهه للقيام بأعمال القنص لهم وهذا ما حدث فلقد ظهرت دبابتان على خط السماء بعد وصولي واتخاذ السرية أوضاعها القتالية منهم دبابة متهورة ومغرورة (الدبابة في الحرب تتصرف بطبيعة قائدها) وبمجرد رؤيتها قلت للملازم أول احتياط/ محمد عجرمة..... رحمه الله توفي في سن الخمسين، قائد فصيلة الصواريخ،
هاتلي الدبابة دي يا محمد وأشرت له عليها فرد عليَّ ضاحكًا يافندم متشغلنيش قطاعي أنا النهاردة هشتغل بالجملة،
وفعلًا انطلق صاروخان ارتطما بالدبابتين في لحظة واحدة فانفجرتا مثل علبة الكبريت وأحالوهما إلى قطعة من الجحيم... بمن فيهم... وكان هذا المنظر من أحلى ما رأيت في حياتي.... (وللعلم ذلك مختزن في الذاكرة حتى الآن)، بعدها بحوالي 4 دقائق ظهرت 4 دبابات تتقدم في اتجاهنا وهم حيارى ومرتبكين وفي نفس الوقت الخوف والفزع يسيطر عليهم فقلت للملازم/ شوقي الذي كان بجواري الدبابات دي يا شوقي مش عارفة تحارب وخايفين والخوف لا يصنع مقاتل...... يالا يا ولاد نوريهم كيف القتال وبدأنا في قنصهم بواسطة أطقم اقتناص الدبابات...... وكان العريف متطوع/ صلاح الدين عبد العزيز محمد أول من أصاب واحدة منهم في الجنزير فوقفت ثم أخذ يتسلى عليها بالطلقات وأنا عمال أزعق له خوفًا من نفاد الذخيرة ولكنه لم يبالِ... الغل الكامن في الصدور جعله يصنع منها مصفاة... خرمها كلها ولم ينجُ منها أحد.... والتالية قام الجندي/ عبد الرحيم علي محمد بإصابتها في البرج مما أدى إلى توقفها ثم أخذ يتسلى عليها أيضًا.... والتالية أصبناها بصاروخ فانفجرت والرابعة قام طاقم الاقتناص بقيادة الجندي/ محمد محمد سليمان بإصابتها في المحرك وبعد مرورها عليه... لم يهتز أو يخاف وأصابها في مقتل.... أبلغت قائدي العظيم لاسلكيًا بتمام تدمير 6 دبابات والذي لم يصدق أن هذا العدد تم تدميره
فشخط في قائلًا: بطل شغل اليمن يا طلبة فأجبته يافندم أنا لم أذهب إلى اليمن ولا علم لي بما كان يحدث هناك...
وفوجئت بالعقيد/ محمود علي المصري قائد اللواء يتدخل في هذه المحادثة ويؤيد كلامي؛ لأنه كان يراقب معركة السرية من الضفة الغربية ومن مكان أعلى وشاهد تدمير هذه الدبابات........ الحمد لله رب العالمين..؟ قلتها لنفسي وانتظرت لكي تظهر دبابات أخرى ولم يحدث..


السبت 6 أكتوبر 1973........5
جلست على تبة السبعات بعد الانتهاء من قنص وتدمير 6 دبابات للعدو لانتظار وصول كتيبتي.. وكان تفكيري مشغولًا بباقي المقدر من دبابات العدو فالمفروض هم 8 والذي تعاملنا معهم 6 فقط، فأين الباقي..؟؟ ظل هذا يقلقني لأن الكتيبة على وصول!!..وبدأت أشباح الكتيبة في الظهور على الساتر الرملي للضفة الشرقية وكان أول واحد في الوصول منها هو الملازم أول/ مدحت الميهي والذي احتضنني وقال لي مبروك يافندم تنفيذ المهمة... فرددت عليه لسه بدري يا مدحت باقي دبابتين ومش عارف هما فين وخايف يوصلوا والكتيبة ماخدتش استعدادها... فقال لي ربنا يستر وتركني ليحتل موقع الهاون... ووصل قائدي العظيم بعده ومعه الملازم أول/ سعيد عبد الوهاب إمام ضابط الاستطلاع ووقف معي وشاهد بنفسه الدبابات المدمرة والتي كانت مشتعلة.. وعلق عليها وقال كل الدبابات دي ومعرفتش تجيب منها أسير، فتحججت بحجج واهية أحسست أنها لم تقنعه وسكت الرجل ولكن سكوته كان على غيظ... هكذا خُيِّل إليَّ، أمرني قبل مغادرته لي بتأمين الأجناب وظهر السرية وكذا استعواض الذخيرة التي استهلكتها وتركني، قمت بالمرور على مواجهة السرية فوجدت جميع أفرادها في حالة معنوية لا أستطيع وصفها رأيت الثقة في الله.. والشموخ.. والإرادة الصلبة.. والتصميم.. رأيتهم جميعًا عمالقة حتى الضعاف منهم كانوا على درجة كبيرة من قيم المقاتل، رددت بداخلي الحمد لله .....
وصل باقي الكتيبة ومروا من خلالي وتقدموا لحوالي 500 متر أمامي وأصبحت سريتي تعمل في النسق الثاني للكتيبة ومستعدة للدفع للاشتباك في أي وقت يحدده القائد............
السبت 6 أكتوبر 1973......6
وكما دلني إحساسي قامت دبابة إسرئيلية بالهجوم على إحدي سرايا النسق الأول للكتيبة قبل استكمالها أعمال التجهيز الهندسي لمواقعها وكان الهجوم مباغتًا لها ولكنه كان حلاوة روح..!!.. فقام أحد الجنود بقذفها بقنبلة مضادة للدبابات فهربت...

في الثامنة مساءً ظهرت دبابة وأعتقد أنها نفس الدبابة السابقة مرة أخرى مضيئة جهاز الزينون لها وهو جهاز إضاءة قدرته مليون شمعة يحيل الظلام إلى نهار بحيث لا يستطيع أحد التصويب عليها علاوة على أنه يحرق شاشات أجهزة الرؤية الليلية لنا ونجحت هذه الدبابة في اختراق الحد الأمامي لسرايا النسق الأول ووصلت إلى حدود سريتي فقام الجندي/ فايق صبحي غطاس والذي قمت بالكتابة عنه مقالة "حمل في مواجهة ذئب" بقذفها بقنبلة مضادة للدبابات ووقعت هذه القنبلة على محرك الدبابة فأشعلت بها النيران وقام طاقم اقتناص الدبابات بقيادة الجندي/ محمد محمد سليمان باستكمال تدميرها وقفز منها 3 جنود قمنا بقتلهم................. وكانت هذه المواجهة وبهذه الطريقة مع الدبابة الإسرائيلية وأمام جميع أفراد الكتيبة الأثر الكبير في رفع الروح المعنوية للجميع وكسرت الحاجز النفسي لمواجهة الدبابات...
الحمد لله... الحمد لله.. رددتها بداخلي مرات عديدة هذه هي الدبابة السابعة وباقي واحدة........ ونحن لها لمنتظرون.............
الأحد 7 أكتوبر 1973
منذ الساعات بل الدقائق الأولى من هذا اليوم كانت سريتي تحتل موقعها الدفاعي شرق القناة وعلى نسقين فصيلتان في النسق الأول وفصيلة في النسق الثاني ولتأمين الدفاع قمت بدفع دورية خلف السرية للإبلاغ عن أية دبابات تظهر من الخلف وقد كان فلقد أبلغت هذه الدورية عن طريق الملازم/ ثروت زكي عن وجود صوت جنزير على الطريق العرضي رقم 1 والذي يمر بمحاذاة قناة السويس والذي يبعد عن خلف السرية بحوالي 800 متر، فاتصلت بقائدي العظيم لأسأله عما إذا كانت دباباتنا قد عبرت فأبلغني بأنها لم تعبر بعد فأخبرته بصوت الدبابة تلك فأمرني بالتأكد بنفسي منها وإبلاغه.. اخترت 2 طاقم اقتناص دبابات وذهبت معهم واستطلعت الأمر بجهاز الرؤية الليلية فوجدت هذه الدبابة إسرائيلية فأمرت طاقمي الاقتناص بتعطيلها ونفذوا ذلك في الحال بطلقة في الجنزير وأخرى في المحرك.... واتصلت بقائدي العظيم وأبلغته بأنها دبابة إسرائيلية وأنه تم تعطيلها وجاري التعامل مع طاقمها.... فإذا به يصيح في اللاسلكي
قائلًا أقسم بالله لو ماجبتش منها أسير ويكون سليمًا لأحولك للمحاكمة العسكرية!!.
أعلم تمامًا أن القائد لو قال ينفذ....!!
أمرت الملازم/ثروت بدفع جماعة مشاة من فصيلته لي وقمت بمحاصرة هذه الدبابة الملعونة وجلست مع الجنود المحاصرين لها وأمرتهم بعدم إطلاق النار عليها، وانتظرت فرج ربنا علينا..... وفي تمام السابعة صباحًا فتح برج الدبابة وظهرت رأس جندي إسرائيلي منها يتلفت حوله فوجدنا نحاصر الدبابة من كل اتجاه... أشرت له بالنزول فنفذ على الفور، ودارت بيني وبينه محادثة سريعة كتبت عنها في مقالة " رحلة تسليم أسير" ...!! المهم سلمته للقائد سليمًا كما أمر. ورجعت موقعي حامدًا الله عز وجل على تمام تنفيذ مهمتي الثقيلة والتي كلفت بها وبدون خسائر..؟؟ (كان المقدر من الخسائر لسريتي عند تنفيذ المهمة خسائر تصل إلى 35 في المائة.. علمت ذلك فيما بعد)
الحمد لله...... الحمد لله........ الحمد لله.
الرقيب مجند مستدعى/ محمد حمزة عبد الحميد.... ليس من سريتي... ولكنه من السرية المجاورة لي.. كنت أعرفه وأحترمه العسكرية الصارمة (عسكرية ناشفة).. وهيبته وسط جنوده، كان بسيطًا في تعامله مع الجميع ولكن لا يتنازل مطلقًا عن حقوق الجيش، أحببته وكأن بيننا حبلًا من الود وعندما أراه نحيي بعضنا بشوق ومودة.. في مساء يوم 8 أكتوبر 73 استدعاني قائدي العظيم المقدم/ رجب عثمان قائلًا لي: جهز سريتك للدفع للاشتباك عند مهاجمة تبة الشجرة، وبعدين تعالى امشي معايا في قيادة الكتيبة وخلي الملازم/ شوقي بدير يسيطر على السرية لحين الهجوم... نفذت في الحال... وجهزت السرية وأعطيت التعليمات لشوقي وتوجهت إلى قيادة الكتيبة..
أثناء التقدم قام العدو، بقصف جوي شديد استخدم فيه قنابل شديدة الانفجار وقنابل النابالم وبعد انتهائه استكملنا التقدم، وأثناء سيري سمعت صوتًا يناديني فتوجهت ناحيته فإذا بالرقيب/ حمزة راقدًا على الأرض وحوله بركة من الدم.. وأحشاؤه بكاملها خارج جسمه على الرمل وهو يحاول إدخالها مرة أخرى بداخل جسمه، وعند وصولي إليه بادرني قائلًا: هي إصابتي جامدة..!! فرددت عليه لا يا حمزة دي إصابة بسيطة.... كذبت عليه... فقال أنا نفسي أشرب مياه.. كذبت عليه مرة أخرى وقلت له أنا زمزميتي فاضية هاروح أجيب لك مياه.. لأني أعلم تمامًا إن إصابات البطن ممنوع عنها المياه، لم أغادره ووقفت خلفه ودار حوار بيني وبين نفسي.... ركن الخوف عليه يمنعني وركن الرحمة يرد وأخيرًا انتصر ركن الرحمة... ارتكزت على ركبتي ورفعته عليها وأخرجت الزمزمية ووضعتها على فمه وشرب وأنا أرى المياه التي يشربها تسقط من فمه على الأرض مباشرة..!! بعد انتهائه وجدت شفتيه تتحركان بدون صوت فقربت أذني من فمه، كان يتكلم بكلام لم أستطع تمييز شيء منه سوى كلمتين فقط هما زمزم... زمزم... لم أعلم إذا كان يقصد نفسه أو يقصدني.. وصعدت روحه إلى بارئها..
أنزلته من على ركبتي وقرأت له الفاتحة.. وتكلمت في اللاسلكي مع الملازم/ شوقي وأمرته بإرسال 4 جنود لدفن الرقيب/ حمزة في مكانه.... (نقل فيما بعد إلى مقابر الشهداء بالإسماعيلية) واستكملت المسير إلى قيادة الكتيبة وأبلغت قائدي العظيم باستشهاد حمزة، فقرأ له الفاتحة......
وتمر الأيام والسنين وذهبت لأداء أول عمرة في حياتي، وكنت برتبة عقيد وقائدًا لكتيبة مشاة... وما إن هممت بشرب ماء زمزم حتى.. طن في أذني نفس الهمس الذي قاله الرقيب/ محمد حمزة... زمزم.... زمزم... فأكملت العمرة واسترحت قليلًا وقمت بأداء عمرة جديدة وهبتها للرقيب مجند مستدعى/ محمد حمزة عبد الحميد........ ما أحلى من ماء زمزم
العريف مجند/ محمد نصر البيومي المحلاوي... من بلطيم- محافظة كفر الشيخ كان فرد اللاسلكي الخاص بي.... بشرته بيضاء بشكل لافت، وشعره أصفر وعيناه زرقاوتان.. وجسده نحيل، وظهره مقوس (من كتر حمل الجهاز اللاسلكي) وأنفه معقوف مثل اليهود الذين يرسمهم الرسامون في الصحف والمجلات... من يراه لأول مرة يعتقد أنه غير مصري..!! فجر يوم6 أكتوبر حضر لي وقال أنا خايف يافندم من العساكر اللي من خارج الكتيبة يفتكروني يهودي....!! فقلت له متخافش يا محمد بس خليك جنبي على طول وطبيعي أنت جنبي علشان الجهاز اللاسلكي.... فسكت على مضض.. وبدأت الحرب وكان حريصًا جدًا على اللزق فيا وبطريقة غير طبيعية وأنا مقدر ما يشعر به، وعند التقدم إلى خط المهمة النهائية فجر يوم 10 أكتوبر ناداني قائدي العظيم فذهبت بسرعة إليه وسهوت عن العريف/ محمد، وبالصدفة كان يسير خلفنا جنود من المدفعية وبعد برهة سمعت صياح محمد يقول الحقني يا سيادة النقيب/ طلبة...الحقني أنا في عرضك...!! رجعت بسرعة فوجدت العريف/ محمد بداخل دائرة من الجنود والكل يكيل له الضربات وهو يصيح والله أنا مصري، ولحقته في أخر لحظة كانوا ينوون قتله.. صحت فيهم ونهرتهم بشدة فسكتوا على ريبة..!! لأنهم لا يعرفوني أيضًا حتى ظهر قائدهم الرائد/ محمود بغدادي والذي نهرهم أيضًا واعتذر لي.....
أما بالنسبة للعريف محمد فلقد قال لي أنا بعد كده هجيب حبل واربط رجلي في رجلك يافندم.
في يوم 13 أكتوبر 73 قامت طائرات العدو بقصف مواقع الكتيبة وأثناء مراقبتي للطائرات لاحظت أن هناك طائرتان تنفصلان عن السرب وتقومان بقصف منطقة في الفاصل بيني وبين الجار اليمين والذي أعلم تمامًا أنها خالية من القوات، اسمها على الخريطة القلب المهجور.... تم ذلك في أكثر من غارة...... أبلغت قائدي العظيم بذلك والذي راقب طلعة الطيران التالية فوجد كلامي صحيحًا، فأمرني بعد القصف أن أرسل دورية استطلاع للمنطقة ومعها ضابط.. وفعلًا عينت الملازم/ عبد الحميد الريفي ومعه 7 جنود وذهبوا، ومرت ساعة كاملة ولم يعودوا وخلال هذا الوقت كان قائدي العظيم يسألني عن تمام عودتهم فأجيبه بالنفي..!! وبعد هذا الوقت أمرني بدفع دورية أخرى لاستجلاء الأمر فعينت الملازم/ شوقي بدير ومعه 10 أفراد ولقنته بما سيفعل وذهبوا...... ومر الوقت كسابقه وأنا في غاية القلق وفي نفس الوقت يلح عليَّ قائدي العظيم بالسؤال عنهم، إلى أن قال لي روح بنفسك وشوف راحوا في أنهي داهية..!! وأنت مسئول عنهم قدامي، انتقيت 6 جنود من القدامي والمحترفين وذهبت إلى المنطقة وبحثت إلى أن لاحظت فتحة ملجأ تبدو مضيئة فنزلت بها........ ويا هول ما رأيت........ رأيت الجنود والضباط الذين أرسلتهم جزءًا منهم نائمًا والباقي يفترشون الأرض وأمامهم علب طعام يأكلون منها وكأنهم في أخر زادهم....... طحت فيهم الضرب بالقايش وصحت فيهم يا ولاد الكلب يا أوساخ سايبني على أعصابي وأنتم هنا نايمين وبتاكلوا....... وبعد أن هدأت شعرت بالجوع الشديد......!!!!
هاتولي أكل......!!!
ملحوظة:
كان المكان عبارة عن ورشة إصلاح تركها العدو سليمة، وتم الإبلاغ عنها فقامت قيادة الفرقة بتفريغها مما فيها، من معدات وقطع غيار...... ولكن قبل وصولهم قامت سريتي بنهب ما فيها من تعيينات ومهمات وأسلحة ووزعته على جميع أفراد السرية فيما عدا الأسلحة فلقد سلمتها إلى شئون إدارة الكتيبة.
في أعقاب الغارة المشئومة على سريتي يوم 16 أكتوبر عام 73 وخلفت 9 شهداء و16 جريحًا استهلكت جميع مواد الإسعاف الموجودة بالسرية وأبلغت قائدي العظيم باحتياجي لإعادة استكمال ما استهلك منها فأمر سيادته ضابط شئون إدارة الكتيبة بإمدادي بالمواد الطبية التي أحتاجها وفعلًا في اليوم التالي وصل إليَّ كل ما طلبته وما سوف أحتاجه، وكان هناك بعض الجنود الذين أصيبوا قد رفضوا الذهاب إلى المستشفى وظلوا بالموقع وظهرت لي مشكلة كيفية علاجهم....!! أي نعم جروحهم بسيطة ولكن تحتاج إلى غيار يوميًا، وبالفعل الغيار لهم يوميًا استهلك ما تم إمدادي به...... في يوم 21 أكتوبر أبلغت قائدي العظيم باحتياجي للإمداد بالمواد الطبية مرة أخرى فتعجب ولما شرحت له الموقف رد عليَّ سأرسل لك ما تحتاجه ومعه طبيب الكتيبة الملازم أول/ رشاد مرزوق تاوضروس وفعلًا بعد قليل حضر وعاين الإصابات وأجرى لها اللازم وجلسنا بعض الوقت نتحدث عن الحرب وفجأة نقل الحديث عن حياته وخطيبته والتي يحبها ويعشقها وما سوف يفعله لها بعد خروجه من الخدمة وخُيِّل لي أن الكلام يسقط من فمه ولحظتها جاءني شعور غريب..المهم في النهاية تمنيت له التوفيق وتحقيق كل ما يتمنى وودعته وانصرف إلى منطقة الشئون الإدارية حيث موقعه... وفي الرابعة عصرًا تحدث غارة جوية لأول مرة منذ بدء القتال على منطقة الشئون الإدارية ويستشهد الملازم أول/ رشاد مرزوق تاوضروس وتدفن معه أحلامه وأمانيه.
العريف/ حسن محمد حسن... قائد طاقم رشاش متوسط، انضم لـ سريتي في مساء يوم 16 أكتوبر 73 كاستعواض خسائر للسرية بعد حدوث الغارة المشئومة، كنت أعرفه جيدًا قبل ذلك... كان مخلصًا جدًا في عمله، ومحترفًا.. ووفيًا لقائده.. ومطيعًا لأي أمر يصدر له.. كان كاملًا في كل شيء، ولكن ينقصه شيء واحد هو خوفه الشديد من طيران العدو..!! قد يعتبر البعض أن هذا جبن.. ولكني أعتبره نقيصة... ومن منا بلا نقيصة!!..كنت أقف معه أثناء وجود طيران العدو في السماء لأبعث الطمأنينة إلى قلبه، وأحاول تعليمه كيف يتفادى القصف الجوي.. ولكن هيهات.. في يوم 21 أكتوبر كانت طائرات العدو في السماء وكأنه قابع في حفرته وأراد أن يدخن سيجارة ولم يكن يمتلك كبريتًا.. فسمعته يقول لي بصوت هامس... بست.... بست... فالتفت إليه فقال لو سمحت يافندم عايز منك كبريت..؟؟ فرددت عليه: لماذا لم تقم بمناداتي بالطريقة الصحيحة يا حسن؟؟ فرد قائلًا وهو يفحص السماء بحثًا عن تلك الطائرات ونبرة الصدق واضحة في كلامه:
أصل يافندم كنت خايف الطيار يسمعني.
الجندي/ فتحي السعيد إبراهيم، من حي الإباجية... قسم القلعة بالقاهرة أحد جنود سريتي... عند عرضه في طابور المستجدين عام 72 وجدته منكسرًا وعينيه مملوءتين بالحزن الشديد فأمرت مساعد السرية محمد حامد ناصف بعرضه عليَّ منفردًا بعد الطابور... وحضر وحكى حكايته.........
انفصل أبوه عن أمه وكل منهما تزوج وأنجب وتركاه في رعاية جدته وهو في عمر السنتين وعندما وصل إلى سن 4 سنوات ألحقته جدته بالعمل في صالون حلاقة كصبي حلاق، وكأن صاحب هذا الصالون بلا ضمير فبخل عليه بمرتب معقول (3 قروش أسبوعيًا) علاوة على عقابه الدائم له بسبب أو بدون سبب بالضرب أحيانًا أو بحرق قفاه بالسجائر (رأيت آثارها)، فنزع منه كرامته وجعله محطمًا معنويًا ويخاف الناس وكارهًا للتعامل معهم. واسيته وطمأنته وأخبرته أننا هنا زي بعض ولا فرق بين ضابط وجندي ولا تخف من أحد..وكرامتك من كرامتي الشخصية وأي مخلوق هيحاول يزعلك أنا هاكسر عضمه...بكى بشدة وحاول تقبيل يدي فنهرته وأخبرته أن من يفعل مثل هذا التصرف يمكن أن يحاسب عليه... كان يتمتع بقوة بدنية هائلة ولكن بدون مخ...!! فعينته في الأعمال الإدارية والتي تحتاج إلى هذه القوة... وأشهد أنه كان لا يتعب ولا يكل أبدًا ولكنه لاغي دماغه دائمًا ولا يحاول التفكير واستخدام عقله...... عندما بدأ يتعامل مع جنود السرية وجدهم أصحاب كرامة وعزة نفس، فأراد أن يجد مكانًا يحفظ له هيبة بينهم فادعى كذبًا أنه مخاوي وبيكلم العفاريت وأخذ يردد ذلك مع جنود السرية الذين خافوا منه، اشتكوا لي فنهرته على ذلك وأمرته بعدم الحديث في مثل هذه الأمور مع الجنود ولكنه لم يرتدع وأصبح يصطاد زميله في الخدمة ويحكي له قصصًا من نسج الخيال.
نجحت عربة مدرعة إسرائيلية في إخلاء 14 جنديًا إسرائيليًا من إحدى النقط القوية والتي كانت تبعد عن موقعي حوالي 2 كيلو متر وتسللت من خلال الوحدة المجاورة على يساري ثم اكتشفت أننا أمامها فنزلت في حفرة وقبعت بها لحين فرج ربنا عليها، وكانت هذه الحفرة خارج مسئوليتي الهجومية وتقع في نطاق مسئولية الجار اليسار مني وتبعد حوالي 500 متر..... ولما كان الجندي/ فتحي مشغولًا بإسهاله ويريد قضاء حاجته ذهب في اتجاه هذه المدرعة ولم يدرك أنها معادية وجلس مستندًا عليها وبدأ في قضاء حاجته فشعر به الجنود الإسرائيليون (العربة مفتوحة السقف) ومد اثنان منهم أيديهم وأمسكوا بكتفيه ورفعوه لأعلى ليأخذوه معهم.... أما بالنسبة للجندي/ فتحي فلقد وجد نفسه يرتفع عن الأرض ولا يستطيع أن يرى من يرفعه، فاعتقد أنهم العفاريت والذي طالما تحدث عنهم واستقرت في العقل الباطن له.... فلفص منهم وخلع شدة القتال خاصته وتركها بين أيديهم، وجرى وهو عاري نصفه الأسفل حتى وصل إلى موقع السرية وعندما وصل طاقم اقتناص الدبابات واكتشف أنها معادية قام بتدميرها وقتل كل من فيها واستولينا منها على 5 رشاش عوزي و2 مسدس و7 بنادق f.n... وافتضح أمر الجندي/ فتحي السعيد إبراهيم فيما يخص العفاريت..... كم أنا أعشق العفاريت.
كمالة واجبة.....
رفض قائدي العظيم تسجيل تدمير المدرعة لحساب سريتي وقال لي أنا لم أرها بعيني علاوة على أنها خارج نطاق الهجوم لي ولكنه مر عليها مرور الكرام في سجل أعمال قتال الكتيبة.
قبل خروج الجندي/ فتحي من الخدمة بحوالي 3 أشهر استدعيته وقلت له نفسك في إيه يا فتحي بعد ما تخرج... فرد بعفوية شديدة نفسي يكون عندي عدة حلاقة أفتح بيها صالون فقلت له تتكلف كام العدة دي؟ فرد بعفوية 7 جنيه يافندم... فقلت له وإيه كمان يا فتحي، فرد ونفسي أتعلم.....!! استدعيت الجندي/ أحمد محمد عبد الرازق وأعطيته 7 جنيهات من جيبي الخاص وأمرته بعمل تصريح لمدة 8 ساعات على أن يذهبوا إلى سوق الحلاقين بالموسكي ويشتري له عدة حلاقة كاملة..... وأصبح الجندي/ فتحي يمتلك عدة حلاقة وبدأ في التدريب على الحلاقة في رءُوس جنود السرية وعندما.... إلا أنا فلم أعطه رأسي مطلقًا...
أما بالنسبة للتعليم فلقد أوكلته للجندي/ فرج محمود فرغل، فتعلم القراءة والكتابة.
بعد مرور 3 سنوات على خروجه فوجئت به يحضر إليَّ في الكتيبة وكنت أشغل وظيفة رئيس عمليات الكتيبة ويحاول رد الـ 7 جنيهات فرفضت رفضًا مطلقًا وقلت له أنهم هدية مني له ويكفيني أمانتك وعلمت منه أنه أصبح صاحب صالون حلاقة )الصالون الذي بدأ فيه حياته) وأخذت عنوانه ومن أمتع لحظات حياتي أن أذهب إليه وأستمع إلى حكاياته والتي لا تنتهي عن............................ العفاريت.
رحلة تسليم أسير.......
في شهر أغسطس 73 وأثناء تفقدي لطابور السرية تناهى إلى سمعي همسًا بكلام لم أفهمه من ثلاثة جنود يقفون بجانب بعضهم في الطابور وهم الجندي/ محمد محمد سليمان، من العدلية/ دمياط... والجندي/ عصام الدين عبد الرحمن، من باكوس/ الإسكندرية.. والجندي/ صلاح الدين محاولة محمد أبو العز (الشهير بصلاح موتوسيكل لسرعة تلبيته للأوامر)، من الشهداء/ منوفية... تعجبت من هذه اللغة وأمرتهم بالحضور إلى ملجئي..وحضروا واكتشفت أنهم اخترعوا هذه اللغة للتفاهم فيما بينهم.. وهي عبارة عن نطق الكلمة بعكس حروفها (مثال: كلمه جندي قلبوها لتصبح يدنج-- كلمة عمر تصبح رمع) وهكذا...بالرغم من أنهم من محافظات مختلفة إلا أن جمعتهم مودة خاصة وتآلف كبير، وكانوا أصدقاء بحق... أعجبتني هذه الطريقة في الكلام وطلبت منهم تعليمي إياها، وفعلًا في خلال أسبوع واحد ولمدة ساعة يوميًا تعلمتها وأصبحت أتفاهم بها معهم وطرأت لي فكرة تشكيل طاقم اقتناص دبابات منهم وفعلًا نفذتها، وأطلقت عليهم لفظ العصابة...!! فقد كانوا يقتلون القتيل ويمشون في جنازته... وقمت بتدريب الثلاثة على القاذف الصاروخي المضاد للدبابات.R.P.G. وأشهد أنهم الثلاثة برعوا في استخدامه وكانوا أساتذة قنص دبابات.
في فجر يوم 7 أكتوبر نجحت دبابة للعدو في التسلل من ناحية الجار اليمين للكتيبة وسارت بالعرض على طول قناة السويس ثم انحرفت في اتجاه سريتي حتى وصلت إلى حدود فصيلة النسق الثاني للسرية والتي كانت بقيادة الملازم/ ثروت زكي علي أحمد.. أخبرني ثروت بذلك فاتصلت بقائدي العظيم سائلًا إياه عما إذا كانت دباباتنا عبرت القناة من عدمه.. فأخبرني بأنها لم تعبر بعد، فقلت له عن الدبابة الموجودة خلف فصيلة النسق الثاني لسريتي فأمرني باستطلاع الأمر بنفسي فذهبت ومعي العصابة وهناك ميزت أنها إسرائيلية وأمرت الجندي/ محمد محمد سليمان بتعطيلها فنفذ على الفور بطلقة في الجنزير ففرطه وأصبحت عاجزة عن الحركة... وكذا أمرت الجندي/ عصام الدين عبد الرحمن بتعطيل الدبابة أكثر فتنفذ أيضًا على الفور بطلقة في المحرك، مما أدى إلى اشتعاله....... وأصبحت الدبابة قطعة من الحديد... وأبلغت قائدي العظيم بذلك.... وما إن أخبرته حتى صاح في اللاسلكي... أقسم بالله العظيم لو ما جبتش منها أسير ويكون سليمًا راح أحولك للمحاكمة العسكرية.......
أمرت الملازم/ ثروت بدفع جماعة مشاة لمحاصرة الدبابة ونفذ على الفور.. وجلست أنتظر معهم فرج الله.....!!! في تمام الساعة السابعة صباحًا فتح برج الدبابة وظهرت رأس جندي إسرائيلي، ينظر منه ويدير رأسه لليمين واليسار بذهول شديد؛ ليجدنا كلنا حاملي أسلحة وننظر إليه... أشرت إليه بالنزول فنفذ على الفور وبمجرد وضع قدميه على الأرض دار الحوار التالي معه......... كان يهوديًا عراقيًا ويجيد اللغة العربية....
الأسير: بحق الإله اللي بنعبده سوا ما تقتلني ...
أنا: بحق الإله اللي بنعبده سوا أنت أمك داعيالك النهاردة، مش هاقتلك.
الأسير: يا أخي وين السيارة؟
أنا: سيارة إيه...؟؟ ولزقته على قفاه وأردفت ماتقوليش يا أخي.
الأسير: سيارة الأسرى يا أخي.
أنا: حاليًا مفيش سيارات، احنا عندنا مراجيح وهتركبها بعد شوية للمرة الثانية لزقته على قفاه وقلت له لو قلت كلمة أخي مرة ثانية هاقتلك.
الأسير: نعم... نعم... يا سيدي...........
وصلنا إلى قيادة الكتيبة أخيرًا بحمد الله، فوجدت الرائد/ حمدي البنداري رئيس عمليات الكتيبة ينتظرني واقفًا فوق حفرته وقائدي العظيم جالسًا خارج حفرته وما إن وصلت حتى فوجئت بالرائد/ حمدي يقول للأسير يا ولاد الكلب معذبنا ست سنين وأنتم ماتستهلوش حاجة يلعن أبو أمك ثم قام برفسه بقدمه فتفادى الأسير الرفسة للمرة الثانية فوقعت كلها في ركبته اليسرى فوقعت على الأرض للمرة الثانية........... حصان رفسني... وأنا واقع على الأرض نظرت إلى قائدي العظيم جالسًا والذي كان مبتسمًا وقلت له الأسير أهو وسليم زي ما سيادتك عايز.. بس عليَّ الطلاق بالثلاثة ما أنا جايب أسرى تاني........
أنماط من البشر.......
الطيب.....
قبل حرب 73 بحوالي 6 أشهر أجرى قائدي العظيم حركة تنقلات بين ضباط صف الكتيبة وعين المساعد (الصول)/ محمد حامد ناصف مساعدًا لسريتي.
هو من محافظة الغربية وبأخلاق أهلها الطيبة السمحة، عندما قدم نفسه لي ليعمل معي ومن أول لقاء معه وجدت نفسي أميل إلى مصاحبته ولكن فرملت نفسي...!! كان طويلًا وعريضًا ولجسمه هذا مهابة من نوع خاص. هو من النوع الهادئ المؤدب استمر في العمل معي لمدة 4 سنوات لم أشاهده يومًا يثور أو يتلفظ بلفظ نابٍ بل كان دائمًا يمثل المصد لثوراتي على الجنود المخطئين.. وفي نفس الوقت يعافب بشدة أي جندي أو ضابط صف يخطئ، قبلي.. حتى أن أحد ضباط الصف قال لي يافندم عاقبني أنت بلاش الصول حامد..!! شكلت أنا وهو ثنائي متفاهمًا جدًا لأنه كان يفهمني من نظرات عيني..... كان أكبر مني سنًا ولم أستطع أن أناديه باسمه المفرد بل كنت دائمًا أناديه بـ ياعم حامد وكان هو سعيدًا بذلك، عاونني كثيرًا في فرض الانضباط على السرية كلها وبالذات في وقت الحرب شجاعته وهدوء أعصابه وحزمه للأمور جعل أداء رئاسة السرية غاية في المثالية وبعد انتهاء الحرب كتبت اسمه على رأس المطلوب تكريمهم فمنح نوط الشجاعة العسكري وهو يستحقه بجدارة........ كم كنت سعيد الحظ بالعمل معه...
أنماط من البشر......
الملبوس....
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون... صدق الله العظيم.
سأقترب بكل الحذر والحيطة عند الكتابة عن هذا الموقف أو النمط..!! لأن الاقتراب من هذه الأنماط أو المواقف ربما سيدهش البعض ويخيف البعض الأخر..ويكذبه البعض، ويصدقه البعض الأخر..!!! ولقد مررت أثناء خدمتي بالقوات المسلحة بكثير من هذه المواقف والأنماط مما جعلني أنظر إليها بأنها قدر من الله تعالى... وحتى الآن لا أدري سبب حدوثها أو طريقة الشفاء منها...........!!!! وإليكم الموقف.
الرقيب أول/ فتحي................. (لن أذكر باقي الاسم) كنت قائده وأنا برتبة ملازم أول... ونحتل موقع دفاعي في نمرة 6 بالإسماعيلية... رجل ضحوك، وصاحب نكتة ومن الشخصيات المرحة، ويعتمد في سيطرته على الجنود على مصاحبته لهم وإلغاء الخط الفاصل بين الرتب وبعضها وكثيرًا ما كنت أنبهه لذلك فيسمع كلامي لفترة ثم سرعان ما ينساه.. في يوم كنت أمر بجوار ملجئه ومعي رقيب متطوع وأحد الجنود سمعته يتكلم بصوت عالٍ وبنبرات حادة، فطرقت الباب ودخلت فلم أجد معه أحدًا...!! دهشت وسألته مع من يتحدث... فرد عليَّ قائلًا: كنت بكلمك أنت لأنك ضربتني وأنا نائم...!! دهشت أكثر لأني لم أدخل هذا الملجأ أبدًا قبل ذلك، فقلت له معلش حقك عليَّ وماتزعلش، وخرجت من عنده وكلفت أحد الجنود بمراقبته دون أن يشعر ويبلغني بتصرفاته أولًا بأول.. تكرر ذلك منه كثيرًا علاوة على إبلاغي بأنه في بعض الأحيان يتكلم بصوت نسائي..!! حتى أنه في أحد الأيام وأنا واقف أمام الطابور وهو واقف خلفه والمسافة بيننا كبيرة صاح بأعلى صوته ماتضربنيش يافندم حرام عليك ودخل في نوبة ارتعاش مرعبة فأمرت بعض الجنود بحمله إلى النقطة الطبية وقام الطبيب بالكشف عليه ثم أرسله إلى مستشفى الأمراض النفسية للقوات المسلحة والتي مكث بها شهرًا ثم عاد أسوأ مما كان عليه، فكان يظن أن الكل يضربه..!! أبلغت القائد بأني لا أريده ويجب نقله من عندي لخطورته على الجنود فنفذ لي طلبي ونقل إلى قيادة الكتيبة ثم نقل منها ولا أعلم حتى الآن مصيره...... شفاه الله وعافاه....
أنماط من البشر..........
بدون عنوان.....
خلال حرب الاستنزاف كنت أحتل موقعًا دفاعيًا على الشاطئ الغربي لقناة السويس مباشرة في منطقة المعدية نمرة 6 بالإسماعيلية، وكان حدي اليسار هو مستشفى هيئة قناة السويس الجديدة والتي كانت تحت الإنشاء ثم توقف العمل بها عند حدوث حرب 67، وظلت على هذه الحال لسنوات وسنوات وكان يوجد خلف المستشفى بمسافة حوالي 100 متر نقطة لحرس الحدود وكانت هذه المسافة تشكل ممرًا يمر به الجميع لاختصار المسافة بين المواقع وبعضها علاوة على أنه مستور عن رؤية العدو......
كنت دائمًا عندما أمر بهذا الممر قاصدًا زيارة زميلي الملازم أول/ مصطفى رمضان ينتابني شعور برعشة في جسدي وأشعر بأن شعر رأسي ويداي يقف كما أشعر بأن هناك نمل يجري تحت جلدي....!!!! في البداية لم أعبأ بما كنت أحس به ولكنه تكرر مرات كثيرة عند مروري في منطقة معينة لهذا الممر، فأخبرت زميلي بهذا الإحساس والذي فوجئت به يخبرني بأنه يشعر بنفس الإحساس... وقررنا نحن الاثنين أن نستكشف ما في هذه المنطقة والذي يسبب هذا.....!!!
في صباح اليوم التالي جمع كل منا مجموعة من الجنود ومعهم كواريك الحفر وذهبنا إلى المنطقة التي نشعر فيها بهذا الإحساس ودققنا في الأرض حتى وجدنا لون الرمال متغيرًا فيها فبدأنا الحفر بها وما هي إلا لحظات قليلة حتى صاح أحد الجنود بوجود جثة فأسرعنا جميعًا وأخرجناها ووجدنا بجوارها زجاجة بداخلها ورقة مدونًا بها بيانات الجثة.... أسرعنا إلى القائد وأبلغناه وانتقل معنا إلى المكان وشاهد بنفسه الجثة وقرأ الورقة وأمرني بنقلها إلى مقابر الشهداء والتي رفضت استقباله إلا بعد تصديق قائد الجيش. ورجعت بها وأبلغت القائد الذي قام بعدة اتصالات كان على إثرها الموافقة على استلام الجثة....!!! وذهبت مرة أخرى إلى المقابر وسلمت الجثة...
شغلني هذا الموضوع كثيرًا وبدأت في التحري عن صاحب هذه الجثة فوصلت إلى أنه جندي من مدفعية الرئاسة العامة انسحب من سيناء على قدميه وكان جريحًا ووافته المنية بعد عبوره إلى الشاطئ الغربي لقناة السويس مباشرة فقام زملاؤه والذين ليسوا من وحدته بدفنه في هذا المكان ووضعوا بياناته في هذه الزجاجة.... والأهم من ذلك أنه مدون بوحدته على أنه مفقود!! كيف تفسرون ذلك وكذلك ما هو العنوان اللائق له........!!!!
أنماط من البشر......
صاحب أول بصمة....
المقدم أ. ح/ سمير السيد محمد الحملاوي قائد كتيبتي خلال حرب الاستنزاف (لواء فيما بعد) رحمه الله رحمة واسعة وأثابه عما فعله معي.... هو صاحب أول بصمة يضعها بين جنباتي وصاحب أول دستور اتخذته منه طوال سنوات خدمتي بالقوات المسلحة....
شغلت أثناء فترة قيادته وظائف عديدة بداخل الكتيبة اختصني بها وكانت كل وظيفة أشغلها يصب لي فيها من خبراته ما يفيدني.. كان دائمًا يكلفني بمهام شاقة ويقسو عليَّ فيها وكنت أتأفف ساعتها ولكن كلما كبرت في السن والرتبة وأنظر خلفي لهذه الأيام أجد نفسي مدينًا له بكل ما وصلت إليه من نجاحات.....
هو من عائلة كبيرة وعريقة بالشرقية (عائلة الحملاوي) ولذلك تميز بالكرم والأصالة.. وصل إلى الكتيبة في أوج حرب الاستنزاف قادمًا من روسيا عقب تخرجه من كلية أركان حرب بأكاديمية فرونز العسكرية إحدى قمم الأكاديميات العسكرية في العالم... كان يتكلم الروسية أحسن من أهلها، ولذلك كان الخبير الروسي بالكتيبة يعمل له ألف حساب.... كانت شجاعته تلفت النظر وله من المواقف فيها ما يشيب شعر المولود!!...اتخذناه قدوة لنا نحن الضباط الصغار وقتها، فلقد كان دائمًا يتقدمنا، بل في بعض الأحيان يقوم بعملنا.. لم يقطع صلته بي حتى يوم وفاته.. وإليكم أيها الأعزاء بعض ما كان يقوله لي من نصائح لن أبخل بها عليكم لعلكم تستفيدون منها......
1-إوعى في يوم من الأيام تتشرف بالكرسي اللي قاعد عليه خلي الكرسي هو اللي يتشرف إنك قعدت عليه.
2- خلي دراعك هو مستقبلك وإوعى تعتمد على حد أو تمشي في ركاب حد.
3-لو حبيت شغلك هايديك اللي أنت عاوزه.
4- خلي ضميرك هو الرقيب عليك مش البشر هما اللي يراقبوك.
5- اشتغل وظيفتك بأبعادها وليس الوظيفة فقط.
كلمات بسيطة ولكنها عميقة المعنى لمن يفهمها ويتدبرها.. ولقد كانت تلك الكلمات ذات تأثير شديد بداخل نفسي جعلتني أنظر إليها وأنا في هذا العمر بكل الإجلال والاحترام والتقدير...... رحمه الله رحمة واسعة وأدخله الجنة..
أنماط من البشر.......
حمام الهنا.........
قبل وقف إطلاق النار عام 70 بحوالي شهر كنت أخدم وقتها بقيادة الكتيبة وكان مكاني على تبة كبيرة تسمى تبة شوقي خلاف وكان يقع أسفل التبة معسكر قديم من أيام الاحتلال الإنجليزي كنا نستخدمه كقيادة هيكلية للكتيبة
وفي أحد الأيام فوجئنا أن إدارة الأشغال العسكرية تقوم ببناء كشك من الخشب والصاج ووضعت فوقه خزان مياه وزودته بعدد 2 دش و2 عين لقضاء الحاجة..... حاجة ملوكي كده..!!! لتريحنا من عذاب قضاء الحاجة في الادب خانة..!! والاستحمام بالكوز والصفيحة....!!
بمجرد الانتهاء من إنشائه قررت أنا وزميلي الملازم أول/ أحمد حسن بهجت المليجي أن ندشنه بالاستحمام فيه وفعلًا أخذ كل واحد منا غيارًا نظيفًا ونزلنا من أعلى التبة ودخلنا الحمام وخلعنا ملابسنا وبدأنا في الاستمتاع برغوة الصابون ومياه الدش... وفجأة سمعنا صوت طلقة هاون 120 مم معادية تسقط خلف هذا الحمام.. فلقد قرر العدو أن يهدمه.. فتحت باب حمامي فوجدت أحمد المليجي هو الأخر يفتح حمامه وفي نفس واحد قلنا لبعضنا الطلقة الجاية هاتبقي علينا وجرينا ونحن عرايا كما ولدتنا أمهاتنا، وتركنا الغيارات النظيفة والشباشب بتاعتنا، ونحن نجري سمعنا صوت الطلقة الثانية فرقدنا على الأرض فالتصقت الرمال على أجسادنا المملوءة بالصابون وسقطت الطلقة بجوارنا ولم تصبنا وبمجرد انفجارها قمنا بمتابعة الجري حتى وصلنا إلى ملجئي وبمجرد وصولنا سقطت الطلقة الثالثة على هذا المنشأ البائس لتحيله إلى أنقاض...!!
وقفت أنا وأحمد المليجي ننظر إلى بعضنا والصابون والرمال تغطي أجسامنا كلها وسألني ضاحكًا إيه رأيك في الحمام ده فرددت عليه ضاحكًا أيضًا ده حمام الهنا يا أحمد.......... يعيش الاستحمام بالكوز والصفيحة...
أنماط من البشر......
الأهبل.....
الأهبل هنا هو قناص إسرائيلي ظهر فجأة أمام موقع فصيلتي في شهر أبريل عام 69.. وطوال مدة بقائه على الحياة (4 أشهر) لم يصب أحدًا مطلقًا، كانت طلقاته دائمًا هوجاء وطائشة.. حتى أننا تعودنا على سماع طلقاته ومن خبرتنا كنا نتوقع أين هي ذاهبة...!! والحقيقة أنه كان جيد الاختباء لم نره إلا في يوم مقتله.. لم يعجب قائدي الحبيب المقدم/ سمير الحملاوي أن يقال أن في قطاعه قناص إسرائيلي... ففي شهر أغسطس من نفس العام قرر إبادته فأمرني بتجهيز شكل رماية من اللي بندرب عليه وكذا ستره أفارول وخوذة وانتظاره في الفجر... قمت بتجهيز ما طلبه وحضر إلى موقع فصيلتي وألبس شكل الرماية سترة الأفارول ووضع على رأسه الخوذة ووضعناه في حفرة وثبتناه بداخلها حتى بدا وكأنه فرد مراقب، ثم انتقلنا إلى حفرة أخرى تبعد عن الأولى حوالي 50 مترًا وجلسنا ننتظر!!..وفي الثامنة صباحًا أخذ المقدم/ سمير الحملاوي البندقية القناصة من الجندي القناص والذي كان مرافقًا لنا.. وربط قايش البندقية على ذراعه بطريقة لم أرها من قبل.. وانطلقت طلقتان الأولى من القناص الإسرائيلي تقع أمام شكل الرماية ولم تصبه والثانية من المقدم/ سمير الحملاوي لتصيب القناص الإسرائيلي في مقتل...تتدحرج خوذته من أعلى الساتر الرملي للضفة الشرقية ثم وراؤها جثته...!! ثم نظر إليَّ وعينيه مملوءة بالسعادة وقال لي ضاحكًا: شفت عملت إيه في الواد الأهبل ده!!..كم أكره الهبل والمهابيل.
أنماط من البشر.......
هاتولي التمساح ده......
في أعقاب حرب 67 خصصت القوات المسلحة مناطق لتدريب القوات في أماكن لم يطأها بشر من قبل!!..ومن هذه المناطق صحراء فايد المترامية والتي بها مجموعة من الجبال تشبه إلى حد ما منطقة المضايق في سيناء!!وهذه الصحراء بها من الحشرات والزواحف ما لا نعرفه ولا رأيناه من قبل.
وكانت الوحدات المدافعة عن قناة السويس تسحب لمدة شهر وتذهب إلى هناك للتدريب ومنهم وحدتي.
كنت برتبة ملازم أول وأشغل عدة وظائف بالكتيبة ومنها ضابط رماية الكتيبة وهو المسئول عن مستوى إجادة الأفراد في الرماية لمختلف الأسلحة طبقًا لتسليح كل فرد.....
وظيفة مهمة ومرهقة ولكنها في نفس الوقت تبني علاقات جيدة مع الجنود والضباط.. المهم كنت في ميدان الرماية مع أفراد الكتيبة وجنودي تركتهم في المعسكر.. وفوجئت بعربة قائد كتيبتي الحبيب المقدم/ سمير الحملاوي وسائقه يستدعيني إليه في المعسكر وبمجرد دخولي عليه حتى ثار عليَّ ثورة عارمة وأخذ يرغي ويسب ويشتم وأنا لا أفهم شيئًا مما حدث لهذه الثورة... وأثناء ثورته استطعت تمييز كلمة عساكرك ضحكوا عليَّ....!!!
تركته حتى يهدأ وذهبت إلى جنودي وسألت الرقيب أول/ فتحي (بطل مقال الملبوس) والذي ضحك ضحكة واسعة وأخبرني أنهم شاهدوا قائد الكتيبة يجري ويجري وراءه تمساح....!!! تمساح يا فتحي في الجبل؟؟ هكذا سألته فرد: آه والله تمساح بس صغير طوله حوالي متر!!..رجعت لقائدي الحبيب وسألته: تمساح إيه يافندم اللي في الجبل...!! فقال لي أنه كان يقضي حاجته في الادب خانة وهي من قماش البل وبعدما انتهى فوجئ بتمساح يدخل عليه ولم يكن معه سلاح بالطبع فجرى وجرى وراءه التمساح...!! ثم كشر عن أنيابه لي قائلًا: هاتولي التمساح ده!!..فقلت له وهاجيبه منين يافندم فدمدم مرة ثانية: ماليش دعوة هاتوهولي لأحسن أديك جزاء شديد!!..يادي اليوم الأسود.... هجيب تمساح من الجبل...!! المهم أخذت عربة وجاء معي زميلي الملازم أول/ مصطفى رمضان وأخذنا كل واحد بندقية مورس (عيارها أقل من الآلي) واعتمدنا على الله وذهبنا إلى منطقة الجبال التي تحيط بمعسكر الكتيبة وظللنا نجوب فيها حتى الرابعة والنصف مساءً ولم نجد أي أثر لأية تماسيح...!! فقررنا العودة ويحصل اللي يحصل، وأثناء عودتنا لمحنا شيئًا يتحرك من بعيد فأسرعنا إليه فوجدنا ثلاث سحالٍ ضخمة جدًا فعلًا تشبه التمساح فأطلقنا على واحدة منها طلقتين مورس وهرب منا الباقي وأسرعنا إليها فوجدناها تصل إلى طول المتر وجلدها عليه حراشيف سميكة مثل جلد التمساح...ربطنا فمها والذي كان يخرج لسان مشقوق من الأمام ورفعناها إلى العربة بواسطة الونش المركب عليها ورجعنا إلى معسكر الكتيبة ونحن في قمة السعادة ومزهوين بالنصر الذي أحرزناه...!!! أنزلنا السحلية وثبتناها في وتد حديد مربوط بجنزير... وأبلغنا القائد والذي أسرع بالحضور وبمجرد رؤيته حتى قال:أيوه هو ده اللي دخل عليَّ.....!!! فضحكنا وضحك هو... الحمد لله لقد ضحك القائد............
ادار الحوار / احمد عادل
تم التسجيل على مرتين بتاريخ /24/4/2014 و 4/7/2012 تم التسجيل بمكتبه فى لاظوغلى .
تفريغ الحوار / بواسطه المجموعه 73 مؤرخين
تصحيح لغوى / احمد محمد امام
مراجعه تاريخيه / المجموعه 73 مؤرخين








